تمهيد

يجب أن نفهم أنّ الخلاف بين المشركين والموّحدين ليس حول عدد الآلهة، أي ليس حول وجود إله واحد أو أكثر. فالجميع يتّفق على أنّ الإله الذي يجب وجوده ولا يحتاج إلى شيء آخر لوجوده هو واحد لا شريك له. لكنّ الخلاف هو حول من نعبده ونتّخذه ربّاً لنا.

وبعبارة أخرى: هذا البحث لا يهدف إلى إثبات وحدانية الذات الإلهية التي يجب وجودها، فلا أحد يقول بوجود إلهين لا نهاية لهما ويجب وجودهما. والقرآن الكريم لا يحاول إثبات هذه الوحدانية أيضاً. بل الهدف هو إثبات أنّ الرب الخالق المدبّر واحد لا شريك له، وهذا ما يخالفه المشركون. وبعد أن عرفنا هذا، سننتقل الآن إلى الأدلة المذكورة في كتب العقائد والفلسفة الإسلامية لإثبات وحدانية الله تعالى.[١].

البراهين على وحدانية الله

البرهان الأوّل: وحدة العالم تدلّ على وحدة خالقه

هذا الدليل يتكوّن من أربع نقاط:

  1. العالم كلّه متّحد ومترابط بشكل حقيقي وطبيعي.
  2. لا يوجد عالم آخر غير عالمنا هذا.
  3. الشيء الواحد لا يمكن أن يصدر إلّا من مصدر واحد.
  4. الإله الذي يجب وجوده يجب وجوده من كلّ النواحي والاعتبارات.

ولابدّ من توضيح لهذه المقدّمات.

أمّا النقطة الأولى، فيمكننا أن نصل إليها بعد أن نستعرض ثلاث نظريات حول ارتباط أجزاء العالم ببعضها:

النظرية الأولى: لا يوجد أيّ ارتباط بين أجزاء الكون. فالعالم مجرّد مجموعة من الأجزاء والذرّات المنفصلة التي لا يربطها شيء، مثل مخزن وضعت فيه مواد مختلفة. وبمعنى آخر، إذا كان هناك ارتباط في هذا العالم فهو فقط بين مجموعة من الأحداث المتتابعة التي يكون بعضها سبباً للآخر. لكن أجزاء العالم التي نراها على شكل أجسام خاصّة لا ترتبط ببعضها. وبناءاً على ذلك، إذا افترضنا اختفاء بعض الأجزاء تماماً، أو حدث تغيير في مكانها بسبب عامل خارجي، فلن يؤدّي ذلك إلى أيّ تغيير في العالم.

النظرة الثانية: الأجسام مرتبطة ببعضها لكن بشكل صناعي مثل أجزاء معمل أو آلة. أجزاء المعمل أو الآلة تعمل بانسجام وفق نظام معيّن، ولكلّ جزء منها وظيفة خاصّة ضرورية في الإنتاج. وأيّ تغيير أو زيادة أو نقصان في الأجزاء يؤثّر على الوضع العامّ وقد يؤدّي إلى اختلال.

وبناءاً على هذا، فإنّ اختفاء بعض أجزاء العالم - افتراضاً - أو أيّ تغيير صناعي في وضعها سيؤثّر على العالم ككلّ، وربّما أدّى إلى الاختلال.

فمن المعروف مثلاً أنّ موقع أيّ كوكب في المجموعة الشمسية يؤثّر على النظام كلّه. فلو انفجرت الشمس التي هي مركز المجموعة وتناثرت، فإنّ المجموعة كلّها ستختفي. وربّما كان لانفجارها وتناثرها تأثير على انفجار المجرة التي هي جزء منها وعلى المجرات الأخرى أيضاً. وقوّة الجاذبية العامّة لها تأثير كبير في ربط أجزاء العالم ببعضها.

النظرية الثالثة: إنّ الارتباط بين أجزاء العالم أعمق من ارتباط أجزاء الآلة والمعمل. إنّه مثل الارتباط بين أعضاء الجسم الواحد. أي أنّ حياة واحدة وشخصية واحدة تسود العالم كلّه. فالعالم بأكمله يعتبر وحدة شخصية، مثل الإنسان الواحد الذي يملك شخصية واحدة وروحاً واحدة، رغم أنّه يتكوّن من آلاف الملايين من الخلايا والأجزاء التي تشكّل كلّ خلية منه.

ويميل كبار الفلاسفة إلى تأييد النظرية الأخيرة في تفسير الارتباط بين أجزاء العالم، ولديهم أدلة قويّة على ذلك.

