انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «حياة النبي الخاتم»

لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
سطر ١٥: سطر ١٥:


وهدفت هذه الأحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين مؤثرين:  
وهدفت هذه الأحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين مؤثرين:  
#فهي تدفع [[الجبابرة]] والوثنيين إلى [[التفكير]] فيما هم فيه من أحوال، فيتساءلون عن الأسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الأحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنيةوزوال مظاهر [[السلطة]] الشيطانية واندحارها.
#فهي تدفع [[الجبابرة]] والوثنيين إلى [[التفكير]] فيما هم فيه من أحوال، فيتساءلون عن الأسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الأحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنية وزوال مظاهر [[السلطة]] الشيطانية واندحارها.
#ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن [[العظيم]] للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الأنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.
#ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن [[العظيم]] للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الأنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.


سطر ٣٩: سطر ٣٩:


===المحطة الثانية: [[طفولة النبي الخاتم|طفولته]]{{صل}}===
===المحطة الثانية: [[طفولة النبي الخاتم|طفولته]]{{صل}}===
استقر [[النبي الأكرم]] {{صل}} في [[قبيلة]] «[[بني سعد]]» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شوَونه [[خير]] قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها {{صل}} على فصاحته وبلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه{{ع}} فكّرت بزيارة [[المدينة]] وقبر زوجها عبدالله، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه [[النبيّ]] {{صل}} [[بيت]] أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى [[مكة]] بمنطقة الأبواء<ref>السيرة الحلبية: ١/ ١٠٥.</ref> ممّا دفع الجميع إلى إظهار [[المحبة]] له والعناية به، خاصةً جدّه «[[عبد المطلب]]» الذي أحبه أكثر من أولاده.
استقر [[النبي الأكرم]] {{صل}} في [[قبيلة]] «[[بني سعد]]» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شؤونه [[خير]] قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها {{صل}} على فصاحته وبلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه{{ع}} فكّرت بزيارة [[المدينة]] وقبر زوجها عبدالله، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه [[النبيّ]] {{صل}} [[بيت]] أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى [[مكة]] بمنطقة الأبواء<ref>السيرة الحلبية: ١/ ١٠٥.</ref> ممّا دفع الجميع إلى إظهار [[المحبة]] له والعناية به، خاصةً جدّه «[[عبد المطلب]]» الذي أحبه أكثر من أولاده.


وربما كان يُتم النبي {{صل}} في صالحه، فقد أراد [[الله تعالى]] منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده ومصاعبه ومتاعبه، أو أراد ألا يكون في عنقه [[طاعة]] لأحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر [[الوحي]] وليس من العوامل العادية المتعارفة.
وربما كان يُتم النبي {{صل}} في صالحه، فقد أراد [[الله تعالى]] منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده ومصاعبه ومتاعبه، أو أراد ألا يكون في عنقه [[طاعة]] لأحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر [[الوحي]] وليس من العوامل العادية المتعارفة.
سطر ٤٦: سطر ٤٦:


====[[كفالة أبي طالب للنبي]]====
====[[كفالة أبي طالب للنبي]]====
كان [[أبو طالب]] أخاً لوالد النبي {{صل}} من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسوَولية بفخر واعتزاز.
كان [[أبو طالب]] أخاً لوالد النبي {{صل}} من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسؤولية بفخر واعتزاز.


وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ {{صل}} عمّه في إحدى [[الحروب]] التي وقعت في الأشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «[[اليعقوبي]]» ينفي في تاريخه [[اشتراك]] النبي {{صل}} وأبي طالب فيها.<ref>تاريخ اليعقوبي: ٢\١٥.</ref>
وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ {{صل}} عمّه في إحدى [[الحروب]] التي وقعت في الأشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «[[اليعقوبي]]» ينفي في تاريخه [[اشتراك]] النبي {{صل}} وأبي طالب فيها.<ref>تاريخ اليعقوبي: ٢\١٥.</ref>
سطر ٦٥: سطر ٦٥:
كانت آثار [[الشجاعة]] والقوة باديةً على جبينه {{صل}} منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في [[حرب]] الفجّار بين [[قريش]] وهوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات [[العسكرية]] وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان [[المسلمون]] ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي {{صل}} عند [[اشتداد]] [[المعركة]].
كانت آثار [[الشجاعة]] والقوة باديةً على جبينه {{صل}} منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في [[حرب]] الفجّار بين [[قريش]] وهوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات [[العسكرية]] وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان [[المسلمون]] ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي {{صل}} عند [[اشتداد]] [[المعركة]].


