الوحي عند أهل السنة
الوحي في لغة العرب
أطلق العرب كلمة وحي على تصرفات شتى منها:
الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك . ويطلق الوحي على المكتوب وعلى الكتاب أيضاً، وفي حديث الحارث الأعور قال علقمة: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث: القرآن هين، الوحي أشد منه[١] أراد بالقرآن القراءة وبالوحي الكتابة والخط.
وأوحي إليه ألهمه، وفي التنزيل العزيز ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾[٢] وفيه ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾[٣] أى إليها، فمعنى هذا أمرها، وأوحي وفي التنزيل العزيز ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾[٤] والوحي ما يوحيه الله إلى أنبيائه، وسمى الوحي إلى الأنبياء وحياً لأن الملك أسره على الخلق وخص به النبي المبعوث إليه وكل إسرار يسمى وحيا، وقال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾[٥] أي يُسِرُ بعضهم على بعض. ويكون الوحي للأمر والإشارة والإلهام والإلقاء في القلب[٦].
وفي المفردات في غريب القرآن ورد أصل الوحي الإشارة الشريعة . ولتضَمُن السرعة قيل: أمر وَحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة . وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾[٧].
فقد قيل رَمَزَ، وقيل، أشار وقيل كتب. وعلى هذه الوجوه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾[٨] وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾[٩].
... ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي، وذلك أَضْرُبُ، حسبما دل عليه قوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾[١٠].
وذلك إما برسول بشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل (ع) للنبي في صورة معينة، وإما بسماع من غير معاينة كسمع موسى كلام الله، وإما بإلقاء في الروع كما ذكر "إن روح القدس نفث في روعي" وإما بإلهام نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾[١١] وإما بتسخير نحو قوله ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾[١٢] وإما برؤية مناسبة كما قال عليه الصلاة والسلام " انقطع الوحي وبقيت المبشرات وعندما سئل اللي (ع) عن المبشرات قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له[١٣] وسمع الكلام معاينة دل عليه قوله ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾[١٤] وتبليغ جبريل في صورة معينة دل عليه قوله ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ﴾[١٥].
وما أرسل الله رسولا إلا وأوحي إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[١٦] وأما الوحي إلى الحواريين فهو بواسطة عيسى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا﴾[١٧]
وأما الوحي إلى الملائكة فبواسطة اللوح والقلم كما قيل، وقوله ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾[١٨] فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط فالموحي إليهم محذوف ذكره، كأنه قال: أوحي إلى الملائكة لأن أهل السماءهم الملائكة. وإن كان الموحي إليه هي السموات فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حي، ونطق عند من جعله حيا[١٩].
الوحي في القرآن الكريم
ومن مجموع آيات القرآن التي تناولت مادة الوحي ندرك الآتى:
١. الوحي إلى الأنبياء والمرسلين لتبليغ الخلق مراد الحق، وهو المشهور عند الإطلاق، ويطلق الوحي في هذه الحالة على القول الموحي به وعلى عملية التبليغ من قبل الله وعلى الإلقاء في القلب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[٢٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾[٢١] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾[٢٢]
٢. الوحي إلى الأولياء والصالحين من غير المرسلين، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾[٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾[٢٤]
وحديث الملائكة المستفيض مع مريم في سورة آل عمران وسورة مريم هو من هذا القبيل وبخاصة أنه كان قبل أن يكون المسيح (ع) موجوداً.
ويلحق بهذا حواريو المسيح الذين ألهمهم الله الإيمان به وبالمسيح (ع) فآمنوا وأعلنوا إسلامهم.
ومنه تعليم الله للخضر (ع) العلم اللدني وهو نور معرفة يقذفه الله في قلب من شاء من خلقه قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾[٢٥].
٣. الوحي إلى الملائكة وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾[٢٦]
٤. الوحي إلى السماء والأرض وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾[٢٧] وعن الأرض ورد قول الحق سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾[٢٨].
٥. الوحي إلى بعض الحشرات وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾[٢٩].
ويمكن القول: إن الله ألهم الطير المرسلة على أصحاب الفيل بما هو منوط بها وما أرسلت من أجله: قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾[٣٠].
