انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «إثبات المعاد»

أُضيف ٤٬٥١٧ بايت ،  ١٣ نوفمبر ٢٠٢٤
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = المعاد| عنوان المدخل  = إثبات المعاد| المداخل ذات الصلة =[[إثبات المعاد في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = المعاد| عنوان المدخل  = إثبات المعاد| المداخل ذات الصلة =[[إثبات المعاد في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
== تمهيد ==
= تمهيد =
هناك [[أدلة]] كثيرة استخدمها [[العلماء]] لإثبات إمكانية [[المعاد]] ووجوده من خلال التفكير والتأمّل واستخدام [[العقل]].
هناك [[أدلة]] كثيرة استخدمها [[العلماء]] لإثبات إمكانية [[المعاد]] ووجوده من خلال التفكير والتأمّل واستخدام [[العقل]].
==أدلة إثبات إمكانيّة المعاد==
=أدلة إثبات إمكانيّة المعاد=
سنذكر بعضاً من هذه [[الأدلة]] وشرحها بشكل واضح لفهم [[حقيقة]] المعاد.
سنذكر بعضاً من هذه [[الأدلة]] وشرحها بشكل واضح لفهم [[حقيقة]] المعاد.
===أوّلاً: لغويّة [[الخلق]] بدون المعاد===
==أوّلاً: لغويّة [[الخلق]] بدون المعاد==
لو لم يكن هناك [[معاد]]، لكان الخلق والإيجاد عبثاً وبدون [[هدف]]. ولكن عقيدتنا الصحيحة تقودنا للإيمان بأنّنا لم نُخلق عبثاً وأنّ [[الله تعالى]] لم يترك [[الإنسان]] سدى، ولم يخلق [[السماوات]] والأرض باطلاً، بل لابدّ أن يكون هناك حقيقة وهدف للخلق. كما قال تعالى: {{نص قرآني|أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}}<ref>  سورة المؤمنون، الآية  ١١٥.</ref>. فالقرآن يؤكّد على أنّ مجرد [[تصور]] الإنسان بعدم وجود [[قيامة]] ومعاد، يؤدّي للاعتقاد بأنّ كلّ ما في الوجود [[عبث]] وباطل. لذلك يجب [[الإيمان]] بأنّه لولا المعاد لكان الخلق باطلاً، وبما أنّ الخلق ليس باطلاً، فلابدّ من وجود المعاد في [[يوم القيامة]].
لو لم يكن هناك [[معاد]]، لكان الخلق والإيجاد عبثاً وبدون [[هدف]]. ولكن عقيدتنا الصحيحة تقودنا للإيمان بأنّنا لم نُخلق عبثاً وأنّ [[الله تعالى]] لم يترك [[الإنسان]] سدى، ولم يخلق [[السماوات]] والأرض باطلاً، بل لابدّ أن يكون هناك حقيقة وهدف للخلق. كما قال تعالى: {{نص قرآني|أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}}<ref>  سورة المؤمنون، الآية  ١١٥.</ref>. فالقرآن يؤكّد على أنّ مجرد [[تصور]] الإنسان بعدم وجود [[قيامة]] ومعاد، يؤدّي للاعتقاد بأنّ كلّ ما في الوجود [[عبث]] وباطل. لذلك يجب [[الإيمان]] بأنّه لولا المعاد لكان الخلق باطلاً، وبما أنّ الخلق ليس باطلاً، فلابدّ من وجود المعاد في [[يوم القيامة]].
وللوصول إلى هذه [[الحقيقة]] نحتاج إلى ثلاث مقدمات:
وللوصول إلى هذه [[الحقيقة]] نحتاج إلى ثلاث مقدمات:
سطر ١٧: سطر ١٧:


'''المقدمة الثالثة:''' [[خلق الله]] سبحانه وتعالى الإنسان لكي يصل إلى [[الكمال]] الأسمى عن طريق [[الابتلاء]] والعبادة. ولابدّ أن يمرّ [[الإنسان]] في حياته بسلسلة من الاختبارات والمحن والمصائب. فكلّما زادت [[المصائب]] التي يواجهها الإنسان، ارتفع مستوى كماله وتقدّمه.
