الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الوحي عند أهل السنة»

لا يوجد ملخص تحرير
(أنشأ الصفحة ب'{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة =الوحي | عنوان المدخل = الوحي| المداخل ذات الصلة = الوحي في القرآن - الوحي في الحديث - الوحي في نهج البلاغة - الوحي في معارف الدعاء والزيارات - الوحي في علم الأخلاق - الوحي في معارف الإمام الحسين وسيرته - الوحي في الثقاف...')
 
لا ملخص تعديل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة =الوحي | عنوان المدخل = الوحي| المداخل ذات الصلة = [[الوحي في القرآن]] - [[الوحي في الحديث]] - [[الوحي في نهج البلاغة]] - [[الوحي في معارف الدعاء والزيارات]] - [[الوحي في علم الأخلاق]] - [[الوحي في معارف الإمام الحسين وسيرته]] - [[الوحي في الثقافة الإسلامية]] - [[الوحي في علم الكلام]] - [[الوحي في الكلام المقارن]] - [[الوحي عند أهل السنة]] - [[الوحي عند السلفية والوهابية]]| سؤال ذو صلة = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة =الوحي | عنوان المدخل = الوحي| المداخل ذات الصلة = [[الوحي في القرآن]] - [[الوحي في الحديث]] - [[الوحي في نهج البلاغة]] - [[الوحي في معارف الدعاء والزيارات]] - [[الوحي في علم الأخلاق]] - [[الوحي في معارف الإمام الحسين وسيرته]] - [[الوحي في الثقافة الإسلامية]] - [[الوحي في علم الكلام]] - [[الوحي في الكلام المقارن]] - [[الوحي عند أهل السنة]] - [[الوحي عند السلفية والوهابية]]| سؤال ذو صلة = }}


==الوحي في لغة العرب==
==[[الوحي]] في [[لغة العرب]]==
أطلق العرب كلمة وحى على تصرفات شتى منها :
أطلق [[العرب]] كلمة [[وحي]] على تصرفات شتى منها:  
 
الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك . ويطلق الوحي على المكتوب وعلى الكتاب أيضاً، وفي حديث [[الحارث الأعور]] قال [[علقمة]]: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث : القرآن هين، الوحي أشد منه<ref>الحديث : لم أقف عليه في كتب السنة، ولعله في كتب الترجمة والسير، وكان الأولى أن يقول : والأثر، لأنه أوسع دلالة من الحديث. </ref> أراد بالقرآن القراءة وبالوحي الكتابة  والخط.   
الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك . ويطلق الوحي على المكتوب وعلى الكتاب أيضاً، وفي حديث [[الحارث الأعور]] قال [[علقمة]]: قرأت [[القرآن]] في سنتين، فقال الحارث: القرآن هين، الوحي أشد منه<ref>الحديث: لم أقف عليه في كتب السنة، ولعله في كتب الترجمة والسير، وكان الأولى أن يقول: والأثر، لأنه أوسع دلالة من الحديث. </ref> أراد بالقرآن [[القراءة]] وبالوحي [[الكتابة]] والخط.
 
وأوحي إليه ألهمه، وفي [[التنزيل]] [[العزيز]] {{نص قرآني|وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}}<ref> سورة النحل، الآية ٦٨.</ref> وفيه {{نص قرآني|بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}}<ref> سورة الزلزلة، الآية ٥.</ref> أى إليها، فمعنى هذا أمرها، وأوحي وفي التنزيل العزيز {{نص قرآني|فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}}<ref> سورة مريم، الآية ١١.</ref> والوحي ما يوحيه [[الله]] إلى أنبيائه، وسمى الوحي إلى [[الأنبياء]] وحياً لأن [[الملك]] أسره على [[الخلق]] وخص به [[النبي]] المبعوث إليه وكل إسرار يسمى وحيا، وقال تعالى: {{نص قرآني|يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١١٢.</ref> أي يُسِرُ بعضهم على بعض. ويكون الوحي للأمر والإشارة والإلهام والإلقاء في [[القلب]]<ref> لسان العرب مادة وحي ج ٤٧٨٨: ٤٧٨٧/٦ مختصر . </ref>.
 
وفي المفردات في [[غريب القرآن]] ورد أصل الوحي الإشارة [[الشريعة]] . ولتضَمُن السرعة قيل: أمر وَحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض وقد يكون بصوت مجرد عن [[التركيب]]، وبإشارة ببعض [[الجوارح]] وبالكتابة . وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا {{نص قرآني|فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}}<ref> سورة مريم، الآية ١١.</ref>.
فقد قيل رَمَزَ، وقيل، أشار وقيل كتب. وعلى هذه الوجوه {{نص قرآني|وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١١٢.</ref> وقوله: {{نص قرآني|وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢١.</ref>.
... ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي، وذلك أَضْرُبُ، حسبما دل عليه قوله {{نص قرآني|وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٥١.</ref>.
وذلك إما برسول بشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ [[جبريل]] {{ع}} للنبي في صورة معينة، وإما
بسماع من غير معاينة كسمع [[موسى]] [[كلام الله]]، وإما بإلقاء في الروع كما ذكر "إن [[روح القدس]] نفث في روعي" وإما بإلهام نحو قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}}<ref> سورة القصص، الآية ٧.</ref> وإما بتسخير نحو قوله {{نص قرآني|وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}}<ref> سورة النحل، الآية ٦٨.</ref> وإما برؤية مناسبة كما قال عليه [[الصلاة]] والسلام " انقطع [[الوحي]] وبقيت المبشرات وعندما سئل اللي {{ع}} عن المبشرات قال: [[الرؤيا]] الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له<ref>الحديث: سند الشهاب ١١٥١، التمهيد لابن عبد العزيز ٢٨٤/١ </ref> وسمع [[الكلام]] معاينة دل عليه قوله {{نص قرآني|أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٥١.</ref> وتبليغ جبريل في صورة معينة دل عليه قوله {{نص قرآني|أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٥١.</ref>.
 
وما أرسل [[الله]] رسولا إلا وأوحي إليه، قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٢٥.</ref> وأما الوحي إلى الحواريين فهو بواسطة [[عيسى]]، قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا}}<ref> سورة المائدة، الآية ١١١.</ref>
وأما الوحي إلى [[الملائكة]] فبواسطة [[اللوح]] والقلم كما قيل، وقوله {{نص قرآني|وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}}<ref> سورة فصلت، الآية ١٢.</ref> فإن كان الوحي إلى أهل [[السماء]] فقط فالموحي إليهم محذوف ذكره، كأنه قال: أوحي إلى الملائكة لأن أهل السماءهم الملائكة. وإن كان الموحي إليه هي السموات فذلك [[تسخير]] عند من يجعل السماء غير [[حي]]، ونطق عند من جعله حيا<ref>المفردات في غريب القرآن بتصرف مادة (وحي) ٥٣٨ / ٥٣٩ . </ref>.
 
