انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «المبادرة»

أُزيل ٢٢٬٠٢٢ بايت ،  ٢٧ يونيو ٢٠٢٥
(أنشأ الصفحة ب'{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل = المبادرة| المداخل ذات الصلة = المبادرة في القرآن - المبادرة في الحديث - المبادرة في نهج البلاغة - المبادرة في معارف الدعاء والزيارات - المبادرة في الثقافة الإسلامية - المبادرة في علم الأخلاق - المباد...')
 
سطر ٢: سطر ٢:


== التمهيد ==
== التمهيد ==
'''«المبادرة»''': الإسراع إلى اقتراح أمر، أو عمله، والمبادرة في [[الحرب]]: هي الإسراع إلى تنفيذ خطة حربية، من بادَرَهً مُبادَرَةً وبِدَاراً: عاجَلَهُ، وأسرع إليه<ref>معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٢.</ref>، يقال: بادر الشيء مبادَرَةً وبداراً وابتَدَرَهُ وبَدَرَ غيره إليه يَبدُرُهُ: عاجله<ref>لسان العرب، مادة: «بدر».</ref>، ويقال: [[بدر]] إلى الأمر يبدرُ بَدرا وبُدُوراً: أسرع، أو عَجَّلَ إليه واستبق، ويقال: ناقةٌ بدرية: إذا كانت تُبكِّر اللقاح وتُنتِج قبل الإبل؛ وذلك من [[فضل]] قوتها، ويقال: بدرت منه بوادر [[غضب]]، وبادَر الوَصِيُّ كِبَرَ [[اليتيم]]، قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا}}<ref>سورة النساء: ٦.</ref> .
«المبادرة»: الإسراع إلى اقتراح أمر، أو عمله، والمبادرة في [[الحرب]]: هي الإسراع إلى تنفيذ خطة حربية، من بادَرَهً مُبادَرَةً وبِدَاراً: عاجَلَهُ، وأسرع إليه<ref>معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٢.</ref>، يقال: بادر الشيء مبادَرَةً وبداراً وابتَدَرَهُ وبَدَرَ غيره إليه يَبدُرُهُ: عاجله<ref>لسان العرب، مادة: «بدر».</ref>، ويقال: [[بدر]] إلى الأمر يبدرُ بَدرا وبُدُوراً: أسرع، أو عَجَّلَ إليه واستبق، ويقال: ناقةٌ بدرية: إذا كانت تُبكِّر اللقاح وتُنتِج قبل الإبل؛ وذلك من [[فضل]] قوتها، ويقال: بدرت منه بوادر [[غضب]]، وبادَر الوَصِيُّ كِبَرَ [[اليتيم]]، قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا}}<ref>سورة النساء: ٦.</ref> .


أي مُبادَرةٌ قبل أن يدرك ويؤنس منه [[الرشد]]، ومن ذلك سمي البدر بدرا؛ لأنه بادر غيبوبة [[الشمس]]، فطلع قبل أن تغيب، ويقال: سمي بدرا؛ لامتلائه واستدارته<ref>شرح القصائد السبع الطوال، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، المكتبة العصرية، ص٢٠٣.</ref>.
أي مُبادَرةٌ قبل أن يدرك ويؤنس منه [[الرشد]]، ومن ذلك سمي البدر بدرا؛ لأنه بادر غيبوبة [[الشمس]]، فطلع قبل أن تغيب، ويقال: سمي بدرا؛ لامتلائه واستدارته<ref>شرح القصائد السبع الطوال، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، المكتبة العصرية، ص٢٠٣.</ref>.
سطر ١٢: سطر ١٢:
من مواعظه{{ع}} البليغة: {{نص حديث|رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى وَ دُعِيَ‏ إِلَى‏ رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً [نَاصِحاً] اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٧٦.</ref>.
من مواعظه{{ع}} البليغة: {{نص حديث|رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى وَ دُعِيَ‏ إِلَى‏ رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً [نَاصِحاً] اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٧٦.</ref>.