'''المقدمة الثالثة:''' [[خلق الله]] سبحانه وتعالى الإنسان لكي يصل إلى [[الكمال]] الأسمى عن طريق [[الابتلاء]] والعبادة. ولابدّ أن يمرّ [[الإنسان]] في حياته بسلسلة من الاختبارات والمحن والمصائب. فكلّما زادت [[المصائب]] التي يواجهها الإنسان، ارتفع مستوى كماله وتقدّمه.
يصف [[الإمام علي بن أبي طالب]] {{ع}} هذه [[الدنيا]] وصفاً دقيقاً في إحدى خطبه فيقول: {{نص حديث|دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ وبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لا تَدُومُ أحوالُها وَلايَسلَمُ نِزَّالُهَا الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ والأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ وإِنَّمَا أهْلُهَا فِيهَا أغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرمِيهِم بِسِهامِها وَتُفنيهِم بِحِمامِها}}<ref>  نهج البلاغة، الخطبة: ٢٢٦.</ref>.///
يصف [[الإمام علي بن أبي طالب]] {{ع}} هذه [[الدنيا]] وصفاً دقيقاً في إحدى خطبه فيقول: {{نص حديث|دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ وبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لا تَدُومُ أحوالُها وَلايَسلَمُ نِزَّالُهَا الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ والأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ وإِنَّمَا أهْلُهَا فِيهَا أغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرمِيهِم بِسِهامِها وَتُفنيهِم بِحِمامِها}}<ref>  نهج البلاغة، الخطبة: ٢٢٦.</ref>.
وكما يقول أحدهم عن [[اللذة]]: {{نص حديث|اللَّذَّةَ فِي الدُّنْيَا كالقطرةِ مِنْ بَحْرٍ}}. أي أنّ المتع والملذّات في هذه الدنيا قليلة جدّاً مقارنة بالمعاناة والمشاكل.
وكما يقول أحدهم عن [[اللذة]]: {{نص حديث|اللَّذَّةَ فِي الدُّنْيَا كالقطرةِ مِنْ بَحْرٍ}}. أي أنّ المتع والملذّات في هذه الدنيا قليلة جدّاً مقارنة بالمعاناة والمشاكل.
إذاً فالمعاناة والمشاكل في هذه [[الحياة]] الدنيا، أو ما يسميه [[القرآن الكريم]] بـ «الكبد»، تشير إلى أن هناك [[حياة]] أخرى بعد [[الموت]] يحصل فيها الإنسان على نتيجة أعماله، ويجني ثمار ما عاناه في الدنيا من مشاكل ومصائب. فلا يعقل أن يخلق [[الله]] في الإنسان [[حب]] [[الكمال]] والسعادة، ثم يتركه يعاني في الدنيا دون أن يخلق له حياة أخرى ينال فيها جزاء صبره. فهذا [[عبث]] ولغو لا يليق بحكمة الله وعدله.
 
إذن فالمعاناة والمشاكل في هذه [[الحياة]] الدنيا، أو ما يسمّيه [[القرآن الكريم]] بـ «الكبد»<ref>{{نص قرآني|لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}}  سورة البلد، الآية  4.</ref>، تشير إلى أنّ هناك [[حياة]] أخرى بعد [[الموت]] يحصل فيها الإنسان على نتيجة أعماله، ويجني ثمار ما عاناه في الدنيا من مشاكل ومصائب. فلا يعقل أن يخلق [[الله]] في الإنسان حبّ [[الكمال]] والسعادة، ثمّ يتركه يعاني في الدنيا دون أن يخلق له حياة أخرى ينال فيها جزاء صبره. فهذا [[عبث]] ولغو لا يليق بحكمة الله وعدله.
وقد أشار [[الله تعالى]] إلى هذه [[الحقيقة]] في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها:
وقد أشار [[الله تعالى]] إلى هذه [[الحقيقة]] في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾
# قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}}<ref>سورة ص، الآية ۲۷.</ref>.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
# قال تعالى: {{نص قرآني|أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}}<ref>سورة الجاثية، الآية ٢١.</ref>.
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
# قال تعالى: {{نص قرآني|أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}}<ref>سورة المؤمنون، الآية ١١٥.</ref>.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
# قال تعالى: {{نص قرآني|أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ * يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَ لَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى}}<ref>سورة القيامة، الآية ٣٧ - ٤٠</ref>.