صور أخرى من الوحي
إذا كانت النصوص السابقة تعبر عن الدلالة اللغوية والشرعية للوحي الإلهي، فإن الوحي بالمعنى اللغوي قد ورد في بعض آيات القرآن الكريم مستنداً إلى الشياطين:
١. وحي شياطين الإنس والجن إلى بعضهم برفض النبوة والرسالة وعدم قبولها قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾[٣١].
٢. وحي الشيطان إلى الإنسان الفاسد أو الفاسق بتحريم الحلال أو تحليل الحرام ومساندته حال الجدل بالباطل، وذلك واضح في قول الحق سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾[٣٢].
٣. ادعاء الوحي وذلك إخبار غيبي وقع في زمن النبوة ولا يزال قائما حتى الآن، بدءًا من مسيلمة الكذاب وتباعاً بسجاح والأسود العنسي وخالد بن نهيرة، وتبعهم في زعمهم هذا: أحمد القادياني، ومحمد على الشيرازي اللذين شكلا القاديانية والبهائية بزعمهم الوحي إليهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾[٣٣]
الوحي التشريعي مقصور على الرجال
إذا كان الوحي بمعانيه المختلفة قد ورد في القرآن بحق طوائف شتى من الخلق فإن وحي النبوة والرسالة قد اقتصر على الرجال دون النساء ونصوص القرآن واضحة الدلالة في هذا، قال تعالى بحق المرسلين السابقين على محمد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾[٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾[٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[٣٧] وعلى هذا انعقد إجماع المسلمين على قصر النبوة والرسالة على الرجال دون النساء، ولهم في ذلك وجوه من الحكمة قد ذكرت منفصلة في غير هذا البحث[٣٨].
ولم يخالف في وحي النبوة من المسلمين إلا بعض علماء الأندلس المسلمين، وقد انتصر ابن حزم لهذا وعقد له فصلا وبذل كل جهد لإقامة الدليل على ما ذهب إليه[٣٩]، وردُ ما ذهب ميسور ومستطاع فضلاً عن مخالفته جمهور المسلمين، إلا أن حرصه على التفرقة بين النبوة والرسالة وقولهُ بنبوة النساء دون إرسالهم، غير مقبول ومن الذين نص على نبوتهم السيدة / سارة، ومريم، وأم موسى وامرأة فرعون .
وقد أغفل بعض النصوص التي تبطل نبوة هؤلاء، كما اعتمد على الانتقاء في حديث: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[٤٠].
صور الوحي الإلهى إلى الرسل
عرف الإمام محمد عبده الوحي بقوله: إنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة والأول بصوت يتمثل السمعه أو بغير صوت
ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والخوف والسرور[٤١].
والزرقاني في مناهل العرفان قد جمع صور الوحي بعد تعريفه له قائلاً أما الوحي فمعناه في لسان الشرع، أن يُعْلِمَ الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر ويكون على أنواع شتی:
" منه ما يكون مكالمة بين العبد وريه، كما كلم الله موسى تكليما " ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضرورى لا يستطيع له دفعا ولا يجد فيه شكا، ومنه ما يكون مناما صادقا يجيئ في تحقيقه ووقوعه كما يجيئ فلق الصبح في تبلجه، ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل (ع): وهو ملك كريم وفيه قيل قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾[٤٢] .
وهذا النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي، قال الله في سورة الشعراء: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾[٤٣].
ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على أساليب شتى، فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية، وتارة يظهر فى صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه دون أن يعرفوه، وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى . ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة فيغط غطيط النائم ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء وما هي في شيئ من الغشية والإغماء، إن هى إلا استغراق في لقاء الملك الروحاني، وانخلاع عن حالته البشرية العادية، فيؤثر ذلك على الجسم فيغط ويثقل ثقلاً شديداً، قد يتصبب منه الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد .
وقد يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجَرس إذا صَلصَل في أذن سامعه، وذلك أشد أنواعه، وربما سمع الحاضرون صوتا عند وجه الرسول كأنه دوى النحل، لكنهم لا يدركون منه شيئا . أما هو (ع) . فإنه يسمع ما يوحي إليه، ويعلم علما ضروريا أن هذا هو وحي الله دون لبس لا خفاء، ومن غير شك ولا ارتياب، فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضراً في ذاكرته منتقشا في حافظته، كأنما كتب في قلبه كتابة، والأدلة الشرعية على ما ذكرناه كثيرة[٤٤].
وهذا الذي ذهب إليه الزرقاني مستمد من الآية الكريمة التي في أواخر سورة الشورى في قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[٤٥] وفي صحيح الإمام البخاري وغيره من كتب السنة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله (ص): أحياناً يأتيني مثل صاصلة الجرس - وهو أشده على - فيفصيم عنى وقد وعيت عنه بما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمني فأعى ما أقول قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد . فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا[٤٦].
يقول ابن خلدون: وهو يقرر ويفسر حقيقة الوحي " اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بواسطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياها، قال (ص) «ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني الله»[٤٧].
وعلامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشى أو إغماء في رأى العين وليست منها في شئ، وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإمكانهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوى من الكلام فيفهمه، أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء من عند الله ثم يتخلى عنه تلك الحال، وقد وعى ما ألقى إليه، قال وقد سئل عن الوحي فقال: «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي وقدْ وعَيْتُ عنْه ما قالَ، وأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي فأعِي ما يقولُ».
ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه ففي الحديث «كان بما يعالج من التنزيل شدة» وقالت عائشة: كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾[٤٨].
ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون " يقولون: له رئى أو تابع من الجن، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال[٤٩] وعن كيفية التلقى من الملك ورد قول ابن خلدون وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل يحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهى في تلك اللمحة، وهؤلاء هم الأنبياء - (ع) - جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة، وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها، ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملا بسين لها بالبشرية من فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بهذا النوع من الانسلاخ متى شاء وبتلك القدرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة، فلذلك توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه، ..... ثم يكون الرجوع إلى المدارك البشرية، وفهمه ما ألقى عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل قرب من لمح البصر، لأنه ليس في زمان، بل كلها تقع جميعا، فيظهر كأنها سريعة، ولذلك سميت وحيا، لأن الوحي في اللغة الإسراع[٥٠].
الفرق بين وحي النبوة ووحي الرسالة عند ابن خلدون
اعلم أن حالة الدوى هي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حققوه .
والثانية وهي حالة تمثل الملك رجلا يخاطب، هي رتبة الأنبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى[٥١].
وهذا مبنى على القول بالتفرقة بين النبي والرسول .
الوحي كيفيته وصورة في حياة الرسول
قال ابن القيم وهو يذكر مراتب الوحي الثمانية:
- الرؤيا الصادقة وكانت مبدأ وحيه (ع)، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ولم يُبن حكم شرعى على شئ من الرؤيا المنامية في الإسلام .
- ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي (ص): «إِنَّ رُوحَ اَلْقُدُسِ [قَدْ] نَفَثَ فِي رُوعِي وَ أَخْبَرَنِي أَنْ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَجْمِلُوا فِي اَلطَّلَبِ وَ لاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اِسْتِبْطَاءُ شَيْءٍ مِنَ اَلرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِنَّهُ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَ اَللَّهِ جَلَّ اِسْمُهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ .»[٥٢].
- أنه كان يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له . وفى هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً.
- أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وكان أشده عليه فيلتبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.
- أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها . فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم .
- ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها .
- كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى قطعا بنص القرآن، وثبوتها لنبينا هو في حديث الإسراء .
وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي تكليم الله له كفاحا من غير حجاب وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف[٥٣].
مظاهر الوحي وآثاره في كلام الرسول
الرسول (ص) تكلم بأساليب أربعة:
الأسلوب الأول: أوحي إليه به يقظة وحيا جليا وتلقاه ووعاه وأعاد قراءته على وجه السرعة وأُمر أن لا يتعجل القراءة لأن الضامن له حفظا وجمعا وبيانا هو الله، قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾[٥٤] قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾[٥٥].