==الوحي في [[القرآن الكريم]]==
ومن مجموع [[آيات القرآن]] التي تناولت مادة الوحي ندرك الآتى:
 
١. الوحي إلى [[الأنبياء]] والمرسلين لتبليغ [[الخلق]] مراد [[الحق]]، وهو المشهور عند الإطلاق، ويطلق [[الوحي]] في هذه الحالة على القول الموحي به وعلى عملية [[التبليغ]] من قبل [[الله]] وعلى الإلقاء في [[القلب]]، ومن ذلك قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٤.</ref> وقال تعالى: {{نص قرآني|قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٤٥.</ref> وقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}}<ref> سورة طه، الآية ١١٤.</ref>
 
٢. الوحي إلى [[الأولياء]] والصالحين من غير المرسلين، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٧.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى}}<ref> سورة طه، الآية ٣٨.</ref>
 
وحديث [[الملائكة]] المستفيض مع [[مريم]] في [[سورة آل عمران]] وسورة مريم هو من هذا القبيل وبخاصة أنه كان قبل أن يكون [[المسيح]] {{ع}} موجوداً.
 
ويلحق بهذا حواريو المسيح الذين ألهمهم الله [[الإيمان]] به وبالمسيح {{ع}} فآمنوا وأعلنوا إسلامهم.
ومنه تعليم الله للخضر {{ع}} [[العلم اللدني]] وهو [[نور]] [[معرفة]] يقذفه الله في [[قلب]] من شاء من خلقه قال تعالى: {{نص قرآني|فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٦٥.</ref>.
 
٣. الوحي إلى الملائكة وذلك في قول [[الحق]] سبحانه: {{نص قرآني|إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ١٢.</ref>
 
٤. الوحي إلى [[السماء]] والأرض وذلك في قول الحق سبحانه: {{نص قرآني|فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}}<ref> سورة فصلت، الآية ١٢.</ref> وعن [[الأرض]] ورد قول الحق سبحانه: {{نص قرآني|إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}}<ref> سورة الزلزلة، الآية ١-٥.</ref>.
   
٥. الوحي إلى بعض الحشرات وذلك في قول الحق سبحانه: {{نص قرآني|وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٦٨.</ref>.
ويمكن القول: إن [[الله]] ألهم الطير المرسلة على أصحاب [[الفيل]] بما هو منوط بها وما أرسلت من أجله: قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}}<ref> سورة الفيل، الآية ٣-٥.</ref>.
 
==صور أخرى من [[الوحي]]==
إذا كانت النصوص السابقة تعبر عن [[الدلالة]] اللغوية والشرعية للوحي [[الإلهي]]، فإن الوحي بالمعنى اللغوي قد ورد في بعض [[آيات القرآن الكريم]] مستنداً إلى [[الشياطين]]:
 
١. [[وحي]] [[شياطين]] [[الإنس]] والجن إلى بعضهم برفض [[النبوة]] والرسالة وعدم قبولها قال تعالى: {{نص قرآني|وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١١٢.</ref>.
 
٢. وحي [[الشيطان]] إلى [[الإنسان]] [[الفاسد]] أو [[الفاسق]] بتحريم [[الحلال]] أو تحليل [[الحرام]] ومساندته حال [[الجدل]] بالباطل، وذلك واضح في قول [[الحق]] سبحانه: {{نص قرآني|وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢١.</ref>.
٣. ادعاء الوحي وذلك إخبار [[غيبي]] وقع في زمن النبوة ولا يزال قائما حتى الآن، بدءًا من مسيلمة الكذاب وتباعاً بسجاح و[[الأسود العنسي]] و[[خالد بن نهيرة]]، وتبعهم في زعمهم هذا: [[أحمد القادياني]]، و[[محمد على الشيرازي]] اللذين شكلا القاديانية والبهائية بزعمهم الوحي إليهم، قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٩٣.</ref>
 
==الوحي [[التشريعي]] مقصور على الرجال ==
إذا كان الوحي بمعانيه المختلفة قد ورد في [[القرآن]] بحق طوائف شتى من [[الخلق]] فإن وحي النبوة والرسالة قد اقتصر على الرجال دون [[النساء]] ونصوص القرآن واضحة الدلالة في هذا، قال تعالى بحق المرسلين السابقين على [[محمد]] {{نص قرآني|وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٠٩.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٣.</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٧.</ref> وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٢٥.</ref> وعلى هذا انعقد [[إجماع المسلمين]] على قصر [[النبوة]] والرسالة على الرجال دون [[النساء]]، ولهم في ذلك وجوه من [[الحكمة]] قد ذكرت منفصلة في غير هذا البحث<ref>دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم ٢٧ -٢٩ </ref>.
 
ولم يخالف في [[وحي]] النبوة من المسلمين إلا بعض علماء [[الأندلس]] المسلمين، وقد انتصر [[ابن حزم]] لهذا وعقد له فصلا وبذل كل جهد لإقامة [[الدليل]] على ما ذهب إليه<ref>الفصل جـ ١٤.١٢/٥ </ref>، وردُ ما ذهب ميسور ومستطاع فضلاً عن مخالفته [[جمهور المسلمين]]، إلا أن
حرصه على التفرقة بين النبوة والرسالة وقولهُ بنبوة النساء دون إرسالهم، غير مقبول ومن الذين [[نص]] على نبوتهم السيدة / سارة، ومريم، وأم [[موسى]] وامرأة [[فرعون]] .
وقد أغفل بعض النصوص التي تبطل [[نبوة]] هؤلاء، كما اعتمد على الانتقاء في حديث: {{نص حديث|كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع فأخذ من النساء مريم، وآسية، وترك من الحديث فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد ولم يقل أحد بنبوتهم}}<ref>راجع تفصيل ذلك في دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم ٢٩.٢٦. </ref>.
 
==صور [[الوحي]] الإلهى إلى [[الرسل]] ==
عرف [[الإمام]] [[محمد عبده]] الوحي بقوله: إنه [[عرفان]] يجده الشخص من نفسه مع [[اليقين]] بأنه من قبل [[الله]] بواسطة أو بغير واسطة والأول بصوت يتمثل السمعه أو بغير صوت
ويفرق بينه وبين [[الإلهام]] بأن الإلهام وجدان تستيقنه [[النفس]] وتنساق إلى ما يطلب على غير [[شعور]] منها من أين أتى وهو أشبه بوجدان [[الجوع]] والعطش والخوف والسرور<ref>رسالة التوحيد ٨١ </ref>.
و[[الزرقاني]] في مناهل [[العرفان]] قد جمع صور الوحي بعد تعريفه له قائلاً أما [[الوحي]] فمعناه في [[لسان]] [[الشرع]]، أن يُعْلِمَ [[الله]] من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان [[الهداية]] والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر ويكون على أنواع شتی:
" منه ما يكون مكالمة بين [[العبد]] وريه، كما كلم الله [[موسى]] تكليما " ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في [[قلب]] مصطفاه على وجه من [[العلم]] الضرورى لا يستطيع له دفعا ولا يجد فيه شكا، ومنه ما يكون مناما صادقا يجيئ في تحقيقه ووقوعه كما يجيئ فلق الصبح في تبلجه، ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي [[جبريل]] {{ع}}: وهو [[ملك]] [[كريم]] وفيه قيل قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}}<ref> سورة التكوير، الآية ١٩-٢١.</ref> .
 