إذاً فالله سبحانه ينفي أن يكون [[خلق الإنسان]] عبثاً ولغوا، ويؤكد أن [[الحياة الآخرة]] هي [[الهدف]] الحقيقي وراء خلق الإنسان.
 
ثانياً: [[المعاد]] من لوازم [[العدل]]
إذن فالله سبحانه ينفي أن يكون [[خلق الإنسان]] عبثاً ولغواً، ويؤكّد أنّ [[الحياة الآخرة]] هي [[الهدف]] الحقيقي وراء خلق الإنسان<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٧٥ - ٢٧٧.</ref>.
إن كل ما في [[الكون]] قائم على العدل والقسط، سواء في [[الخلق]] والتكوين أو في التشريع والأحكام.
==ثانياً: [[المعاد]] من لوازم [[العدل]]==
ففيما يتعلق بالعدل في الخلق، يقول تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، فهناك [[نظام]] دقيق وعدل تام في [[خلق السماوات والأرض]] والشمس والقمر وكل شيء.
إنّ كلّ ما في [[الكون]] قائم على العدل والقسط، سواء في [[الخلق]] والتكوين أو في التشريع والأحكام.
وفيما يتعلق بالعدل في التشريع، يأمر [[الله]] [[الإنسان]] قائلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، ويقول [[الرسول]] {{صل}}: «بِالْعَدْلِ قامَتِ السَّماوَاتُ وَالأرضُ»، ويقول [[الله تعالى]]: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، فالشرائع الإلهية وُضعت لإقامة [[العدل]] والقسط بين [[الناس]].
ففيما يتعلّق بالعدل في الخلق، يقول تعالى: {{نص قرآني|الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}}<ref>سورة الرحمن، الآية ٥ - ٧.</ref>، فهناك [[نظام]] دقيق وعدل تامّ في [[خلق السماوات والأرض]] والشمس والقمر وكلّ شيء.
لكن الإنسان بما أنه مُختار، فقد يحسن [[الاختيار]] فيعدل ويقسط وقد يسيء الاختيار فيظلم ويجور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾.
 
فقد يظلم شخص ويعتدي على الآخرين ثم يعيش منعماً مرفهاً في [[الدنيا]]، وفي المقابل قد يعدل آخر ولا يظلم أحداً لكن يحيا شقياً بائساً. فلو كان [[الموت]] نهاية كل شيء، فأين العدل في ذلك؟
وفيما يتعلّق بالعدل في التشريع، يأمر [[الله]] [[الإنسان]] قائلاً: {{نص قرآني|وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ۹.</ref>، ويقول [[الرسول]] {{صل}}: {{نص حديث|بِالْعَدْلِ قامَتِ السَّماوَاتُ وَالأرضُ}}<ref>محمد بن زين الدين، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي ٤: ١٠٣.‏‏</ref>، ويقول [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}}<ref>سورة الحديد، الآية ٢٥.</ref>، فالشرائع الإلهية وُضعت لإقامة [[العدل]] والقسط بين [[الناس]].
[[العقل]] والشرع يقولان أن العدل [[حقيقة]] ثابتة، وهو يستلزم وجود [[حياة]] أخرى بعد الموت تتحقق فيها [[العدالة]] وينال كل شخص جزاء ما عمل، وهذا ما نسميه بالمعاد.
 
[[الآيات القرآنية]] التي تربط السعي بالجزاء
لكن الإنسان بما أنّه مُختار، فقد يحسن [[الاختيار]] فيعدل ويقسط وقد يسيء الاختيار فيظلم ويجور، كما قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}}<ref>سورة الإنسان، الآية ٣.</ref>، وقال: {{نص قرآني|وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}}<ref>سورة البلد، الآية ۱۰.</ref>.
إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه [[الكريم]] آيات كثيرة تبين أن الإنسان سيحاسب على أعماله [[يوم القيامة]]. وهذه [[الآيات]] تؤكد على أن الإنسان يجب أن يستعد لذلك اليوم [[العظيم]] بأعماله الصالحة في الدنيا. ومن هذه الآيات:
فقد يظلم شخص ويعتدي على الآخرين ثمّ يعيش منعمّاً مرفّهاً في [[الدنيا]]، وفي المقابل قد يعدل آخر ولا يظلم أحداً لكن يحيا شقيّاً بائساً. فلو كان [[الموت]] نهاية كلّ شيء، فأين العدل في ذلك؟
قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [١٨]. يعني أن الفرق بين المؤمنين والكافرين سيظهر في [[الآخرة]] بناء على أعمالهم في الدنيا.
 
وقال أيضاً: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [١٩]. أي أن يوم القيامة سيأتي حتماً ولا شك فيه، لكن معظم الناس لا يؤمنون بذلك.
[[العقل]] والشرع يقولان إنّ العدل [[حقيقة]] ثابتة، وهو يستلزم وجود [[حياة]] أخرى بعد الموت تتحقّق فيها [[العدالة]] وينال كلّ شخص جزاء ما عمل، وهذا ما نسمّيه بالمعاد.
وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [٢٠]. بمعنى أن كل [[إنسان]] سيجازى على أعماله يوم القيامة بالعدل، فالله سريع في حسابه.
 
وقال عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [٢١]. أي أن الله [[مالك]] كل شيء، وسيجازي المسيئين على إساءتهم والمحسنين على إحسانهم.
===[[الآيات القرآنية]] التي تربط السعي بالجزاء===
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[٢٢]. يعني أن [[الله]] لا يظلم [[الناس]] أبداً، بل هم الذين يظلمون أنفسهم بأعمالهم السيئة.
إنّ الله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه [[الكريم]] آيات كثيرة تبيّن أنّ الإنسان سيحاسب على أعماله [[يوم القيامة]]. وهذه [[الآيات]] تؤكّد على أنّ الإنسان يجب أن يستعدّ لذلك اليوم [[العظيم]] بأعماله الصالحة في الدنيا. ومن هذه الآيات:
وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [٢٣]. أي أن من يعمل الصالحات فهو ينفع نفسه، ومن يفعل السيئات فهو يضر نفسه، والله ليس بظلام للعباد. إذاً لو لم يكن هناك يوم للحساب، لما كان للعدل [[الإلهي]] معنى ولا تطبيق.[٢٤]
# قال تعالى: {{نص قرآني|أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}}<ref>سورة ص، الآية ۲۸.</ref>. يعني أنّ الفرق بين المؤمنين والكافرين سيظهر في [[الآخرة]] بناءاً على أعمالهم في الدنيا.
ثالثاً: [[الحركة]] التكاملية
#وقال أيضاً: {{نص قرآني|إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}}<ref>سورة غافر، الآية ۵٩.</ref>. أي أنّ يوم القيامة سيأتي حتماً ولا شكّ فيه، لكن معظم الناس لا يؤمنون بذلك.
كل شيء في هذا [[الكون]] يتحرك نحو [[الكمال]]. وكل حركة لها بداية ونهاية. فالكون بأكمله، من أصغر ذرة فيه إلى أكبر مجرة، لم يُخلق عبثاً بل هناك [[حكمة]] وراء خلقه. وهناك حركة مستمرة ومنظمة في كل شيء نحو كماله المناسب له.
# وقال سبحانه: {{نص قرآني|الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}}<ref>سورة غافر، الآية ۱۷.</ref>. بمعنى أن كل [[إنسان]] سيجازى على أعماله يوم القيامة بالعدل، فالله سريع في حسابه.
فنرى أن الذرات والمجرات والكواكب والنجوم والكائنات الحية والجمادات والنباتات، كلها تتحرك باستمرار نحو كمالها [[الخاص]] بها. وهذه الحركة الدائمة لا بد أن تصل في يوم ما إلى نهايتها وغايتها.
