الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الموت»
لا يوجد ملخص تحرير
(أنشأ الصفحة ب'==تمهيد== أدرك الإنسان من خلال تجربته التاريخية أنه ليس مخلداً في هذا العالم، بل سيخطفه الموت قَرُب الوقت أو بَعُد، سيودِّع هذه الحياة الدنيا. الإسلام يرى أنّ الموت هو آخر منازل الدنيا و أوّل منازل الآخرة فمن المناسب أن نبحث باختصار مسألة الموت، قبل البدء في م...') |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
==تمهيد== | ==تمهيد== | ||
أدرك الإنسان من خلال تجربته التاريخية أنه ليس مخلداً في هذا العالم، بل سيخطفه الموت قَرُب الوقت أو بَعُد، سيودِّع هذه الحياة الدنيا. الإسلام يرى أنّ الموت هو آخر منازل الدنيا | أدرك الإنسان من خلال تجربته التاريخية أنه ليس مخلداً في هذا العالم، بل سيخطفه الموت قَرُب الوقت أو بَعُد، سيودِّع هذه الحياة الدنيا. الإسلام يرى أنّ الموت هو آخر منازل الدنيا وأوّل منازل الآخرة فمن المناسب أن نبحث باختصار مسألة الموت، قبل البدء في مسائل الحياة الأخروية الأخرى..<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٦١.</ref> | ||
==الموت قانون حتمي لا مفر منه== | ==الموت قانون حتمي لا مفر منه== | ||
يذكر الموت في الفكر الإسلامي بعنوانه قانون عام | يذكر الموت في الفكر الإسلامي بعنوانه قانون عام وقطعي، لا يشمل الإنسان فقط، بل يشمل كل موجودات عالم الطبيعة، كشف القرآن عن هذه الحقيقة بتعابير مختلفة وذكر حتميتها أيضاً {{متن قرآن|أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}}<ref>سورة النساء: ۷۸.</ref>، {{متن قرآن|وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}}<ref>سورة الانبياء: ۳۴.</ref>، كما أشار إلى موت كل الموجودات الأرضية: {{متن قرآن|كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}}<ref>سورة الرحمن: ۲۶-۲۷.</ref>، بعض الآيات ذكرت أنّ الموت قانون شامل لكل النفوس {{متن قرآن|كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}}<ref>سورة آل عمران: ۱۸۵.</ref>. ففي الفكر الإسلامي لا يوجد أي إنسان مخلّد في الدنيا، بل يعدّ من غير المعقول طلب الخلود في هذه الدنيا. حاول بعض المتكلمين المسلمين إثبات ضرورة الموت بالأدلة العقلية<ref>راجع: الفخر الرازي، المباحث المشرقية، ج۲، ص۲۷۴ – ۲۷۶.</ref>..<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٦١.</ref> | ||
==ماهية الموت== | ==ماهية الموت== | ||
ثبت حتى الآن أنّ الموت هو المصير المحتوم لكل إنسان، هنا يجب التعرف على ماهيّة الموت | ثبت حتى الآن أنّ الموت هو المصير المحتوم لكل إنسان، هنا يجب التعرف على ماهيّة الموت والتحولات التي تحدث في وجود الإنسان عند وقوعه. يرتبط تفسيرنا لماهيّة الموت ارتباطاً وثيقاً بتفسيرنا إلى حقيقة النفس الإنسانية بمعنى أنّ تعريفنا لماهيّة الموت ينبغي أن ينسجم مع تعريفنا للإنسان. من هنا يرى الماديون اللذين ينكرون عالم ماوراء الطبيعة ويعتقدون بمادية الإنسان، أنّ الموت هو نهاية الإنسان ليس إلا. بما أنّ المتكلمين المسلمين اختلفوا في بيان حقيقة الإنسان؛ بناء عليه فقد اختلفوا في بيان الموت أيضاً: | ||
