الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العلم الإلهي»
لا يوجد ملخص تحرير
ط (استبدال النص - 'تعالي' ب'تعالى') |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
==المقدمة== | ==المقدمة== | ||
العلم من الأوصاف الثبوتية لله في الرؤية الإسلامية، الله على علم بكل أمور العالم | العلم من الأوصاف الثبوتية لله في الرؤية الإسلامية، الله على علم بكل أمور العالم وكما سيأتي، العلم من الأوصاف الذاتية لله ومن الصفات الفعلية كذلك. بعبارة أخرى للعلم الإلهي مراتب مختلفة بعضها صفة ذاتية وبعضها الآخر صفة فعلية.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢١.</ref> | ||
==معنى العلم== | ==معنى العلم== | ||
على أساس الاعتقاد الشائع فإن للعلم معنى بديهي | على أساس الاعتقاد الشائع فإن للعلم معنى بديهي وواضح؛ لأن كل إنسان يلمس هذه الصفة في أحواله النفسانية ويجدها في باطنه، كل منا في حياته جرب مرات هذه الحالة بحيث إنه ابتداءً كان جاهلاً بالنسبة لمسألة ما وبعد ذلك تظهر فيه حالة بحيث يصبح مطلع على تلك المسألة وهذا ما يُسمى بالعلم. ولا ينبغي الغفلة عن أن علم الإنسان في أقسامه المختلفة له نقائص ومحدوديات لا يُمكن تسريتها إلى الله، حيث إن الله منزّه عن كل تلك القيود والنقائص. كما أن قسماً أساسياً من علمنا يتحصل عن طريق الأدوات والوسائل الباطنية والخارجية؛ مثلاً: في إدراكنا للمحسوسات نستخدم أعضاءنا (العين، الأذن و...) وقد نستخدم الأدوات الخارجية كذلك. بالإضافة إلى أن علومنا إذا لم نقل كلها فإن أغلبها علوم حادثة يعني العلم الحاصل بعد الجهل ومن هنا فهو في معرض الزوال والفناء. بالإضافة إلى ذلك فإن مجموع علومنا كمجموعة ناقصة جداً ومحدودة وما نعرفه لا يُعدّ شيئاً بالقياس إلى ما لا نعرفه. ولكن العلم الإلهي مبراً من كل هذه النواقص، هو علم مطلق، لا محدود، أزلي وأبدي ولا يحتاج إلى أدوات ومقدمة وواسطة ولا يستلزم الانفعال وتأثر الذات الإلهية من الخارج.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢١-٢٢٢.</ref> | ||
==العلم الحصولي | ==العلم الحصولي والحضوري== | ||
ألمعنا سابقاً أنه في التقسيم المشهور للعلم قسم إلى (حصولي) و (حضوري) المعلوم في العلم الحضوري هو نفس الشيء أما في العلم الحصولي هو الصورة الذهنية للشيء، | ألمعنا سابقاً أنه في التقسيم المشهور للعلم قسم إلى (حصولي) و(حضوري) المعلوم في العلم الحضوري هو نفس الشيء أما في العلم الحصولي هو الصورة الذهنية للشيء، والشيء يُدرك بواسطة صورته. علمنا بذاتنا وأيضاً علمنا بأحوالنا النفسانية، مثل: الخوف، الغضب، الحب و... هو علم حضوري، أما علمنا بالمحسوسات والمعقولات فإنها تدخل في دائرة الإدراك الحصولي، بالتوجه إلى هذا التقسيم يُمكن ذكر تعريف جامع للعلم والإدراك بحيث يشمل كِلا القسمين الحصولي والحضوري فنقول: إن العلم عبارة عن حضور المعلوم عند العالم، وهذا التعريف جامع لأنه في العلم الحصولي تحضر الصورة الذهنية للشيء عند العالم وفي العلم الحضوري يحضر نفس الشيء لكن في كلا الحالتين للمعلوم نحو حضور عند العالم وعلى أساس هذا الحضور للعالم نوع إحاطة علمية على المعلوم. ولأن التعريف السابق خالٍ من القيود المتعلقة بعلوم الموجودات الإمكانية ولا يتطرقها النقص، فيمكن أن يستعمل للإشارة إلى العلم الإلهي، على هذا الأساس عندما يذكر علم الله فالمقصود أن كل الأمور والأشياء حاضرة عند الله وهذا الحضور هو ملاك علم الله بذاته وبكل الموجودات. يرى بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين أن علم الله ينحصر في العلم الحضوري. ومبنى هذه النظرية أن العلم الحصولي بلحاظ أنه يحصل عند طريق حصول الصورة الذهنية للمعلوم، يستلزم أن يكون العالم محل عروض الصور الذهنية وانفعاله من غيره في حال أن الله منزه عن هذه الأمور.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٢-٢٢٣.</ref> | ||