# وقال عز وجل: {{نص قرآني|وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}}<ref>سورة النجم، الآية ٣١.</ref>. أي أنّ الله [[مالك]] كلّ شيء، وسيجازي المسيئين على إساءتهم والمحسنين على إحسانهم.
وهذه الحركة التكاملية ليست اختيارية، بل هي حركة اضطرارية محكومة بقانون إلهي دقيق هو [[قانون]] السببية. وتدل [[الأدلة]] على أن [[مشيئة الله]] نافذة في هذا [[النظام]] المحكم للكون. لكن عندما تصل هذه الحركة إلى كمالها [[المطلق]]، فإنها تنتهي وتزول. قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[٢٥]. إذاً فكل المخلوقات ستفنى لأنها تتحرك نحو مقصدها الأسمى وهو [[الله تعالى]].
# وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref>سورة يونس، الآية ٤٤.</ref>. يعني أنّ [[الله]] لا يظلم [[الناس]] أبداً، بل هم الذين يظلمون أنفسهم بأعمالهم السيّئة.
يقول الفيض الكاشاني في كتابه «علم [[اليقين]]»: إن [[الإنسان]] يتحرك بفطرته من بداية خلقه إلى نهاية معاده ولقاء ربه. وقد أشار الله لذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ [٢٦]. والكدح هو الجهد والسعي المتواصل لتحقيق [[الهدف]].
# وقال سبحانه: {{نص قرآني|مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ}}<ref>سورة فصّلت، الآية ٤٦.</ref>. أي أنّ من يعمل الصالحات فهو ينفع نفسه، ومن يفعل السيّئات فهو يضرّ نفسه، والله ليس بظلّام للعباد.
ويقول أيضاً: إن [[الموت]] والبعث مرحلتان في مسيرة الإنسان التكاملية، فيجب أن يمر بهما، فالحركة ضرورية والموت حتمي لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ [٢٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [٢٨]. ثم يكون المصير بعد ذلك إلى الله كما قال:  
إذن لو لم يكن هناك يوم للحساب، لما كان للعدل [[الإلهي]] معنى ولا تطبيق<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٧٩ و ٢٨٠.</ref>.
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [٢٩]
==ثالثاً: [[الحركة]] التكاملية==
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [٣٠]
كلّ شيء في هذا [[الكون]] يتحرّك نحو [[الكمال]]. وكلّ حركة لها بداية ونهاية. فالكون بأكمله، من أصغر ذرّة فيه إلى أكبر مجرة، لم يُخلق عبثاً بل هناك [[حكمة]] وراء خلقه. وهناك حركة مستمرّة ومنظمّة في كلّ شيء نحو كماله المناسب له.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [٣١]
فنرى أنّ الذرّات والمجرات والكواكب والنجوم والكائنات الحيّة والجمادات والنباتات، كلّها تتحرّك باستمرار نحو كمالها الخاصّ بها. وهذه الحركة الدائمة لابدّ أن تصل في يوم مّا إلى نهايتها وغايتها.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [٣٢]
وهذه الحركة التكاملية ليست اختيارية، بل هي حركة اضطرارية محكومة بقانون إلهي دقيق هو [[قانون]] السببية. وتدلّ [[الأدلة]] على أنّ [[مشيئة الله]] نافذة في هذا [[النظام]] المحكم للكون. لكن عندما تصل هذه الحركة إلى كمالها [[المطلق]]، فإنّها تنتهي وتزول. قال تعالى: {{نص قرآني|كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}}<ref>سورة الرحمن، الآية ٢٦.</ref>. إذن فكلّ المخلوقات ستفنى؛ لأنّها تتحرّك نحو مقصدها الأسمى وهو [[الله تعالى]].
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [٣٣]
يقول الفيض الكاشاني في كتابه «علم [[اليقين]]»: إنّ [[الإنسان]] يتحرّك بفطرته من بداية خلقه إلى نهاية معاده ولقاء ربّه. وقد أشار الله لذلك بقوله: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ}}<ref>سورة الانشقاق، الآية ۶.</ref>. والكدح هو الجهد والسعي المتواصل لتحقيق [[الهدف]].