وفي مقابل هذا روى الموَرخ [[اليعقوبي]] في تاريخه: «وقد روي أنّ [[أبا طالب]] منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر [[الحرام]] ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج [[الزبير بن عبد المطلب]] متكرهاً وقال [[عبد الله بن جدعان التيمي]] وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير»<ref>تاريخ اليعقوبي: ٢\١٢، طبع النجف.</ref>
وفي مقابل هذا روى المؤرخ [[اليعقوبي]] في تاريخه: «وقد روي أنّ [[أبا طالب]] منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر [[الحرام]] ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج [[الزبير بن عبد المطلب]] متكرهاً وقال [[عبد الله بن جدعان التيمي]] وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير»<ref>تاريخ اليعقوبي: ٢\١٢، طبع النجف.</ref>


كما أنّ [[النبي]] {{صل}} كان أحد المشاركين في [[حلف الفضول]]، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى [[الدفاع]] عن حقوق [[الضعفاء]] والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماوَهم جميعاً من لفظة «[[الفضل]]»، مثل: [[فضل بن فضالة]]، و [[فضل بن الحارث]]، و [[فضل بن وداعة]]. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي {{صل}} أشاد فيها بالحِلف، واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُ في دار [[عبد الله بن جدعان]] حِلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت».
كما أنّ [[النبي]] {{صل}} كان أحد المشاركين في [[حلف الفضول]]، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى [[الدفاع]] عن حقوق [[الضعفاء]] والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماؤهم جميعاً من لفظة «[[الفضل]]»، مثل: [[فضل بن فضالة]]، و [[فضل بن الحارث]]، و [[فضل بن وداعة]]. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي {{صل}} أشاد فيها بالحِلف، واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُ في دار [[عبد الله بن جدعان]] حِلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت».


كما أشاد به [[الإمام الحسين]] {{ع}} أيضاً، فضرب به [[المثل]] في أخذ الحقّوردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «[[الوليد بن عتبة]]» أمير [[المدينة]].<ref>[[جعفر السبحاني]]، [[السيرة المحمدية (كتاب)|السيرة المحمدية]]، ص ٣٩-٤٠.</ref>
كما أشاد به [[الإمام الحسين]] {{ع}} أيضاً، فضرب به [[المثل]] في أخذ الحقّ وردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «[[الوليد بن عتبة]]» أمير [[المدينة]].<ref>[[جعفر السبحاني]]، [[السيرة المحمدية (كتاب)|السيرة المحمدية]]، ص ٣٩-٤٠.</ref>


====التنزه عن اللهو واللعب====
====التنزه عن اللهو واللعب====
سطر ٧٩: سطر ٧٩:
====الأسفار والرحلات====
====الأسفار والرحلات====
====الحِرَف والمِهَن====
====الحِرَف والمِهَن====
أمضى [[الرسول الأعظم]] {{صل}} شطراً من شبابه في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في [[تربية]] [[الناس]] الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح [[الصبر]]، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة [[الاستقامة]] على طريق [[الهدف]]، وذلك حتى يمكنه [[إدارة]] [[البشر]] في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّبتعويد [[النفس]] على هذه [[الصفات]] وحملها على مشاق الإعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من روَية الأوضاع المزرية والأحوال المشينة التي كان عليها [[أهل مكة]] وما كانوا فيه من [[عادات سيئة]] وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبةللنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّ الإمعان في [[الآيات]] الدالة على وجود [[الله سبحانه وتعالى]]، وقدرته وحكمته وعلمه وإرادته.
أمضى [[الرسول الأعظم]] {{صل}} شطراً من شبابه في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في [[تربية]] [[الناس]] الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح [[الصبر]]، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة [[الاستقامة]] على طريق [[الهدف]]، وذلك حتى يمكنه [[إدارة]] [[البشر]] في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّ بتعويد [[النفس]] على هذه [[الصفات]] وحملها على مشاق الإعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من رؤية الأوضاع المزرية والأحوال المشينة التي كان عليها [[أهل مكة]] وما كانوا فيه من [[عادات سيئة]] وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبة للنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّ الإمعان في [[الآيات]] الدالة على وجود [[الله سبحانه وتعالى]]، وقدرته وحكمته وعلمه وإرادته.