أمّا النقطة الثانية، فنقول في توضيحها: إذا اعتبرنا أنّ هذا العالم لا نهاية له في الأبعاد - وكما يقول باسكال: «العالم كرة مركزها في كلّ مكان ولا يوجد محيط لها في أيّ مكان - فلا يمكن تصور وجود عالم آخر غير عالمنا. أمّا إذا اعتبرنا العالم محدوداً ومتناهياً كما يقول الفلاسفة القدامى وكما يؤيّده بعض علماء الفلك في عصرنا، فمن الممكن تخيل وجود عالم آخر. لكنّهم يقدّمون أدلّة قاطعة على استحالة وجود عالمين ماديين منفصلين عن بعضهما.

وأمّا النقطة الثالثة، فهي من البديهيات الفلسفية المسلم بها.

وأمّا النقطة الرابعة، فلأنّه لو لم يكن الله واجب الوجود من كلّ الاعتبارات، لتحوّل من كونه واجب الوجود إلى كونه ممكن الوجود. فكلّ الاعتبارات في الممكن هي مجرّد ارتباط وانتساب وإضافة إلى الواجب.

ولهذا كان الله واجب الوجود من جميع الاعتبارات والنواحي.[٢].

البرهان الثاني: برهان التمانع

لقد ذكر الله تعالى هذا البرهان في القرآن الكريم بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[٣].

توضيح هذا البرهان: لو كان هناك أكثر من خالق واحد، لحدث تعارض وتصادم بين إرادات هؤلاء الخالقين. فإمّا أن تتغلّب إرادة أحدهم على الآخرين، أو تتساوى الإرادات فلا يتغلّب أحدها على الآخر.

لكنّ الاحتمال الأوّل مستحيل؛ لأنّ كون أحدهم مغلوباً ينافي كماله وكونه واجب الوجود. والاحتمال الثاني يؤدّي إلى فساد العالم؛ لأنّه لن تؤثّر إرادة أيّ منهم، وبانتفاء تأثير الإرادات تنقطع علاقة العالم بالخالق.

لكنّ هذه الطريقة في الاستدلال ليست صحيحة؛ لأنّه لا يوجد ما يلزم بافتراض التعارض والتصادم بين إرادات الخالقين. بل يجب افتراض التوافق والانسجام بين إراداتهم ورغباتهم؛ لأنّهم جميعاً واجبو الوجود وعالمون وحكماء ويعملون وفق المصلحة والحكمة. وبما أنّ المصلحة واحدة، فلابدّ أن تتوافق إراداتهم مهما كان عددهم.

إنّ تعارض المصالح وتصادم الإرادات ينشأ إمّا من الأنانية وتفضيل المصلحة الشخصية، أو من الجهل وضعف الإدراك. ولا يمكن تصور شيء من ذلك في واجب الوجود.

إذن لا يستند برهان التمانع على تصادم الرغبات والإرادات، بل على استحالة وجود شيء ممكن في ظلّ تعدّد الإرادات. أي أنّه لو كان هناك أكثر من واجب وجود، فسيحصل التمانع حتّى لو افترضنا توافق الإرادات.

مقدمات برهان التمانع

ويستند هذا البرهان على ثلاث مقدمات:

  1. واجب الوجود واجب من جميع الجهات. فلا يوجد فيه أيّ جانب إمكاني أو قوة محضة. فإذا كان عالماً فهو عالم بالوجوب لا بالإمكان، وإذا كان قادراً فهو قادر بالوجوب لا بالإمكان... وهكذا. وبما أنّه الفيّاض والخالق فهو كذلك بالوجوب، أي يستحيل وجود موجود دون أن يفيض الله الوجود إليه.
  2. لا يوجد في المعلول شيئان منفصلان هما «الوجود» و«الانتساب للعلة الموجِدة»، بل وجود المعلول هو عين انتسابه لعلّته. فالوجود والإيجاد شيء واحد لا إثنان.
  3. استحالة ترجّح شيء دون مرجّح. بمعنى أن يكون شيء بالقوّة ثمّ يصبح بالفعل من تلقاء نفسه دون تدخّل عامل أو علّة. وهذا محال.

نتيجة هذه المقدمات

بناءاً على هذه المقدمات نقول:

بحسب المقدمة الأولى: أيّ موجود ممكن إذا تحقّقت شروط وجوده، فلابدّ أن يحصل بإفاضة الوجود إليه. ومن الواضح أنّ جميع واجبات الوجود - لو افترضنا تعدّدها - متساوية في هذا الجانب، فلابدّ أن تتعلّق إراداتهم جميعاً بوجود ذلك الممكن، فتحصّل الإفاضة إليه منهم جميعاً.

وبحسب المقدمة الثانية: فإنّ وجود المعلول وانتسابه لعلّته شيء واحد. فالإيجادان المتعدّدان يستلزمان وجودين، ولمّا كان هذا المعلول لا يقبل إلّا وجوداً واحداً، فلا يقبل إلّا انتساباً لعلّة واحدة. وانتسابه لأحد الواجبين دون الآخر - مع أنّهم متساوون ولا يوجد ما يميّز أحدهم - يستلزم ترجّحاً بلا مرجّح.