==مراتب العلم الإلهي== | ==مراتب العلم الإلهي== | ||
بعد اتضاح معنى علم الله نصل إلى أقسام أو مراتب هذا العلم<ref>أكثر أبحاث هذا القسم تميل إلى الفلسفة، مع هذا نرى أنه للحصول على تصور أكثر جامعية المسألة العلم الإلهي من المفيد أن نُشير إلى رأي الحكماء.</ref>. العلم الإلهي في البداية يقسم إلى نوعين: علم بالذات | بعد اتضاح معنى علم الله نصل إلى أقسام أو مراتب هذا العلم<ref>أكثر أبحاث هذا القسم تميل إلى الفلسفة، مع هذا نرى أنه للحصول على تصور أكثر جامعية المسألة العلم الإلهي من المفيد أن نُشير إلى رأي الحكماء.</ref>. العلم الإلهي في البداية يقسم إلى نوعين: علم بالذات وعلم بالغير والمقصود من القسم الأول علم الله بذاته والمقصود من الثاني علم الله بسائر الموجودات. ولأن سائر الموجودات مخلوقات الله، فيُمكن تقسيم القسم الآخر إلى نوعين: علم الله بالموجودات الأخرى قبل إيجادها وعلمه بها بعد إيجادها. وعلى هذا فإن للعلم الإلهي مراتب ثلاث: | ||
#العلم بالذات | #العلم بالذات | ||
#العلم بالأشياء قبل إيجادها | #العلم بالأشياء قبل إيجادها | ||
| سطر ١٤: | سطر ١٤: | ||
==علم الله بذاته== | ==علم الله بذاته== | ||
من التعريف المذكور للعلم، فالمقصود من علم الله بذاته أن الذات الإلهية حاضرة عنده | من التعريف المذكور للعلم، فالمقصود من علم الله بذاته أن الذات الإلهية حاضرة عنده وهذا الحضور هو ملاك علم الله بذاته<ref>يرى بعض المتكلمين أن علم الله بذاته، علماً حصولياً، يُمكن الرجوع إلى: السيوري، إرشاد الطالبين، ص۲۰.</ref>. قبل إثبات هذه المرتبة من مراتب العلم الإلهي يلزم تذكر أن الحقيقة الخارجية والعينية لعلم الله بذاته مجهولة لنا وغير معروفة -كما هي سائر الصفات الإلهية - فقط يُمكننا أن نُشير إلى تلك الحقيقة عن طريق المفاهيم، أي: معرفتنا بها حصولية. | ||
==الدليل على علم الله بذاته== | ==الدليل على علم الله بذاته== | ||
زيادة على الأدلة العامة لإثبات الصفات الكمالية للباري تعالى أُقيمت أدلة خاصة على هذا المدعي، أن الله يُدرك ذاته | زيادة على الأدلة العامة لإثبات الصفات الكمالية للباري تعالى أُقيمت أدلة خاصة على هذا المدعي، أن الله يُدرك ذاته ويعلم بها، وسنُشير إلى دليل منها، وهذا الدليل قائم على بعض القواعد الفلسفية. إنه يعتمد على مقدمتين أساسيتين: كل موجود مجرد حاضر عند ذاته فهو عالم بذاته. | ||
هذه المقدمة تثبت في المباحث الفلسفية، | هذه المقدمة تثبت في المباحث الفلسفية، وعلى أساس هذا الأصل فإن الموجود المادي (غيرالمجرد) غير حاضر من جهة أن له أجزاء وأبعاد ودائماً في معرض التغيير والتحول، ومن هنا لا يُمكن أن يكون حاضراً حتى عند نفسه؛ فالأشياء المادية جاهلة بذاتها ولكن المجردات بدليل البساطة والتجرد يُمكن أن تكون حاضرة لذاتها وللمجردات الأخرى، ولأن ملاك العلم هو الحضور، فكل مجرد عالم بذاته. | ||