فبالرغم من أنّ [[قلوب]] الأنبياء تكون منورة بمصابيح [[المعرفة]]، ومضاءة بأنوار الإيمان والتوحيد، إلاّأنّهم لا يرون أنفسهم في [[غنى]] عن [[النظر]] في [[عالم الخلق]] والتفكّر في الآيات الإلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الإيمان، ويبلغون أسمى درجات [[اليقين]]، وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على [[ملكوت]] [[السماوات]] والأرضين.
فبالرغم من أنّ [[قلوب]] الأنبياء تكون منورة بمصابيح [[المعرفة]]، ومضاءة بأنوار الإيمان والتوحيد، إلاّ أنّهم لا يرون أنفسهم في [[غنى]] عن [[النظر]] في [[عالم الخلق]] والتفكّر في الآيات الإلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الإيمان، ويبلغون أسمى درجات [[اليقين]]، وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على [[ملكوت]] [[السماوات]] والأرضين.


وبعد هذا [[العمل]] الصحراويّ الجبلي، تعاطى {{صل}} العمل التجاري، باقتراح من عمّه [[أبي طالب]]، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «[[خديجة بنت خويلد]]» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف [[عظيم]]، استخدمت الرجال في [[إدارة]] أعمالها الكثيرة. فقال [[أبو طالب]] للنبي {{صل}}: «يابن أخي، هذه [[خديجة]] بنت خويلد قد انتفع بما لها أكثر [[الناس]]، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لأسرعتْ إليك، وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».
وبعد هذا [[العمل]] الصحراويّ الجبلي، تعاطى {{صل}} العمل التجاري، باقتراح من عمّه [[أبي طالب]]، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «[[خديجة بنت خويلد]]» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف [[عظيم]]، استخدمت الرجال في [[إدارة]] أعمالها الكثيرة. فقال [[أبو طالب]] للنبي {{صل}}: «يابن أخي، هذه [[خديجة]] بنت خويلد قد انتفع بما لها أكثر [[الناس]]، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لأسرعتْ إليك، وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».
سطر ١١٢: سطر ١١٢:
وكان عمرها في هذا [[الوقت]] أربعين عاماً، إذ أنّها وُلدت قبل عام [[الفيل]] بخمسة عشر عاماً، كما جاء عنها أنّها تزوجت قبل النبي {{صل}} برجلين، أوّلهما: «[[عتيق ابن عائذ]]»، ثمّ بعده: «[[أبو هالة التميمي]]». وقد توفي كلٌّ منهما بعد زواجه منها.<ref>الاستغاثة: ١\٧٠.</ref>
وكان عمرها في هذا [[الوقت]] أربعين عاماً، إذ أنّها وُلدت قبل عام [[الفيل]] بخمسة عشر عاماً، كما جاء عنها أنّها تزوجت قبل النبي {{صل}} برجلين، أوّلهما: «[[عتيق ابن عائذ]]»، ثمّ بعده: «[[أبو هالة التميمي]]». وقد توفي كلٌّ منهما بعد زواجه منها.<ref>الاستغاثة: ١\٧٠.</ref>


