انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «إثبات التوحيد»

لا يوجد ملخص تحرير
ط (استبدال النص - '== المراجع ==' ب'== المراجع والمصادر==')
لا ملخص تعديل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = التوحيد | عنوان المدخل  =  إثبات التوحيد| المداخل ذات الصلة =  [[إثبات التوحيد في القرآن]] - [[إثبات التوحيد في القرآن في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = التوحيد | عنوان المدخل  =  إثبات التوحيد| المداخل ذات الصلة =  [[إثبات التوحيد في القرآن]] - [[إثبات التوحيد في القرآن في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
==تمهيد==
=تمهيد=
إنَّ النزاع بين المشركين والموحدين ليس في [[وحدة]] [[الإله]] وكثرته، بمعنى الواجب الوجود الموجود لذاته، فهذا مما لا نزاع في أنه واحد لا شريك له. وإنما النزاع في الإله بمعنى [[الرب]] المعبود.
يجب أن نفهم أنّ الخلاف بين المشركين والموّحدين ليس حول عدد الآلهة، أي ليس حول وجود [[إله]] وأحد أو أكثر. فالجميع يتّفق على أنّ [[الإله]] الذي يجب وجوده ولا يحتاج إلى شيء آخر لوجوده هو واحد لا شريك له. لكنّ الخلاف هو حول من نعبده ونتّخذه ربّاً لنا.
 
وبعبارة أخرى: هذا البحث لا يهدف إلى [[إثبات]] [[وحدانية]] [[الذات الإلهية]] التي يجب وجودها، فلا أحد يقول بوجود إلهين لا نهاية لهما ويجب وجودهما. والقرآن [[الكريم]] لا يحاول إثبات هذه [[الوحدانية]] أيضاً. بل [[الهدف]] هو إثبات أنّ [[الرب]] [[الخالق]] المدبّر واحد لا شريك له، وهذا ما يخالفه [[المشركون]]. وبعد أن عرفنا هذا، سننتقل الآن إلى [[الأدلة]] المذكورة في كتب [[العقائد]] والفلسفة [[الإسلامية]] لإثبات [[وحدانية الله]] تعالى.
وبعبارة أخرى: ليس [[الهدف]] من هذا البحث وحدانية الذات الواجبة الوجود، إذ لم يذهب أحد إلى وجود ذاتين غير متناهيتين واجبتي الوجود، كما أنَّ [[القرآن الكريم]] ليس بصدد [[إثبات]] هذه الوحدانية، بل المقصود هو إثبات وحدانية الرب [[الخالق]] المدبر... وهو الذي يخالفه [[المشركون]]. إذا عرفنا ذلك انتقلنا إلى البراهين المذكورة في كتب العقائد والفلسفة الإسلامية لإثبات [[وحدانية الله]] تعالى.
=البراهين على وحدانية الله=
 
==البرهان الأوّل: [[وحدة]] [[العالم]] تدلّ على وحدة خالقه==
==البراهين على وحدانية الله==
هذا الدليل يتكوّن من أربع نقاط:
 
# العالم كلّه متّحد ومترابط بشكل حقيقي وطبيعي.
===[[البرهان]] الأول: وحدة [[العالم]] [[دليل]] على وحدة صانعه===
# لا يوجد [[عالم]] آخر غير عالمنا هذا.
وهذا البرهان يتألف من أربع مقدمات:
# الشيء الوأحد لا يمكن أن يصدر إلّا من مصدر وأحد.
#العالم يتصف بوحدة واقعية وطبيعية.
# الإله الذي يجب وجوده يجب وجوده من كلّ النواحي والاعتبارات.
#لا يوجد [[عالم]] آخر غير عالمنا.
ولابدّ من توضيح لهذه المقدمات.
#المعلول [[الواحد]] لا يصدر إلا من علة واحدة.
أما النقطة الأولى، فيمكننا أن نصل إليها بعد أن نستعرض ثلاث نظريات حول ارتباط أجزاء العالم ببعضها:
#واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات والحيثيات.
'''النظرية الأولى:''' لا يوجد أيّ ارتباط بين أجزاء [[الكون]]. فالعالم مجرّد مجموعة من الأجزاء والذرّات المنفصلة التي لا يربطها شيء، مثل مخزن وضعت فيه مواد مختلفة. وبمعنى آخر، إذا كان هناك ارتباط في هذا العالم فهو فقط بين مجموعة من الأحداث المتتابعة التي يكون بعضها سبباً للآخر. لكن أجزاء العالم التي نراها على شكل أجسام خاصّة لا ترتبط ببعضها. وبناءاً على ذلك، إذا افترضنا اختفاء بعض الأجزاء تماماً، أو حدث [[تغيير]] في مكانها بسبب عامل خارجي، فلن يؤدّي ذلك إلى أيّ تغيير في العالم.
 