وهذا الذي أوحي إليه به يقظة وتم التحدى به والتعبد بتلاوته هو القرآن وهو المعجزة الدائمة الباقية إلى قيام الساعة بحق الرسول محمد وما بقيت آيات التحدى تقرأ فإن التحدى لا يزال قائما .
الأسلوب الثاني: ما أوحي به إلى الرسول يقظة أو مناما، وما ألقى في قلبه متيقنا أنه كلام من ربه فنطق به (ع) على سبيل الإخبار عن ربه، في غير تحد ولا تكليف شرعي، بل أخلاق وقيم وآداب يجب التحلى بها أو مواعظ يترقق القلب بها، وكثيرا ما ترد مفتتحة بقول الرسول (ع) " أوحي إلى " " إن روح القدس " " يا عبادي .. " وليست هذه الأحاديث مما يتعبد به في الصلاة ولا يتحدى بمثله في الكلام ولا تحرم روايته بالمعنى ...
الأسلوب الثالث: ما كان وحيا في معناه، ولفظاً نبوياً في مبناه وهو ما يعرف بالحديث النبوي الشريف ذكره (ع) للبيان أو التخصيص أو الإضافة أو الإجابة على سؤال سائل - ومرادنا بهذا القسم السنة القولية وأما السنة الفعلية والخصائص والشمائل فليست مما أوحي به بل هو مما فطر عليه والتزم به باعتباره القدوة والأسوة الحسنة.
الأسلوب الرابع: ما تكلم به (ع) بحكم بشريته مما يتعلق بالطعام والشراب، والنوم واليقظة والأمور العادية والحياة الزوجية في غير ما يتعلق به تشريع ولا تبنى عليه أحكام شرعية .
وقد أدرك الصحابة الفرق بين النص المتعبد به، وبين النص الذي يليه في المنزلة والالتزام وبين النص الصادر من رسول الله والمنسوب إليه، وبين الكلام الدنيوي الذي لا تبنى عليه أحكام ولا يتعلق به حلال ولا حرام.
وجمهور المسلمين على أن السنة وحي إلهى، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[٥٦] فالكتاب هو القرآن الكريم والحكمة هي السنة النبوية المطهرة .
وفي الحديث: « ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكتِه يقول : عليكم بهذا القرآنِ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموهُ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ كما حرَّمَ اللهُ، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباعِ، ولا لُقَطَةُ معاهدٍ إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوهُ، فإن لم يَقْرُوهُ، فله أن يُعْقِبَهُمْ بمثلِ قِرَاهُ»[٥٧].
وفى التعليق على هذا الحديث قيل: وهو حديث نبوي جامع يفيدنا ما يلى:
- أن السنة وحي أوتيه النبي مع القرآن .
- التشنيع على من يقتصر على القرآن ويرفض السنة.
- أن هناك أموراً تنفرد السنة ببيان أحكامها ومن ذلك:
- تحريم لحم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع.
- تحريم لقطة المعاهد، فيجب الاحتفاظ بها لصاحبها.
- وجوب إكرام الضيف وإباحة مطالبته من نزل عندهم بحقه في الكرم وكل هذه أمور لم ترد في القرآن الكريم نصاً، بل جاءت إحالة بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[٥٨]
ومن هنا كانت واجبة الإتباع كالقرآن لأنها وحي مثله [٥٩]
وقد ذهب جمهور المسلمين إلى أن كل صور الوحي إلى الرسول عدا الوحي الجلي في اليقظة هي من السنة أو الحديث القدسي[٦٠].
الإيمان بالوحي الإلهى من فروض العين
النبوة والرسالة لا تثبت إلا بوحي إلهي، والنبوة والرسالة يثبت أمرهما بالدلائل المصدقة لهما الدالة على ثبوتهما، وآثار الوحي إلى المرسلين منها ما توفر العلم به ومنها ما لم يتوفر العلم به .
وما لم يتوفر العلم به تفصيلاً وهو علم أمره إجمالا، فقد أشار إليه القرآن، كما في حديث القرآن عن صحف إبراهيم وصحف موسى والإشارة إلى قليل مما ورد فيها، كما ذكر القرآن أن يوسف (ع) قد جاء بالبينات، وإشارات القرآن إلى قليل من معالم دعوة يوسف واضحة في السورة المسماة باسمه، وأما هذه البينات جملة وتفصيلا فلم تجمع في كتاب واحد، سمى باسمه .