المقدمة الثانية هي أن الله موجود مجرد | المقدمة الثانية هي أن الله موجود مجرد ومنزه من كل الشوائب وقيود المادة، هذه المادة تثبت في بحث الصفات السلبية لله حيث ثبت (عدم الجسمانية) و(عدم المادية) للذات الإلهية. وعلى أساس هاتين المقدمتين يثبت أن الحق تعالى عالم بذاته لأنه موجود مجرد وكل مجرد عالم بذاته.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٣-٢٢٤.</ref> | ||
==علم الله بالأشياء قبل إيجادها== | ==علم الله بالأشياء قبل إيجادها== | ||
بعد الفراغ من بيان علم الله بذاته، يلزم بحث المرتبة الثانية للعلم الإلهي يعني علم الله بالموجودات قبل إيجادها، | بعد الفراغ من بيان علم الله بذاته، يلزم بحث المرتبة الثانية للعلم الإلهي يعني علم الله بالموجودات قبل إيجادها، والظاهر أن المقصود من هذا القسم واضح جداً مع هذا فقد طرح السؤال للفلاسفة والمتكلمين بأنه هل هذا القسم من أقسام العلم الإلهي علم إجمالي أو تفصيلي؟ المقصود من العلم الإجمالي في هذا البحث أن الله قبل إيجاد الأشياء لا علم له بها فرداً فرداً وبشكل مستقل، بل علمه بها هو علم واحد وبسيط يقبل التحليل إلى علم تفصيلي، وعادة لتوضيح العلم الإجمالي يُمثل بعلم العلماء، مثلاً: عالم الرياضيات، فعلم الرياضي بقانون رياضي علم بسيط وإجمالي مع ذلك يُمكن أن يُقال: إنه عالم بكل المسائل التي يُمكن حلها عن طريق ذلك القانون ولكن طالما أنه لم يحل أيّ مسألة فإنّ علمه يبقى في مرتبة الإجمال، ولكن علم الله التفصيلي بالأشياء قبل الإيجاد بمعنى أن الله قبل إيجاد وخلق الأشياء فهو عالم بها على وجه الأفراد والاستقلال، على كل تقدير فإن الجواب عن هذا السؤال يتطلب بحث عميق خارج عن محدودية هذا البحث ولذلك لن نبحثه. وبغض النظر عن هذه المسألة نذكر دليلين على ثبوت هذه المرتبة من العلم لله: | ||
'''الدليل الأول:''' | '''الدليل الأول:''' | ||
هذا الدليل يعتمد على إحدى القواعد الفلسفية | هذا الدليل يعتمد على إحدى القواعد الفلسفية وهي أن العلم بالعلّة التامّة للشيء بوصفها علّة يستلزم العلم بذلك الشيء بوصفه معلول<ref>يُمكن الرجوع إلى: إبراهيمي ديناني، غلام حسين؛ القواعد الكلية الفلسفية في الفلسفة الإسلامية، ج۳، ص۳۴۵-۳۵۱.</ref>؛ فكلما علمت بالعلّة التامّة، فإن المعلول (أو المعلولات) سيكون معلوماً كذلك. | ||
المقدمة الأخرى للدليل: هو أن الذات الإلهية علة تامة لكل الوجودات. | المقدمة الأخرى للدليل: هو أن الذات الإلهية علة تامة لكل الوجودات. | ||
و المقدمة الثالثة: ثبت في البحث السابق علم الله بذاته، | و المقدمة الثالثة: ثبت في البحث السابق علم الله بذاته، وعلى أساس المقدمات الثلاث، الله عالم بذاته وذاته العلة التامة لكل الموجودات والعلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، إذن: علم هذه الذات بالمخلوقات محقَّق منذ الأزل، فيثبت أن الله سبحانه من الأزل وقبل إيجاد الأشياء عالم بكل الأشياء عن طريق علمه بذاته. | ||
'''الدليل الثاني:''' | '''الدليل الثاني:''' | ||
هذا الدليل له صبغة كلامية أقوى بالقياس للدليل الأول | هذا الدليل له صبغة كلامية أقوى بالقياس للدليل الأول وهو قريب من برهان النُظم الذي مرَّ في بحث أدلة إثبات الله<ref>الفرق بينهما أن نتيجة دليل النظم (إثبات خالق عليم حاكم)، ولكن هنا أخذت مسألة مخلوقية العالم وخالقية الله كمسألة مفروغ عنها، كل ما يراد هنا هو إثبات علمه سبحانه.