{{نص حديث|بَادَرَ الْأَجَلَ}}: سارع إلى [[العمل]] قبل حلول [[الموت]]. وعبارات [[النص]] محكمة النسج، واضحة المعنى، قوية [[التأثير]]، وفيها كثرة المحسنات، كالسجع بين {{نص حديث|رَبَّهُ}} و{{نص حديث|ذَنْبَهُ}} والسجع المتوازي بين {{نص حديث|هَوَاهُ}} و{{نص حديث|مُنَاهُ}} وبين {{نص حديث|نَجَاتِهِ}} و{{نص حديث|وَفَاتِهِ}} وبين {{نص حديث|الْغَرَّاءَ}} و{{نص حديث|الْبَيْضَاءَ}} وبين {{نص حديث|الْمَهَلَ}} و{{نص حديث|الْعَمَلِ}} و{{نص حديث|الْأَجَلَ}} والمقابلة بين {{نص حديث|اكْتَسَبَ}} و{{نص حديث|اجْتَنَبَ}} و{{نص حديث|مَذْخُوراً}} و{{نص حديث|مَحْذُوراً}} والصور الخيالية المنثورة في [[النص]]، كالاستعارة في لفظ الحجز لأثر الهداة والداعين للحق والعدل، واستعارة رمي [[الغرض]] لإصابة [[الهدف]]، وإحراز [[العوض]] لطلب [[الآخرة]]، ومكابرة [[الهوى]] لمخالفة [[النفس]]، وتكذيب المني لما يلقي إليه [[الشيطان]] من [[الأماني]]، والكناية في مثل {{نص حديث|رَاقَبَ رَبَّهُ}} و{{نص حديث|بَادَرَ الْأَجَلَ}} عن جعله [[الموت]] نصب عينيه، وعدم غفلته عنه، وترقبه له، والتشبيه في مثل جعل [[الصبر]] مطية نجاته والتقى عدة وفاته.
{{نص حديث|بَادَرَ الْأَجَلَ}}: سارع إلى [[العمل]] قبل حلول [[الموت]]. وعبارات [[النص]] محكمة النسج، واضحة المعنى، قوية [[التأثير]]، وفيها كثرة المحسنات، كالسجع بين {{نص حديث|رَبَّهُ}} و{{نص حديث|ذَنْبَهُ}} والسجع المتوازي بين {{نص حديث|هَوَاهُ}} و{{نص حديث|مُنَاهُ}} وبين {{نص حديث|نَجَاتِهِ}} و{{نص حديث|وَفَاتِهِ}} وبين {{نص حديث|الْغَرَّاءَ}} و{{نص حديث|الْبَيْضَاءَ}} وبين {{نص حديث|الْمَهَلَ}} و{{نص حديث|الْعَمَلِ}} و{{نص حديث|الْأَجَلَ}} والمقابلة بين {{نص حديث|اكْتَسَبَ}} و{{نص حديث|اجْتَنَبَ}} و{{نص حديث|مَذْخُوراً}} و{{نص حديث|مَحْذُوراً}} والصور الخيالية المنثورة في [[النص]]، كالاستعارة في لفظ الحجز لأثر الهداة والداعين للحق والعدل، واستعارة رمي [[الغرض]] لإصابة [[الهدف]]، وإحراز [[العوض]] لطلب [[الآخرة]]، ومكابرة [[الهوى]] لمخالفة [[النفس]]، وتكذيب المني لما يلقي إليه [[الشيطان]] من [[الأماني]]، والكناية في مثل {{نص حديث|رَاقَبَ رَبَّهُ}} و{{نص حديث|بَادَرَ الْأَجَلَ}} عن جعله [[الموت]] نصب عينيه، وعدم غفلته عنه، وترقبه له، والتشبيه في مثل جعل [[الصبر]] مطية نجاته والتقى عدة وفاته.<ref>[[السيد جعفر السيد باقر الحسيني]]، [[شرح مفردات نهج البلاغة ج٢ (كتاب)|'''شرح مفردات نهج البلاغة ج٢''']]، ج٢، ص ٦٧-٧٧.</ref>
 
ومن مواعظه{{ع}} على [[التقوى]]: {{نص حديث|فَاتَّقُوا اللَّهَ‏ تَقِيَّةَ مَنْ‏ سَمِعَ‏ فَخَشَعَ‏ وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.</ref>.
 
أي من حاذر [[عقاب]] ربه، فأسرع إلى طاعته. وفيه تلاحقت صور الطباق بإيقاعها المتماوج وأفكارها المتسلسلة التي ظل يتعقبها بما توحيه من معان؛ لتكسبها دقة ووضوحاً.
 
ومن [[كلام]] وصفه{{ع}} للمتقي: {{نص حديث|وَ لَمْ‏ تَفْتِلْهُ‏ فَاتِلَاتُ‏ الْغُرُورِ وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى وَ رَاحَةِ النُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ يَوْمِهِ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً وَ قَدَّمَ زَادَ [ذَاتَ‏] الآْجِلَةِ سَعِيداً وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِي طَلَبٍ وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.</ref>.
 
بين {{نص حديث|فَاتِلَاتُ‏ الْغُرُورِ}} و{{نص حديث|مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ}} سجع متواز جيء به تعبيرا عن كون إيمانه نابعا عن [[بصر]] وبصيرة، فهو لم تصرفه [[الغفلات]] في لذات [[الدنيا]] عن ربه ليغفل عن طاعته، ولا تشتبه عليه أمور تحرفه عن [[الصواب]].
 
وكذلك بين {{نص حديث|الْبُشْرَى}} لنيل رضى [[الله]]، و{{نص حديث|النُّعْمَى}} بنعيم الآخرة، سجع متواز؛ ليمهد العامل النفسي الذي حققه من خلال الجناس بين {{نص حديث|نَوْمِهِ}} الهنيء و{{نص حديث|يَوْمِهِ}} الأكثر أمانا، ثم أقحم [[الخيال]] ليفسح للمتأمل العبور عن الدنيا بمعبر العاجلة، فيزاوج بين «[[الحميد]]» و«السعيد» حال كونه محموداً غير [[مذموم]] يحس بالرضا والفرح، فجانس بين {{نص حديث|حَمِيداً}} و{{نص حديث|سَعِيداً}} جناساً متناغماً، ومن خلال الإيقاع المتجانس يجعل [[الرغبة]] في طلب [[الحق]] مساوية للنفور عن [[الباطل]]، فالأول عن سعي إليه، والثاني بعده عنه، وكذلك الأول عن [[شوق]] ورغبة، والثاني عن [[خوف]] ورهبة.
 
و{{نص حديث|بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ}}: أسرع إلى الطاعات خوفا من العقوبة.
 
و{{نص حديث|أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ}}: أسرع إلى [[العبادات]] في أيام [[الرفق]] والمهلة. وبين {{نص حديث|وَجَلٍ}} و{{نص حديث|مَهَلٍ}} سجع متواز، وبين {{نص حديث|بَادَرَ}} و{{نص حديث|أَكْمَشَ}} توكيد معنوي.
 
ومن وصيته{{ع}} بالتقوى والاستعداد للآخرة: {{نص حديث|فَرَحِمَ‏ اللَّهُ‏ امْرَأً اسْتَقْبَلَ‏ تَوْبَتَهُ‏ وَ اسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.</ref>. أي سبقها بالتوبة والغفران قبل أن تدهمه.
 
ومن وصفه{{ع}} لصاحب [[القلب]] السليم المتقي: {{نص حديث|فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَ أَصَابَ‏ سَبِيلَ‏ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ‏ بَصَّرَهُ‏ وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٢١٤.</ref>.
 
أي سارع للهدى والرشاد قبل فوات الأوان. وبين {{نص حديث|يَهْدِيهِ}} و{{نص حديث|يُرْدِيهِ}} وبين {{نص حديث|بَصَّرَهُ}} و{{نص حديث|أَمَرَهُ}} وبين {{نص حديث|أَبْوَابُهُ}} و{{نص حديث|أَسْبَابُهُ}} سجع متواز؛ للحث على الإسراع في الاستفادة من [[العلم]] والأدب قبل فوات الأوان.
 
ومن حثه{{ع}} على مبادرة الفرصة: {{نص حديث|بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ‏ أَنْ‏ تَكُونَ‏ غُصَّةً}}<ref>نهج البلاغة، الكتاب ٣١.</ref>.
أي اغتنمها في [[الوقت]] المناسب. وبين {{نص حديث|الْفُرْصَةَ}} و{{نص حديث|غُصَّةً}}<ref>الغصة: الحزن. أصلها: ما اعترض في الحلق من طعام أو شراب.</ref>، سجع متواز يظهر من خلاله التحذير من إضاعة الفرص التي تتهيأ للإنسان؛ لأنها مستوجبة للندامة والحسرة.
 
ومن وصفه{{ع}} للزهاد: {{نص حديث|كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ‏ لَيْسَ‏ مِنْهَا عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ وَ بَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٠.</ref>.
 
أي سابقوا ما يحذرون من [[عذاب]] [[الله]] الأخروي، كأنه سابق لهم إلى أنفسهم، وهو سابقهم إلى خلاصهم، فسبقوه إلى النجاة.
 
وبين {{نص حديث|يُبْصِرُونَ}} مواقع [[الهداية]]، و{{نص حديث|يَحْذَرُونَ}} مواقع الزلل، سجع متواز جمع لهما إيقاعا متوازنا لإثبات [[فكرة]] ما يوحيه هذا التوازن من معان دقيقة وواضحة؛ وذلك بأنهم على [[بصيرة]] من أمرهم، ويقين من حركتهم؛ وما يؤول إليه حالهم.
 
من وصاياه{{ع}} لابنه [[الحسن]]{{ع}}: {{نص حديث|أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً وَ رَأَيْتُنِي‏ أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِيَّاكَ}}<ref>نهج البلاغة، الكتاب ٣١.</ref>.
 
أي أسرعت وعجلت. وبين {{نص حديث|سِنّاً}} و{{نص حديث|وَهْناً}} جناس ناقص، أراد من خلاله بيان ضعفه وقد بلغ الستين من عمره؛ لتكون أوقع في [[القلوب]] لما سيبته من وصايا ونصائح عبر زمن طويل قضاه في [[الإيمان]] والجهاد والتقوى.
 
ومن وصاياه لابنه [[الحسن]]{{عم}} أيضا: {{نص حديث|فَبَادَرْتُكَ‏ بِالْأَدَبِ‏ قَبْلَ‏ أَنْ‏ يَقْسُوَ قَلْبُكَ‏}}<ref>نهج البلاغة، الكتاب ٣١.</ref>. أي استبقتك.
 
ومن حديثه{{ع}} عن بدء [[الدعوة الإسلامية]]: {{نص حديث|أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [وَ تَعَالَى‏] بَعَثَ مُحَمَّداً{{صل}} وَ لَيْسَ‏ أَحَدٌ مِنَ‏ الْعَرَبِ‏ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لَا وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ وَ يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٠٤.</ref>.
 
{{نص حديث|يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ}}: كأنه يخاف أن تسبقه [[القيامة]]، فهو يبادرها بهدايتهم وإرشادهم قبل أن تقوم الساعة وهم على ضلالهم<ref>شرح النهج، ابن ابي الحديد، ج٧، ص١١٤.</ref>.
 
ومن مواعظه{{ع}} الناجعة وحكمه البالغة: {{نص حديث|لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَ [يَرْجُو] يُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ وَ يَعْمَلُ‏ فِيهَا بِعَمَلِ‏ الرَّاغِبِينَ ... وَ يُبَالِغُ‏ فِي‏ الْمَوْعِظَةِ وَ لَا يَتَّعِظُ فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ وَ مِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى وَ يُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً وَ الْغُرْمَ مَغْنَماً يَخْشَى الْمَوْتَ وَ لَا يُبَادِرُ الْفَوْتَ}}<ref>نهج البلاغة، قصار الحكم ١٥٠.</ref>.
 
أي لا يسارع إليه. قال [[الشريف الرضي]]: «ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا [[الكلام]] لكفى به [[موعظة]] ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر».
 
وفيه حسن التقسيم، وفن العكس<ref>كما في «يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما» أي رؤيته المغنم مغرما؛ كالإنفاق في سبيل الله، والغرم مغنما، كالإنفاق في معصيته، وهو عكس مقتضى العقل؛ أي أنه يرى أداء الزكاة وإعطاء الصدقة وإن كان غنما في الحقيقة غرامة، ويرى منعهما غنيمة وإن كان غرما.</ref> والإيقاع المسجع، لذا صار دقيق [[الدلالة]]، شديد [[التأثير]] في الوعظ والتذكير.
 
ومن وصفه{{ع}} لبلايا [[الدنيا]]: {{نص حديث|إِنَّمَا الْمَرْءُ فِي‏ الدُّنْيَا غَرَضٌ‏ تَنْتَضِلُ‏ فِيهِ‏ الْمَنَايَا وَ نَهْبٌ تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ}}<ref>نهج البلاغة، قصار الحكم ١٩١.</ref>.
 
«[[الغرض]]»: [[الهدف]]، {{[[نص]] حديث|تَنْتَضِلُ‏ژژ: ترتمي، و{{نص حديث|نَهْبٌژژ بمعنى المنهوب، شبّه [[الإنسان]] في هذه [[الدنيا]] بهدف يرميه [[الموت]] بسهامه في [[الوقت]] الموعود له، وشبهه أيضا بالمال المنهوب الذي يريد كل [[إنسان]] أخذه، كما تتناوش [[المصائب]] والبلايا الإنسان وتتناوله من كل جانب.
 
وقال{{ع}} في وصف [[الحجاج]] إلى [[بيت]] [[الله]] [[الحرام]]: {{نص حديث|وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِكَتِهِ‏ الْمُطِيفِينَ‏ بِعَرْشِهِ‏ يُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ يَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١.</ref>. أي يتسارعون.
 
ومن حثه{{ع}} على المبادرة بالأعمال الصالحة: {{نص حديث|وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ‏ عُمُراً نَاكِساً أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٠.</ref>.
 
«[[العمر]] الناكس»: كناية عن الهرم، والناكس: المطأطي رأسه، والموت الخالس: المختطف. استعار للموت لفظ «الخالس» كونه يأتي على غرة وغفلة من أهلها، كالمختلس للشيء من يد غيره، والمعنى: سارعوا إلى [[أعمال]] [[الخير]] قبل الهرم، والوقوع في [[المرض]]، والموت المفاجئ.
 
وبين «الناکس» و«الحابس» و«الخالس»، جناس وسجع متواز حافل بالإيحاء [[القوي]] وجرسه الموسىقي يصاحبه [[الخيال]] الذي يقوي المعنى، ويوضح المقصود.
 
ومن حثه{{ع}} على [[التعلم]] منه: {{نص حديث|فَبَادِرُوا الْعِلْمَ‏ مِنْ‏ قَبْلِ‏ تَصْوِيحِ‏ نَبْتِهِ‏}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٠٥.</ref>.
 
«تصوح النبت»: يبس وتشقق، أي أسرعوا في أخذ [[العلم]] من أهله -يعني نفسه الكريمة{{ع}}- قبل أن يموت فيذهب العلم، وتصويح النبت كناية عن ذلك.
 
ومن خطبة له{{ع}} في أول خلافته: {{نص حديث|بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ‏ وَ هُوَ الْمَوْتُ فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٦٧.</ref>.
 
{{نص حديث|بَادِرُوا}}: عجلوا وأسرعوا، {{نص حديث|تَحْدُوكُمْ}}: تسوقكم، من الحداء للإبل -وهو [[الغناء]] لها- لتسرع في المشي، والمعنى: عاجلوا أمر العامة بالإصلاح؛ لئلا يغلبكم [[الفساد]] فتهلكوا، فإذا انقضى عملكم في شؤون العامة، فبادروا الموت بالعمل [[الصالح]]؛ كيلا يأخذكم على [[غفلة]] منه فكونوا على أهبة واستعداد.
 
ومن حثه{{ع}} على [[تقوى الله]]: {{نص حديث|اتَّقُوا اللَّهَ‏ تَقِيَّةَ مَنْ‏ شَمَّرَ تَجْرِيداً وَ جَدَّ تَشْمِيراً<ref>قال ابن أبي الحديد: لو قال{{ع}}: {{نص حديث|وجرد تشميرا، لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع [ وهو فن العكس، أو التبديل] لكنه لم يحفل بذلك، وجرى على مقتضى طبعه من البلاغة الخالية من التكلف والتصنع. شرح النهج.</ref>، وَ انْكَمَشَ فِي مَهَلٍ وَ أَشْفَقَ فِي وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ وَ عَاقِبَةِ الْمَصِيرِ وَ مَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ}}<ref>نهج البلاغة، قصار الحكم ٢١٠.</ref>.
 
شمر للأمر: أراده وتهيأ له، وتجرد للأمر: تفرغ له وجد فيه، وجد: اجتهد، وأكمش: أسرع، والمهل: الإمهال، وهو ضد الإسراع، والوجل: [[الخوف]]، والكرة: [[الرجعة]]، والموئل: [[المرجع]]، والمغبة: العاقبة، كل هذه المفردات تجسد [[المبالغة]] في حث المتقي نفسه على [[السير إلى الله]] تعالى، ولكن مع تمهل [[البصيرة]]، تصاحبه [[الخشية]] والخوف من [[الله تعالى]] وعذابه، والنظر في العاقبة والنهاية وما سيؤول إليه أمر آخرته وخاتمة مصيره.
 
وبين: {{نص حديث|مَهَلٍ}} و{{نص حديث|وَجَلٍ}} سجع متواز؛ لبيان أن [[اكتساب]] [[الأعمال الصالحة]] والسير إلى [[الله]]، يجب أن يكونا في مهلة [[الحياة]] وقبل أن يضيق عليه وقته بدنو [[الأجل]]؛ على رغم جده واجتهاده في طلب مرضاته.
 
ومن وصفه{{ع}} لأولياء الله سبحانه: {{نص حديث|وَ اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ‏ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ‏ وَ كَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.</ref>.
 
أي أسرعوا إليه. وبين {{نص حديث|الْأَجَلَ}} - بمعنى المدة- و{{نص حديث|الْأَجَلَ}} بمعنى [[الموت]]، جناس تام، كما أن [[السجع]] يعطي الفقرات الأربعة تناغما بإيقاعها، {{نص حديث|فَبَادَرُوا}} و{{نص حديث|فَلَاحَظُوا}} هي نتيجة ومعلول للعبارة: {{نص حديث|اسْتَقْرَبُوا}} و{{نص حديث|كَذَّبُوا}} فمن يرى [[قرب]] الأجل وسرعة [[العمر]] يبادر إلى [[العمل]]، ومن يكذب الآمال يفكر بالموت فيراه نصب عينيه.
 
ومن حثه{{ع}} على [[الاستعداد]] للدار [[الآخرة]]: {{نص حديث|فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الْآجَالَ‏}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.</ref>. أي أسرعوا إليه.
 
ومن حثه{{ع}} على الأعمال الصالحة: {{نص حديث|فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ‏ جِيرَانِ‏ اللَّهِ‏ فِي‏ دَارِهِ‏}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.</ref>. أي سارعوا.
 
ومن حثه{{ع}} على التهيؤ للموت: {{نص حديث|وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ‏ وَ غَمَرَاتِهِ‏ وَ امْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٩٠.</ref>. أي سارعوا إلى الاستعداد بالأعمال الصالحة، لتسبقوا [[الموت]].
 
ومن هذا القبيل قوله{{ع}}: {{نص حديث|وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ‏ مُرْتَهَنُونَ‏ بِمَا أَسْلَفْتُمْ‏ وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٩٠.</ref>.
 
أي سابقوا آجالكم بالأعمال الصالحة إلى [[الاستعداد]] بها قبل أن يسبقكم إلى أنفسكم. ولفظ {{نص حديث|مُرْتَهَنُونَ‏}} مستعار للنفوس الآثمة باعتبار تقيدها بالسيئة، وإطلاقها بالحسنة، كتقيد [[الرهن]] المتعارف بما عليه من [[المال]]، وفكاكه بأدائه<ref>شرح النهج، ابن ميثم البحراني.</ref>.
 
ومن وصيته{{ع}} بالتقوى: {{نص حديث|فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ‏ إِلَيْهَا وَأَكِظُّوا (وَأَلِظُّوا) بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا وَ اعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ وَ اقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ وَ ارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ وَ دَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ وَ بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ}}<ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٩١.</ref>.
 
{{نص حديث|أَهْطِعُوا}}: أسرعوا، و{{نص حديث|وَأَكِظُّوا بِجِدِّكُمْ}}: أمر من الكظ؛ وهو الجهد، يقال: كظه الأمر: جهده، والكظاظ: الممارسة وطول الملازمة.
 
وفي بعض [[النسخ]]: {{نص حديث|وَأَلِظُّوا}} من «ألظ في الأمر»: ألح فيه، وألظ [[المطر]]: أي دام.
 
وفي بعض النسخ: {{نص حديث|وَوَاكِظُّوا}} من المواكظة: وهي المداومة على الأمر.
 
«واعتاضوا»: اجعلوا [[التقوى]] [[عوض]] كل شيء فان منكم سابقا؛ فإن من لازمته التقوى لم يفته شيء.
 
{{نص حديث|وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً}}: المراد [[المخالف]] لطريق [[الحق]]، والموافق له؛ أي اجعلوا التقوى - حال كونها موافقة لطريق الحق- عوضا وبدلا من كل ما يخالف طريقه.
 
و{{نص حديث|ارْحَضُوا}}: اغسلوا و{{نص حديث|بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ}}: سارعوا إلى التقوى قبل أن يأخذكم الموت.
 
ومن تذكيره{{ع}} بالموت: {{نص حديث|وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ‏ الَّذِي‏ إِنْ‏ هَرَبْتُمْ‏ مِنْهُ‏ أَدْرَكَكُمْ‏}}<ref>نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٠٣.</ref>. أي سابقوا الموت قبل أن يسبقكم، فهو لا محالة مدرككم، ومسابقته إنما تكون بالأعمال الصالحة.<ref>[[السيد جعفر السيد باقر الحسيني]]، [[شرح مفردات نهج البلاغة ج٢ (كتاب)|'''شرح مفردات نهج البلاغة ج٢''']]، ج٢، ص ٦٧-٧٧.</ref>


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==