#من يعتقد أنّ النفس الإنسانية هي الأجزاء الأصلية لبدنه: يرى أنّ الموت ليس إلا انفصال هذه الأجزاء عن بعضها البعض. يقول هؤلاء أنه طالما هناك اتصال | #من يعتقد أنّ النفس الإنسانية هي الأجزاء الأصلية لبدنه: يرى أنّ الموت ليس إلا انفصال هذه الأجزاء عن بعضها البعض. يقول هؤلاء أنه طالما هناك اتصال وتركيب خاص بين الأجزاء فإنّ الإنسان يتنعّم بالحياة، إنه يموت عند انفصال هذا الاتصال. أنّ هؤلاء يعتقدون أنّ يوم القيامة سترجع هذه الأجزاء إليه مرة أخرى ويصلها ببعضها ليحيى الناس من جديد. | ||
#من يعتقد أنّ النفس جسم لطيف سار في البدن: يرى أنّ الموت يقع عندما يخرج هذا الجسم اللطيف من البدن، فحياة الإنسان الدنيوية ترتبط بسريان النفس الإنسانية في البدن، عندما تخرج النفس من البدن تنتهي حياته الدنيوية. | #من يعتقد أنّ النفس جسم لطيف سار في البدن: يرى أنّ الموت يقع عندما يخرج هذا الجسم اللطيف من البدن، فحياة الإنسان الدنيوية ترتبط بسريان النفس الإنسانية في البدن، عندما تخرج النفس من البدن تنتهي حياته الدنيوية. | ||
#من يعتقد بتجرد النفس: يرى أنّ حقيقة الموت عبارة عن قطع العلاقة القائمة بين النفس المجردة | #من يعتقد بتجرد النفس: يرى أنّ حقيقة الموت عبارة عن قطع العلاقة القائمة بين النفس المجردة والبدن المادي المرتبط بها، فلا تتصرف النفس في البدن ولا تدبّره فيتلاشى البدن بالتدريج. بناء على النظريتين الأخيرتين يُمكن القول أنّ حقيقة الموت هو الانفصال الكامل للروح عن البدن وانتقالها إلى عالم آخر، ثمّ يتصل البدن بمجموعة أجزاء لا حياة فيها فتجري عليه القوانين الحاكمة عليها. سيأتي أنّ هذا التفسير للموت هو الذي يؤيّده القرآن والروايات الإسلامية..<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٦٢-٥٦٣.</ref> | ||
==أقسام الموت== | ==أقسام الموت== | ||
يذكر بعض العلماء صورتين لانفصال الروح عن البدن: | يذكر بعض العلماء صورتين لانفصال الروح عن البدن: | ||
الصورة الأولى أنّ البدن يفقد قدرته على مرافقة الروح إما بسبب الخلل الطبيعي الذي يحدث في نظامه أو بسبب الإعياء الشديد فلا تتمكن الروح من الاستفادة من البدن عند القيام بأفعالها فتنفصل عنه | الصورة الأولى أنّ البدن يفقد قدرته على مرافقة الروح إما بسبب الخلل الطبيعي الذي يحدث في نظامه أو بسبب الإعياء الشديد فلا تتمكن الروح من الاستفادة من البدن عند القيام بأفعالها فتنفصل عنه وبذلك يقع الموت، ويسمى هذا النوع من الموت بالموت الاخترامي. الصورة الثانية للموت هي أنّ الروح بعد أن تتصل بالبدن مدة من الزمن، تصل إلى كمالاتها الملائمة لها حتى تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى خدمات البدن الطبيعي، تصبح الروح في هذه الحالة كالثمرة التي نضجت وحان قطفها، بعد النضج تترك غصن الشجرة لأنّ اتصالها به لا فائدة منه. ويسمى هذا النوع للموت في مقابل النوع الأول بالموت الطبيعي..<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٦٣.</ref> | ||
==ماهية الموت في القرآن== | ==ماهية الموت في القرآن== | ||
بالتأمّل في آيات القرآن التي تناولت مسألة الموت يتضح أنّ الموت هو انتقال روح الإنسان من عالم الطبيعة إلى عوالم أخرى | بالتأمّل في آيات القرآن التي تناولت مسألة الموت يتضح أنّ الموت هو انتقال روح الإنسان من عالم الطبيعة إلى عوالم أخرى ورجوعه إلى مبدأ الوجود، أي: الله سبحانه وتعالى، القرآن يخالف بصراحة فكرة أنّ الموت نهاية الإنسان، من الآيات التي تُصرّح بأنّ الموت هو رجوع الإنسان إلى الله: {{متن قرآن|إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}}<ref>سورة القيامة: ۳۰.