'''النظرة الثانية:''' الأجسام مرتبطة ببعضها لكن بشكل صناعي مثل أجزاء معمل أو آلة. أجزاء المعمل أو الآلة تعمل بانسجام وفق [[نظام]] معيّن، ولكلّ جزء منها وظيفة خاصّة ضرورية في الإنتاج. وأيّ [[تغيير]] أو زيادة أو نقصان في الأجزاء يؤثّر على الوضع العامّ وقد يؤدّي إلى اختلال.
ولابد من توضيح لهذه المقدمات.
وبناءاً على هذا، فإنّ اختفاء بعض أجزاء [[العالم]] - افتراضاً - أو أيّ تغيير صناعي في وضعها سيؤثّر على العالم ككلّ، وربّما أدّى إلى الاختلال.
 
فمن المعروف مثلاً أنّ موقع أيّ كوكب في المجموعة الشمسية يؤثّر على [[النظام]] كلّه. فلو انفجرت [[الشمس]] التي هي مركز المجموعة وتناثرت، فإنّ المجموعة كلّها ستختفي. وربّما كان لانفجارها وتناثرها تأثير على انفجار المجرة التي هي جزء منها وعلى المجرات الأخرى أيضاً. وقوّة [[الجاذبية]] العامّة لها تأثير كبير في ربط أجزاء العالم ببعضها.
أما المقدمة الأولى فيمكن الوصول إليها بعد استعراض النظريات الثلاث في ارتباط أجزاء العالم.
'''النظرية الثالثة:''' إنّ الارتباط بين أجزاء العالم أعمق من ارتباط أجزاء الآلة والمعمل. إنّه مثل الارتباط بين أعضاء [[الجسم]] الواحد. أي أنّ [[حياة]] واحدة وشخصية واحدة تسود العالم كلّه. فالعالم بأكمله يعتبر [[وحدة]] شخصية، مثل [[الإنسان]] الواحد الذي يملك شخصية واحدة وروحاً واحدة، رغم أنّه يتكوّن من آلاف الملايين من الخلايا والأجزاء التي تشكّل كلّ خلية منه.
 
ويميل كبار [[الفلاسفة]] إلى [[تأييد]] النظرية الأخيرة في تفسير الارتباط بين أجزاء العالم، ولديهم [[أدلة]] قويّة على ذلك.
'''النظرية الأولى:''' لايوجد أي ارتباط بين أجزاء [[الكون]]. فالعالم عبارة عن مجموعة من الأجزاء والذرات المتناثرة التي لا يربط بينها شيء، كالمخزن الذي وضعت فيه المواد المختلفة، وبعبارة أخرى إذا وجد ارتباط في هذا العالم فهو بين مجموعة من الوقائع المتعاقبة والتي يكون بعضها علة للأخرى، ولكن أجزاء العالم التي تشاهد بصورة الأجسام الخاصة لا ترابط بينها، وعلى ذلك فإذا [[فرض]] انعدام بعض الأجزاء تماماً، أو حصل [[تغيير]] في وضعها وموقعها نتيجة لتأثير عامل خارجي فلا يحدث ذلك تغييراً في العالم.
أمّا النقطة الثانية، فنقول في توضيحها: إذا اعتبرنا أنّ هذا العالم لا نهاية له في الأبعاد - وكما يقول باسكال: «العالم كرة مركزها في كلّ مكان ولا يوجد محيط لها في أيّ مكان - فلا يمكن [[تصور]] وجود [[عالم]] آخر غير عالمنا. أمّا إذا اعتبرنا العالم محدوداً ومتناهياً كما يقول الفلاسفة القدامى وكما يؤيّده بعض علماء الفلك في عصرنا، فمن الممكن [[تخيل]] وجود عالم آخر. لكنّهم يقدّمون أدلّة قاطعة على [[استحالة]] وجود عالمين [[ماديين]] منفصلين عن بعضهما.
 
وأمّا النقطة الثالثة، فهي من [[البديهيات]] [[الفلسفية]] [[المسلم]] بها.
'''النظرة الثانية:''' الأجسام مترابطة فيما بينها ولكن من نوع الارتباط الصناعي بين أجزاء معمل أو آلة، إنَّ أجزاء المعمل أو الآلة منسجمة حسب [[نظام]] خاص ولكل منها [[عمل]] خاص [[ضروري]] في الإنتاج، وكل تغيير أو زيادة أو نقيصة في الأجزاء يؤثر في الوضع العام وقد يؤدي إلى الاختلال.
وأمّا النقطة الرابعة، فلأنّه لو لم يكن [[الله]] [[واجب الوجود]] من كلّ الاعتبارات، لتحوّل من كونه واجب الوجود إلى كونه [[ممكن الوجود]]. فكلّ الاعتبارات في الممكن هي مجرّد ارتباط وانتساب وإضافة إلى الواجب.
 
ولهذا كان الله واجب الوجود من جميع الاعتبارات والنواحي.
وبناءً على هذا فإنَّ انعدام بعض أجزاء العالم - فرضاً - أو أي تغيير صناعي في وضعيتها يؤثر في العالم ككل، وربما أدى إلى الاختلال.
==[[البرهان]] الثاني: [[برهان]] [[التمانع]]==
 
لقد ذكر [[الله تعالى]] هذا البرهان في [[القرآن الكريم]] بقوله: {{ نص قرآني |لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}}<ref> سورة الأنبياء، الآية  ٢٢.</ref>.
فإنه من المقطوع به أنَّ وضعية أي كوكب في المنظومة الشمسية مؤثر في المنظمة كلها، فلو انفجرت الشمس التي هي مركز المجموعة الشمسية وتناثرت، فإنَّ المجموعة ستندثر بِرُمَّتها وربّما كان لانفجار هذه المجموعة وتناثرها أثر في انفجار المجرة التي تعتبر جزء منها وفي غيرها من المجرات أيضاً، وإنَّ [[قوة]] الجاذبية العامة لها التأثير العظيم في ربط أجزاء [[العالم]] فيما بينها.
'''توضيح هذا [[البرهان]]:'''
 
لو كان هناك أكثر من [[خالق]] واحد، لحدث تعارض وتصادم بين إرادات هؤلاء الخالقين. فإمّا أن تتغلّب [[إرادة]] أحدهم على الآخرين، أو تتساوى [[الإرادات]] فلا يتغلّب أحدها على الآخر.
'''النظرية الثالثة:''' إنَّ الارتباط بين أجزاء العالم أدق وأعمق من ارتباط أجزاء الآلة والمعمل... إنه من نوع الارتباط الكائن بين أعضاء الجسد [[الواحد]]، أي إن حياةً واحدةً وشخصية واحدة تسود العالم، فالعالم بأسره يعتبر [[وحدة]] شخصية، كما إنَّ [[الإنسان]] الواحد مع ما عليه من آلاف الملايين من الخلايا، والاجزاء التي تساهم في بناء كل خلية منها، يملك شخصية واحدة وروحاً واحدة لا عدة شخصيات وأرواح.
لكنّ الاحتمال الأوّل مستحيل؛ لأنّ كون أحدهم مغلوباً ينافي كماله وكونه [[واجب الوجود]]. والاحتمال الثاني يؤدّي إلى [[فساد]] [[العالم]]؛ لأنّه لن تؤثّر إرادة أيّ منهم، وبانتفاء تأثير الإرادات تنقطع علاقة العالم بالخالق.
 