</ref>، مفاده أنه بالتأمل في العالم من حولنا نستكشف أن أجزاء عالم الوجود كلها تظهر على أساس انتظام عجيب وتتحرك في هدف واحد، كما أن كل الظواهر الوجودية مخلوقات الله، ولأن أصل وجود المعلول والمخلوق علامة وجود العلة والخالق فإن خصوصياتها أيضاً تحكي خصوصيات العلة، من هنا فإن انتظام وهدفية عالم الوجود يشهد على أن خالقها عالم بكل الظواهر الكونية وخصوصياتها والعلاقات التي بينها قبل خلق العالم؛ لأن العقل يحكم أنه لا يُمكن لموجود خالق ظواهر منظمة ولها هدف ما أن يخلق هكذا خلق على سبيل الجهل!، يتمسك كثير من المتكلمين المسلمين لإثبات العلم الإلهي قبل الإيجاد بهذا الدليل، منهم المحقق الطوسي في التجريد يقول: (والإحكام دليل العلم).<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٤-٢٢٦.</ref> | ||
==علم الله التفصيلي بالموجودات بعد إيجادها== | ==علم الله التفصيلي بالموجودات بعد إيجادها== | ||
للإثبات العقلي لهذه المرتبة من العلم يُمكن التمسك بالدليل التالي: | للإثبات العقلي لهذه المرتبة من العلم يُمكن التمسك بالدليل التالي: | ||
مقدمات هذا الدليل هي: أن الله علة العلل | مقدمات هذا الدليل هي: أن الله علة العلل وكل الموجودات معلولة له، كما بُين في المباحث الفلسفية، فإن وجود المعلول عين الربط والتعلق بالعلة ولا يوجد أيّ استقلال للمعلول. لازم التعلق الوجودي للمعلول بالعلة حضور المعلول عند علته، لأن عدم حضور المعلول عند علته يعني أن المعلول مستقل في وجوده وهو خلاف المقدمة الثانية حيث ذكرنا أنه أمر غير ممكن، ولأن حقيقة العلم ليست إلا حضور المعلوم عندالعالم فكل علة عالمة بمعلولها، نتيجة المقدمات المذكورة أن كل الموجودات وظواهر الوجود معلومة لله لأنها كلها معلولة له وكل معلول معلوم لعلته.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٧.</ref> | ||
==العلم الذاتي | ==العلم الذاتي والعلم الفعلي== | ||
في بداية هذا البحث ألمحنا إلى أن بعض أنحاء العلم الإلهي صفة آتية | في بداية هذا البحث ألمحنا إلى أن بعض أنحاء العلم الإلهي صفة آتية والبعض الآخر صفة فعلية وبعد الانتهاء من المراتب الثلاث لعلم الله. من المناسب أن نحدد أي المراتب منها صفة ذاتية وأيها صفة فعلية. بالتأمل في مراتب العلم الإلهي الثلاث يتضح أنه ينبغي اعتبار المرتبة (۱) و(۲) من الأوصاف الذاتية والمرتبة الثالثة من الأوصاف الفعلية.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٧.</ref> | ||
==علم الله بالجزئيات== | ==علم الله بالجزئيات== | ||
من الأبحاث المهمة في العلم الإلهي الإجابة عن السؤال: هل الله عالم بالأشياء | من الأبحاث المهمة في العلم الإلهي الإجابة عن السؤال: هل الله عالم بالأشياء والحوادث الجزئية أو أن علمه منحصر في الكليات؟ بعبارة أخرى: هل الشيء أو الشخص الخاص الموجود في زمان ومكان خاصين أو الحادثة الجزئية التي تحدث في زمان ومكان معينين كأمر جزئي وشخصي يُمكن أن تقع معلومة لله؟ بالتوجه إلى ما قيل في العلم بعد الإيجاد فإن الإجابة عن هذا السؤال هي الإثبات. لكن بعض المتكلمين أنكر علم الله بالجزئيات! واعتقد أن الله يعلم بالجزئيات يتم عن طريق الماهيات الكلية ومعقولاتها وتمسك هؤلاء لإثبات مدعاهم بأدلة مختلفة، وهي: | ||
=== التحول الدائم للجزئيات=== | === التحول الدائم للجزئيات=== | ||
أحد أدلة مخالفي العلم الإلهي بالجزئيات أن الأمور الجزئية في حال تغيير | أحد أدلة مخالفي العلم الإلهي بالجزئيات أن الأمور الجزئية في حال تغيير وتحول دائم، فإذا علم الله بالجزئيات وليتطابق علمه مع الواقع فإن علم الله يتغير تبعاً لتغير المعلوم (يعني الجزئيات)، ولازمه أن تكون الذات الإلهية الحاملة للعلم قابلة للتحول!، والحال أن الذات الإلهية منزّهة عن كل تغيير وتحول. فلا يُمكن أن يتعلق علم الله بالجزئيات. الظاهر أن مبنى هذا الدليل هو أنه إذا تعلق علم الله بالجزئيات فإن علمه حصولي ويحصل عن طريق حلول صور الجزئيات في الذات الإلهية، ومن هنا فإن التغيير المعلوم (الجزئيات) مستلزم تغيير صورته وفي النهاية يوجب تحول الذات الإلهية (بعنوانها محل تلك الصورة) ولكن كما ذكرنا فإن العلم الإلهي علم حضوري ولذا فعلمه بالجزئيات ليس إلا وجود وحضور تلك الجزئيات عنده. بالطبع في هذه الصورة أيضاً فإن تغيير الجزئيات يستلزم تغيير العلم وهذا لا يسبب بروز تغيير في الذات أبداً، لأنه متعلق بمقام الفعل الإلهي ومن خصوصيات الصفات الفعلية أنها تتحول بتبع تحول مخلوقات الله والتي هي بمعنى فعل الله كأحد المعاني، ولكن هذا التحول لا يسري للذات. الحاصل أن علم الله بالجزئيات بمعنى حضورها عندالله وتغيير الأمور الجزئية يقع كحد أكثر في دائرة الفعل الإلهي والصفات المنتزعة منه وهذه المسألة لا تنافي ثبات وعدم تحول الذات الإلهية كما بينا. | ||
=== آلية العلم بالجزئيات=== | === آلية العلم بالجزئيات=== | ||
الدليل الآخر لمنكري تعلق العلم الإلهي بالجزئيات أن حصول هكذا علم يحتاج إلى استعمال أدوات مادية؛ في حال أن المقام الإلهي منزه | الدليل الآخر لمنكري تعلق العلم الإلهي بالجزئيات أن حصول هكذا علم يحتاج إلى استعمال أدوات مادية؛ في حال أن المقام الإلهي منزه ومبرأ من ذلك. في الجواب عن هذا الدليل أيضاً يُمكن أن يُقال: إن استعمال الأدوات المادية لتحصيل العلم بالجزئيات ليست من اللوازم الذاتية لهكذا علم حتى لا تقبل الإنفكاك عنه؛ بل صرف حصول هكذا علم للموجود الذي في عالم الطبيعة كالإنسان متوقف على الإحساس واستخدام الأعضاء والجوارح الجسمانية والآلات المادية لكن في حق الله الذي هو فوق الطبيعة والعالم المادي وعلمه علم حضوري ويُحيط بكل الوجود فلا يوجد مثل هذا التوقف.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٧-٢٢٩.</ref> | ||
==العلم الإلهي | ==العلم الإلهي واختيار الإنسان== | ||
من خصوصيات العلم الإلهي كما هي بقية صفات الله أنها مطلقة، بمعنى أنها شاملة لكل الحوادث أعم من الماضي | من خصوصيات العلم الإلهي كما هي بقية صفات الله أنها مطلقة، بمعنى أنها شاملة لكل الحوادث أعم من الماضي والحال والمستقبل؛ إذن: الله عالم في الأزل بكل الأمور التي ستقع في المستقبل وحتى الأبد، منها أنه عالم بالناس ماذا ستفعل في المستقبل من أعمال وأي الأعمال ستجتنب؟! في هذا المورد طرح إشكال منذ القدم يبتني على أن علم الله بالأفعال الآتية للإنسان ينافي اختيار الإنسان. وسوف نبحث هذا الإشكال بالتفصيل في مبحث (الجبر والاختيار).<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٩.</ref> | ||
==العلم الإلهي في القرآن== | ==العلم الإلهي في القرآن== | ||
ذكرت عدة آيات في القرآن الكريم في العلم الإلهي، سواء من الصيغ الفعلية مصدر (علم) مثل: عَلِم، يعلم، أو صفة عليم | ذكرت عدة آيات في القرآن الكريم في العلم الإلهي، سواء من الصيغ الفعلية مصدر (علم) مثل: عَلِم، يعلم، أو صفة عليم وفروعها مثل سميع وبصير ... حيث استعملت في القرآن عشرات المرات كصفات الله، بالإضافة إلى أنه جاء في بعض الآيات صفات أكثر خصوصية مثل (عالم الغيب) و(علام الغيوب) من البديهي أن البحث في كل الآيات ولو بالاجمال يحتاج إلى كتابة كتاب مستقل، فلا سبيل هنا إلا إلى بيان جزء منها.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٩-٢٣٠.</ref> | ||