</ref>، وعند الموت يأتي الخطاب إلى أصحاب النفس المطمئنة أن ترجع لله: {{متن قرآن|يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}}<ref>سورة الفجر: ۲۷.</ref>، كما عبّرت عدّة آيات عن الموت بتوفي النفس<ref>منها: سورة النساء: ۹۷، سورة الأنعام: ۶۱، سورة محمد: ۲۷، سورة المائدة: ۱۱۷، سورة النحل: ۲۸ و۳۲ و۷۰، سورة الأنفال: ۵۰ وسورة السجدة: ۱۱.</ref>، والتوفي في اللغة بمعنى قبض الشيء بالكامل، فالآيات المذكورة تُبيّن أنّ نفس الإنسان لا تنعدم عند الموت، بل تقبض بتمامها لتنتقل إلى عالم آخر: {{متن قرآن|حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}}<ref>سورة الانعام: ۶۱.</ref>..<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٦٣-٥٦٤.</ref> | ||
==التشابه بين النوم | ==التشابه بين النوم والموت== | ||
من الحقائق القيّمة التي يكشف عنها القرآن هو التشابه بين النوم | من الحقائق القيّمة التي يكشف عنها القرآن هو التشابه بين النوم والموت: {{متن قرآن|اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}}<ref>سورة الزمر: ۴۲.</ref>، تُصرّح الآية المباركة أنّ الموت والنوم من سنخ واحد، وفي كِلا الحالتين الله يقبض الروح بتمامها، فالحقيقة الماورائية لهما متشابهة، إلا أنّ الروح ترجع إلى البدن بعد النوم أما بعد الموت فإنها تنتقل إلى نشأة أخرى. في رواية عن الإمام الباقر{{ع}} يجيب عن سؤال حول ماهيّة الموت، قال: {{متن حدیث|هُوَ النَّوْمُ الَّذِي يَأْتِيكُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ طَوِيلٌ مُدَّتُهُ}}<ref>الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص۲۸۹.</ref>..<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٦٤-٥٦٥.</ref> | ||
==سمات الموت في القرآن | ==سمات الموت في القرآن والروايات== | ||
ذُكرت حقائق كثيرة عن الموت في القرآن | ذُكرت حقائق كثيرة عن الموت في القرآن والروايات الإسلامية وضحت إلى حدّ ما أبعاد هذه الظاهرة غير المعروفة والمليئة بالأسرار، أشرنا إلى بعض ما ذكر خاصّة ما يتعلّق بحتميّة الموت وعموميته ومشابهته للنوم، هنا سنذكر حقائق أخرى: | ||
=== قابض الروح=== | === قابض الروح=== | ||
إنّ روح الإنسان – في الرؤية الإسلامية – التي تمثّل بعده الأصيل، تقبض بتمامها عند الموت، فتنفصل عن البدن الطبيعي المادي، لقد ذكر القرآن تعابير مختلفة في مقام بيان من هو قابض الأرواح عند الموت، تارة يقول أنّ القابض هو الله سبحانه {{متن قرآن|اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}}<ref>سورة الزمر: ۴۲.</ref> | إنّ روح الإنسان – في الرؤية الإسلامية – التي تمثّل بعده الأصيل، تقبض بتمامها عند الموت، فتنفصل عن البدن الطبيعي المادي، لقد ذكر القرآن تعابير مختلفة في مقام بيان من هو قابض الأرواح عند الموت، تارة يقول أنّ القابض هو الله سبحانه {{متن قرآن|اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}}<ref>سورة الزمر: ۴۲.</ref> وتارة ينسب هذا العمل للملائكة {{متن قرآن|حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}}<ref>سورة الانعام: ۶۱.</ref>، وتارة يذكر ملكاً خاصاً يسميه ملك الموت {{متن قرآن|قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}}<ref>سورة السجدة: ۱۱.</ref>، فقد يظهر للوهلة الأولى أنّ هناك تعارض بين الآيات، إلا أنّ هذا التعارض يرتفع بتأمّل بسيط حيث ذكرنا في باب التوحيد الأفعالي أنّ الله هو الفاعل الحقيقي في العالم وكل الأفعال تنسب إليه بالحقيقة، لكن كثير من الأفعال الإلهية تحدث بواسطة الأسباب والوسائط، من هنا يُمكن نسبتها لله من حيث وللوسائط من حيث آخر. هذه القاعدة الكلية تجري في بحث قبض أرواح الناس أيضاً؛ بمعنى أنّ الله هو القابض الحقيقي للروح لكن يقوم بذلك بواسطة الملك (عزرائيل) الذي يقوم به عن طريق مجموعة من الملائكة، وهكذا صحَّت نسبة قبض الروح إلى الجميع<ref>راجع: الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج۱، ص۱۳۶، ح۳۶۸.</ref>. | ||