وهذا النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي [[القرآن]] كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي، قال الله في [[سورة الشعراء]]: قال تعالى: {{نص قرآني|نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ١٩٣-١٩٤.</ref>.
ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على أساليب شتى، فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية [[الملكية]]، وتارة يظهر فى صورة [[إنسان]] يراه الحاضرون ويستمعون إليه دون أن يعرفوه، وتارة يهبط على [[الرسول]] خفية فلا يرى . ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب [[الرسالة]] فيغط غطيط النائم ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء وما هي في شيئ من الغشية والإغماء، إن هى إلا استغراق في لقاء [[الملك]] الروحاني، وانخلاع عن حالته [[البشرية]] العادية، فيؤثر ذلك على [[الجسم]] فيغط ويثقل ثقلاً شديداً، قد يتصبب منه الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد .
وقد يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجَرس إذا صَلصَل في أذن سامعه، وذلك أشد أنواعه، وربما سمع الحاضرون صوتا عند وجه الرسول كأنه دوى [[النحل]]، لكنهم لا يدركون منه شيئا . أما هو {{ع}} . فإنه يسمع ما يوحي إليه، ويعلم علما ضروريا أن هذا هو [[وحي]] الله دون لبس لا خفاء، ومن غير شك ولا ارتياب، فإذا انجلى عنه [[الوحي]] وجد ما أوحي إليه حاضراً في ذاكرته منتقشا في حافظته، كأنما كتب في قلبه [[كتابة]]، والأدلة الشرعية على ما ذكرناه كثيرة<ref>مناهل العرفان ٦٤٠٦٣/١ </ref>.
وهذا الذي ذهب إليه [[الزرقاني]] مستمد من [[الآية الكريمة]] التي في أواخر [[سورة الشورى]] في قول [[الحق]] سبحانه: {{نص قرآني|وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٥١.</ref> وفي صحيح [[الإمام]] [[البخاري]] وغيره من كتب [[السنة]] أن [[الحارث بن هشام]] سأل [[رسول الله]] {{صل}}: أحياناً يأتيني مثل صاصلة الجرس - وهو أشده على - فيفصيم عنى وقد وعيت عنه بما قال وأحيانا يتمثل لى [[الملك]] رجلا فيكلمني فأعى ما أقول قالت [[عائشة]]: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد . فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا<ref>الحديث: مسلم ك الفضائل / ٨٧، جم ١٥٨/٦، والبخاري ٣٠٢/١ </ref>.
   
يقول [[ابن خلدون]]: وهو يقرر ويفسر [[حقيقة]] الوحي " اعلم أن [[الله]] سبحانه اصطفى من [[البشر]] أشخاصاً فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم وكان فيما يلقيه إليهم من [[المعارف]] ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بواسطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياها، قال {{صل}} {{نص حديث|ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني الله}}<ref>البخاري ك بدء الوحي ٢/١. </ref>.


وأوحى إليه ألهمه، وفي التنزيل  العزيز {{ نص قرآني |وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}}<ref>  سورة النحل، الآية  68.</ref> وفيه {{ نص قرآني |بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}}<ref>  سورة الزلزلة، الآية  5.</ref> أى إليها، فمعنى هذا أمرها ، وأوحى وفي التنزيل العزيز  {{ نص قرآني |فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}}<ref>  سورة مريم، الآية  11.</ref> والوحي ما يوحيه الله إلى  أنبيائه، وسمى الوحي إلى الأنبياء وحياً  لأن الملك أسره على الخلق وخص به  النبي المبعوث إليه وكل إسرار  يسمى وحيا ، وقال تعالى: {{ نص قرآني |يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  112.</ref> أي يُسِرُ بعضهم  على بعض. ويكون الوحي للأمر  والإشارة والإلهام والإلقاء في القلب<ref> لسان العرب مادة وحى ج ٤٧٨٨:٤٧٨٧/٦ مختصر .  </ref>.
وعلامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشى أو إغماء في رأى [[العين]] وليست منها في شئ، وإنما هي في [[الحقيقة]] استغراق في لقاء الملك الروحاني بإمكانهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى
المدارك [[البشرية]] إما بسماع دوى من [[الكلام]] فيفهمه، أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء من عند الله ثم يتخلى عنه تلك [[الحال]]، وقد وعى ما ألقى إليه، قال وقد سئل عن [[الوحي]] فقال: {{نص حديث|أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيغصم عنى وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمني فأعى مما يقول}}.


وفي المفردات في غريب القرآن ورد  أصل الوحي الإشارة الشريعة . ولتضَمُن  السرعة قيل : أمر وَحي، وذلك يكون  بالكلام على سبيل الرمز والتعريض  وقد يكون بصوت مجرد عن  التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة . وقد حمل على ذلك قوله  تعالى عن زكريا {{ نص قرآني |فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}}<ref>  سورة مريم، الآية  11.</ref>.
ويدركه أثناء ذلك من [[الشدة]] والغط ما لا يعبر عنه ففي [[الحديث ]]{{نص حديث|كان بما يعالج من التنزيل شدة}} وقالت [[عائشة]]: كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}}<ref> سورة المزمل، الآية ٥.</ref>.
 
فقد قيل رَمَزَ، وقيل، أشار وقيل  كتب. وعلى هذه الوجوه {{ نص قرآني |وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  112.</ref> وقوله: {{ نص قرآني |وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 121.</ref>.  
   
   
... ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى  إلى أنبيائه وأوليائه وحى ، وذلك أَضْرُبُ، حسبما دل عليه قوله {{ نص قرآني |وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}}<ref> سورة الشورى، الآية  51.</ref>.
ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان [[المشركون]] يرمون [[الأنبياء]] بالجنون " يقولون: له رئى أو تابع من [[الجن]]، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك [[الأحوال]]<ref> مقدمة ابن خلدون ٤٠٦: ٤٠٥/١ </ref> وعن كيفية التلقى من [[الملك]] ورد قول [[ابن خلدون]] وصنف مفطور على الانسلاخ من [[البشرية]] جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى [[الملائكة]] من الأفق [[الأعلى]]، ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل يحصل له شهود [[الملأ الأعلى]] في أفقهم وسماع [[الكلام]] النفساني والخطاب الإلهى في تلك اللمحة، وهؤلاء هم الأنبياء - {{عم}} - جعل [[الله]] لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة، وهي حالة الوحي [[فطرة]] فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها، ونزههم عن موانع [[البدن]] وعوائقه ما داموا ملا بسين لها بالبشرية من فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بهذا النوع من الانسلاخ متى شاء وبتلك [[القدرة]] التي فطروا عليها لا باكتساب ولا [[صناعة]]، فلذلك توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه، ..... ثم يكون الرجوع إلى المدارك البشرية، وفهمه ما ألقى عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل [[قرب]] من لمح [[البصر]]، لأنه ليس في زمان، بل كلها تقع جميعا، فيظهر كأنها سريعة، ولذلك سميت وحيا، لأن الوحي في [[اللغة]] الإسراع<ref>مقدمة ابن خلدون ٤١٥بتصرف يسير . </ref>.
 