لكنّ هذه الطريقة في [[الاستدلال]] ليست صحيحة؛ لأنّه لا يوجد ما يلزم بافتراض [[التعارض]] والتصادم بين إرادات الخالقين. بل يجب افتراض التوافق والانسجام بين إراداتهم ورغباتهم؛ لأنّهم جميعاً واجبو الوجود وعالمون وحكماء ويعملون وفق [[المصلحة]] والحكمة. وبما أنّ المصلحة واحدة، فلابدّ أن تتوافق إراداتهم مهما كان عددهم.
يميل المحققون من الفلاسفة إلى [[تأييد]] النظرية الأخيرة في تفسير الارتباط بين أجزاء العالم، ولهم على ذلك [[أدلة]] متقنة.
إنّ تعارض المصالح وتصادم الإرادات ينشأ إمّا من الأنانية وتفضيل المصلحة الشخصية، أو من [[الجهل]] وضعف [[الإدراك]]. ولا يمكن [[تصور]] شيء من ذلك في واجب الوجود.
 
إذن لا يستند [[برهان]] [[التمانع]] على تصادم الرغبات والإرادات، بل على [[استحالة]] وجود شيء ممكن في ظلّ تعدّد الإرادات. أي أنّه لو كان هناك أكثر من واجب وجود، فسيحصل التمانع حتّى لو افترضنا توافق الإرادات.
أما المقدمة الثانية فنقول في توضيحها: إذا اعتبرنا هذا العالم ذا أبعاد لامتناهية (وكما يقول باسكال: العالم كرة يوجد مركزها في كل مكان وليس محيطها في مكان) فلا يتصور وجود [[عالم]] آخر غير عالمنا. أما إذا اعتبرنا العالم محدوداً ومتناهياً كما يقول [[القدماء]] من الفلاسفة ويؤيدها بعض الفلكيين في عصرنا فإنَّ من المكن [[تصور]] وجود عالم آخر، لكنهم يقيمون [[الأدلة]] القاطعة على [[استحالة]] وجود عالَمَين جسمانيين منفصلين عن بعضهما.
===مقدمات برهان التمانع===
 
ويستند هذا البرهان على ثلاث مقدمات:
وأما المقدمة الثالثة فهي من المسلمات الفلسفية.
# واجب الوجود واجب من جميع الجهات. فلا يوجد فيه أيّ جانب إمكاني أو [[قوة]] محضة. فإذا كان عالماً فهو [[عالم]] بالوجوب لا بالإمكان، وإذا كان قادراً فهو [[قادر]] بالوجوب لا بالإمكان... وهكذا. وبما أنّه الفيّاض والخالق فهو كذلك بالوجوب، أي يستحيل وجود موجود دون أن يفيض [[الله]] الوجود إليه.
 
# لا يوجد في المعلول شيئان منفصلان هما «الوجود» و«الانتساب للعلة الموجِدة»، بل وجود المعلول هو عين انتسابه لعلّته. فالوجود والإيجاد شيء واحد لا إثنان.
وأما المقدمة الرابعة فلأنه لو لم يكن كذلك انقلب من كونه واجب الوجود إلى كونه ممكن الوجود. إنَّ جميع الحيثيات في ممكن الوجود هي التعلق المحض والانتساب الصرف والإضافة الخالصة إلى واجب الوجود.
# استحالة ترجّح شيء دون مرجّح. بمعنى أن يكون شيء بالقوّة ثمّ يصبح بالفعل من تلقاء نفسه دون تدخّل عامل أو علّة. وهذا محال.
 