وغيرها من [[الآيات]]. فالحركة التكاملية تستمر حتى تصل إلى [[الكمال]] [[المطلق]] وتستقر عنده. ونحن في [[الدنيا]] نرى هذه [[الحركة]] لكننا لا نشاهد نهايتها أو اللقاء مع [[الله]].
ويقول أيضاً: إنّ [[الموت]] والبعث مرحلتان في مسيرة الإنسان التكاملية، فيجب أن يمرّ بهما، فالحركة ضرورية والموت حتمي لقوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ}}<ref>سورة الانشقاق، الآية ۶.</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني|ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}}<ref>سورة المؤمنون، الآية ١٦.</ref>. ثمّ يكون المصير بعد ذلك إلى الله كما قال:  
إذاً يمكن القول بأن [[الإنسان]] يتحرك بشكل تلقائي سواء أراد أم لم يرد، لكنه يختار نوع حركته، إما نحو [[الخير]] والفضيلة فيصل إلى أعلى الدرجات، أو نحو [[الشر]] والرذيلة فينتهي إلى أسفل الدركات. لكن أصل الحركة فهو أمر [[ضروري]] لا خيار له فيه. والتوق نحو الكمال [[فطري]] في الإنسان وليس اختيارياً.
# {{نص قرآني|هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}}<ref>سورة يونس، الآية ٥٦.</ref>.   
وقد ضرب [[القرآن]] أمثلة لهذه الحركة التكاملية للإنسان، فبيّن أنه خُلق من تراب ثم من [[نطفة]] ثم علقة ثم مضغة ثم طفلاً فبالغاً فشيخاً. وكل هذه المراحل مرتبطة بالمعاد.
# {{نص قرآني|وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}}<ref>سورة النجم، الآية ٤٢.</ref>.
يقول الفيض الكاشاني في كتابه[٣٤]: إن [[الشوق]] [[الفطري]] والطلب الغريزي الذي أثبتناه للمخلوقات لو لم يكن له فائدة وغاية لكان عبثاً وباطلاً، ولا تعطيل ولا [[عبث]] في [[فعل الله]] سبحانه.[٣٥]
# {{نص قرآني|إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}}<ref>سورة البقرة، الآية ١٥٦.</ref>.
مراحل التكامل وربطها بالمعاد في القرآن
# {{نص قرآني|إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}}<ref>سورة مريم، الآية ٤٠.</ref>.
يا أيها [[الناس]]، إذا كنتم في شك من البعث بعد [[الموت]]، فتأملوا في خلقكم. لقد خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة. وهذا كله لنبين لكم قدرتنا على [[الخلق]]. ونترك الجنين في الرحم ما نشاء إلى أجل محدد، ثم نخرجكم أطفالاً، ثم تكبرون حتى تبلغوا أشدكم. ومنكم من يموت قبل ذلك، ومنكم من يعيش إلى الشيخوخة حتى لا يعلم شيئاً بعد أن كان عالماً. وانظروا إلى [[الأرض]] الجافة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. ذلك لأن الله هو [[الحق]]، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء [[قدير]]، وأن الساعة آتية لا شك فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
# {{نص قرآني|ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}}<ref>سورة الفجر، الآية ۲۸.</ref>.
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في مكان آمن وهو الرحم. ثم خلقنا [[النطفة]] علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم [[يوم القيامة]] تبعثون.
وغيرها من [[الآيات]]. فالحركة التكاملية تستمرّ حتّى تصل إلى [[الكمال]] [[المطلق]] وتستقرّ عنده. ونحن في [[الدنيا]] نرى هذه [[الحركة]]، لكنّنا لا نشاهد نهايتها أو اللقاء مع [[الله]].
أيظن [[الإنسان]] أن يترك هملاً بلا [[هدف]]؟ ألم يكن [[نطفة]] من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين [[الذكر]] والأنثى؟ أليس ذلك [[القادر]] على [[الخلق]] قادراً على أن يحيي الموتى؟ هذه [[الآيات]] توضح بأن وراء هذا [[الكون]] [[العظيم]] [[خالق]] [[حكيم]] يدير هذه [[الحركة]] التكاملية نحو كمالها.