وذلك إما برسول بشاهد ترى ذاته  ويسمع كلامه كتبليغ جبريل عليه  السلام للنبي في صورة معينة، وإما 
بسماع من غير معاينة كسمع موسى  كلام الله، وإما بإلقاء في الروع كما  ذكر "إن روح القدس نفث في روعي" وإما بإلهام نحو قوله تعالى :  {{ نص قرآني |وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}}<ref>  سورة القصص، الآية  7.</ref> وإما بتسخير نحو قوله {{ نص قرآني |وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}}<ref>  سورة النحل، الآية  68.</ref> وإما برؤية مناسبة كما قال عليه الصلاة والسلام " انقطع الوحي وبقيت  المبشرات وعندما سئل اللي عليه السلام عن المبشرات قال : الرؤيا الصالحة يراها  الرجل أو تُرَى له<ref>الحديث : سند الشهاب ۱۱۵۱، التمهيد لابن عبد العزيز ٢٨٤ </ref> وسمع الكلام  معاينة دل عليه قوله {{ نص قرآني |أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}}<ref>  سورة الشورى، الآية  51.</ref> وتبليغ جبريل في  صورة معينة دل عليه قوله {{ نص قرآني |أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ}}<ref>  سورة الشورى، الآية  51.</ref>.


وما أرسل الله رسولا إلا وأوحى إليه، قال تعالى : {{ نص قرآني |وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية  25.</ref> وأما الوحي إلى الحواريين فهو بواسطة  عيسى، قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا}}<ref> سورة المائدة، الآية  111.</ref>
==الفرق بين [[وحي]] [[النبوة]] ووحي [[الرسالة]] عند ابن خلدون==
اعلم أن حالة الدوى هي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حققوه .
   
والثانية وهي حالة تمثل [[الملك]] رجلا يخاطب، هي رتبة [[الأنبياء]] المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى<ref> مقدمة ابن خلدون ٤١٦/١.</ref>.
وهذا مبنى على القول بالتفرقة بين [[النبي]] والرسول .
   
==[[الوحي]] كيفيته وصورة في [[حياة الرسول]]==
قال [[ابن القيم]] وهو يذكر مراتب الوحي الثمانية:
#[[الرؤيا الصادقة]] وكانت [[مبدأ]] وحيه {{ع}}، فكان لا يرى [[رؤيا]] إلا جاءت مثل فلق الصبح، ولم يُبن [[حكم]] شرعى على شئ من [[الرؤيا]] المنامية في [[الإسلام]] .
#ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي {{صل}}: {{نص حديث|إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفى كل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استنباط الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعتة}}<ref>الحديث مسند الشهاب ١١٥١ سنة ٣٠٤/٤ التوحيد ٢٨٤/١ </ref>.
#أنه كان يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له . وفى هذه المرتبة كان يراه [[الصحابة]] أحياناً.
#أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وكان أشده عليه فيلتبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى [[الأرض]] إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن [[ثابت]]، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.
#أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها . فيوحي إليه ما شاء [[الله]] أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما [[ذكر الله]] ذلك في [[سورة النجم]] .
#ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السموات [[ليلة المعراج]] من فرض [[الصلاة]] وغيرها .
#[[كلام الله]] له منه إليه بلا واسطة [[ملك]]، كما كلم الله [[موسى]] بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى قطعا بنص [[القرآن]]، وثبوتها لنبينا هو في حديث [[الإسراء]] .  
وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي [[تكليم]] الله له كفاحا من غير [[حجاب]] وهي مسألة خلاف بين [[السلف]] والخلف<ref>الرحيق المختوم ص ٦٤: ٦٥ نقلا عن زاد المعاد ١٨/١ </ref>.
   
   
وأما الوحي إلى الملائكة فبواسطة  اللوح والقلم كما قيل، وقوله {{ نص قرآني |وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}}<ref>  سورة فصلت، الآية  12.</ref> فإن  كان الوحي إلى أهل السماء فقط  فالموحى إليهم محذوف ذكره، كأنه  قال : أوحى إلى الملائكة لأن أهل  السماءهم الملائكة. وإن كان الموحى  إليه هي السموات فذلك تسخير عند  من يجعل السماء غير حي، ونطق عند  من جعله حيا<ref>المفردات في غريب القرآن بتصرف مادة ( وحى ) ٥٣٨ / ٥٣٩ .  </ref>.
==مظاهر الوحي وآثاره في [[كلام]] [[الرسول]]==
 