وقد تميّزت السيدة خديجة من [[نساء النبي]] {{صل}} بأنّه لم يتزوّج عليها مدّة حياتها، وبلغت لديه مالم تبلغه [[امرأة]] قطّمن زوجاته.<ref>السيرة الحلبيّة: ١\١٦٩.</ref> وممّا يدل على سموّ مقامها وعلوّمنزلتها، أنّ [[أهل البيت]]{{عم}} طالماً افتخروا بأنّخديجة منهم، وإنّهم من خديجة، فكانوا يعتزون بها ويشيدون بمكانتها. فالسيدة خديجة{{ع}} هي مثال [[الشرف]] والعقل، والحبّ العميق للرسول{{صل}} والوفاء والإخلاص، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الإسلام [[الحنيف]]، فهي أوّل من آمنت بالله ورسوله، وصدقت محمّداً {{صل}} وآزرته، فكان {{صل}} لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه، من إيذاء وتكذيب، إلاّ وفرّج [[الله]] عنه بخديجة التي خفّفت عنه، بلطفها وعطفها وعنايتها به في غاية [[الإخلاص]] والود.<ref>أعلام النساء: ١\٣٢٨.</ref>
وقد تميّزت السيدة خديجة من [[نساء النبي]] {{صل}} بأنّه لم يتزوّج عليها مدّة حياتها، وبلغت لديه مالم تبلغه [[امرأة]] قطّمن زوجاته.<ref>السيرة الحلبيّة: ١\١٦٩.</ref> وممّا يدل على سموّ مقامها وعلوّ منزلتها، أنّ [[أهل البيت]]{{عم}} طالماً افتخروا بأنّخديجة منهم، وإنّهم من خديجة، فكانوا يعتزون بها ويشيدون بمكانتها. فالسيدة خديجة{{ع}} هي مثال [[الشرف]] والعقل، والحبّ العميق للرسول{{صل}} والوفاء والإخلاص، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الإسلام [[الحنيف]]، فهي أوّل من آمنت بالله ورسوله، وصدقت محمّداً {{صل}} وآزرته، فكان {{صل}} لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه، من إيذاء وتكذيب، إلاّ وفرّج [[الله]] عنه بخديجة التي خفّفت عنه، بلطفها وعطفها وعنايتها به في غاية [[الإخلاص]] والود.<ref>أعلام النساء: ١\٣٢٨.</ref>


لقد اكتسبت السيدة [[خديجة]] بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمّدية، وتفانيها في سبيل الإسلام، وحرصها العجيب على [[حياة]] صاحب [[الرسالة]]، مكانةً ساميةً في الإسلام، حتى أنّ [[النبي]] {{صل}} ذَكَرَها في أحاديثه الكثيرة، وأشاد بفضلها ومكانتها وشرفها، وذلك لإلفات نظر [[المرأة]] المسلمة إلى [[القدوة]] التي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والحالات، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة ـ وهي نصف [[المجتمع]] ـ من دعم جدّىٍّ للرسالة، مادياً كان أم معنوياً.
لقد اكتسبت السيدة [[خديجة]] بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمّدية، وتفانيها في سبيل الإسلام، وحرصها العجيب على [[حياة]] صاحب [[الرسالة]]، مكانةً ساميةً في الإسلام، حتى أنّ [[النبي]] {{صل}} ذَكَرَها في أحاديثه الكثيرة، وأشاد بفضلها ومكانتها وشرفها، وذلك لإلفات نظر [[المرأة]] المسلمة إلى [[القدوة]] التي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والحالات، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة ـ وهي نصف [[المجتمع]] ـ من دعم جدّىٍّ للرسالة، مادياً كان أم معنوياً.
سطر ١٨٠: سطر ١٨٠:


====إيمانه بالله قبل البعثة====
====إيمانه بالله قبل البعثة====
تدلّ الشواهد [[التاريخية]] بالإضافة إلى [[البراهين العقلية]]، على أنّه النبي كان مؤمناً بالله وموحّداً إيّاه قبل البعثة، فلم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً. وقد أجمع الموَرّخون على أنّه {{صل}} كان يخلو بحراء أشهراً كلّ عام يعبد [[الله تعالى]] فيه، فقد ذكر [[الإمام علي]] {{ع}}: {{نص حديث|وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي}}.<ref>نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.</ref>
تدلّ الشواهد [[التاريخية]] بالإضافة إلى [[البراهين العقلية]]، على أنّه النبي كان مؤمناً بالله وموحّداً إيّاه قبل البعثة، فلم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً. وقد أجمع المؤرّخون على أنّه {{صل}} كان يخلو بحراء أشهراً كلّ عام يعبد [[الله تعالى]] فيه، فقد ذكر [[الإمام علي]] {{ع}}: {{نص حديث|وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي}}.<ref>نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.</ref>


حتى وافاه [[جبرائيل]] {{ع}} بالرسالة في هذا [[المكان]] وفي تلك [[الحال]]، وقد صرح بهذا أيضاً أصحاب [[الصحاح]] الستة، وجاء في الأخبار أنّ الرسول {{صل}} حجّ قبل البعثة عدّة حجّات، وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين [[قريش]]، فقال [[الإمام الصادق]]{{ع}}: {{نص حديث|حَجَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَشْرَ حَجَّاتٍ مُسْتَسِرّاً فِي كُلِّهَا}}.<ref>وسائل الشيعة: ٨\٨٨.</ref>
حتى وافاه [[جبرائيل]] {{ع}} بالرسالة في هذا [[المكان]] وفي تلك [[الحال]]، وقد صرح بهذا أيضاً أصحاب [[الصحاح]] الستة، وجاء في الأخبار أنّ الرسول {{صل}} حجّ قبل البعثة عدّة حجّات، وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين [[قريش]]، فقال [[الإمام الصادق]]{{ع}}: {{نص حديث|حَجَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَشْرَ حَجَّاتٍ مُسْتَسِرّاً فِي كُلِّهَا}}.<ref>وسائل الشيعة: ٨\٨٨.</ref>
سطر ١٨٦: سطر ١٨٦:
وكلّ تلك الوقائع أصدق [[دليل]] على إيمانه وتوحيده، وهو [[النبي الخاتم]] والأفضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنصّ [[القرآن الكريم]]. وجاء عن «[[العلاّمة المجلسي]]»، أنّه قد وردت أخبار كثيرة أنّه {{صل}} كان يطوف ويعبد [[الله]] في [[حراء]]، ويرعى [[الآداب]] المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره،فكيف يمكن لله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير [[عبادة]]<ref>بحار الأنوار: ١٨\٢٨٠.</ref>
وكلّ تلك الوقائع أصدق [[دليل]] على إيمانه وتوحيده، وهو [[النبي الخاتم]] والأفضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنصّ [[القرآن الكريم]]. وجاء عن «[[العلاّمة المجلسي]]»، أنّه قد وردت أخبار كثيرة أنّه {{صل}} كان يطوف ويعبد [[الله]] في [[حراء]]، ويرعى [[الآداب]] المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره،فكيف يمكن لله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير [[عبادة]]<ref>بحار الأنوار: ١٨\٢٨٠.</ref>


والنبي {{صل}} كان موَمناً موحّداً عابداً لله ساجداً قائماً بالفرائض [[العقلية]] والشرعية، مجتنباً عن [[المحرمات]]، عالماً بالكتاب وموَمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه، إلى أن بعثه الله لإنقاذ [[البشرية]] عن [[الجهل]] وسوقها إلى [[الكمال]].
والنبي {{صل}} كان مؤمناً موحّداً عابداً لله ساجداً قائماً بالفرائض [[العقلية]] والشرعية، مجتنباً عن [[المحرمات]]، عالماً بالكتاب ومؤمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه، إلى أن بعثه الله لإنقاذ [[البشرية]] عن [[الجهل]] وسوقها إلى [[الكمال]].


فكان {{صل}} أفضل [[الخلق]] وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وأنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء كان مطابقاً لشرع ماقبله أم مخالفاً، وأنّ هاديه وقائده، منذ صباه إلى أن بُعِث هو نفس هاديه بعد [[البعثة]].<ref>للتوسع في ذلك يراجع مفاهيم القرآن: ٥\١٣٥.</ref>.<ref>[[جعفر السبحاني]]، [[السيرة المحمدية (كتاب)|السيرة المحمدية]]، ص ٥٧-٥٨.</ref>
فكان {{صل}} أفضل [[الخلق]] وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وأنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء كان مطابقاً لشرع ماقبله أم مخالفاً، وأنّ هاديه وقائده، منذ صباه إلى أن بُعِث هو نفس هاديه بعد [[البعثة]].<ref>للتوسع في ذلك يراجع مفاهيم القرآن: ٥\١٣٥.</ref>.<ref>[[جعفر السبحاني]]، [[السيرة المحمدية (كتاب)|السيرة المحمدية]]، ص ٥٧-٥٨.</ref>
٢٦٬٨٦٢

تعديل