==إثبات العلم الإلهي== | ==إثبات العلم الإلهي== | ||
يكتفي القرآن في إثبات صفة العلم بذكر الآيات التي تُبيّن ثبوت كل الصفات الإلهية الكمالية، | يكتفي القرآن في إثبات صفة العلم بذكر الآيات التي تُبيّن ثبوت كل الصفات الإلهية الكمالية، وإن كان يُمكن الاستدلال ببعض الآيات القرآنية الأخرى، مثلاً: نقرأ في الآية ۱۴ من سورة الملك: {{متن قرآن|أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}}<ref>سورة الملك: ۱۴.</ref> هذه الآية يسأل مخاطبيه في قالب استفهام إنكاري، هل يُمكن أن يكون الله الخالق ليس عالماً؟ فالقرآن يعتبر هذا الأمر واضح، حيثُ إنّ هناك نوع تلازم بين الخلق والعلم بالمخلوقات ويلزم أن يعلم الخالق لشيء ما بخصوصيات ذلك الشيء قبل خلقته وبما أن خلق وفيض الله مستمر ودائم فإن الآية تثبت العلم الله بعد الإيجاد أيضاً، وتُبيّن أن الله في كل زمان عالم الموجودات المخلوقة له.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٠.</ref> | ||
==علم الله المطلق غير المحدود== | ==علم الله المطلق غير المحدود== | ||
عندما يصف القرآن الله بالعلم، يؤكد على عدم محدودية علمه. | عندما يصف القرآن الله بالعلم، يؤكد على عدم محدودية علمه. وهذا بيان لحقيقة أساسية في باب الصفات الإلهية، وله دور مهم في تعميق معرفة الله، وله آثار تربوية قيمة. نعم! إن الإيمان بعلم الله المطلق بكل الأمور له تأثير عميق في تقوية روح التوكل عند الإنسان والاعتقاد بأن الله مُطلع على كل الأعمال الظاهرة والباطنة، بل حتى الأغراض والنيات، إن هذا الإيمان يؤثر على اجتناب الإنسان للذنوب، فالقرآن يُصرّح أحياناً بعلم الله المطلق {{متن قرآن|وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}}<ref>سورة البقرة: ۲۸۲.</ref>، وأحياناً يُشير إلى دائرة خاصة من العلم، فتحكي مجموع هذه الآيات سعة علم الله، مثلاً: {{متن قرآن|عْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}}<ref>سورة الحديد: ۴.</ref>، التعابير التي جاءت في أول هذه الآية لها مصاديق عديدة<ref>تشمل هذه التعابير: النباتات وقطرات المطر، جذور الأشجار، المعادن والكنوز، الحيوانات التي تحت الأرض والعيون التي في أعماق التراب، الملائكة النازلة والصاعدة، السحاب، الطيور، شهب السماء ومئات من الموارد الأخرى.</ref> مما يظهر سعة علم الله، لنتأمل في تعبير {{متن قرآن|وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}}<ref>سورة الحديد: ۴.</ref> الذي يحكي أن الله بدليل معيته<ref>من البديهي أن هذه المعية، ليست معية زمانية ولا مكانية، بل كما يُعبر الحكماء عنها معية قيومية العلة ومعلولها.</ref> الدائمة للإنسان مُطلع على كل أعماله، بحيث أن كل ما يعمله الإنسان هو في محضر الله. إن اطلاع الله على نيات الإنسان جاء في آيات عديدة {{متن قرآن|قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة آل عمران: ۲۹.</ref><ref>و أيضاً سورة الأنعام: ۳، سورة التوبة: ۷۸.</ref>.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٠-٢٣١.</ref> | ||
==علم الله بالغيب== | ==علم الله بالغيب== | ||