[[الرسول]] {{صل}} تكلم بأساليب أربعة:  
ومن مجموع آيات القرآن التي تناولت  مادة الوحي ندرك الآتى : 
1160
1. الوحي إلى الأنبياء والمرسلين  لتبليغ الخلق مراد الحق، وهو المشهور  عند الإطلاق، ويطلق الوحي في هذه  الحالة على القول الموحى به وعلى  عملية التبليغ من قبل الله وعلى الإلقاء  في القلب، ومن ذلك قوله تعالى : ( إن  هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم :) وقال تعالى :  قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ  الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ) الأنبياء ٤٥)  وقال تعالى : ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن  يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ (مله : ١١٤) 
- الوحي إلى الأولياء والصالحين من  غير المرسلين، كما في قوله تعالى:  وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا  خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي  وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ 
الْمُرْسَلِينَ ﴾ (القصص ( 7). وقال تعالى :  إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ) (طه: ۳۸)  وحديث الملائكة المستفيض مع  مريم في سورة آل عمران وسورة مريم  هو من هذا القبيل وبخاصة أنه كان  قبل أن يكون المسيح عليه السلام  موجودا. 
ويلحق بهذا حواريو المسيح الذين  ألهمهم الله الإيمان به وبالمسيح عليه  السلام فآمنوا وأعلنوا إسلامهم .. 
ومنه تعليم الله للخضر عليه السلام  العلم اللدنى وهو نور معرفة يقذفه  الله في قلب من شاء من خلقه قال تعالى : 
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ  عِندِنَا وَعَلَّمْتَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا ﴾ (الكهف : ٦٥) . 
الوحي إلى الملائكة وذلك في قول  الحق سبحانه : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ  أَنِّي مَعَكُمْ فَتَنِبُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ  الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ 
الوحي إلى السماء والأرض وذلك في  قول الحق سبحانه : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ  سَمَوَاتِ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ  أمرها ) (فصلت : (۱۲) وعن الأرض ورد لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ  قول الحق سبحانه : ( إِذَا زُلْزِلَتِ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ  الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ  أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا  يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ 
أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة ١ - ٥) . 
- الوحي إلى بعض الحشرات  وذلك في قول الحق سبحانه : ﴿ وَأَوْحَى  ربُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ  الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ النحل ) 
ويمكن القول : إن الله ألهم الطير  المرسلة على أصحاب الفيل بما هو  منوط بها وما أرسلت من  أجله : قال تعالى : ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ  تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلِ فَجَعَلَهُمْ  كَعَصْفٍ مأْكُولٍ (الفيل :٣ - ٥)  صور أخرى من الوحي : 
إذا كانت النصوص السابقة تعبر  عن الدلالة اللغوية والشرعية للوحى  الإلهى، فإن الوحي بالمعنى اللغوى قد  ورد في بعض آيات القرآن الكريم  مستندا إلى الشياطين : 
١- وحي شياطين الإنس والجن إلى  بعضهم برفض النبوة والرسالة وعدم  قبولها قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا  أمرها ) (فصلت : (۱۲) وعن الأرض ورد لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ  قول الحق سبحانه : ( إِذَا زُلْزِلَتِ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ 
غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ 
وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ (الأنعام (۱۱۲) . 
٢ وحى الشيطان إلى الإنسان  الفاسد أو الفاسق بتحريم الحلال أو  تحليل الحرام ومساندته حال الجدل  بالباطل، وذلك واضح في قول الحق  سبحانه : ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ  اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ  إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ  لمَشْرِكُونَ ﴾ (الأنعام (۱۳۱) . 
ادعاء الوحي وذلك إخبار غيبي وقع  في زمن النبوة ولا يزال قائما حتى  الآن، بدءًا من مسيلمة الكذاب وتباعا  بسجاح والأسود العنسي وخالد بن  نهيرة، وتبعهم في زعمهم هذا : أحمد  القادياني، ومحمد على الشيرازي  اللذين شكلا القاديانية والبهائية  بزعمهم الوحي إليهم، قال تعالى :  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ 
أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ  مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ (الأنعام : ٩٣ ) 
الوحي التشريعي مقصور على الرجال 
إذا كان الوحي بمعانيه المختلفة قد  ورد في القرآن بحق طوائف شتى من  الخلق فإن وحى النبوة والرسالة قد  اقتصر على الرجال دون النساء  ونصوص القرآن واضحة الدلالة في  هذا ، قال تعالى بحق المرسلين السابقين  على محمد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا  رِجَالاً نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى (يوسف (١٠٩) .  وقال تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ  إِلَّا رِجَالاً نُّوحِيَ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُوا أَهْلَ  الذِّكْرِ ﴾ (النحل: ٤٣) ، وقال تعالى: ﴿وَما 
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُوا أَهْلَ  الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنبياء )  و قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن  رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا  فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: ٢٥) وعلى هذا انعقد  إجماع المسلمين على قصر النبوة  والرسالة على الرجال دون النساء، ولهم  في ذلك وجوه من الحكمة قد ذكرت  منفصلة في غير هذا البحث 
وعندما ادعت سجاح النبوة، عجب  من أمرها أحد أتباعها وقال قولته  المشهورة 
صارت نبيتنا أنثى نطوف بها 
وأصبح أنبياء الله ذكرانا 
ولم يخالف في وحى النبوة من  المسلمين إلا بعض علماء الأندلس  المسلمين، وقد انتصر ابن حزم لهذا  وعقد له فصلا وبذل كل جهد لإقامة  الدليل على ما ذهب إليه، ورد ما  ذهب ميسور ومستطاع فضلا عن  مخالفته جمهور المسلمين، إلا أن 
حرصه على التفرقة بين النبوة والرسالة  وقوله بنبوة النساء دون إرسالهم، غير  مقبول ومن الذين نص على نبوتهم  السيدة ٫ سارة، ومريم، وأم موسى  وامرأة فرعون . 
وقد أغفل بعض النصوص التي تبطل 
نبوة هؤلاء، كما اعتمد على الانتقاء  في حديث : " كمل من الرجال كثير  ولم يكمل من النساء إلا أربع فأخذ  من النساء مريم، وآسية، وترك من  الحديث فاطمة بنت محمد، وخديجة  بنت خويلد ولم يقل أحد بنبوتهم ) . 
صور الوحي الإلهى إلى الرسل . 
عرف الإمام محمد عبده الوحي  بقوله : إنه عرفان يجده الشخص من  نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله  بواسطة أو بغير واسطة والأول بصوت  يتمثل السمعه أو بغير صوت 
ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام  وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما  يطلب على غير شعور منها من أين أتى  وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش  والخوف والسرور . 
والزرقاني في مناهل العرفان قد  جمع صور الوحي بعد تعريفه له قائلا "  أما الوحي فمعناه في لسان الشرع، أن  يُعْلِمَ الله من اصطفاه من عباده كل ما  أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية  والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية  غير معتادة للبشر ويكون على أنواع 
شتی : 
" منه ما يكون مكالمة بين العبد  وريه، كما كلم الله موسى تكليما "  ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في  قلب مصطفاه على وجه من العلم  الضرورى لا يستطيع له دفعا ولا يجد  فيه شكا، ومنه ما يكون مناما  صادقا يجيئ في تحقيقه ووقوعه كما  يجيئ فلق الصبح في تبلجه، ومنه ما  يكون بواسطة أمين الوحي جبريل عليه  السلام : وهو ملك كريم وفيه قيل  قال تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ )  ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينِ )  مُطَاعٍ ثُمَّ أَمِينٍ ﴾ (التكوير ١٩-٢١) . 
وهذا النوع هو أشهر الأنواع  وأكثرها، ووحى القرآن كله من هذا  القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي  الجلي، قال الله في سورة الشعراء :  قال تعالى : ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ )  بلِسَانٍ عَرَبي مُبِينٍ ﴾ (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥) . 
ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر  على أساليب شتى، فتارة يظهر للرسول  في صورته الحقيقية الملكية، وتارة  يظهر فى صورة إنسان يراه الحاضرون  ويستمعون إليه دون أن يعرفوه، وتارة  يهبط على الرسول خفية فلا يرى .  ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على 
صاحب الرسالة فيغط غطيط النائم  ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء وما  هي في شيئ من الغشية والإغماء، إن  هى إلا استغراق في لقاء الملك  الروحاني، وانخلاع عن حالته البشرية  العادية، فيؤثر ذلك على الجسم فيغط  ويثقل ثقلا شديدا ، قد يتصبب منه  الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد 
وقد يكون وقع الوحي على الرسول  كوقع الجرس إذا صلصل في أذن  سامعه ، وذلك أشد أنواعه، وربما سمع  الحاضرون صوتا عند وجه الرسول  كأنه دوى النحل، لكنهم لا يدركون  منه شيئا . أما هو صلوات الله وسلامه  عليه . فإنه يسمع ما يوحى إليه، ويعلم  علما ضروريا أن هذا هو وحى الله دون  لبس لا خفاء، ومن غير شك ولا  ارتياب، فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما  أوحى إليه حاضرا في ذاكرته  منتقشا في حافظته، كأنما كتب في  قلبه كتابة، والأدلة الشرعية على ما  ذكرناه كثيرة (1) . 
وهذا الذي ذهب إليه الزرقاني  مستمد من الآية الكريمة التي في  أواخر سورة الشورى في قول الحق  سبحانه : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ  اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَأَى حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ  رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ  حكِيمٌ ﴾ (الشورى : (٥١) وفي صحيح  الإمام البخارى وغيره من كتب السنة  أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  " أحيانا يأتيني مثل صاصلة الجرس - وهو أشده على - فيفصيم عنى وقد  وعيت عنه بما قال وأحيانا يتمثل لى  الملك رجلا فيكلمني فأعى ما أقول "  قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه  الوحي في اليوم الشديد البرد . فيفصم  عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (١٠) . 
يقول ابن خلدون : وهو يقرر ويفسر  حقيقة الوحي " اعلم أن الله سبحانه  اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم  بخطابه، وفطرهم على معرفته وجعلهم  وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم  بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم  وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف  ويظهره على ألسنتهم من الخوارق  والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر  التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله  بواسطتهم ، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله  إياها ، قال صلى الله عليه وسلم " ألا وإني لا أعلم إلا ما  علمني الله (۱۱). 
وعلامة هذا الصنف من البشر أن  توجد لهم في حال الوحي غيبة عن  الحاضرين معهم مع غطيط كأنها  غشى أو إغماء في رأى العين وليست  منها في شئ، وإنما هي في الحقيقة  استغراق في لقاء الملك الروحاني  بإمكانهم المناسب لهم، الخارج عن  مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى 