وأما ما علم أمره تفصيلاً مسماه فما نص عليه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾[٦١] وقال بحق داوود (ع) ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾[٦٢] وقال بحق المسيح (ع) ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾[٦٣] وقال بحق محمد ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[٦٤].
والمسلم مطالب بالإيمان بأسماء الكتب الثلاثة الأول، غير مطالب بمضمونها، وبخاصة أن نصوص القرآن واضحة الدلالة في النص على وقوع التصرف في المضمون، نتيجة جهل المتلقين وخيانة الناقلين قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾[٦٥].
وكل ما بقى من هذا السابق تنزل على المرسلين قبل محمد إن كان موافقاً للقرآن فهو بقية من حق أغنانا عنها القرآن، وإن كان مخالفاً للقرآن، فما كان لنا أن ندع القرآن إلى غيره من الكتب .
ولم يبق من كلمة الله محفوظة بحفظ منزلها إلا القرآن الكريم، الذي تعهد الله بحفظه بعهود تتعلق به تبلغ حدا في الكثرة وبصيغ لم ترد بحق غيره .
ومن هذه العهود (الجمع - التمكين من قراءته - بيانه للناس - حفظه - عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله - عجز الآلهة المزعومة عن إنزال مثله . الدعوة إلى التدبر كسبيل للدلالة على ألوهية مصدره) .
وآيات القرآن في هذا تبلغ حداً في الكثرة .
وأما صيغ العهد بحفظه فقد وردت بضمائر العظمة، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[٦٦] فاسمية الجملة، ونا الجمع، والتوكيد بنحن، وتكرار ضمير المعظم نفسه، والجمع في قوله ﴿لَحَافِظُونَ﴾، مع التوكيد باللام كل هذا يبين مدى رعاية الله وعنايته بحفظ هذا القرآن الكريم.[٦٧]
الوحي في موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
لغة: الكتاب. وجمعه وُحيٌّ، مثل: حلى وهو أيضاً: الكتابة والإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك[٦٨].
ويقال: أوحى إليه وله: كلمه بكلام يخفي على غيره.
ويعلم من هذا، أن كلمة "الوحي" في اللغة تعنى السرعة والخفاء، أي الإعلام السريع الخفي.
شرعاً: هو إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه، بواسطة أو غير واسطة[٦٩].
فالوحي إذن: نقل مافي عالم الربوبية إلى نبي أو رسول عن طريق الملائكة، ليبلغه إلى الناس، مع ملاحظة أن علم الله ثابت في اللوح المحفوظ، وينزل الوحي طبقاً لما هو مدون فيه[٧٠].
والوحي أمر هام وجوهري في النبوات والأديان، فهو مثل المعجزة قطب الرحي، وبدونهما لاتكون نبوة أو رسالة. ولهذا جاءت مادة "و. ح. ى" في القرآن الكريم وحده ثمانيا وسبعين مرة[٧١] وفيه دلالة على أن للوحي حقيقة، وأنه أمر ضروري للديانات السماوية.
والإيمان بالوحي حق وواجب على كل مسلم ومسلمة، لارتباط ذلك الإيمان بجميع ما أنزل الله من كتاب، وما آتى بعض رسله من صحف. وكل ذلك وحي من الله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾[٧٢].
وإن نزول الوحي على هيئة كتب وصحف سماوية، لهو شيء ضروري لحياة البشر، كي تبقى للأنبياء والرسل آثارهم، ولاسيما ذلك الأثر الباقي إلى يوم القيامة، والذي كان من أعظم نعم الله تعالى على خلقه،[٧٣] ألا وهو القرآن الكريم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾[٧٤]. وملل الوحي هو جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقد جاء أسمه نصاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[٧٥].
ويفهم من الآية الكريمة وجوب محبة جبريل (ع) وتعظيم دوره على البشرية إلى يوم القيامه.