=== مخلوقية الموت=== | === مخلوقية الموت=== | ||
القرآن يُصرّح أنّ الموت مثل الحياة كلاهما من مخلوقات الله {{متن قرآن|الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}}<ref>سورة الملك: ۲.</ref>، يرى بعض المفسرين أنه يُمكن اعتبار مخلوقية الموت مؤيداً على أنّ الموت ليس عدماً | القرآن يُصرّح أنّ الموت مثل الحياة كلاهما من مخلوقات الله {{متن قرآن|الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}}<ref>سورة الملك: ۲.</ref>، يرى بعض المفسرين أنه يُمكن اعتبار مخلوقية الموت مؤيداً على أنّ الموت ليس عدماً وإنما هو انتقال من عالم إلى عالم آخر، والدليل على ذلك أنّ كل مخلوق له حظ من الوجود، فلا معنى لمخلوقية العدم، وإذا كان الموت فناء لا غير، فلا معنى لمخلوقيته. | ||
=== الأجل الحتمي | === الأجل الحتمي والأجل المشروط (المعلّق)=== | ||
ينقسم الأجل في القرآن الكريم إلى قسمين: | ينقسم الأجل في القرآن الكريم إلى قسمين: | ||
#الأجل المسمى (القطعي، الحتمي) لا يقبل التأخير أو التقديم مطلقاً. | #الأجل المسمى (القطعي، الحتمي) لا يقبل التأخير أو التقديم مطلقاً. | ||
#الأجل المشروط أو المعلّق الذي يتوقف على حصول شرط | #الأجل المشروط أو المعلّق الذي يتوقف على حصول شرط ويتأخر أو يتقدّم حسب ذلك الشرط، من الآيات الدالة على هذين النوعين الآية الثانية من سورة الأنعام: {{متن قرآن|هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}}<ref>سورة الانعام: ۲.</ref>، كما أشارت آيات أخرى إلى تأخير الموت إلى أن يحلّ الأجل الحتمي: {{متن قرآن|أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}}<ref>سورة نوح: ۳-۴.</ref>؛ ظاهر الآيات أنها تُشير إلى دعوة النبي نوح{{ع}} قومه، ويستنتج منها أنّ أموراً كالعبادة والتقوى وطاعة رسل الله كلها أسباب لغفران الذنوب وتأخير الأجل غير القطعي للإنسان إلى زمن الأجل القطعي والمحتوم. | ||
=== الاختلاف بين موت المؤمنين | === الاختلاف بين موت المؤمنين والكفار=== | ||
بعض الآيات تُشير إلى الفرق بين موت المؤمنين | بعض الآيات تُشير إلى الفرق بين موت المؤمنين والمحسنين وموت الكفّار والمسيئين، حيث تستقبل الملائكة المجموعة الأولى بالسلام والترحيب {{متن قرآن|الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref>سورة النحل: ۳۲.</ref>، أما المجموعة الثانية فإن موتهم مصحوب بالعذاب {{متن قرآن|وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}}<ref>سورة الانفال: ۵۰.</ref>، رُوي عن الإمام الصادق{{ع}}: {{متن حدیث|الْمَوْتَ قَالَ لِلْمُؤْمِنِ كَأَطْيَبِ رِيحٍ يَشَمُّهُ فَيَنْعُسُ لِطِيبِهِ وَ يَنْقَطِعُ التَّعَبُ وَ الْأَلَمُ كُلُّهُ عَنْهُ وَ لِلْكَافِرِ كَلَسْعِ الْأَفَاعِيِّ وَ لَدْغِ الْعَقَارِبِ وَ أَشَدَّ}}<ref>الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص۲۸۷.</ref>. | ||
=== سكرات الموت=== | === سكرات الموت=== | ||