المدارك البشرية إما بسماع دوى من  الكلام فيفهمه، أو يتمثل له صورة  شخص يخاطبه بما جاء من عند الله  ثم يتخلى عنه تلك الحال، وقد وعى ما  ألقى إليه، قال . وقد سئل عن  الوحي فقال : " أحيانا يأتيني مثل  صلصلة الجرس وهو أشده على فيغصم  عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل  لى الملك رجلا فيكلمني فأعى مما  يقول " 
ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط  ما لا يعبر عنه ففى الحديث " كان بما  يعالج من التنزيل شدة " وقالت  عائشة له : كان ينزل عليه الوحي في  اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن  جبينه ليتفصد عرقا قال تعالى : ( إنا  سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ (المزمل : ٥) 
ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي  كان المشركون يرمون الأنبياء  بالجنون " يقولون : له رئى أو تابع من  الجن، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه  من ظاهر تلك الأحوال و وعن (۱۲) كيفية  التلقى من الملك ورد قول ابن خلدون  وصنف مفطور على الانسلاخ من  البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها  إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير  في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل  يحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم  وسماع الكلام النفساني والخطاب  الإلهى في تلك اللمحة، وهؤلاء هم  الأنبياء - عليهم السلام - جعل الله لهم  الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة ،  وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله  عليها وجبلة صورهم فيها ، ونزههم عن  موانع البدن وعوائقه ما داموا ملا بسين  لها بالبشرية من فهم يتوجهون إلى ذلك  الأفق بهذا النوع من الانسلاخ متى شاء  وبتلك القدرة التي فطروا عليها لا  باكتساب ولا صناعة ، فلذلك توجهوا  وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك  الملأ الأعلى ما يتلقونه ، ..... ثم يكون .  الرجوع إلى المدارك البشرية، وفهمه ما  ألقى عليه كله . كأنه في لحظة  واحدة بل قرب من لمح البصر، لأنه  ليس في زمان، بل كلها تقع جميعا ،  فيظهر كأنها سريعة، ولذلك سميت  وحيا، لأن الوحي في اللغة الإسراع "(١٣).  الفرق بين وحى النبوة ووحى الرسالة  عند ابن خلدون . 
اعلم أن حالة الدوى هي رتبة الأنبياء  غير المرسلين على ما حققوه . 
والثانية وهي حالة تمثل الملك رجلا  يخاطب، هي رتبة الأنبياء المرسلين  ولذلك كانت أكمل من الأولى (١٤) 
وهذا مبنى على القول بالتفرقة بين  النبي والرسول . 
الوحي كيفيته وصورة في حياة  الرسول - صلى الله عليه وسلم 
قال ابن القيم وهو يذكر مراتب  الوحي الثمانية : 
إحداها : الرؤيا الصادقة وكانت  مبدأ وحيه عليه السلام، فكان لا يرى  رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ولم  يبن حكم شرعى على شئ من الرؤيا  المنامية في الإسلام . 
الثانية : ما كان يلقيه الملك في  روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال  النبي صلى الله عليه وسلم : "إن روح القدس نفث في  روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفى  كل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في  الطلب، ولا يحملنكم استنباط الرزق  على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما  عند الله لا ينال إلا بطاعتة" (١٥). 
الثالثة : أنه كان يتمثل له الملك  رجلاً فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول  له . وفى هذه المرتبة كان يراه  الصحابة أحيانا . 
الرابعة : أنه كان يأتيه في مثل  صلصلة الجرس وكان أشده عليه  فيلتبس به الملك، حتى إن جبينه  ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ،  وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض  إذا كان راكبها ، ولقد جاء الوحي  مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن  ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها  الخامسة : أنه يرى الملك في صورته  التي خلق عليها . فيوحى إليه ما شاء  الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين  كما ذكر الله ذلك في سورة النجم . 
السادسة : ما أوحاه الله إليه، وهو 
فوق السموات ليلة المعراج من فرض  الصلاة وغيرها . 
السابعة : كلام الله له منه إليه بلا  واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن  عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى قطعا  بنص القرآن، وثبوتها لنبينا هو في  حديث الإسراء . 
وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي  تكليم الله له كفاحا من غير حجاب  وهي مسألة خلاف بين السلف  والخلف (1) . 
مظاهر الوحي وآثاره في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم 
الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم بأساليب أربعة :
الأسلوب الأول : أوحى إليه به يقظة  وحيا جليا وتلقاه ووعاه وأعاد قراءته  على وجه السرعة وأمر أن لا يتعجل  القراءة لأن الضامن له حفظا وجمعا  وبيانا هو الله، قال تعالى : ( لَا تُحرك  بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا  جَمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتَّبِعْ  قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ (القيامة : ١٦ - ١٩)  قال تعالى : ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ  أن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي  عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤ ) 
وهذا الذي أوحى إليه به يقظة وتم  التحدى به والتعبد بتلاوته هو القرآن  وهو المعجزة الدائمة الباقية إلى قيام 
الساعة بحق الرسول محمد - . وما  بقيت آيات التحدى تقرأ فإن التحدى لا  يزال قائما . 
الأسلوب الثاني : ما أوحى به إلى  الرسول - يقظة أو مناما، وما ألقى  في قلبه متيقنا أنه كلام من ربه  فنطق به عليه السلام على سبيل  الإخبار عن ربه، في غير تحد ولا  تكليف شرعي، بل أخلاق وقيم وآداب  يجب التحلى بها أو مواعظ يترقق القلب  بها، وكثيرا ما ترد مفتتحة بقول  الرسول عليه السلام " أوحى إلى " " إن  روح القدس " " يا عبادي .. " وليست  هذه الأحاديث مما يتعبد به في الصلاة  ولا يتحدى بمثله في الكلام ولا تحرم  روايته بالمعنى .... 
الأسلوب الثالث : ما كان وحيا في  معناه، ولفظا نبويا في مبناه وهو ما  يعرف بالحديث النبوي الشريف  ذكره عليه السلام للبيان أو  التخصيص أو الإضافة أو الإجابة على  سؤال سائل - ومرادنا بهذا القسم السنة  القولية وأما السنة الفعلية والخصائص  والشمائل فليست مما أوحى به بل هو  مما فطر عليه والتزم به باعتباره القدوة  والأسوة الحسنة 
الأسلوب الرابع : ما تكلم به عليه  السلام بحكم بشريته مما يتعلق  بالطعام والشراب، والنوم واليقظة  والأمور العادية والحياة الزوجية في غير 
ما يتعلق به تشريع ولا تبنى عليه  أحكام شرعية 
وقد أدرك الصحابة الفرق بين النص  المتعبد به، وبين النص الذي يليه في  المنزلة والالتزام وبين النص الصادر من  رسول الله والمنسوب إليه، وبين  الكلام الدنيوي الذي لا تبنى عليه  أحكام ولا يتعلق به حلال ولا حرام 
وجمهور المسلمين على أن السنة وحى  إلهى، قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي  الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ وَآيَاتِهِ  وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ (الجمعة (٢)  فالكتاب هو القرآن الكريم  والحكمة هي السنة النبوية المطهرة . 
وفي الحديث : " ألا إنى أوتيت  القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل ينثنى  شبعانا على أريكته يقول : عليكم  بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال  فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام  فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار  الأهلى، ولا كل ذي ناب من السباع ألا  لقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى  عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم  أن يقروهم، فإن لم يقروهم، فلهم أن  يعقبوهم بمثل قراهم (۱۷) . 
وفى التعليق على هذا الحديث قيل :  وهو حديث نبوى جامع يفيدنا ما يلى : 
1. أن السنة وحى أوتيه النبي - - مع  القرآن . 
التشنيع على من يقتصر على القرآن  ويرفض السنة 
أن هناك أموراً تنفرد السنة ببيان  أحكامها ومن ذلك : 
أ. تحريم لحم الحمار الأهلى وكل ذي  ناب من السباع 
ب - تحريم لقطة المعاهد، فيجب  الاحتفاظ بها لصاحبها 
ج - وجوب إكرام الضيف وإباحة  مطالبته من نزل عندهم بحقه في  الكرم وكل هذه أمور لم ترد في  القرآن الكريم نصاً، بل جاءت إحالة  بمثل قوله تعالى : ﴿وَمَا ءَاتَنكُمُ الرَّسُولُ  فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ (الحشر : ٧)  ومن هنا كانت واجبة الإتباع  كالقرآن لأنها وحى مثله (۱۸) 
وقد ذهب جمهور المسلمين إلى أن  كل صور الوحي إلى الرسول - - عدا  الوحي الجلي في اليقظة هي من السنة  أو الحديث القدسي (1) 
الإيمان بالوحي الإلهى من فروض العين 
النبوة والرسالة لا تثبت إلا بوحى  إلهى، والنبوة والرسالة يثبت أمرهما  بالدلائل المصدقة لهما الدالة على  ثبوتهما ، وآثار الوحي إلى المرسلين منها  ما توفر العلم به ومنها ما لم يتوفر  العلم به . 
وما لم يتوفر العلم به تفصيلا وهو  علم أمره إجمالا ، فقد أشار إليه  القرآن، كما في حديث القرآن عن  صحف إبراهيم وصحف موسى  والإشارة إلى قليل مما ورد فيها، كما  ذكر القرآن أن يوسف عليه السلام قد  جاء بالبينات، وإشارات القرآن إلى قليل  من معالم دعوة يوسف واضحة في  السورة المسماة باسمه، وأما هذه  البينات جملة وتفصيلا فلم تجمع في  كتاب واحد ، سمى باسمه . 
وأما ما علم أمره تفصيلا مسماه  فما نص عليه القرآن الكريم، قال  تعالى : ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا .  وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا  لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا  اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ  شُهَدَاء ) المائدة :٤٤) وقال بحق داود عليه  السلام و وَوَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ﴾ (النساء (١٦)  وقال بحق المسيح عليه السلام ( وَقَفَّيْنَا  عَلَى ءَاثَرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا  بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَةِ وَعَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ  هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ 
التَّوْرَنَة (المائدة : ٤٦) وقال بحق محمد  وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم  بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ ﴾ (الأنعام : ١٩) 
والمسلم مطالب بالإيمان بأسماء  الكتب الثلاثة الأول، غير مطالب  بمضمونها، وبخاصة أن نصوص القرآن 
واضحة الدلالة في النص على وقوع  التصرف في المضمون، نتيجة جهل  المتلقين وخيانة الناقلين قال تعالى :  وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا  أَمَانِي وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ  يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا  مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ  لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا  يَكْسِبُونَ ) (البقرة : ٧٨ - ٧٩) 
وكل ما بقى من هذا السابق تنزل  على المرسلين قبل محمد - إن كان  موافقا للقرآن فهو بقية من حق أغنانا لحَافِظُونَ ﴾ (الحجر: 1) فاسمية الجملة،  عنها القرآن، وإن كان مخالفا  للقرآن، فما كان لنا أن ندع القرآن  إلى غيره من الكتب . 
ولم يبق من كلمة الله محفوظة  بحفظ منزلها إلا القرآن الكريم، الذي  تعهد الله بحفظه بعهود تتعلق به تبلغ  حدا في الكثرة وبصيغ لم ترد بحق 
غيره . 
ومن هذه العهود ( الجمع - التمكين  من قراءته - بيانه للناس - حفظه - عجز  الإنس والجن عن الإتيان بمثله - عجز  الآلهة المزعومة عن إنزال مثله . الدعوة  إلى التدبر كسبيل للدلالة على ألوهية  مصدره ) . 
وآيات القرآن في هذا تبلغ حدا في  الكثرة . 
وأما صيغ العهد بحفظه فقد وردت  بضمائر العظمة، وذلك في قول الحق  سبحانه : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ  موافقا للقرآن فهو بقية من حق أغنانا لحَافِظُونَ ﴾ (الحجر: 1) فاسمية الجملة،  ونا الجمع، والتوكيد بنحن، وتكرار  ضمير المعظم نفسه، والجمع في قوله  ) لحافظون)، مع التوكيد باللام  كل هذا يبين مدى رعاية الله وعنايته  بحفظ هذا القرآن الكريم . 