===نتيجة هذه [[المقدمات]]===
و لهذا كان واجب الوجود واجباً من جميع الحيثيات والجهات.
بناءاً على هذه المقدمات نقول:
 
'''بحسب المقدمة الأولى:''' أيّ موجود ممكن إذا تحقّقت شروط وجوده، فلابدّ أن يحصل بإفاضة الوجود إليه. ومن الواضح أنّ جميع واجبات الوجود - لو افترضنا تعدّدها - متساوية في هذا الجانب، فلابدّ أن تتعلّق إراداتهم جميعاً بوجود ذلك الممكن، فتحصّل الإفاضة إليه منهم جميعاً.
===[[البرهان]] الثاني: [[برهان]] [[التمانع]]===
'''وبحسب المقدمة الثانية:''' فإنّ وجود المعلول وانتسابه لعلّته شيء واحد.  
لقد وردت الإشارة إلى هذا البرهان في [[القرآن الكريم]] بقوله تعالى: {{نص قرآني|لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}}<ref>سورة الأنبياء: ٢٠.</ref>.
فالإيجادان المتعدّدان يستلزمان وجودين، ولمّا كان هذا المعلول لا يقبل إلّا وجوداً واحداً، فلا يقبل إلّا انتساباً لعلّة واحدة. وانتسابه لأحد الواجبين دون الآخر - مع أنّهم متساوون ولا يوجد ما يميّز أحدهم - يستلزم ترجّحاً بلا مرجّح.
 
'''وبحسب المقدمة الثالثة:''' الترجّح بلا مرجّح، محال.
ربما يوضح البرهان بأسلوب ساذج فيقال: إذا كان [[الخالق]] متعدداً حصل التزاحم والتصادم بين [[إرادة]] الخالقين، بمعنى أنَّ كلا منهم يقف عقبة أمام إرادة الآخر. فإما أن تتغلب [[إرادة]] أحدهم على إرادات الآخرين، أو تتعادل الإرادات فلا يتغلب شيء منها على شيء.
إذن فافتراض تعدّد الآلهة يؤدّي إلى عدم وجود أيّ موجود أصلاً؛ لأنّ ذلك يصطدم بالاستحالة. وهكذا يثبت [[التمانع]] بهذا [[البيان]].
 
==[[البرهان]] الثالث: [[برهان الفرجة]]==
أما [[الفرض]] الأول فمستحيل لأنَّ المغلوبية تنافي [[الكمال]] وكونه واجب الوجود، وأما الفرض الثاني فإنه يؤدي إلى [[فساد]] [[العالم]]، لأنه لا تؤثر إرادة أحدهما، وإذا انتفى تأثير الإرادات انفصمت رابطة العالم بالخالق.
إذا افترضنا وجود إلهين، فلابدّ أن يكون هناك اختلاف بينهما؛ لأنّ التعدّد والتكثّر يعني أن يكون في أحدهما أو في كليهما ما ليس في الآخر. فلو كان في كلّ منهما ما في الآخر تماماً، لما كان هناك معنى للتعدّد.
 
إذن لابدّ من وجود شيء ثالث بين الإلهين يميّز بينهما. وهذا الشيء الثالث لابدّ أن يكون [[واجب الوجود]] أيضاً؛ لأنّه لو كان ممكناً، لكان صادراً من غيره، وهذا يعني أنّ الإلهين لم يكونا متمايزين في الأصل، وإنّما حصل التمايز بينهما فيما بعد بظهور هذا الشيء المميّز.
لكن هذا الأسلوب من [[الاستدلال]] ليس صحيحاً ... إذ أي [[ضرورة]] لفرض التزاحم والتعارض بين إرادات الخالقين؟ بل لابد من [[اعتبار]] التطابق والانسجام بين إراداتهم ورغباتهم، إذ المفروض أن كلا منهم واجب الوجود، وكلاً منهم [[عليم]] وحكيم، وكلهم يسيرون على وفق [[المصلحة]] والحكمة... ولما كانت المصلحة واحدة لا غير فإنَّ إرادات الخالقين مهما ازداد عددهم يجب أن تتوافق.
فالشيء الثالث المميّز إذاً هو أيضاً واجب الوجود، أي أنّ وجود إلهين يؤدّي إلى وجود ثلاثة آلهة واجبي الوجود. ولمّا كان كلّ من الثلاثة واجباً، ولابدّ من وجود مميّز بين كلّ واجب وآخر، فنحتاج إلى مميّزين إضافيّين بين [[الإله]] الثالث وكلّ من الإلهين الأوّلين، فيصبح لدينا خمسة آلهة.
 