كما سماه القرآن "الروح الأمين" في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾[٧٦].
كما سماه "روح القدس" في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾[٧٧].
ويسمى"الناموس" كما جاء على لسان ورقة بن نوفل لرسول الله (ص) في أول عهده بالوحي: لقد جاءك الناموس الذي نزل الله على موسى[٧٨].
وفي آية واحدة أشار القرآن الكريم إلى ثلاثة مقامات للوحي،[٧٩] في قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[٨٠].
- "وحيا" أي إلقاء المعنى في القلب. ومعناه أن الله تبارك وتعالى يقذف في روع النبي صلى الله وسلم شيئاً لايماري فيه أنه من الله عز وجل، كما جاء في صحيح ابن حبان عن ابن مسعود، عن رسول الله (ص) أنه قال: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفساً لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ».
- "من وراء حجاب"، أى بالتكليم، كما كلم الله موسى عليه الصلاة والسلام فلما سأل الرؤية بعد التكليم حجب عنها، لكنه سمع النداء من وراء الشجرة: ﴿نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[٨١].
- نزول أمين الوحي جبريل على نبينا وعلى الأنبياء من قبله (ع)م أجمعين. فقد روى البخاري، عن عائشة، أن الحارث بن هشام سأل رسول الله (ص)، فقال: يارسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أَحْيَاناً يَأْتِينِي مِثْلُ صَلْصَلَةِ اَلْجَرَسِ وَ هُوَ أَشُدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي فَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَ أَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِيَ اَلْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قالت عائشة: "ولقد رايته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا".
وإنما كانت حالة الصلصلة أشد؛ لأنها انسلاخ من البشرية واتصال بالروحانية. وكانت الثانية أخف؛ لأنها انتقال ملك الوحي من الروحانية إلى البشرية بسهولة ويسر، بإذن من الله تعالى. وقد نزل القرآن الكريم بأكمل صورة للوحي، بواسطة إلقاء جبريل (ع).
وروى الشيخان عن أبى هريرة، أن النبى (ص) قال: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وَحْياً أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعاً يَومَ القِيامَةِ».
وما نطق به صريح الكتاب والسنة، من إثبات حقيقة الوحي ومقاماته، يبطل رأي كل مبطل مرتاب، يدعى أن الوحي نوع من الصرع؛ نتيجة مس الشيطان أو مرض في المخ، أو تخيل إله، أو توهم جنة ونار[٨٢]. أو كما زعم البراهمة من أن العقل يغنى عن الوحي، أو كما يدعى بعض غلاة الصوفية من أن الوحي نوع من الكشف أو الفيض [٨٣].
ولو رجعنا إلى تعاليم الإسلام، لوجدنا فكرة الوحي أسهل من كل هذا الهراء، وأضبط من جميع ألوان الافتراء على الله وعلى رسله. ومن هنا يجب الحذرمن الفكر الدخيل،[٨٤] ومن كل غلو في دين الله.[٨٥].
مقالات ذات صلة
المراجع والمصادر
بكر زكي عوض، مقالة «الوحي»، موسوعة العقيدة الإسلامية
عبد اللطيف محمد العبد، مقالة «الوحي»، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
الهوامش
- ↑ الحديث: لم أقف عليه في كتب السنة، ولعله في كتب الترجمة والسير، وكان الأولى أن يقول: والأثر، لأنه أوسع دلالة من الحديث.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦٨.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٥.
- ↑ سورة مريم، الآية ١١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١١٢.
- ↑ لسان العرب مادة وحي ج ٤٧٨٨: ٤٧٨٧/٦ مختصر .
- ↑ سورة مريم، الآية ١١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١١٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢١.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦٨.
- ↑ الحديث: سند الشهاب ١١٥١، التمهيد لابن عبد العزيز ٢٨٤/١
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٢٥.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١١١.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١٢.
- ↑ المفردات في غريب القرآن بتصرف مادة (وحي) ٥٣٨ / ٥٣٩ .
- ↑ سورة النجم، الآية ٤.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٤٥.
- ↑ سورة طه، الآية ١١٤.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧.