الموت تحول عميق جداً | الموت تحول عميق جداً وأساسي، فالإنسان عند الموت لا يشعر بنفسه ويُعبَّر عن هذه الحالة بالسكرة: {{متن قرآن|وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}}<ref>سورة ق: ۱۹.</ref>، يقع الموت من شدّة حالة السكرة وصعوبتها، كما روي عن الإمام علي{{ع}}: {{متن حدیث|إِنَّ لِلْمَوْتِ غَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا}}<ref>غرر الحكم ودرر الكلم.</ref>. | ||
=== الخوف من الموت=== | === الخوف من الموت=== | ||
للموت صورة قبيحة عند كثير من الناس، قلما نجد من البشر من لا يخاف الموت، من هنا حاول كثير من العلماء أن يذكروا طرقاً | للموت صورة قبيحة عند كثير من الناس، قلما نجد من البشر من لا يخاف الموت، من هنا حاول كثير من العلماء أن يذكروا طرقاً وحلولاً يتغلب بها الإنسان على مخاوفه، قال البعض: إنه يُمكن الخلاص من الخوف بالرفاه الدنيوي، وقال آخرون: إنّ منشأ خوف الإنسان هو تصوّره أنّ الموت شيء مؤلم لذلك أكّدوا في تعاليمهم على خلو الموت من الألم والعذاب، فالإنسان عند الموت يفقد الإحساس ولا يشعر بأيّ ألم، هكذا قالوا. وقال آخرون: إنّ الحلّ هو في التغافل عن الموت ونسيانه، إلا أنّ التجربة البشرية أثبتت عدم جدوائية أيّ من تلك الحلول في التخلص من الخوف من الموت. | ||
====مواجهة الخوف من الموت==== | ====مواجهة الخوف من الموت==== | ||
ذُكرت في الإسلام طرق رئيسية للتغلّب على الخوف من الموت، | ذُكرت في الإسلام طرق رئيسية للتغلّب على الخوف من الموت، وذلك من خلال التعريف بعوامل وعلل هذا الخوف والدعوة إلى مواجهتها، سنذكر بعض تلك العوامل وطرق مواجهتها: | ||
=====التعلّق الشديد بالدنيا===== | =====التعلّق الشديد بالدنيا===== | ||
عندما يجعل الإنسان الحياة الدنيا هي هدفه النهائي بحيث يغفل الإنسان عن آخرته، هكذا إنسان يبحث عن الخلود في الدنيا<ref>راجع: سورة البقرة: ۹۶.</ref>، لذلك يضطرب عند ذكر الموت لاعتقاده أنه سبباً في نهاية كل لذَّاته | عندما يجعل الإنسان الحياة الدنيا هي هدفه النهائي بحيث يغفل الإنسان عن آخرته، هكذا إنسان يبحث عن الخلود في الدنيا<ref>راجع: سورة البقرة: ۹۶.</ref>، لذلك يضطرب عند ذكر الموت لاعتقاده أنه سبباً في نهاية كل لذَّاته وأنه سيفرّقه عن متعلّقاته. | ||
لقد أكّد الإسلام على حقارة الدنيا - من باب محاربة هذا العامل الذي يؤدّي إلى الخوف من الموت – | لقد أكّد الإسلام على حقارة الدنيا - من باب محاربة هذا العامل الذي يؤدّي إلى الخوف من الموت – وذكّر الإنسان بأنّ الدنيا دار فناء لا تستحق التعلّق بها، فالقرآن يرى أنّ متاع الدنيا قليل، بل لا شيء بالقياس إلى متاع الآخرة {{متن قرآن|قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى}}<ref>سورة النساء: ۷۷.</ref>، من يعتقد أنّ الآخرة أفضل ويتعلق بها حقيقةً، فإنه لن يخاف الحرمان من اللذات الدنيوية بالموت. | ||
=====عدم معرفة حقيقة الموت===== | =====عدم معرفة حقيقة الموت===== | ||
عدم معرفة الإنسان أنّ الموت هو انتقال من عالم فاني إلى العالم الباقي | عدم معرفة الإنسان أنّ الموت هو انتقال من عالم فاني إلى العالم الباقي وتصور أنّ الموت نهاية الحياة من العوامل المهمة للخوف من الموت. | ||