وهكذا يستمرّ الأمر، فوجود الإلهين الأخيرين يتطلّب ثلاثة مميّزات إضافيّة على الأقلّ، فيصبح المجموع ثمانية آلهة. ووجود الثمانية يستلزم ثلاثة عشر، والثلاثة عشر تستلزم واحداً وعشرين... وهكذا إلى ما لا نهاية.
إن تعارض المصالح وتزاحم الإرادات إما أن ينشأ من الأنانية وترجيح المصلحة الشخصية، أو من [[الجهل]] وضعف [[الإدراك]] وليس شيء من ذلك متصوراً بالنسبة إلى واجب الوجود.
فوجود إلهين يستلزم وجود ما لا نهاية من الآلهة، أي أنّ الإله الواحد يتركّب من ما لا نهاية من الآلهة، وهذا محال؛ لأنّ التركّب ينافي [[وجوب]] الوجود.
 
ويمكن توجيه هذا [[الدليل]] بطريقة أخرى:
إذن لا يستند [[برهان]] [[التمانع]] إلى تزاحم الرغبات والإرادات، بل إلى [[امتناع]] وجود واقعة ممكنة من ناحية تعدد الإرادات، أي أنه إذا كان واجب الوجود متعدداً فإنه يحصل التمانع حتى مع [[فرض]] توافق الإرادات.
إذا تعدّدت الآلهة، فإمّا أن يكون هناك مميّز بينها أو لا يكون. فإن لم يكن، فلا معنى للتعدّد؛ لأنّه لا تتصوّر المغايرة بين شيئين بدون اختلاف بينهما.
 
وإن كان هناك مميّز، فإمّا أن يكون كمالاً أو نقصاً. والنقص محال في [[حق]] [[الإله]]. فإن كان كمالاً، يكون الإله الذي يملك هذا [[الكمال]] هو [[الحق]] وغيره [[باطل]].
ويستند هذا [[البرهان]] إلى ثلاث قضايا:
==[[البرهان]] الرابع: الوجود الصرف لا يقبل إلا [[الوحدة]]==
#واجب الوجود واجب من جميع الجهات والحيثيات. فلا توجد في واجب الوجود حيثية إمكانية أو بالقوة أصلاً. فإذا كان عالماً فهو [[عالم]] بالوجوب لا بالإمكان، وإذا كان قادراً كان قادراً بالوجوب لا بالإمكان ... وهكذا. وحيث أنه الفياض والخالق فهو الفياض والخالق بالوجوب أي يستحيل وجود موجود دون أن يفاض الوجود [[إله]] من [[الله]].
هذا البرهان من [[مذهب]] [[صدر المتألهين]] في [[الفلسفة]]، وملخّصه: إنّ [[الكثرة]] من لوازم المحدودية، أمّا حيث لا محدودية، فلا يعقل التعدّد والكثرة.
#لا توجد في المعلول حيثيتان إحداهما (الوجود) والأخرى (الانتساب إلى العلة الموجودة)، بل وجود المعلول عين الانتساب إلى العلة. ومن كان الوجود والإيجاد واحداً لا اثنين.
إنّ [[الله تعالى]] هو الوجود [[المطلق]] واللامتناهي، أي أنّه الوجود المحض وصرف الوجود. وكما قال [[شيخ الإشراق]]: «صرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرّر».
#إستحالة الترجح بلا مرجح<ref>الترجح بلا مرجح يقال في مورد الآثار، والترجيح بلا مرجح يقال في مورد الفاعل.</ref>. وهذا يعني أن يكون [[فعل]] أو أثر في [[حياة]] [[القوة]] والإمكان، ويصل إلى مرحلة الفعلية بنفسه دون دخالة عامل أو علة، وهو محال.
أما المحدودية والتقيد فإنهما ناشئان من اختلاط [[العدم]] بالوجود الحاصل في جميع الممكنات.
 
==البرهان الخامس: قول الإمام علي {{ع}} على وحدانية الله==
إذا فرغنا من هذه المقدمات نقول:
يقول [[الإمام علي بن أبي طالب]](ع) لابنه [[الحسن]](ع): {{نص حديث|وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتَهُ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً}}<ref>صبحي صالح، نهج البلاغة: ٣٩٦.</ref>.
 