- ↑ سورة طه، الآية ٣٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٦٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ١٢.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١٢.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ١-٥.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦٨.
- ↑ سورة الفيل، الآية ٣-٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١١٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٩٣.
- ↑ سورة يوسف، الآية ١٠٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ٤٣.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٧.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٢٥.
- ↑ دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم ٢٧ -٢٩
- ↑ الفصل جـ ١٤.١٢/٥
- ↑ راجع تفصيل ذلك في دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم ٢٩.٢٦.
- ↑ رسالة التوحيد ٨١
- ↑ سورة التكوير، الآية ١٩-٢١.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١٩٣-١٩٤.
- ↑ مناهل العرفان ٦٤٠٦٣/١
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ الحديث: مسلم ك الفضائل / ٨٧، جم ١٥٨/٦، والبخاري ٣٠٢/١
- ↑ البخاري ك بدء الوحي ٢/١.
- ↑ سورة المزمل، الآية ٥.
- ↑ مقدمة ابن خلدون ٤٠٦: ٤٠٥/١
- ↑ مقدمة ابن خلدون ٤١٥/١ بتصرف يسير .
- ↑ مقدمة ابن خلدون ٤١٦/١.
- ↑ الحديث مسند الشهاب ١١٥١ سنة ٣٠٤/٤ التوحيد ٢٨٤/١
- ↑ الرحيق المختوم ص ٦٤: ٦٥ نقلا عن زاد المعاد ١٨/١
- ↑ سورة القيامة، الآية ١٦-١٩.
- ↑ سورة طه، الآية ١١٤.
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٢.
- ↑ مسند أحمد رقم ١٧١٧٤، وأبو داوود في السنن ٤٦٠٤ والبيهقي في السنن ٢٣٢/٩ وانظر الدراسة المتصلة حول هذا الحديث في الموسوعة الحديثية - مسند الإمام أحمد جـ ٢٨، ٤١٣.٤١
- ↑ سورة الحشر، الآية ٧.
- ↑ شذرات من علوم السنة ٢٤٠٢٥.
- ↑ شذرات من علوم السنة ٢٤٠٢٥.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٧٨-٧٩.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ بكر زكي عوض، مقالة «الوحي»، موسوعة العقيدة الإسلامية، ص ١١٥٩-١١٦٩.
- ↑ مختار الصحاح "وحي".
- ↑ النبوة بين الفلسفة والتصوف، د/عبدالفتاح أحمد الفاوى مكتبة الزهراء القاهرة ط١ ١٤١٦هـ/١٩٩٦م ص١١٣.
- ↑ الفارابى الموفق والشارح، د/محمد البهى مكقبة وهبة بالقاهرة ط١ ١٤٠١هـ/١٩٨١م ص٢٤.
- ↑ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبدالباقى "وحى"، جاءت المادة بلفظ المصدر: ٦ مرات وبلفظ الماضى: ٤٤ مرة، وبلفظ المضارع: ٢٨ مرة.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١٩٢-١٩٤.
- ↑ منهاج المسلم، أبو بكر الجزائرى دار الشروق جدة ط٧ ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م ص٣٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٩٧.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١٩٢-١٩٣.
- ↑ سورة النحل، الآية ١٠٢.
- ↑ العقائد الإسلامية، السيد سابق دار الكتاب العربى ببيروت ١٤٠٦هـ ١٩٨٥م ص١١٨.
- ↑ تفسير ابن كثير تفسير الآية٥١ من سورة الشورى.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة القصص، الآية ٣٠.
- ↑ شرح العقيدة الطحاوية ابن أبى العز تحقيق: شعيب الأرنؤوط دار البيان دمشق ط١ ١٤٠١هـ-١٩٨١م ص٥٣٠.
- ↑ الموسوعة الميسرةإشراف د/مانع بن حماد الجهنى نشر دار الندوة العالمية بالرياض ط٣، ١٤١٨هـ-٢/ ١١٨٠.
- ↑ في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق د/إبراهيم مدكور دار المعارف بمصر ط٢ ١٩٦٨م ١/ ٧٧ - ٧٨
- ↑ عبد اللطيف محمد العبد، مقالة «الوحي»، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، ص ٦٧١.