من المؤلم جداً التصور بأنّ هذا الإنسان يوماً ما سوف ينعدم، فقد جاءت التعاليم الإسلامية لتصحح هذا العامل | من المؤلم جداً التصور بأنّ هذا الإنسان يوماً ما سوف ينعدم، فقد جاءت التعاليم الإسلامية لتصحح هذا العامل وتؤكّد على أنّ الموت هو ترك لهذه الدنيا المحدودة والانتقال إلى عالم أعظم، قال الإمام الهادي{{ع}} إلى أحد أتباعه الذي كان يخاف الموت: {{متن حدیث|يَا عَبْدَ اللَّهِ، تَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ لِأَنَّكَ لَا تَعْرِفُهُ}}، ثم شبّه الإمام الموت بالماء الساخن الذي يطهر الإنسان من الأوساخ<ref>راجع: الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص۲۹۰، ح۹؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۶، ص۱۵۶، ح۱۲.</ref>. | ||
===== الخوف من المحاسبة على الأعمال===== | ===== الخوف من المحاسبة على الأعمال===== | ||
يختص هذا العامل بأولئك الذين يعتقدون بالمعاد أو على الأقل يحتملون وقوعه، | يختص هذا العامل بأولئك الذين يعتقدون بالمعاد أو على الأقل يحتملون وقوعه، وصحيفة أعمالهم سوداء، من الطبيعي أن يخاف هؤلاء من الموت لعلمهم بانتهاء مهلتهم وبالموت يبدأ حسابهم. القرآن الكريم يذم بعض اليهود ويقول عنهم أنهم لن يتمنوا الموت أبداً لعلمهم بعواقب أعمالهم: {{متن قرآن|وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}}<ref>سورة الجمعة: ۷، راجع أيضاً: سورة البقرة: ۹۴ - ۹۵.</ref>. سأل شخص الإمام المجتبى{{ع}} لماذا نخاف الموت؟، قال الإمام{{ع}}: {{متن حدیث|إِنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ آخِرَتَكُمْ وَ عَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ النُّقْلَةَ مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ}}<ref>العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۶، ص۱۲۹، ح۱۸.</ref>، لذلك نجد التعاليم الإسلامية تؤكّد على أنّ باب التوبة والعفو الإلهي مفتوح، مهما كان جرم الإنسان فإنّ الله يتوب عليه إذا تاب توبة حقيقية وأدّى الحقوق المضيعة، بل عُدّ اليأس من رحمة الله من كبائر الذنوب، كما أنّ الإنسان عن طريق الشفاعة يُمكنه أن يأمل في إيجاد المقدمات المناسبة واللازمة ليصبح في دائرة شفاعة الشفعاء يوم القيامة. | ||
===تذكر الموت=== | ===تذكر الموت=== | ||
عند التأمّل في التعاليم التي ذكرها الإسلام عن الموت، نجد أنّ ذكر الموت عمل مُستحسن | عند التأمّل في التعاليم التي ذكرها الإسلام عن الموت، نجد أنّ ذكر الموت عمل مُستحسن ومطلوب، لِما له من آثار تربوية وأخلاقية، كما ذُكر في مباحث الأخلاق الإسلامية أنّ ذكر الموت لا يستلزم ترك السعي من أجل تنظيم الحياة الدنيا، إنّ النبي{{صل}} يدعو أصحابه إلى الإكثار من ذكر الموت: {{متن حدیث|أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ حَائِلٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الشَّهَوَاتِ}}<ref>العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۶، ص۱۳۲، ح۳۰.</ref>. | ||
وقال الإمام الصادق{{ع}} في بيان فوائد ذكر الموت: {{متن حدیث|ذِكْرُ الْمَوْتِ يُمِيتُ الشَّهَوَاتِ فِي النَّفْسِ وَ يَقْطَعُ مَنَابِتَ الْغَفْلَةِ وَ يُقَوِّي الْقَلْبَ بِمَوَاعِدِ اللَّهِ تَعَالَى وَ يُرِقُّ الطَّبْعَ وَ يَكْسِرُ أَعْلَامَ الْهَوَى وَ يُطْفِئُ نَارَ الْحِرْصِ وَ يُحَقِّرُ الدُّنْيَا}}<ref>العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۶، ص۱۳۳، ح۳۲.</ref>.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٥٦٥-٥٧١.</ref> | |||
== المراجع == | == المراجع == | ||
{{مراجع}} | {{مراجع}} | ||