'''الأسلوب الأول: ''' أوحي إليه به يقظة وحيا جليا وتلقاه ووعاه وأعاد قراءته على وجه السرعة وأُمر أن لا يتعجل [[القراءة]] لأن الضامن له حفظا وجمعا وبيانا هو [[الله]]، قال تعالى: {{نص قرآني|لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}}<ref> سورة القيامة، الآية ١٦-١٩.</ref> قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}}<ref> سورة طه، الآية ١١٤.</ref>.
وهذا الذي أوحي إليه به يقظة وتم التحدى به والتعبد بتلاوته هو [[القرآن]] وهو [[المعجزة]] الدائمة الباقية إلى [[قيام الساعة]] بحق الرسول [[محمد]] وما بقيت آيات التحدى تقرأ فإن التحدى لا يزال قائما .
'''الأسلوب الثاني: ''' ما أوحي به إلى الرسول يقظة أو مناما، وما ألقى في قلبه متيقنا أنه [[كلام]] من ربه فنطق به {{ع}} على سبيل الإخبار عن ربه، في غير تحد ولا [[تكليف]] شرعي، بل [[أخلاق]] وقيم وآداب يجب التحلى بها أو مواعظ يترقق [[القلب]] بها، وكثيرا ما ترد مفتتحة بقول الرسول {{ع}} " أوحي إلى " " إن [[روح القدس]] " " يا عبادي .. " وليست هذه [[الأحاديث]] مما يتعبد به في [[الصلاة]] ولا يتحدى بمثله في [[الكلام]] ولا تحرم روايته بالمعنى ...
'''الأسلوب الثالث: ''' ما كان وحيا في معناه، ولفظاً نبوياً في مبناه وهو ما يعرف بالحديث النبوي الشريف ذكره {{ع}} للبيان أو التخصيص أو الإضافة أو الإجابة على [[سؤال]] سائل - ومرادنا بهذا القسم [[السنة]] القولية وأما السنة الفعلية والخصائص والشمائل فليست مما أوحي به بل هو مما فطر عليه والتزم به باعتباره [[القدوة]] والأسوة الحسنة.