وبحسب المقدمة الثالثة: الترجّح بلا مرجّح، محال.

إذن فافتراض تعدّد الآلهة يؤدّي إلى عدم وجود أيّ موجود أصلاً؛ لأنّ ذلك يصطدم بالاستحالة. وهكذا يثبت التمانع بهذا البيان.[٤].

البرهان الثالث: برهان الفرجة

إذا افترضنا وجود إلهين، فلابدّ أن يكون هناك اختلاف بينهما؛ لأنّ التعدّد والتكثّر يعني أن يكون في أحدهما أو في كليهما ما ليس في الآخر. فلو كان في كلّ منهما ما في الآخر تماماً، لما كان هناك معنى للتعدّد.

إذن لابدّ من وجود شيء ثالث بين الإلهين يميّز بينهما. وهذا الشيء الثالث لابدّ أن يكون واجب الوجود أيضاً؛ لأنّه لو كان ممكناً، لكان صادراً من غيره، وهذا يعني أنّ الإلهين لم يكونا متمايزين في الأصل، وإنّما حصل التمايز بينهما فيما بعد بظهور هذا الشيء المميّز.

فالشيء الثالث المميّز إذاً هو أيضاً واجب الوجود، أي أنّ وجود إلهين يؤدّي إلى وجود ثلاثة آلهة واجبي الوجود. ولمّا كان كلّ من الثلاثة واجباً، ولابدّ من وجود مميّز بين كلّ واجب وآخر، فنحتاج إلى مميّزين إضافيّين بين الإله الثالث وكلّ من الإلهين الأوّلين، فيصبح لدينا خمسة آلهة.

وهكذا يستمرّ الأمر، فوجود الإلهين الأخيرين يتطلّب ثلاثة مميّزات إضافيّة على الأقلّ، فيصبح المجموع ثمانية آلهة. ووجود الثمانية يستلزم ثلاثة عشر، والثلاثة عشر تستلزم واحداً وعشرين... وهكذا إلى ما لا نهاية.

فوجود إلهين يستلزم وجود ما لا نهاية من الآلهة، أي أنّ الإله الواحد يتركّب من ما لا نهاية من الآلهة، وهذا محال؛ لأنّ التركّب ينافي وجوب الوجود.

ويمكن توجيه هذا الدليل بطريقة أخرى: إذا تعدّدت الآلهة، فإمّا أن يكون هناك مميّز بينها أو لا يكون. فإن لم يكن، فلا معنى للتعدّد؛ لأنّه لا تتصوّر المغايرة بين شيئين بدون اختلاف بينهما.

وإن كان هناك مميّز، فإمّا أن يكون كمالاً أو نقصاً. والنقص محال في حق الإله. فإن كان كمالاً، يكون الإله الذي يملك هذا الكمال هو الحق وغيره باطل.[٥].

البرهان الرابع: الوجود الصرف لا يقبل إلا الوحدة

هذا البرهان من مذهب صدر المتألهين في الفلسفة، وملخّصه: إنّ الكثرة من لوازم المحدودية، أمّا حيث لا محدودية، فلا يعقل التعدّد والكثرة.

إنّ الله تعالى هو الوجود المطلق واللامتناهي، أي أنّه الوجود المحض وصرف الوجود. وكما قال شيخ الإشراق: «صرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرّر».

أما المحدودية والتقيد فإنهما ناشئان من اختلاط العدم بالوجود الحاصل في جميع الممكنات.[٦].

البرهان الخامس: قول الإمام علي (ع) على وحدانية الله

يقول الإمام علي بن أبي طالب(ع) لابنه الحسن(ع): «وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتَهُ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً»[٧].

قد يبدو هذا الكلام دليلاً إقناعياً، لكنّه في الحقيقة برهان منطقي متين من نوع القياس الاستثنائي، الذي يثبت التلازم بين المقدم والتالي، ويستدلّ من نفي التالي على نفي المقدّم.

فإنّه لمّا كان إرسال الأنبياء وبعث الرسل من لوازم الألوهية، يقال: لو كان هناك إله آخر غير الله لبعث أنبياء ورسلاً من قِبَله، ولأحسّ الأنبياء أنّهم يتلقّون الوحي من مصدرين مختلفين، أو لكان منهم من يدّعي أنّه رسول من قِبَل أحد الآلهة ومن يدّعي أنّه رسول من قبل الإله الآخر.

لكن من البديهي أنّ جميع الأنبياء الذين جاؤوا بالمعجزات والتحدّيات الدالّة على صدقهم، لم يتحدّثوا إلّا عن الإله الواحد، ولم يدّع أحد غيرهم نزول الوحي عليه من إله آخر، بل الجميع تحدّثوا عن إله واحد لا شريك له[٨].

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش