لا يوجد ملخص تحرير
(إفراغ الصفحة) وسم: إفراغ |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = العلم| عنوان المدخل = علم الإمام| المداخل ذات الصلة =[[علم الإمام في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة = }} | |||
== تمهيد == | |||
تمثّل صفة «العلم» إحدى صفات الإمام الحائزة على قدر كبير من الأهمية. وقد اعترف بأصل وجودها قاطبة متكلّمي المسلمين، بيد أنّهم اختلفوا في كيفية تحقّقها، وسعة نطاقها؛ فقد ذهب القاضي [[أبوبكر الباقلاني]] - وهو أحد الأعلام البارزين من متكلّمي الأشاعرة - عند حديثه عن إحراز منصب الخلافة إلى وجوب تحقّق ثلاثة شروط؛ منها : أن يتحلّى بالعلم الذي يتيح له القدرة على القضاء؛ غير أنّه لم يقل بلزوم اتّصافه بالعلم بالغيب<ref>تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص 471.</ref>. | |||
أمّا القاضي [[عبد الجبار الهمداني]] - وهو أحد علماء المعتزلة - فقد قرّر ثلاثة شروط أصليّة لمنصب الإمام ؛ وهي «العلم الاجتهادي»، و«العدالة والتقوى»، و«الشجاعة». فاتّصاف الإمام بالعلم بحدّ يتيح له الاجتهاد، وحلّ مشاكل الناس والتمكّن من تمييز القول الضعيف، هو من لوازم منصب الإمام <ref>شرح الأصول الخمسة ،ص 510.</ref>. | |||
وبناءً على ذلك، ترتهن رؤية علماء العامة من المسلمين - في ما يتعلّق بعلم الإمام - بما قدّموه من تبيين وشرح الحقيقة الإمامة نفسها؛ فقد أصرّوا فيها على عدم الاعتراف بأنّ الإمامة امتداد للنبوّة، واستمرار لهديها، وذهبوا إلى أنّ منصب الإمام مقام يتساوى مع منصب تنفيذ الأحكام على نحو اجتهاديّ. وبالطبع، لا يلزم الإمام - والحال هذه - سوى مرتبة متدنّية من العلم، يكفي فيها أن يكون بمستوى القاضي، والمفتي، والمجتهد. | |||
والسؤال المطروح هنا هو : كيف يمكن لإمام لا يملك من العلم إلّا ما هو بحدود العلم الاجتهادي الذي يتحلّى به القاضي أن يمسك بزمام قيادة المجتمع، وأن يغدو أسوة الناس ومثلهم الأعلى؟! وكيف يمكن له - والحال هذه - أن يمهّد الطريق لضمان سعادتهم، وتحقّق هدايتهم؟ | |||
والحقّ أنّ الإمام ليس فقط يجب أن يكون واجداً للعلم بالفعل في جميع الأمور التي تتعلّق بمصالح الناس - دنيويةً كانت، أم أخروية - بل يتحتّم أيضاً أن يكون أعلم ممّن سواه. والعلم على هذا المستوى لا يتأتّى بالعلم الاجتهادي، كما أنّه لا يتحصّل بالاكتساب والتعلّم الاعتياديين. ولهذا، يلزم ههنا تحقّق العلم اللدني الإلهي<ref>للمزيد من المعلومات في هذا المجال؛ راجع: موسوعة الإمام عليّ (علیه السلام) [بالفارسية :دانشنامه امام عليّ (علیه السلام)] ،ج 3، ص 346- 352.</ref>. | |||
لقد قطع علماء الإمامية بضرورة ثبوت العلم اللدني والأعلميّة المطلقة للإمام؛ من أجل أن تتوافر أسباب السعادة والهداية الدينية والدنيويّة، وقد عملوا على تبيين مختلف مجالاته، وأكّدوا ويؤكّدون على ثبوت هذا النوع من العلم للإمام، وعلى تحقّق الأعلمية له .غاية الأمر ، أنّ بعضهم تطرّقوا إلى شرط الأعلمية في مبحث أفضليّة الإمام<ref>نهج المسترشدين ،العلّامة الحلي، ص 63 .أنوار الملكوت، ص 206 .نهج الحق وكشف الصدق، ص 168 .اللوامع الإلهية، ص 333 .المسلك في أصول الدين ص 205 و206. تجريد الاعتقاد ص 266- 263 .كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ،ص .383</ref>. | |||
يرى السيد المرتضى أنّ صفات الإمام تنقسم إلى طائفتين؛ الأولى : تثبت للإمام من خلال العقل، والأخرى: تثبت له بحكم الشرع. فالعقل يثبت أعلميّة الإمام في جميع مسائل الشريعة وأحكامها، وفي الأبعاد السياسية، وتدبير الأمور؛ ذلك من خلال «قبح تقديم المفضول على الفاضل »<ref>الذخيرة في علم الكلام ،ص 429. شرح جمل العلم والعمل، ص 194 و195.</ref>. وقد تناول أيضاً إثبات الأعلمية في الأحكام الشرعية على أنّه أمر تعبّدي؛ لا عقليّ<ref>الذخيرة في علم الكلام ،ص 429 و430.</ref>. | |||
أمّا الشيخ الطوسي فقد استعرض علم الإمام على أنّه واحد من سبعة شروط لازمة لتحقّق مقام الإمامة؛ فقال : ويجب أن يكون الإمام عالماً بتدبير ما هو إمام فيه من سياسة رعيته والنظر في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل ويجب أن يكون أيضاً بعد الشرع عالماً بجميع الشريعة؛ لكونه حاكماً في جميعها<ref>الاقتصاد إلى طريق الرشاد ،الشيخ الطوسي، ص192. ويُراجع :تلخيص الشافي، ج 1 ص 245.</ref>. | |||
وقد اشترط المحقق الطوسي في تلخيص المحصل» أعلميّة الإمام أيضاً<ref>تلخيص المحصل، ص 417.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 91-94. </ref> | |||
==براهين علم الإمام (علیه السلام)== | |||
تمسّكت الإمامية في إثبات ضرورة علم الإمام بأدلّة عديدة؛ منها ما نُقل عن المحقق الطوسي: لمّا كان الأنبياء والأئمة {{عم}} تحتاج إليهم الأمة، للتعليم والتأديب وجب أن يكونوا أعلم وأشجع<ref>الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية ،الفاضل المقداد، ص 167. يُراجع: أيضاً : رسالة الإمامة (طبعت في تلخيص المحصل )، ص .430</ref>. | |||
وعلّق [[الفاضل المقداد]] شارحاً ذلك بقوله : يجب كون الأنبياء والأئمة أفضل من كلّ واحد من الأمة. والمراد بالأفضليّة: أن يكون أجمع الخصائص الكمال كمّاً وكيفاً، وإنّما قلنا بوجوب ذلك؛ لأنّ العلة في وجوب رئاستهم نقص الرعية، واحتياجهم إلى التعليم والتأديب؛ فلو لم يكن المحتاج إليهم أفضل، لما تحقّق معنى حيثية الاحتياج إليهم، لكنّ الفرض خلاف ذلك ، فيدخل في وجوب كونهم أفضل من رعاياهم أن يكونوا أعلم وأشجع وأكرم إلى غير ذلك من الخصائص<ref>الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية ،الفاضل المقداد، ص 167.</ref>. | |||
وفي الرواية عن أمير المؤمنين عليّ (علیه السلام) أنّه قال في بيانه لمقام الأئمة {{عم}}: {{نص حديث|هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ، بِهِمْ أَقَامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ، وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ}}<ref>نهج البلاغة ،الخطبة 2، ص 9 .</ref>. | |||
وقد كتب الشيخ الطوسي في بيان إثبات علم الإمام يقول : ويدلّ أيضاً على كونه عالماً . الشرع، أنّا قد دلّلنا على كونه حافظاً للشرع، فلو لم يكن عالماً بجميعه لجوّزنا أن يكون وقع فيه خلل من الناقلين أو تركوا بعض ما ليس الإمام عالماً به، فيؤدّي إلى أن لا يتّصل بنا ما هو مصلحة، ولا تنزاح علّتنا في التكليف لذلك، وذلك باطل بالاتّفاق<ref>الاقتصاد إلى طريق الرشاد، ص 193.</ref>. | |||
وقال [[ابن ميثم البحراني]] في ضرورة علم الإمام: | |||
فأمّا العلم فلابدّ من أن يكون عالماً بما يحتاج إليه في الإمامة من العلوم الدينية والدنيويّة كالشرعيّات، والسياسات والآداب، وفصل الحكومات والخصومات؛ إذ لو جاز أن يكون جاهلاً بشيء منها مع حاجة إمامته إلى ذلك، لكان مخلّاً ببعض ما يجب عليه تعلّمه ، والإخلال بالواجب ينافي العصمة<ref>قواعد المرام في علم كلام، ص 179.</ref>. | |||
فالإمامة في مفهومها الصحيح وبالنظر إلى المهام المناطة بها، وفقاً لرؤية الإسلام والعقل، أمر لا يمكن له أن يتحقّق من دون شرط العلم، ومن دون هذا الشرط، فهو أمر غير مقبول، وليس حقيقاً بالمجتمع الإسلامي. | |||
وإذا ما ألقينا نظرة على آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة لوجدنا اشتراط العلم في تحقّق الأهلية لتسنّم المسؤوليات التنفيذية والاجتماعيّة، بل ولكلّ شكل من أشكال التطور والتقدم<ref>ومن قبيل المثال نورد قول النبي الأكرم {{صل}} :من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه؛ فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين. سنن البيهقي، ج 10، ص 118، كتاب آداب القاضي باب لا يولي الوالي امرأة ولا فاسقاً ولا جاهلاً أمر القضاء.</ref>؛ يقول تعالى:{{ نص قرآني |قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية 35.</ref>. {{ نص قرآني |أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}}<ref> سورة الزمر، الآية 9.</ref>. | |||
يقول [[السيد المرتضى]]: أمّا الذي يدلّ على أنّه أعلم الخلق بأحكام الشريعة، فهو أنّه إمام فيها، ورئيس في الشرع، وقبيح في العقل أن يُجعل المفضول رئيساً لمن هو أفضل فيه فيما كان رئيساً فيه<ref>الذخيرة في علم الكلام، ص 432 و433.</ref>. | |||
وقد كتب الشيخ الطوسي في هذا الصدد: ضرورة من قبح تقديم المفضول على الفاضل؛ ألا ترى إنّه يقبح من ملك حكيم أن يجعل رئيساً في الخط على مثل [[ابن مقلة]]<ref>الذخيرة في علم الكلام، ص 432 و433.</ref>، ونظرائه من يكتب خطوط الصبيان والبقّالين ويجعل رئيساً في الفقه على مثل :أبي حنيفة، والشافعيّ، وغيرهما<ref>الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، ص 191.</ref>. | |||
وأكمل يقول أيضاً: ويجب أن يكون أيضاً بعد الشرع عالماً بجميع الشريعة؛ لكونه حاكماً في جميعها. يدلّ على ذلك أنّه لا يَحسُن من حكيم من حكماء الملوك أن يولّي وزارته والنظر في مملكته من لا يُحسِنها، أو لا يُحسّن أكثر من ذلك، ومتى فعل ذلك كان مضيّعاً لمملكته، واستحقّ الذم من العقلاء<ref>الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد ،ص 192؛ تلخيص الشافي، ج2، ص 245- 246 ؛تمهيد الأصول، ص 811.</ref>. | |||
وقد أشار بعض أعلام الإمامية؛ مثل : الشيخ [[الحمصي الرازي]]<ref>المنقذ من التقليد، ج 2، ص 290.</ref>، و [[السيّد إسماعيل الطبرسي النوري]]<ref>كفاية الموحدين، ج 2، ص 211.</ref>، والشيخ [[محمد حسين المظفر]]<ref>الشيعة والإمامة، ص 14 و15.</ref>، إلى ضرورة علم الإمام. | |||
ومن هنا نقول: طالما أنّ القرآن الكريم قد بيّن الأحكام وقوانين الشرع الإسلامي على نحو كلّي، وطالما أنّ رسول الإسلام {{صل}} الذي لم يعمِّر طويلاً - لم يبيّين جميع تفاصيل الدين للناس، وطالما أنّ الناس متماثلون في قدرتهم على اكتشاف أحكام الدين ومعارفه واستشفافها من مصادرها، ولا يمكن ترجيح أحدهم على الآخر؛ لأنّهم كلّهم عاجزون عن التمييز بين الناسخ والمنسوخ، والتأويل والتشبيه، والعامّ والخاصّ والمجمل والمبيّن من الدين فإنّ الحكمة الإلهية تقتضي وجود أئمّة عالمين؛ بل وأعلم من غيرهم وتقتضي أن يقوم الله سبحانه وتعالى بتعيينهم؛ ليصون بذلك الناس من الضلال، ويضمن تحقّق الهداية لهم. فلو لم يكن الإمام أعلم من غيره للزم رجوعه في فهم بعض المسائل إلى إمام آخر، ولو لم يكن الإمام الآخر هو الأعلم، فإنّ وجود إمام أعلم من غيره ضروري، وعدمه يستلزم التسلسل، أو الدور، أو تقدّم المفضول على الفاضل. | |||
وليس خفيّاً أنّ العقل البشري غير قادر على اكتشاف القضايا الدينية كشفاً قطعيّاً يقينيّاً. ولهذا، فإنّ عدم وجود إمام يتحلّى بصفة الأعلمية في المجتمع، ليقوم بمهمّة الكشف عن أحكام الدين ومعارفه على نحو قطعيّ، والعمل على تبيينها من بعد ذلك، سوف يستلزم اعتماد الأساليب الظنية في الوصول إلى أحكام الدين والمعارف الإسلامية؛ وهو ما لا يُقرّه صاحب الشريعة؛ فالأحكام والمعارف التي تحصل بهذه الطريقة ليست لا تحمل الصفة الدينية وحسب، بل هي فاقدة لأيّ حجيّة إلهيّة أو شرعيّة أيضاً.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 94-99. </ref> | |||
==سعة نطاق علم الإمام (علیه السلام)== | |||
بعد أن ثبتت لنا ضرورة تحقّق العلم لإمام المجتمع وقائده، نبحث الآن عن نطاق ذلك العلم وحدوده؛ فهل يجب أن يشتمل منصب الإمامة على كلّ أمر مرتبط بالإنسان والكون، فضلاً عن الإلمام بالأحكام والمعارف الدينية؟ وهل الإمام محيط بجميع العلوم والصنائع والفنون المختلفة في سائر العصور والدهور؟ وهل يتصوّر في الإمام أنّه يعلم الغيب ، فيكون عالماً بمستقبل الإنسان والكون والأمور الغيبية؟ وهل إنّ علم الأئمة {{عم}} علم حضوريّ وفعليّ، أم أنّه حصوليّ واكتسابيّ؟ وهل علمهم مقيّد ومشروط، أم أنّه مطلق وعامّ ؟ | |||
===معنى علم الإمام بالغيب === | |||
تعني كلمة «الغيب» و«الغياب» و«الغيبوبة» ومشتقّاتها - بنحو عامّ- : الاختفاء، والبُعد عن النظر<ref>راجع: لسان العرب ج 1 ،ص 654 .تاج العروس، ج 2، ص 295.</ref>. ولهذا، فإنّ «الغيب» يقابل «الشهادة»، ويشمل جميع الأمور الواقعية غير المحسوسة<ref>ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج 8، ص 53.</ref>. ويُطلق «الغيب» في الاصطلاح على الحقائق التي لا سبيل لحواسّ البشر وأعضائه الإدراكية إلى نيلها»<ref>ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج 10، ص 243.</ref>. | |||
وبناءً على هذا، فإنّ علم البشر المحدود - لا العلم الأزلي الإلهي - هو السبب من وراء تقسيم الأشياء إلى غيب وشهادة؛ فالله جل وعلا محيط بجميع الموجودات وعالم الوجود إحاطة وجوديّة (1)؛ فلا يوجد شيء يغيب عن الحق تعالى (2). | |||
قال أمير المؤمنين (علیه السلام): {{نص حديث|قَدْ عَلِمَ السرائر وخَبَرَ الضمائر، لَهُ الإحاطة بِكُلِّ شَيءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيء}}(3). | |||
ولم يستعرض بعض أهل السنة من أمثال [[الفخر الرازي]] كثيراً من البحوث في ما يتعلّق بإحاطة الإمام بعلم الغيب؛ ولكن اعتماداً على اعتقادهم بأنّ مكانة مقام الإمام والخليفة ومنزلتها دنيويّة حكوميّة ؛ يمكننا أن ننسب له القول بنفي كلّ أشكال ثبوت علم الغيب وسائر العلوم غير الدينية للإمام. | |||
ويكتفي الفخر الرازي في تفسير علم الأنبياء بالغيب بأنّه مجرّد إلمام بالأمور الوحيانية وحسب. فقد قال في تفسير قوله عز وجل: {{ نص قرآني |أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}}<ref> سورة الطور، الآية 41.</ref>: | |||
إشارة إلى أنّ ما عند النبي{{صل}} من علم الغيب علم بالوحي - أموراً وأسراراً وأحكاماً وأخباراً كثيرة - كلّها هو جازم بها<ref>مفاتيح الغيب، ج 10، ص 221.</ref>. | |||
وهذا التفسير ناقص ؛ فكيف من الممكن أن يحمل لفظ «الغيب» الذي يعني: الشیء المستتر عن الحس - وهو معنى عامّ، يُقابل معنى «الشهادة» - على مصداق واحد فقط ؛ وهو «الوحى» ؟ ! <ref>لسان العرب، ج 1، ص 654 .تاج العروس، ج 2، ص 295.</ref>. | |||
إن قلت: على الرغم من أنّ مفردة «الغيب» تُستخدم بالمعنى العام، لكنّ «الوحي الإلهي »هو السبيل الوحيد والأوحد لتلقّى العلم بالأمور الغيبية. | |||
قلنا: إنّ الآيات والروايات لم تحصر سبل تحصيل العلم بالأمور والحقائق الغيبية بالوحي، بل ذكرت طرقاً أخرى لاكتساب المعرفة بالأمور الغيبية؛ منها على سبيل المثال الإلهام والرؤيا الصادقة والتعلّم والتلقّي من النبي {{صل}} . | |||
يقول العلامة [[الطباطبائي]] في تفسير قوله عز وجل: {{ نص قرآني |عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا}}<ref> سورة الجن، الآية 26.</ref>: والمعنى هو عالم كلّ غيب علماً يختصّ به؛ فلا يطّلع على الغيب - وهو مختصّ به أحداً من الناس. فالمفاد سلب كلّي؛ وإن أصرّ بعضهم على كونه سلباً جزئياًّ محصّل معناه : لا يُظهر على كلّ غيبه أحداً . ويؤيّد ما قلنا ظاهر ما سيأتي من الآيات. قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}}<ref> سورة الجن، الآية 27.</ref> استثناء من قوله : {{ نص قرآني | أَحَدًا}}، و {{ نص قرآني |مِنْ رَسُولٍ}} بيان لقوله : {{ نص قرآني |مَنِ ارْتَضَى}}، فيُفيد أنّ الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به؛ فالآية إذا انضمّت إلى الآيات التي تخصّ علم الغيب به تعالى؛ كقوله: {{ نص قرآني |وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 59.</ref>، وقوله : {{ نص قرآني |وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}}<ref> سورة هود، الآية 123.</ref>، وقوله : {{ نص قرآني |قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}}<ref> سورة النمل، الآية 65.</ref>، أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعيّة؛ فهو تعالى يعلم الغيب لذاته، وغيره يعلمه بتعليم من الله »<ref>تفسير الميزان ،ج 20 ،ص52- 53.</ref>. | |||
وهناك عدد من الروايات التي تؤيّد هذا التفسير<ref>الكافي، ج 1، ص 256 .بحار الانوار ، ج 26، ص 101 -99 وص 165 .بصائر الدرجات، ص 113.</ref>؛ فأمير المؤمنين (علیه السلام) ومن خلال سيره في العوالم الملكوتية كان باستطاعته نيل الحقائق الغيبية؛ ولهذا قال: {{نص حديث|لَوْ كُشِفَ الغطاء مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً}}<ref>بحار الأنوار، ج 65، ص 382 ؛ ارشاد القلوب الديلمي، ج 1، ص 124.</ref>. | |||
هذا، ولم نعثر بين مصنّفات المحقق الطوسي في علم الكلام على بحث موسّع يتناول علم الغيب. نعم؛ تطرّق في كتاب تجريد الاعتقاد إلى أفضلية الإمام عليّ (علیه السلام) على جميع الخلفاء؛ لما ظهر منه من تنبّوءات وإخبارات غيبيّة<ref>تجريد الاعتقاد، ص 282 ؛ كشف المراد ، ص 390.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 99-104. </ref> | |||
===المنقولات التاريخية عن إخبار الأئمة {{عم}} بالغيب=== | |||
نقل التاريخ لنا أمثلة عديدة من تنبّؤات الأئمة من أهل البيت {{عم}}، وإخبارهم بالغيب. وهي تدلّ بأسرها على ما خصّهم الله به من علم لدنّيّ؛ منها على سبيل المثال: | |||
*أوّلاً: الأخبار الغيبية المروية عن الإمام عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) : {{نص حديث|أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الحكم أَسِيراً يَوْمَ الجمل ، فَاسْتَشْفَعَ الحسن وَالْحُسَيْنَ (علیهما السلام) إِلَى أَمِيرِ المؤمنين (علیه السلام)، فَكَلَّمَاه فِيهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَا لَهُ: يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ المؤمنين. قَالَ (علیه السلام) : أَولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ؟! لَا حَاجَةَ لی فِي بَيْعَتِهِ؛ إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّه لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ ، أَمَا إِنَّ لَه إِمْرَةً کَلَعقَةِ الكلب أَنْفَه، وهُوَ أَبو الأكبش الأربعة، وسَتَلْقَى الأمة مِنْه ومِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحمَرَ }}<ref>نهج البلاغة الخطبة ،73 ، وكذا الخطب: 13؛ 15؛ 57 ؛ 58؛ 89؛ 138؛ 176. ويُراجع أيضاً: الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 1، ص 332 -315.</ref>. | |||
والتاريخ يشهد على وقوع ذلك كلّه؛ فقد ولي مروان الملك بعد أن شاب صدغاه في عمر يناهز الخمس وستّين سنة، واستمرّت مدة ملكه تسعة أشهر فقط، وولي الرياسة أربعة من أولاده وهم: عبدالملك - حيث صار ملكاً - وعبدالعزيز وبشر ومحمد حيث أصبحوا ولاة. وقد قاست الأمة الإسلامية في أيّام ملك مروان وولده عبدالملك ورياسة الثلاثة الباقين من أبناء مروان أيّاماً عصيبّة ودامية<ref>راجع شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 146- 148.</ref>. | |||
*ثانياً : أخبر الإمام الحسن (علیه السلام) بكيفيّة استشهاده؛ فقال: {{نص حديث|إِنِّي أَمُوتُ بِالسَّمَّ كَما مَاتَ رسول الله {{صل}} . قَالُوا: وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: امْرَأَتِی جَعْدَةُ بِنْتُ الأشعث بْنِ قَيْسٍ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَدُسُّ إِلَيْهَا، وَيَأْمُرُهَا بِذَلِكَ }}<ref>الخرائج والجرائح، الراوندي، ج 1، ص 241 ؛ إثبات الهداة ،الحرّ العاملي، ج 5، ص147 و150.</ref>. | |||
وقال (علیه السلام) وهو على فراش الموت لأخيه الحسين (علیه السلام) : {{نص حديث|مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله ؟ قَالَ : أَبْكِي لِمَا يُصْنَعُ بِكَ. فَقَالَ لَهُ الحسن (علیه السلام) : إِنَّ الذي يُؤْتَى إِلَيَّ سَمٌ، يُدَسُّ إِلَىَّ، فَأُقتَلُ بِهِ؛ وَلَكِنْ لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله يَزْدَلِفَ إِلَيْكَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ، يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدِّنَا مُحَمَّدٍ {{صل}} ، وَ یَنتَحِلُونَ دِينَ الإسلام، فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِكَ وَسَفْكِ دَمِكَ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِكَ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّكَ وَنِسَائِكَ }}<ref>الأمالي الصدوق، ص 116 .</ref>. | |||
*ثالثاً : ورد في الرواية أنّ عمر بن سعد قال للإمام الحسين (علیه السلام): {{نص حديث|يَا أَبَا عَبْدِ الله! إِنَّ قِبَلَنا نَاساً سُفَهَاءَ يَزْعُمُونَ أَنِّي أقتُلُکَ . فَقَالَ لَهُ الحسين (علیه السلام): إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِسُفَهَاءَ؛ وَلَكِنَّهُمْ حُلَمَاءُ أَمَا إِنَّهُ يُقِرُّ عَيْنِي أَلَّا تَأْكُلَ بُرَّ العراق بَعْدِي إِلَّا قَلِيلاً }}<ref>الإرشاد ،الشيخ المفيد ،ج 2 ،ص 132 .إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج5، ص 199.</ref>. | |||
*رابعاً: روى أبو بصير عن الإمام الباقر (علیه السلام) أنّه قال : {{نص حديث|كَانَ فِيمَا أَوْصَى أَبي إِلَيَّ أَنْ قَالَ: يَا بُنَيَّ! إِذَا أَنَا مِتُّ، فَلَا يَلِي غُسْلِي أَحَدٌ غَيْرُكَ؛ فَإِنَّ الإمام لَا يَغْسِلُهُ إِلَّا إِمَامٌ ، وَاعْلَمْ أَنَّ عَبْدَ الله أَخَاكَ سَيَدْعُو الناس إِلَى نَفْسِهِ، فَدَعْهُ؛ فَإِنَّ عُمُرَهُ قَصِيرٌ. فَلَمَّا مَضَى أَبِي وَ غَسَلتُهُ كَمَا أَمَرَنِي، وَادَّعَى عَبْدُ الله الإمامة مَكَانَهُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ أَبي وَمَا لَبِثَ عَبْدُ الله إِلَّا يَسِيراً؛ حَتَّى مَاتَ }}<ref>كشف الغمة، الأربلي، ج 2 ،ص 381 .مناقب آل ابي طالب ،ابن شهر آشوب، ج4، ص 224.</ref>. | |||
خامساً : روي عن الإمام الباقر (علیه السلام) أنّه: {{نص حديث|دَخَلَ المسجد يَوْماً فَرَأَى شَابّاً يَضْحَكُ فِي المسجد، فَقَالَ لَهُ: تَضْحَكُ فِي المسجد، وَأَنْتَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَهْلِ القبور ؟ فَمَاتَ الرجل فِي أَوَّلِ اليوم الثالث، وَدُفِنَ فِي آخِرِه }}<ref>إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 5، ص 305 ؛ بحار الأنوار ،المجلسيّ، ج46، ص 274.</ref>. | |||
وروي أيضاً أنّه (علیه السلام) قال لأبي بصير: {{نص حديث|إذَا رَجَعْتَ إِلَى الكوفة، يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ، وَ تُسَمِّیهِ عِيسَى، وَيُولَدُ لَكَ وَلَدٌ، وَتُسَمِّيهِ مُحَمَّداً؛ وَهُمَا مِنْ شِيعَتِنَا }}<ref>إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 5، ص 305 ؛ بحار الأنوار ،المجلسيّ، ج46، ص 274.</ref>. | |||
وهناك روايات عديدة أُخرى نقلت لنا تنبّؤات الأئمة {{عم}} وإخبارهم بالغيب<ref>راجع: الاحتجاج ،ج 2 ،ص 366 .الإرشاد ،الشيخ المفيد ،ج 2 ،ص 198 .بحار الأنوار، ج 23 ،ص 13 .إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 5، ص 336 و508 . وج 6، ص 77 و181 وص 266 و322 .عيون أخبار الرضا ،الشيخ الصدوق، ج 1، ص 26 وج 2، ص 216.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 104-106. </ref> | |||
===علم الأئمة {{عم}} بكيفيّة موتهم=== | |||
من الأسئلة المهمة التي تُطرح في نطاق مبحث علم الإمام بالغيب السؤال عن علمه بكيفيّة موته، واطّلاعه على توقيت ذلك؛ فهل إنّ الأئمة المعصومين - كالإمام عليّ، والإمام الحسن، والإمام الحسين {{عم}}، كانوا محيطين بأحداث المستقبل ؛ ومنها مكان استشهادهم، ووقته، والكيفيّة التي يكون عليها ذلك؟ وهل كانوا يعرفون قاتليهم؟ وفي معرض الرد على هذا السؤال، ذهب علماء الإمامية إلى رأيين مختلفين ؛ هما : | |||
*أولاً: ما أجاب به الشيخ المفيد حينما قال: وما أجمعت الشيعة قطّ على هذا القول ؛ وإنّما إجماعهم ثابت على أنّ الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون؛ من دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون، على التفصيل والتمييز. وهذا يُسقِط الأصل الذي بنيت عليه الأسئلة بأجمعها. ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث تكون بإعلام الله تعالى له ذلك. فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون، فلسنا نطلقه ولا نصوّب قائله؛ لدعواه فيه من غير حجّة، ولا بيان والقول بأنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) كان يعلم قاتله، والوقت الذي يقتل فيه، فقد جاء الخبر متظاهراً أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول. وجاء أيضاً بأنّه كان يعلم قاتله على التفصيل؛ فأمّا علمه في وقت قتله، فلم يأتِ فيه أثر على التفصيل، ولو جاء فيه أثر، لم يلزم ما ظنّه المستضعفون؛ إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده الله بالصبر على الشهادة والاستلام للقتل ؛ ليبلّغه الله بذلك من علوّ الدرجة ما لا يبلّغه إلّا به، ولعلمه تعالى بأنّه يطيعه في ذلك طاعةً لو كُلّفها سواه لم يؤدّها ، ويكون في المعلوم من اللطف بهذا التكليف لخلق من الناس ما لا يقوم مقامه غيره ؛ فلا يكون بذلك أمير المؤمنين (علیه السلام) ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا مُعيناً على نفسه معونة مستقبحة في العقول<ref>المسائل العكبرية ،المسألة 20، ص 70.</ref>. | |||
أما [[السيد المرتضى]] فقد استعرض ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) قائلاً: وسيدنا أبو عبد الله (علیه السلام) لم يسر طالباً للكوفة إلّا بعد توثّق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه (علیه السلام) طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين . وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها ... ولم يكن في حسابه أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته، ويتّفق بما اتّفق من الأمور الغريبة<ref>تنزيه الانبياء، ص 227 و228.</ref>. | |||
وقد تطرّق الشيخ الطوسي أيضاً إلى اختلاف علماء الإمامية في هذه المسألة، مختاراً في الجواب عنها رأي أستاذه السيد المرتضى<ref>تلخيص الشافي، ج 4، ص 189و 182.</ref>. | |||
وكتب الشيخ الطبرسي في تفسير الآية الكريمة: {{ نص قرآني |وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 195.</ref>. | |||
فإن عورضنا بأنّ الحسين (علیه السلام) قاتل وحده؟ فالجواب: إنّ فعله يحتمل وجهين أحدهما إنّه ظَنّ أنّهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله {{صل}} والآخر: إنّه غلب على ظنّه : أنّه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبراً، كما فعل بابن عمّه مسلم، فكان القتل مع عزّ النفس والجهاد أهون عليه<ref>تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 35.</ref>. | |||
لكنّ العلامة الطباطبائي ردّ ناقداً هذه الرؤية بالقول: كلّ موجود ما لم يجب لم يوجد ومن ثَمَّ : ليس كلّ فعل واجباً بالنسبة لفاعله، بل يجب بالنسبة إلى علّته التامة (وإرادة الله منها). تحقّق الفعل وانضواؤه تحت راية التكليف لا يتنافى مع كونه واجباً؛ فإنّ أفعال الإنسان الإرادية من هذا النوع؛ أي إنّ أفعاله واجبة الوجود مع أنّه مكلّف بفعلها. | |||
وعلى هذا الأساس، كان الأئمة {{عم}} يقدمون على العمل رغم معرفتهم بأنّه سوف يستشهد. يذهب أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى المحراب، ويتناول الإمام الحسن والإمام الرضا (علیهما السلام) شراب الرمان أو العنب المسموم ، ويدخل سيّد الشهداء (علیه السلام) أرض كربلاء. قد يعلم الإنسان أحياناً علماً قطعيّاً أنّه بفعله الاختياري سوف يشرب السم في الساعة الحادية عشر، وسوف يذهب صريع حادث مروريّ في ساحة كذا وشارع كذا، كما أنّه قد يعلم بالعلم القطعي أنّه بفعله الاختياري والإراديّ سوف يحصل له - مثلاً - حادث مروريّ في الساعة الحادية عشر في ساحة كذا، وشارع كذا، أو أنّه سوف يصاب بطلق ناريّ؛ لكنّ هذه الواقعة مشروطة بوقوع شرط أو شروط. وفي موضوعنا الأمر مشروط بالذهاب؛ بحيث إذا ذهب المرؤ قُتل، وإذا لم يذهب لم يُقتل. | |||
ففي الصورة الأولى لا معنى للعثور على مخرج وحلّ ؛ لأنّ الإنسان يرى نفسه واقعاً في الهلاك؛ وليس أنّه يوقع نفسه فيه، فيصدق أنّه ألقى بنفسه في التهلكة. ولهذا، لا يتوجّه إليه الخطاب القائل : {{ نص قرآني |وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}}<ref> سورة البقرة، الآية 195.</ref>، ولا يُعدّ أنّه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة لكن في الصورة الثانية هنالك معنى للتشبّث والتمسّك بالأسباب، والعثور على مخرج وحلّ، والامتناع عن الذهاب صوب الهلاك، ويتوجّه للمرء خطاب {{ نص قرآني |وَلَا تُلْقُوا}}. وإنّ حركة الأئمة {{عم}} كان من قبيل الأول؛ فهم كانوا يعلمون أنّ الفعل واقع بالحتم لا محالة - شاؤوا أم أبوا -؛ فانتفى بذلك أيّ معنى للبحث عن طريق خلاص أو للامتناع عن الفعل؛ فكلّ هذا يخالف العلم القطعي المفترض. وفي واقع الأمر، فإنّ الآية الشريفة تنهى عن «الإلقاء» في التهلكة؛ لكنّ قضايا الأئمة {{عم}} «وقوع» في التهلكة؛ وليس «إيقاعاً» ولا «إلقاءاً» فيها<ref>في حضرة العلامة الطباطائي [بالفارسیة در محضر علامه طباطبايي]، ص 205 و206.</ref>. | |||
وقد روي عن الإمام عليّ (علیه السلام) في اللة التي قتل في صبيحتها أنّه: {{نص حديث|لَمْ يَخْرُجُ إِلَى المسجد لِصَلَاةِ الليل عَلَى عَادَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ ابْتَتُه أُمّ كلثوم رَحْمَةُ الله عَلَيْهَا : مَا هَذَا الذي قَدْ أَسْهَرَكَ؟ فَقَالَ : إِنِّي مَقْتُولٌ لَوْ قَدْ أَصْبَحْتُ. وَأَنَاهُ ابْنُ النباح فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتَهُ أُمُّ كُلْتُوم: مُرْ جَعْدَةَ؛ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَ : نَعَمْ؛ مُرُوا جَعْدَةَ؛ فَلْيُصَلِّ. ثُمَّ قَالَ: لَا مَفَرَّ مِنَ الأجل، فَخَرَجَ إِلَى المسجد }}<ref>الإرشاد، ج 1، ص 16 ،إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي، ص 155. المناقب، ج 3، ص 310.</ref>. | |||
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشيخ المفيد قد أشار إلى هذا الجواب أيضاً<ref>المسائل العكبرية، مسألة 20 ،ص .70</ref>. | |||
*ثانياً : ما أورده البعض الآخر من كبار علماء الإمامية ومنهم : [[ابن طاووس]]<ref>اللهوف في قتلى الطفوف، ص 11 .والذي تحقّقناه أنّ الحسين (علیه السلام) كان عالماً بما انتهت حاله إليه وكان تكليفه ما اعتمد عليه.</ref> ، و[[الفيّاض اللاهيجي]]<ref>جوهر المراد [بالفارسية :گوهر مراد ]، الفياض اللاهيجي، ص 594.</ref>، و [[العلامة المجلسي]]<ref>مرآة العقول، ج 3، ص 124 بحار الأنوار، ج 45، ص 98.</ref>، و[[المحدث البحراني]]<ref>أحكام القرآن، ج 1، ص 319 منقولاً عن: مقتل الحسين، عبد الرزاق المقرم، ص44.</ref>؛ فقد ذهبوا إلى أنّ الأئمة {{عم}} كانوا على علم بزمان استشهادهم، وكيفيّة ذلك؛ ولا محلّ لإلقاء شبهة في هذا الصدد. | |||
يقول الشيخ [[جعفر التستري]]: ولكنّه (علیه السلام) قد علم بأنّه يقتل ؛ فقال لأصحابه : أشهد أنّكم تقتلون جميعاً، ولا ينجو أحد منكم إلّا ولدي عليّ<ref>الخصائص الحسينية، ص 30 و42.</ref>. | |||
وكتب [[فضل الله الكمباني]] يقول: لقد كان الإمام (علیه السلام) قبل انطلاقته من مكّة ، بل حتّى من حين خروجه من المدينة عالماً بجميع أحداث كربلاء؛ حتى الوقائع التي بعد استشهاده - مثل : وقوع أهل بیته في الأسر - ولأجل ذلك أخذ معه عائلته <ref>من الحسين؟ [بالفارسية: حسین کیست؟ ] ، فضل الله الكمباني ،ص 325 .</ref>. | |||
وأمّا العلامة الطباطبائي فقد أشار إلى هذه النقطة قائلاً: يملك الإمام - حسب ما أفادته أحاديث كثيرة - مقاماً من القرب الإلهي يمكّنه من العلم بأيّ شيء يريده بإذن الله؛ ومن ذلك علمه بملابسات موته واستشهاده بجميع التفاصيل<ref>بحث مقتضب عن علم الإمام [بالفارسية بحثي كوتاه درباره علم امام ]ص34.</ref>. | |||
ومن هنا، نجد أن المشيئة الإلهية اقتضت أن ينماز الأئمة الأطهار عن باقي الخلائق بأن اختصّهم الله تبارك وتعالى بعلم واسع النطاق، وأطلعهم على علوم غيبيّة تلقّوها من رسول الله {{صل}} ، فوصلوا إلى حقائق الكون وأسراره. | |||
وقد عرض [[الفخر الرازي]] حديث أمير المؤمنين (علیه السلام) الذي قال فيه : {{نص حديث|عَلَّمَنِي رَسُولُ الله أَلْفَ بَابٍ مِنَ العلم، فَفَتَحَ (فَانفَتَحَ) لِيْ مِنْ كُلُّ بَابٍ أَلْف بابٍ}}<ref>الأربعين في أصول الدين ،الفخر الرازي ،ص 475. لاحظ أيضاً: ينابيع المودة القندوزي، ص 72؛ كنز العمال، المتقي الهندي، ج6، ص392. وروى ابن عساکر : قال رسول الله {{صل}} في مرضه: «ادعوا إليّ أخي، فدعي له عثمان، فأعرض عنه، ثمّ قال: ادعوا إليّ أخي، فدعي له عليّ بن أبي طالب فستره بثوب، وأنكبّ عليه، فلمّا خرج من عنده قيل له: ما قال {{صل}} ؟ قال : علّمني ألف باب يفتح كلّ باب ألف باب». تاریخ دمشق، ج 42 ،ص 385 الرقم : 8992 .[م]</ref>. | |||
وقال في معرض ردّه على أنّ عليّاً (علیه السلام) كان الأعلم بين الصحابة : أمّا الحجة الثالثة - وهي أنّ عليّاً كان أعلم -قلنا : لِمَ لا يجوز أن يُقال: إنّه حصل له هذه العلوم الكثيرة، بعد أبي بكر ؛ وذلك لأنّه عاش بعده زماناً طويلاً، فلعلّه حصلها في هذه المدة<ref>الأربعين في أصول الدين ،الفخر الرازي ، ص 477.</ref>. | |||
وهو بهذا النص يتجاهل حقيقة أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قد تعلّم هذه العلوم في عصر النبوة، ونهلها من شخص النبي {{صل}} ، وقد كان الخلفاء - باعترافهم هم - يلجؤون لحلّ ما يستعصي عليهم إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) . | |||
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفخر الرازي (606ه) روى في كتابه بعض الوقائع التي تؤيّد أعلميّة الإمام عليّ (علیه السلام)؛ إذ أورد ما روي عن عمر بأنّه أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فنبّهه علىّ (علیه السلام): وقال له: الآية: {{ نص قرآني |وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}}<ref> سورة الأحقاف، الآية 15.</ref>، مع قوله: {{ نص قرآني |وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}}<ref> سورة البقرة، الآية 233.</ref>، على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر. فقال عمر: «لولا علي لهلك عُمر». ورُوي أنّ امرأةً أقرّت بالزنا، وكانت حاملاً، فأمر عمر برجمها. فقال عليّ (علیه السلام): {{نص حديث|إِنْ كَانَ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا}}، فترك عُمر رجمها، وقال: «لولا عليّ، لهلك عُمر »<ref>الأربعين في أصول الدين الرازي، ص 477؛ المناقب، الخوارزمي ،ص 81.</ref>. | |||
ثمّ روى بعد ذلك أيضاً : أنّ عُمر قال يوماً على المنبر: «ألا لا تغالوا في مهور النساء، فمن غالى في مهر امرأةٍ، جعلته في بيت المال»، فقامت عجوز وقالت يا أمير المؤمنين! أتمنع عنّا ما أحلّه الله لنا؟ قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}}<ref> سورة النساء، الآية 20.</ref>، فقال عمر : كلّ الناس أفقه من عُمر؛ حتى المخدرات في البيوت»<ref>الأربعين في أصول الدين، ص 466 و467. وقد أذعن الفخر الرازي في كتابه هذا بأعلميّة الإمام عليّ (علیه السلام) ؛ حيث قال: فثبت بما ذكرنا أنّه رضوان الله عليه كان أستاذ العالمين بعد محمّد {{صل}} في جميع الخصال المرضية والمقامات الحميدة الشريفة».</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 107-115. </ref> | |||
==مصادر علم الإمام (علیه السلام)== | |||
تمثّل الأبحاث المرتبطة بمصادر علم الأئمة المعصومين {{عم}}: إحدى أهمّ البحوث المتعلقة بعلم الإمام، فدائماً ما يُطرح هذا السؤال: كيف تمكّن الأئمة المعصومون {{عم}} من الوصول إلى درجة الإلمام بالحقائق الدينية وغير الدينية ؟ | |||
وقد استعرض العلماء مصادر مختلفة لعلومهم، سنتطرّق لبيان بعضها بإيجاز : | |||
===القرآن الكريم=== | |||
القرآن الكريم هو أهمّ مصادر علم الإمام (علیه السلام) ؛ فهناك عدد من الآيات والروايات الدالة على قيام الأئمة {{عم}}: باستنباط الأحكام والمعارف الإلهية من القرآن الكريم. | |||
يقول تعالى : {{ نص قرآني |وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية 43.</ref>. | |||
وقد دلّت طائفة من الأحاديث الشريفة على أنّ الأئمة الأطهار {{عم}} هم مصداق {{ نص قرآني |مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية 43.</ref>. وقد سُئل الإمام الباقر (علیه السلام) عن الآية فأجاب: {{نص حديث|إيَّانَا عَنَى وَعَلِيٌّ أَوَّلُنَا، وَأَفضَلُنَا، وَخَيْرُنَا بَعدَ النبي {{صل}}}}<ref>نور الثقلين ،الحويزيّ، ج 2، ص 521، ح 207.</ref>. | |||
وروي عنه (علیه السلام) أيضاً أنّه قال : {{نص حديث|نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ بنِ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام) ، إِنَّهُ عَالِمٌ هَذِهِ الأمة بَعدَ النبي {{صل}}}}<ref>نور الثقلين ،الحويزيّ، ج 2، ص 523 .</ref>. | |||
وقد روى أهل السنة عدداً من الروايات في هذا المجال؛ منها : | |||
{{نص حديث|سَأَلتُ رسول الله {{صل}} عَنْ قَولِ الله تَعَالَى: {{ نص قرآني |وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية 43.</ref> قَالَ: ذَاكَ أَخِي عَلِيُّ بنِ أَبِي طَالِب }}<ref>شواهد التنزيل ،الحسكانيّ، ج 1، ص 400، ح 422؛ وكذلك: ح 423، 424 و425.</ref>. | |||
ورووا في كتبهم أيضاً : | |||
{{نص حديث|عَن أبِي صَالِحٍ [في قوله تعالى]: {{ نص قرآني |وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية 43.</ref> قَالَ: عَلِيُّ بنِ أَبِي طَالِب [ كَانَ عَالِماً بِالتَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ وَالنَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ وَالحَلَالِ وَالحَرَامِ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ :سَمِعتُ ابنَ عَبَّاسِ ... يَقُولُ : لَا - والله - مَا هُوَ إِلَّا عَلِيُّ بن أبي طالب }}<ref>شواهد التنزيل ،الحسكانيّ، ج 1، ص 405، ح 427. ولاحظ أيضاً: ينابيع المودة ،القندوزي، ج 1 ، باب 30، ح 11، والأحاديث، 1، من 1 إلى 13 .</ref>. | |||
ومن المواضع التي استنبط فيها الأئمة الأطهار {{عم}}أحكاماً من القرآن : استنباط الإمام الجواد(علیه السلام) ؛ وهو ما رووه عن [[زرقان]] صاحب [[ابن أبي دواد]] وصديقه الحميم قال: «رجع ابن أبي دواد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتمّ فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم أنّي قدمت منذ عشرين سنة، قال قلت له : ولم ذاك؟ قال : لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن عليّ بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين، قال: قلت له : وكيف كان ذلك؟ قال : إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه ؛ وقد أحضر محمد بن عليّ فسألنا عن القطع في أيّ موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت من الكرسوع. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قلت لأنّ اليد هي الأصابع والكفّ إلى الكرسوع، لقول الله في التيمم : {{ نص قرآني |فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية 43.</ref> واتّفق معي في ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله لما قال: {{ نص قرآني |وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}}<ref> سورة المائدة، الآية 6.</ref> في الغسل دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المرفق. قال: فالتفت إلى محمّد بن عليّ فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلّم القوم فيه يا أمير المؤمنين، قال: دعني ممّا تكلّموا به ! أيّ شيء عندك ؟ قال : اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله ما أخبرت بما عندك فيه . فقال : أما إذ أقسمت عليّ بالله، إنّي أقول إنّهم أخطأوا فيه السنة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف، قال : وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله {{صل}} « السجود على سبعة أعضاء؛ الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها؛ وقال الله تبارك وتعالى: {{ نص قرآني |وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}}<ref> سورة الجن، الآية 18.</ref>؛ يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها: {{ نص قرآني |فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}}<ref> سورة الجن، الآية 18.</ref>، وما كان الله لم يقطع. قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف. قال ابن أبي دواد قامت قيامتي وتمنّيت أنّي لم أك حياً»<ref>تفسير العياشي، ج 1، ص 319، ح 109.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 116-119. </ref> | |||
===العلم النبوي=== | |||
المصدر الثاني من مصادر علم الأئمة {{عم}} هو: تعلّمهم السنة النبوية من النبي الأکرم {{صل}} ، ووصاياه، وما أورثه لهم؛ فقد أودع النبي {{صل}} أوّل أوصيائه الإمام عليّاً (علیه السلام) جميع معارفه وعلومه، كما علّم الإمام عليّ (علیه السلام) أبناءه تلك العلوم والمعارف، وتوارثوها إماماً عن إمام إلى أن وصلت إلى الإمام المهدي (علیه السلام). | |||
وقد رويت كثير من الأحاديث من طرق العامة والخاصّة تدلّ على أنّ الإمام عليّاً (علیه السلام)، قد تعلّم علوم النبي {{صل}} مباشرةً من ذاته المقدسة؛ من دون واسطة؛ منها: {{نص حديث|عَنْ مَكْحُولٍ فِي قَوْلِهِ : {{ نص قرآني |وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية 12.</ref>، قَالَ: قَالَ : رسول الله {{صل}} سَأَلْتُ رَبِّی أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَلِيٍّ }}<ref>ينابيع المودة ،القندوزي ، ج 1 ، باب 39، ص 360، ح 240 ؛مناقب آل أبي طالب ،ابن شهر آشوب، ج 2، ص 61. تأويل الآيات، شرف الدين الحسيني، ص 715.</ref>. | |||
وروي في «الدرّ المنثور» بشأن هذه الآية: {{نص حديث|أخرج أبو نَعِيم في الحلية عَن عَلىّ (علیه السلام)؛ قَالَ: قَالَ رسول الله {{صل}} : يَا عَلىّ إِنَّ الله أَمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وأَعَلَّمَكَ لِتَعِيَ ، فَأَنزَلَتْ هَذِهِ الآية: : {{ نص قرآني |وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية 12.</ref>، فَأَنْتَ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ لعلمي}}<ref>الدر المنثور ،عبد الرحمن جلال الدين السيوطي ، ج 6، ص 260 .</ref>. | |||
وروي فيه أيضاً عن [[سعيد بن منصور]]، و[[ابن جرير]]، و[[ابن المنذر]]، و[[ابن أبي حاتم]]، و[[ابن مردويه]] عن مكحولٍ ؛ قال : {{نص حديث|لَمّا نَزَلَتْ : {{ نص قرآني |وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية 12.</ref>، قَالَ رسول الله {{صل}} : سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَليٍّ. قَالَ مَكحُولٌ : فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ : مَا سَمِعْتُ مِنْ رسول الله {{صل}} شَيْئاً فَنَسِيتُهُ}}<ref>الجامع لأحكام القرآن ،القرطبي، ج 19، ص: 264 .يُراجع: سعد السعود، ابن طاووس، ص 108 ينابيع المودة، القندوزي ، ج 1 ، باب 39 ،ص 360، ح 24.</ref>. | |||
ومن المرويات في هذا الباب أيضاً: {{نص حديث|عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ؛ قَالَ : قَالَ رسول الله {{صل}} : أَتَانِي جَبْرَئِيلَ (علیه السلام) بِدُرْنُوكِ مِنَ الجنة، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّی، كَلَّمَنِي، وَنَاجَانِی، فَمَا عُلِّمْتُ شَيْئًا إِلَّا عَلَّمْتُهُ عَلِيّاً، فَهُوَ بَابُ مَدِينَةِ عِلْمِي}}<ref>بحار الانوار، المجلسي، ج 3، ص 149 وج 40، ص 190. الصراط المستقيم ،عليّ بن يونس، ج 2، ص 20. مستدرك سفينة البحار ،علي النمازي، ج 8 ،ص 48 .ينابيع المودة ،القندوزي، ج 1، ص 217 .</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج3، ص 119-121. </ref> | |||
===الصحيفة الجامعة للإمام عليّ (علیه السلام)=== | |||
«الكتاب» - أو «الجامعة»، أو «صحيفة عليّ (علیه السلام)» - هو أحد مصادر العلم لدى الأئمة الأطهار {{عم}} وقد نُقلت مجموعة من الروايات من طرق الفريقين تفيد بأنّ الإمام عليّ (علیه السلام) قد كتب كتاباً أملاه عليه النبي {{صل}} ، ومن ذلك : | |||
ما روي عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (علیه السلام) ؛ قال : | |||
«يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَإِنَّ عِنْدَنَا الجامعة، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا الجامعة؟ قَالَ: قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ؛ وَمَا الجامعة ؟ قَالَ : صَحِيفَةٌ طُولُها سَبْعُونَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ رَسولُ الله {{صل}} وَإِمْلَائِهِ، مِنْ فَلْقِ فِيهِ، وَخَطِّ عَلِيٌّ بِيَمِينِهِ، فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامِ، وَكُل شیء يَحْتَاجُ الناس إِلَيْهِ؛ حَتَّى الأرش فِي الخدش وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَىّ، فَقَالَ: تَأْذَنُ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدِ؟ قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنَّمَا أَنَا لَكَ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. قَالَ: فَغَمَزَنِي بِيَدِهِ، وَقَالَ: حَتَّى أَرْشُ هَذَا، كَأَنَّهُ مُغْضَبٌ، قَالَ: قُلْتُ: هَذَا وَالله العلم قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ، وَلَيْسَ بِذَاكَ »(3). | |||
وعن الإمام الباقر (علیه السلام) أنّه قال: | |||
ص: 90 | |||
________________________________________ | |||
3- الكافي ،الكلينيّ، ج 1، ح 1، ص 239. | |||
«في كِتاب علىّ (علیه السلام) ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَمُوتُ صَاحِبُهُنَّ أَبَداً حَتَّى يَرَى وَبَالَهُنَّ البغي وقَطِيعَةُ الرحم والْيَمِينُ الكاذبة يُبَارِزُ الله بِهَا »(1). | |||
ويقول الشريف الجرجاني (816ه) في« شرح المواقف» عن الجفر والجامعة: | |||
وهما كتابان لعليّ رضي الله تعالى عنه (2). | |||
وعن معلّى بن خنيس أنّه قال: | |||
«كُنْتُ عِنْدَ أَبي عَبْدِ الله (علیه السلام) إِذْ أَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله [يقصد: النفس الزكية] فَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَهَبَ ، فَرَقَّ لَهُ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام)، ودَمَعَتْ عَيْنَاهُ. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ بِهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُ ! فَقَالَ: رَفَقْتُ لَهُ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ، لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابٍ عليّ (علیه السلام) مِنْ خُلَفَاءِ هَذِهِ الأمة، وَلَا مِنْ مُلُوكِهَا »(3). | |||
21 /4 /4.الجفر : | |||
«الجفر» هو أحد مصادر علم الأئمة الأطهار {{عم}}؛ وتعني مفردة «الجفر»: الوعاء من الجلد. وقد كان يحوي علم الأنبياء {{عم}}، والأوصياء، والماضين من بني إسرائيل (4). | |||
وهناك مجموعة من الرويات التي تخبر عن وجود الجفر، وكونه لدى الأئمة {{عم}}: | |||
روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: | |||
«وَإِنَّ عِنْدَنَا الجفر، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا الجفر ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الجفر؟ قَالَ: وِعَاءٌ مِنْ أَدَمٍ، فِيهِ عِلْمُ النبيين، وَالْوَصِيِّينَ، وَعِلْمُ العلماء الذين مَضَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ »(5). | |||
ص: 91 | |||
________________________________________ | |||
1- الخصال، الصدوق، ص 124 . معالم المدرستين ،العسكريّ، ج 2، ص 346. | |||
2- شرح المواقف ،الجرجاني، ص 276 .الذريعة، الطهراني، ج 5، ص 119 .أعيان الشيعة، الأمين، ج 1، ص 81. | |||
3- الكافي، الكليني، ج8، ص395. بصائر الدرجات، الصفار، ج 4 ،ص 229، ح 1. | |||
4- الكافي، الكليني، ج 1، ص 239، ح 1. | |||
5- الكافي، الكليني، ج 1 ص 239، ح 1. ولاحظ :بصائر الدرجات ،الصفّار، ج 3، ص 210، ح 3. | |||
وقد قرّر الإمام الرضا (علیه السلام) أنّ من جمله شروط الإمام والقائد أن يكون كلّ من كتابي الجفر الأكبر والأصغر (الأصفر) بحوزته(1). | |||
وروي عن أبي مريم أنّه قال: | |||
«قَالَ لِي أَبُو جَعْفَر(علیه السلام) ....وعِنْدَنَا الجفر؛ وهُوَ أَدِيمٌ عُكَاظِيٌّ، قَدْ كُتِبَ فِيهِ حَتَّى مُلِئَتْ أَكَارِعُهُ، فِيهِ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القيامة»(2). | |||
وقد تمسّك الأئمة الأطهار {{عم}} في موارد عديدة بكتاب الجفر، واستشهدوا بما جاء فيه؛ فحينما كتب المأمون كتاباً إلى الإمام الرضا ،(علیه السلام) ، وأوكل ولاية عهده إليه؛ كتب الإمام (علیه السلام) في ظهر ذلك الكتاب: | |||
«وَالْجامِعَةُ وَالجُفْرُ يَدُلَّانِ عَلَى ضِدَّ ذَلِكَ ... لَكِنِّي امْتَثَلْتُ أَمْرَ أَمِيرِ المؤمنين، وَآثَرْتُ رضاه »(3). | |||