'''الأسلوب الرابع: ''' ما تكلم به {{ع}} بحكم بشريته مما يتعلق بالطعام والشراب، والنوم واليقظة والأمور العادية والحياة [[الزوجية]] في غير ما يتعلق به تشريع ولا تبنى عليه [[أحكام]] شرعية .


.<ref>[[بكر زكي عوض]]، [[الوحي (مقالة)|مقالة «الوحي»]]، [[موسوعة العقيدة الإسلامية (كتاب)|موسوعة العقيدة الإسلامية]]، ص 1159-١١٣٣.</ref>
وقد أدرك [[الصحابة]] الفرق بين [[النص]] المتعبد به، وبين النص الذي يليه في [[المنزلة]] والالتزام وبين النص الصادر من [[رسول الله]] والمنسوب إليه، وبين [[الكلام]] [[الدنيوي]] الذي لا تبنى عليه [[أحكام]] ولا يتعلق به [[حلال]] ولا [[حرام]].
 
وجمهور المسلمين على أن [[السنة]] [[وحي]] إلهى، قال تعالى: {{نص قرآني|هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}}<ref> سورة الجمعة، الآية ٢.</ref> فالكتاب هو [[القرآن الكريم]] والحكمة هي [[السنة النبوية]] المطهرة .
وفي الحديث: {{نص حديث|ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل ينثنى شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلى، ولا كل ذي ناب من السباع ألا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم، فإن لم يقروهم، فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم}}<ref>مسند أحمد رقم ١٧١٧٤، وأبو داوود في السنن ٤٦٠٤ والبيهقي في السنن ٢٣٢/٩ وانظر الدراسة المتصلة حول هذا الحديث في الموسوعة الحديثية - مسند الإمام أحمد جـ ٢٨، ٤١٣.٤١ </ref>.
وفى التعليق على هذا الحديث قيل: وهو حديث نبوي جامع يفيدنا ما يلى:
#أن السنة وحي أوتيه [[النبي]] مع [[القرآن]] .
#التشنيع على من يقتصر على القرآن ويرفض السنة.
#أن هناك أموراً تنفرد السنة ببيان أحكامها ومن ذلك:
##تحريم لحم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع.
##تحريم لقطة المعاهد، فيجب الاحتفاظ بها لصاحبها.
##[[وجوب]] [[إكرام]] الضيف وإباحة مطالبته من نزل عندهم بحقه في [[الكرم]] وكل هذه أمور لم ترد في القرآن الكريم نصاً، بل جاءت إحالة بمثل قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}}<ref> سورة الحشر، الآية ٧.</ref>
 
ومن هنا كانت واجبة الإتباع كالقرآن لأنها وحي مثله <ref>شذرات من علوم السنة ٢٤٠٢٥.</ref>
 
وقد ذهب [[جمهور المسلمين]] إلى أن كل صور [[الوحي]] إلى [[الرسول]] عدا الوحي الجلي في [[اليقظة]] هي من السنة أو [[الحديث القدسي]]<ref>شذرات من علوم السنة ٢٤٠٢٥.</ref>.
 
==[[الإيمان]] بالوحي الإلهى من فروض [[العين]]==
[[النبوة]] والرسالة لا تثبت إلا بوحي إلهي، والنبوة والرسالة يثبت أمرهما بالدلائل المصدقة لهما الدالة على ثبوتهما، وآثار [[الوحي]] إلى المرسلين منها ما توفر [[العلم]] به ومنها ما لم يتوفر العلم به .
 
وما لم يتوفر العلم به تفصيلاً وهو علم أمره إجمالا، فقد أشار إليه [[القرآن]]، كما في حديث القرآن عن [[صحف إبراهيم]] وصحف [[موسى]] والإشارة إلى قليل مما ورد فيها، كما ذكر القرآن أن [[يوسف]] {{ع}} قد جاء بالبينات، وإشارات القرآن إلى قليل من معالم [[دعوة]] يوسف واضحة في [[السورة]] المسماة باسمه، وأما هذه [[البينات]] جملة وتفصيلا فلم تجمع في كتاب واحد، سمى باسمه .
 
وأما ما علم أمره تفصيلاً مسماه فما [[نص]] عليه [[القرآن الكريم]]، قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٤٤.</ref> وقال بحق [[داوود]] {{ع}} {{نص قرآني|وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٦٣.</ref> وقال بحق [[المسيح]] {{ع}} {{نص قرآني|وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٤٦.</ref> وقال بحق [[محمد]] {{نص قرآني|وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٩.</ref>.
والمسلم مطالب بالإيمان بأسماء الكتب الثلاثة الأول، غير مطالب بمضمونها، وبخاصة أن نصوص القرآن واضحة [[الدلالة]] في [[النص]] على وقوع التصرف في المضمون، نتيجة [[جهل]] المتلقين وخيانة الناقلين قال تعالى: {{نص قرآني|وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٨-٧٩.</ref>.
وكل ما بقى من هذا السابق تنزل على المرسلين قبل محمد إن كان موافقاً للقرآن فهو بقية من [[حق]] أغنانا عنها القرآن، وإن كان مخالفاً للقرآن، فما كان لنا أن ندع القرآن إلى غيره من الكتب .
ولم يبق من [[كلمة الله]] محفوظة بحفظ منزلها إلا [[القرآن الكريم]]، الذي تعهد [[الله]] بحفظه بعهود تتعلق به تبلغ حدا في [[الكثرة]] وبصيغ لم ترد بحق غيره .
 
ومن هذه العهود (الجمع - [[التمكين]] من قراءته - بيانه للناس - حفظه - [[عجز]] [[الإنس]] والجن عن الإتيان بمثله - عجز الآلهة المزعومة عن إنزال مثله . [[الدعوة]] إلى [[التدبر]] كسبيل للدلالة على [[ألوهية]] مصدره) .
وآيات [[القرآن]] في هذا تبلغ حداً في الكثرة .
وأما صيغ [[العهد]] بحفظه فقد وردت بضمائر [[العظمة]]، وذلك في قول [[الحق]] سبحانه: {{نص قرآني|إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٩.</ref> فاسمية الجملة، ونا الجمع، والتوكيد بنحن، وتكرار ضمير المعظم نفسه، والجمع في قوله {{نص قرآني|لَحَافِظُونَ}}، مع التوكيد باللام كل هذا يبين مدى رعاية الله وعنايته بحفظ هذا القرآن الكريم.<ref>[[بكر زكي عوض]]، [[الوحي (مقالة)|مقالة «الوحي»]]، [[موسوعة العقيدة الإسلامية (كتاب)|موسوعة العقيدة الإسلامية]]، ص ١١٥٩-١١٦٩.</ref>


==مقالات ذات صلة==
==مقالات ذات صلة==
٢٦٬٨٢١

تعديل