 
فالله الذي خلق هذا الكون العظيم سيحول هذه الحركة في النهاية إلى سكون. والبشرية التي تتحرك باستمرار لا تتوقف في منتصف الطريق، بل تستمر لتصل إلى كمالها المنشود. ولو لم تصل إلى هذا [[الكمال]] لكان ذلك مخالفاً للحكمة الإلهية. لذلك يصف [[القرآن]] يوم القيامة بأنه اليوم الذي يتميز فيه [[الخير]] من [[الشر]]، واليوم الذي يصل فيه كل شيء إلى كماله. فهو [[يوم الدين]] ويوم الفصل ويوم [[الخلود]]. فمن لم يبذل الجهد المطلوب يكون خاسراً، ويسمى «[[يوم التغابن]]» و«[[يوم الحسرة]]». لأن من عمل الصالحات يتمنى لو عمل أكثر، ومن قصر يتمنى لو كان قد عمل وجاهد لتحقيق الكمال.
إذن يمكن القول بأنّ [[الإنسان]] يتحرّك بشكل تلقائي سواء أراد أم لم يرد، لكنّه يختار نوع حركته، إمّا نحو [[الخير]] والفضيلة فيصل إلى أعلى الدرجات، أو نحو [[الشر]] والرذيلة فينتهي إلى أسفل الدركات. لكنّ أصل الحركة فهو أمر [[ضروري]] لا خيار له فيه. والتوق أي الاشتياق نحو الكمال [[فطري]] في الإنسان وليس اختياريّاً.
نستنتج من ذلك أن الحركة التكاملية لا تتحقق ولا تصل إلى نتيجتها إلا بوجود [[المعاد]] والحياة الأخرى.
وقد ضرب [[القرآن]] أمثلة لهذه الحركة التكاملية للإنسان، فبيّن أنّه خُلق من تراب ثمّ من [[نطفة]] ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ طفلاً فبالغاً فشيخاً. وكلّ هذه المراحل مرتبطة بالمعاد.
رابعاً: [[التكليف]] والمعاد
يقول الفيض الكاشاني<ref>انظر: عين اليقين: ۴٢٢.</ref>: إنّ [[الشوق]] [[الفطري]] والطلب الغريزي الذي أثبتناه للمخلوقات لو لم يكن له فائدة وغاية لكان عبثاً وباطلاً، ولا تعطيل ولا [[عبث]] في [[فعل الله]] سبحانه<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٨٠ - ٢٨٢.</ref>.
إن [[الله تعالى]] أرسل [[الأنبياء]] لهداية [[الناس]] إلى الطريق الصحيح وتحذيرهم مما يضرهم، وذلك من خلال التشريعات [[الدينية]]. فلو كان الإنسان مكلفاً بأعمال شاقة ويجتهد في القيام بها رغم المصاعب والمشقة، ثم مع ذلك يعيش في [[عالم]] محدود ومليء بالحرمان والتعب، فما الفائدة من هذه التكاليف إن لم تكن هناك [[حياة]] أخرى يجزى فيها على أعماله؟
===مراحل التكامل وربطها بالمعاد في القرآن===
فلو لم يكن هناك يوم آخر للحساب والجزاء، ولم تكن هناك حياة أخرى يلقى فيها الإنسان [[ثواب]] طاعته أو [[عقاب]] معصيته، لما كان لبعثة الأنبياء وللتحذيرات والبشارات الواردة في الشرائع أي فائدة. ولأصبحت الطاعات والمعاصي أموراً تافهة لا قيمة لها. فهل يمكن للحكيم [[المطلق]] أن يفعل شيئاً بلا [[حكمة]]؟ لهذا يقول [[المحقق الطوسي]]: «[[وجوب]] إيفاء [[الوعد]] والحكمة يقتضي وجوب البعث». ويؤكد [[العلامة الحلي]] على دليلين لإثبات [[ضرورة]] المعاد:
يمكننا أن نبيّن بعض تلك الآيات التي تظهر تلك المراحل للتكامل الإنساني ودورها في بيان [[المعاد]] للخلائق [[يوم القيامة]]:
١. إن [[الله]] [[وعد]] الناس بالثواب على أعمالهم الصالحة وحذرهم من [[العقاب]] على السيئات. ولو لم يكن هناك [[معاد]] لكان ذلك تخلفاً للوعد وهو محال على [[الله]].