قد يبدو هذا [[الكلام]] دليلاً إقناعياً، لكنّه في [[الحقيقة]] [[برهان]] منطقي متين من نوع [[القياس]] الاستثنائي، الذي يثبت التلازم بين المقدم والتالي، ويستدلّ من نفي التالي على نفي المقدّم.
بحكم المقدمة الأولى: كل موجود ممكن إذا تحققت شرائط وجوده فلابد من حصوله إفاضة الوجود نحوه، ومن [[البديهي]] أن جميع مصاديق واجب الوجود - لو [[فرض]] التعدد - متساوون في هذه الناحية، وتتعلق إراداتهم جميعاً بوجود ذلك الممكن، فلابد أن تحصل الإفاضة إليه من الجميع.
فإنّه لمّا كان [[إرسال الأنبياء]] وبعث [[الرسل]] من لوازم [[الألوهية]]، يقال: لو كان هناك [[إله]] آخر غير [[الله]] لبعث [[أنبياء]] ورسلاً من قِبَله، ولأحسّ [[الأنبياء]] أنّهم يتلقّون [[الوحي]] من مصدرين مختلفين، أو لكان منهم من يدّعي أنّه [[رسول]] من قِبَل أحد الآلهة ومن يدّعي أنّه رسول من قبل الإله الآخر.
 
لكن من [[البديهي]] أنّ جميع الأنبياء الذين جاؤوا بالمعجزات والتحدّيات الدالّة على صدقهم، لم يتحدّثوا إلّا عن الإله الواحد، ولم يدّع أحد غيرهم نزول الوحي عليه من إله آخر، بل الجميع تحدّثوا عن إله واحد لا شريك له<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٨٠ - ٨٦.</ref>.
وبحكم المقدمة الثانية: فإنَّ وجود المعلول وانتسابه إلى علته أمر واحد.
 
فالإيجادان يستلزمان الوجودين، ولما كان المعلول المذكور لا يقبل إلا وجوداً واحداً فلا يقبل إلا انتساباً إلى علة واحدة، وانتساب المعلول إلى أحد الواجبين دون غيره - مع أنَّ الجميع متساوون ولا يوجد امتياز لأحد على آخر - يستلزم الترجح بلا مرجح.
 
وبحكم المقدمة الثالثة: الترجح بلا مرجح محال.
 
إذن ففرض تعدد الآلهة ينتهي إلى أن لا يوجد موجود أصلاً، لأنَّ ذلك يصطدم بالاستحالة ويصدق [[التمانع]] على هذا البيان.
 
===[[البرهان]] الثالث: [[برهان]] الفرجة===
إذا فرضنا وجود واجبين فلابد وأن يحصل امتياز بينهما، لأنَّ التعدد والتكثر متفرع على أن يكون في أحدهما أو في كليهما ما ليس في الآخر، إذ لو كان في كل منهما ما في الآخر وبالعكس لم يكن معنى للتعدد.
 
إذن لابد من وجود أمر ثالث بين الواجبين يكون مائزاً بينهما ... وهذا الأمر الثالث لابد ان يكون واجب الوجود، لأنه لو كان ممكناً لكان صادراً من ناحية غيره، وهذا يعني أنَّ الواجبيين لم يكونا متمايزين في مرحلة الذات، وإنما حصل التعدد فيهما فيما بعد، وذلك بمجيء المائز.
 
إذن فالأمر الثالث واجب الوجود أيضاً. أي أن وجود واجبين يؤدي إلى وجود ثلاثة واجبات. ولما كان كل من الثلاثة، واجباً، ولابد من وجود مائز بين كل واجب وواجب آخر، فلابد من وجود مائز بين هذا الواجب الثالث وكل من الواجبين الأولين، فنحتاج إلى مائزين كل منهما واجب الوجود فوجود ثلاثة واجبين يقود إلى وجود خمسة واجبين.
 
و لما كان هذان الواجبان الأخيران متميزين عن الواجبين الثلاثة - حسب [[الفرض]] - فلا بد من وجود ثلاثة أمور يحصل بها الامتياز على الأقل. وهذا يستلزم وجود ثمانية واجبين، ووجود ثمانية واجبين، يستلزم وجود ثلاثةعشر واجباً، ووجود ثلاثةعشر واجباً يستلزم وجود واحد وعشرين واجباً، ووجود واحد وعشرين واجباً يستلزم وجود أربعة وثلاثين ... وهكذا إلى ما لا نهاية.
 
فوجود واجبين مستلزم لما لا نهاية له من الواجبين، أي أنه مستلزم لتركب الواجب [[الواحد]] من ما لا نهاية من الواجبات ومن الواضح أنَّ التركب ينافي [[الوجوب]].
 
ويمكن أن يوجه هذا [[الدليل]] بنحو آخر فيقال:
 
إذا تعددت الآلهة فإما أن يكون مائز بينها، أو لا يكون.
 
على [[الفرض]] الثاني لا يبقى معنى للتعدد، إذ لا تتصور الإثنينية والمغايرة بين أمرين ما لم يكن اختلاف وتمايز بينهما.
وعلى الفرض الأول إما أن يكون المائز جهة [[كمال]]، أو لا يكون.
 
الشق الثاني [[باطل]] لأنه لا يتصور في ذات [[الإله]] نقص أو انعدام كمال.
 
وعلى الشق الأول يكون الإله الواجد لجهة [[الكمال]] هو [[الحق]]، وغيره [[الباطل]].
 
===[[البرهان]] الرابع: الوجود الصرف لا يقبل إلا [[الوحدة]]===
وهذا البرهان يتمشى مع [[المذهب]] [[الفلسفي]] لصدر المتألهين، وهو واضعه، وملخصه: إنَّ الكثرة من لوازم المحدودية، أما حيث لا محدودية فلا يعقل التعدد والكثرة.
 
إنَّ [[الله]] تبارك وتعالى هو الوجود [[المطلق]] واللامتناهي، وبعبارة أخرى فإنه هو الوجود المحض ومحض الوجود وكما قال شيخ الإشراق: (صرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرر).
 
أما المحدودية والتقيد فإنهما ينشآن من شوب العدم بالوجود الحاصل في جميع الممكنات.
 
===البرهان الخامس===
يقول [[الإمام]] [[أمير المؤمنين]] [[علي بن أبي طالب]]{{ع}} في [[خطاب]] لابنه [[الحسن]]{{ع}}: {{نص حديث|وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتَهُ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً.}}.
 
قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ هذا [[الكلام]] [[دليل]] إقناعي لا برهاني، ولكن الحق أنه [[برهان]] منطقي متين من نوع [[القياس]] الاستثنائي (الذي يكون فيه التلازم بين المقدم والتالي) ويستدل من نفي التالي على نفي المقدم.
 
أما [[ثبوت]] الملازمة: فإنه لما كان [[إرسال الأنبياء]] وبعث الرسل لهداية [[البشر]] من لوازم [[الألوهية]]، يقال: لو كان [[إله]] آخر غير الله لبعث [[أنبياء]] ورسلاً من قبله، ولأحس الموحى إليهم أنهم يتلقون [[الوحي]] من مصدرين مختلفين، أو كان في [[الأنبياء]] مَنْ يدعي أنه [[رسول]] من قبل أحد الآلهة ومن يدعي أنه [[رسول]] من قبل [[الإله]] الآخر.
 
وأما نفي التالي: فمن [[البديهي]] أنَّ أحداً من [[الأنبياء]] الذين كان معهم ما يؤيد [[صدق]] دعواهم - من معاجز وتحديات - لم يتحدث إلا عن الإله [[الواحد]]، ولم يدع غيرهم نزول [[الوحي]] عليه من جانب [[إله]] آخر، بل الكل تحدثوا عن إله واحد لا شريك له.<ref>[[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]، ص ٨٠-٨٦.</ref>


== المراجع والمصادر==
== المراجع والمصادر==
٤٤٧

تعديل