ونجد أنّ الإمام الصادق (علیه السلام) قد قال في شأن أصحاب زيد: | |||
«إِنَّ فِي الجفر الذي يَذْكُرُونَهُ لَمَا يَسُوؤُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ الحق، والْحَقُّ فيه، فَلْيُخْرِجُوا قَضَايَا عليّ (علیه السلام) وفَرَائِضَهُ؛ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ! وَسَلُوهُمْ عَنِ الخالات والْعَمَّاتِ »(4). | |||
21 /4 /5.مصحف فاطمة (علیها السلام): | |||
«مصحف فاطمة (علیها السلام) »- أو صحيفتها - أحد المصادر المعرفية لأهل البيت {{عم}}: | |||
ص: 92 | |||
________________________________________ | |||
1- كشف الغمة، الأربلي، ج 3، ص 121 .الاحتجاج، الطبرسي، ج 2 ،ص 448 .الخصال ،الصدوق، أبواب الثلاثين، ص 527 ، ح 1. بحار الأنوار ،المجلسيّ ، ج 25 ، ص 117 [ وردت في كتاب بحار الأنوار كلمة «الأصفر» بدلاً من «الأصغر»]. | |||
2- بصائر الدرجات ،الصفّار، ج 3، ص 218، ح 3 .بحار الأنوار ،المجلسيّ، ج 26، ص 48، ح 90. [ | |||
3- كشف الغمة، الأربلي، ج 3، ص 172-179. معالم المدرستين ،العسكريّ، ج 2، ص 427. | |||
4- بصائر الدرجات، ج 3، ص 214، ح 16 ، وص 216 ،ح21 ؛الكافي، الكليني، ج 1، ص 241، ح 4. | |||
وهو يشتمل على أخبار غيبيّة ، وأحداث سوف تحدث في المستقبل؛ نزل به جبرئيل الأمين (علیه السلام) على السيدة الزهراء (علیها السلام) بعد وفاة النبي الأكرم {{صل}} ، وخطّه الإمام عليّ (علیه السلام)(1). وقد استشهد الإمام الخميني (1409ه) بها قائلاً : | |||
والصحيفة الفاطمية؛ وهي الكتاب الملهم من قِبَل الله تعالى إلى الزهراء المرضية(علیها السلام) (2). | |||
وروي عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال عندما سئل عن هذا المصحف: | |||
«إِنَّ فَاطِمَةَ (علیها السلام) مَكَثَتْ بَعْدَ رسول الله {{صل}} خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وَكَانَ دَخَلَهَا حُزْنُ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا، وَكَانَ جَبْرَئِيلُ (علیه السلام) يَأْتِيهَا، فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا ، ويُطيِّبُ نَفْسَهَا، ويُخبرُهَا عَنْ أَبِيهَا، وَمَكَانِهِ ، ويُخبرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا، وَكَانَ عليّ (علیه السلام) يَكْتُبُ ذَلِكَ فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ (علیها السلام)»(3). | |||
وروي عن حمّاد بن عثمان أنّه قال : | |||
«سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ : تَظْهَرُ الزنادقة فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَذَلِكَ أَنِّی نَظَرْتُ فِي مُصْحَفِ فَاطِمَةَ (علیها السلام)»(4). | |||
وعن فضيل بن سُكَّرة؛ قال: | |||
«دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام)، فَقَالَ : يَا فُضَيْلُ أَتَدْرِي فِي أَيَّ شَيْءٍ كُنْتُ أَنْظُرُ قُبَيْلُ؟! :قالَ: قُلْتُ: لَا ، قَالَ: كُنْتُ أَنْظُرُ فِي كِتَابٍ فَاطِمَةَ (علیها السلام)؛ لَيْسَ مِنْ مَلِكٍ يَمْلِكُ الأرض إِلَّا وهُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِاسْمِهِ، واسم أبيه »(5). | |||
ص: 93 | |||
________________________________________ | |||
1- الكافي ،الكلينيّ، ج 1، ص 241، ح 5 وص 458، ح 2 . | |||
2- الوصية السياسية الإلهية الإمام الخميني، ص 3 . | |||
3- بصائر الدرجات، ج 1، ص 154. | |||
4- الكافي ،الكلينيّ، ج 1، ص 240 ،ح 2 .بصائر الدرجات ،الصفّار ،جزء 3 باب 14، ص 215، ح 18 . | |||
5- الكافي، الكليني، ج 1 ،ص 242، ح 8. | |||
وروى سليمان بن خالد عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: | |||
«وَلْيُخْرِجُوا مُصْحَفَ فَاطِمَةَ (علیها السلام)؛ فَإِنَّ فِيهِ وَصِيَّةَ فاطمة (علیها السلام) »(1). | |||
ولمّا سُئل الإمام الباقر (علیه السلام) عمّا آل إليه أمر هذا المصحف بعد رحيلها (علیها السلام)، قال: | |||
«دَفَعَتْهُ إِلَى أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فَلَمَّا مَضَى صَارَ إِلَى الحسن (علیه السلام)، ثُمَّ إِلَى الحسين (علیه السلام)، ثُمَّ عِنْدَ أَهْلِهِ؛ حَتَّى يَدْفَعُوهُ إِلَى صَاحِبِ هَذَا الأمر [أي: الإمام المهدي (علیه السلام)]»(2). | |||
وقد روي عن الإمام الرضا (علیه السلام) أنّه قال: | |||
«للْإِمَامِ عَلَامَاتٌ يَكُونُ أَعْلَمَ الناس وأَحْكَمَ الناس... ويَكُونُ عِنْدَهُ مُصْحَفُ فَاطِمَةَ (علیها السلام)»(3). | |||
ويقول العلامة الطهراني (1389ه) : مصحف فاطمة (علیها السلام) من ودائع الإمامة، عند مولانا وإمامنا صاحب الزمان (علیه السلام) ، كما روي في عدة أحاديث من طرق الأئمة {{عم}}(4). | |||
21 /4 /6.التحديث : | |||
تحديث الملائكة لأئمة أهل البيت {{عم}} ممّا يجعلهم من «المحدّثين» هو أحد مصادر علومهم؛ فإنّ بعض تلك العلوم انتقل إليهم من خلال التحديث وإلقاء الملائكة عليهم. و«المحدَّث» هو من تتحدّث الملائكة معه من غير أن يكون نبيّاً؛ أو الذي يرى الملائكة، أو الذي يحضر لديه العلم بأمور من خلال الإلهام والمكاشفة، أو تُلقى في روعه حقائق تخفى على الآخرين(5). | |||
ص: 94 | |||
________________________________________ | |||
1- المصدر السابق، ص 241، ح 4. | |||
2- دلائل الإمامة ،الطبريّ، ص 28 .مسند السيدة الزهراء ،العطارديّ، ص 292. | |||
3- الخصال ،الصدوق ،أبواب الثلاثين، ص 527. | |||
4- لذريعة ،الطهرانيّ، ج 12، ص 126، رقم 4248. | |||
5- الكافي، الكليني، ج 1، ص 271، ح 4. الغدير، الأميني، ج 5، ص 42. | |||
وهناك عدد من أمثلة تحديث الملائكة لبعض البشر من غير أن يكونوا من الأنبياء؛ فقد تحدّثت الملائكة مع السيدة مريم (علیها السلام)(1)، كما تحدّثت مع سارة زوج نبيّ الله إبراهيم (علیه السلام) (2). وتحدّثت مع الزهراء (علیها السلام)ابنة النبي {{صل}} (3). | |||
ويرى علماء العامة أنّ عمر كان محدّثاً (4). | |||
وقد استعرض الباحثون الإسلاميون مجموعة من المصادر الأخرى لعلم الإمام؛ منها: روح القدس، والاسم الأعظم، والرؤيا الصادقة، وكتب الأنبياء، وعالم الملكوت، والعقل. | |||
*** | |||
ص: 95 | |||
________________________________________ | |||
1- سورة آل عمران الآيات: 42-45. | |||
2- سورة هود: 71. | |||
3- علل الشرايع ،الصدوق، ج 1، ص 216 ، باب 146 ، ح 1. بحار الأنوار ،المجلسيّ، ج 43، ص 78، ح 65. دلائل الإمامة، محمّد بن جرير بن رستم الطبري، ص 28 . | |||
4- فتح الباري بشرح صحيح البخاري ،ابن حجر العسقلاني ، كتاب فضائل الصحابة ،باب مناقب عمر، ج 7، ص 52، ح 3689 .غريب الحديث ،عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ج 1، ص 9 ش 34 .لسان العرب، ابن منظور ،ج 2، ص 134. | |||
== المراجع والمصادر== | |||
# [[صورة: IM010686.jpg|22px]] [[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|'''الكلام الإسلامي المعاصر''']] | |||
== الهوامش == | |||
{{مراجع}} | |||