# قال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}}<ref>سورة الحج، الآية ٥ - ٧.</ref>.
٢. إن الله كلف العباد بتكاليف شاقة، فلابد أن يجازيهم عليها، وإلا لم يكن حكيماً.
# وقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}}<ref>سورة المؤمنون، الآية ١٢ - ١٦.</ref>.
# وقال أیضاً: {{نص قرآني|أَ يَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَ لَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى}}<ref>سورة القيامة، الآية ٣٦ - ٤٠.</ref>.
هذه [[الآيات]] توضّح بأنّ وراء هذا [[الكون]] [[العظيم]] [[خالق]] [[حكيم]] يدير هذه [[الحركة]] التكاملية نحو كمالها.
فالله الذي خلق هذا الكون العظيم سيحوّل هذه الحركة في النهاية إلى سكون. والبشرية التي تتحرّك باستمرار لا تتوقّف في منتصف الطريق، بل تستمرّ لتصل إلى كمالها المنشود. ولو لم تصل إلى هذا [[الكمال]] لكان ذلك مخالفاً للحكمة الإلهية. لذلك يصف [[القرآن]] يوم القيامة بأنّه اليوم الذي يتميّز فيه [[الخير]] من [[الشر]]، واليوم الذي يصل فيه كلّ شيء إلى كماله. فهو [[يوم الدين]] ويوم الفصل ويوم [[الخلود]]. فمن لم يبذل الجهد المطلوب يكون خاسراً، ويسمّى «[[يوم التغابن]]» و«[[يوم الحسرة]]»؛ لأنّ من عمل الصالحات يتمنّى لو عمل أكثر، ومن قصر يتمنّى لو كان قد عمل وجاهد لتحقيق الكمال.
 
نستنتج من ذلك أنّ الحركة التكاملية لا تتحقّق ولا تصل إلى نتيجتها إلّا بوجود [[المعاد]] والحياة الأخرى<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٨٢ و ٢٨٣.</ref>.


==رابعاً: [[التكليف]] والمعاد==
إنّ [[الله تعالى]] أرسل [[الأنبياء]] لهداية [[الناس]] إلى الطريق الصحيح وتحذيرهم ممّا يضرّهم، وذلك من خلال التشريعات [[الدينية]]. فلو كان الإنسان مكلّفاً بأعمال شاقّة ويجتهد في القيام بها رغم المصاعب والمشقّة، ثمّ مع ذلك يعيش في [[عالم]] محدود ومليء بالحرمان والتعب، فما الفائدة من هذه التكاليف إن لم تكن هناك [[حياة]] أخرى يجزى فيها على أعماله؟
فلو لم يكن هناك يوم آخر للحساب والجزاء، ولم تكن هناك حياة أخرى يلقى فيها الإنسان [[ثواب]] طاعته أو [[عقاب]] معصيته، لما كان لبعثة الأنبياء وللتحذيرات والبشارات الواردة في الشرائع أيّ فائدة. ولأصبحت الطاعات والمعاصي أموراً تافهة لا قيمة لها. فهل يمكن للحكيم [[المطلق]] أن يفعل شيئاً بلا [[حكمة]]؟ لهذا يقول [[المحقق الطوسي]]: «[[وجوب]] إيفاء [[الوعد]] والحكمة يقتضي وجوب البعث». ويؤكّد [[العلامة الحلي]] على دليلين لإثبات [[ضرورة]] المعاد:
# إنّ [[الله]] [[وعد]] الناس بالثواب على أعمالهم الصالحة وحذّرهم من [[العقاب]] على السيّئات. ولو لم يكن هناك [[معاد]] لكان ذلك تخلّفاً للوعد وهو محال على [[الله]].
# إنّ الله كلّف العباد بتكاليف شاقّة، فلابدّ أن يجازيهم عليها، وإلّا لم يكن حكيماً<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٨٣ و ٢٨٤.</ref>.


== المراجع والمصادر==
== المراجع والمصادر==
٤٤٧

تعديل