في آيات أخرى جاء فيها علم الله بالغيب | في آيات أخرى جاء فيها علم الله بالغيب واطلاعه على أمور لاتعرفها البشرية، مثلاً: {{متن قرآن|إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}}<ref>سورة لقمان: ۳۴.</ref>، تُشير هذه الآية إلى بعض موارد علم الله بالغيب والتي هي عبارة عن: علم الله بزمان القيامة - علمه بزمان نزول المطر - العلم بأحوال ومستقبل الجنين الذي في رحم الأم - العلم بمستقبل الإنسان - العلم بزمان ومكان موته، وجاءت هذه العلوم الخمسة في الروايات تحت عنوان مفاتح الغيب والعلوم المختصة بالله، وينبغي الالتفات إلى أن مفهوم الغيب نسبي إضافي محدود بدائرة الموجودات التي علمها محدود، وإلا فإن كل العالم حاضر عند الله ولا يوجَد أي علم غائب عنه، فالمقصود من علمه بالغيب، أي: اطلاعه على أمور هي غائبة عن الإنسان وغيره من المخلوقات.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣١-٢٣٢.</ref> | ||
==علم الله في الروايات== | ==علم الله في الروايات== | ||
مسألة العلم الالهي في روايات أهل بيت العصمة{{عم}} طُرحت من زوايا مختلفة، في بعض الروايات ذُكر العلم الذاتي لله | مسألة العلم الالهي في روايات أهل بيت العصمة{{عم}} طُرحت من زوايا مختلفة، في بعض الروايات ذُكر العلم الذاتي لله وعدم توقفه على وجود المعلوم، يقول الأمير{{ع}}: {{متن حدیث|عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومَ}}<ref>الكافي، ج۱، ص۱۴۱.</ref> كما أشير في روايات أخرى إلى علم الله قبل الإيجاد وبعده، ففي حديث الإمام الصادق{{ع}}: {{متن حدیث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ رَبَّنَا وَ الْعِلْمُ ذَاتُهُ وَ لَا مَعْلُومَ وَ السَّمْعُ ذَاتُهُ وَ لَا مَسْمُوعَ وَ الْبَصَرُ ذَاتُهُ وَ لَا مُبْصَرَ وَ الْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَ لَا مَقْدُورَ فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَ كَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۶۸.</ref>، أُكد في الروايات على سعة علم الله وعدم محدوديته، يقول أميرالمؤمنين{{ع}} في بيان سعة علم الله: {{متن حدیث|يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ}}<ref>نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص۳۱۲.</ref>، كما جاء عن الإمام الصادق{{ع}} في رواية عندما أجاب على أحد أصحابه الذي قال: {{متن حدیث|الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ}}، فقال{{ع}} له: {{متن حدیث|لَا تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهًى}}<ref>البحار، ج۱۰، ص٢۴۶.</ref>.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٢-٢٣٣.</ref> | ||
==علم الله المختص | ==علم الله المختص والعام== | ||
قسمت الروايات علمه تعالى إلى علم مختص بذاته | قسمت الروايات علمه تعالى إلى علم مختص بذاته وعلم عام مشترك بينه وبين أعلى مخلوقاته، كالأنبياء والأئمة والملائكة، في حديث عن الإمام الباقر{{ع}}: {{متن حدیث|إِنَّ لِلَّهِ لَعِلْماً لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَ عِلْماً يَعْلَمُهُ مَلَائِكَتُهُ الْمُقَرَّبُونَ وَ أَنْبِيَاؤُهُ الْمُرْسَلُونَ وَ نَحْنُ نَعْلَمُهُ}}<ref>الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد{{صل}}، ج۱، ص۱۱۲.</ref> جاء في عدة روايات كذلك في باب صفتي السميع والبصير التي هي من شؤون العلم الإلهي ومن جملة ما ذُكر أن الله منزّه من أن يكون علمه بالمسموعات والمبصرات يتحقق عن طريق الآلات (السميع لا بأداتٍ والبصير لا بتفريق آلة)<ref>البحار، ج۴، ص٢٨۵.</ref>.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٣.</ref> | ||
== المراجع == | == المراجع == | ||
{{مراجع}} | {{مراجع}} | ||