انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الإرادة الإلهية»

سطر ٦٥: سطر ٦٥:


المشيئة كذلك في نظر الكثير من أرباب اللغة بمعنى الإرادة، لكن يرى البعض منهم أن المشيئة عبارة عن الميل الحاصل بعد التصور والتصديق وبعد ذلك يأتي العزم والتصميم، ثم تتحقق الإرادة. وإن كانت هاتين الصفتين لم تنسبا لله في القرآن الكريم بصيغة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة أو أمثال ذلك، لكن صيغة فعل هذين المصدرين أُطلق على الله في عدة آيات، حيثُ أشارت بعض الآيات القرآنية إلى أن الإرادة والمشيئة التكوينية نافذة في كل مكان، والفعل الذي يكون متعلق إرادته يتحقق بدون أي قيد أو شرط {{متن قرآن|إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة النحل: ۴۰.</ref> وواضح أن المقصود من قول {{متن قرآن|كُنْ}} ليس هو الكلام، اللفظي، بل هذا التعبير كناية عن عدم إمكانية تخلف المراد عن الإرادة الإلهية ولو للحظة. ذُكر في بعض الآيات عموم مشيئة الله وعدم محدوديتها {{متن قرآن|يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة النور: ۴۵.</ref>، كما أن القرآن يؤكد على أنه لا يمكن لأي موجود أن يقف قبال الإرادة التكوينية لله وأن يمنع تحققها وهذا التعبير هو تعبير آخر لعدم مقهورية الله ومحدوديته: {{متن قرآن|قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}}<ref>سورة الفتح: ۱۱.</ref>، وسيأتي في بحث الحكمة الإلهية، فإن عموم الإرادة والمشيئة الإلهية لا يعني أن تتعلق بكل فعل ولو بالأفعال القبيحة أو العبثية، بل حكمة الله تقتضي أن يريد الأفعال الحكيمة - فقط - المشتملة على مصلحة مخلوقاته. تُشير بعض آيات القرآن الكريم إلى إرادة الله التشريعية، مثلاً: نقرأ في سورة البقرة {{متن قرآن|يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}}<ref>سورة البقرة: ۱۸۵.</ref> بعد أن يُبين الله أول الآية حكم صيام شهر رمضان ويستثنى المرضى والمسافرين، يشير إلى أن الإرادة التشريعية تتعلق بوضع الأحكام التي تتضمن راحة الناس ولا تكون سبباً لخلق المشاكل والصعوبات لهم، كما أن القرآن الكريم - بعد ذكر بعض الأحكام الإلهية - يقول في الآية الأولى من سورة المائدة: {{متن قرآن|إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}}<ref>سورة المائدة: ۱.</ref>، كما وردت روايات عاليات في بيان إرادة الله والملفت أن عموم هذه الروايات ناظرة للإرادة الفعلية لله وبعضها تنفي الإرادة كصفة قديمة زائدة على الذات، مثلاً: في الحديث الوارد عندما يسأل الراوي الإمام{{ع}}: {{متن حدیث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ{{ع}}: إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶.</ref>، فالإمام{{ع}} في هذا الحديث الشريف يُشير إلى الإرادة الفعلية ويبين أن هكذا أوصاف لا يُمكن أن تكون قديمةً وأزليةً. بتعبير آخر ينتزع من مقام فعل الله، ولأن فعل الله حادث فلا يُمكن أن تكون أوصافه الفعلية قديمة. في حديث آخر ينقل عن الإمام الرضا{{ع}} أنه بالإضافة إلى بيان حقيقة الإرادة الفعلية لله نجده يؤكد على اختلاف تلك الإرادة مع إرادة الإنسان وتنزهها عن محدوديات الإرادة البشرية، جاء في الكافي بسند صحيح {{متن حدیث|عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ{{ع}}: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ<ref>و المراد بالإرادة المحدثة أن الإرادة مخصص أحد الطرفين، فإن العلم والقدرة على الطرفين سواء، وما به يرجح ويختار أحدهما هو الإرادة والمشية المخصصة لأحد الطرفين، وهي لا يكون مثل العلم والقدرة، بل تتحقق بالعلم والقدرة فقط، ولا يحتاج الغني بذاته فيها إلى أمر خارج زائد على ذاته القدوس السبوح القادر بالقدرة الغير المتناهية.</ref> لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۳۸.</ref>. في بعض الروايات يُصرّح الإمام بمخلوقية وحدوث المشيئة الإلهية. مثلاً يروي عن الإمام الصادق{{ع}}: {{متن حدیث|خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۴۵.</ref> والأمر العجيب والملفت في روايات المعصومين{{عم}} في هذا الباب هو قولهم بتغاير العلم والإرادة، يقول الإمام الصادق{{ع}} في الجواب عن أحد الأصحاب الذي سأله عن وحدة أو تغايُر العلم والإرادة: {{متن حدیث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ سَابِقُ الْمَشِيَّةِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۸۲؛ البحار، ج۴، ص۱۴۴ وجاء في بيانه: لعل المراد المشيئة المتأخرة عن العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغائرته للعلم ظاهر. ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلق العلم؛ إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا تتعلق إلا بما هو كذلك، وفرق آخر بينهما وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولاً على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، والأول أظهر.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي‌مهر|سعيدي‌مهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٤-٢٦٧.</ref>
المشيئة كذلك في نظر الكثير من أرباب اللغة بمعنى الإرادة، لكن يرى البعض منهم أن المشيئة عبارة عن الميل الحاصل بعد التصور والتصديق وبعد ذلك يأتي العزم والتصميم، ثم تتحقق الإرادة. وإن كانت هاتين الصفتين لم تنسبا لله في القرآن الكريم بصيغة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة أو أمثال ذلك، لكن صيغة فعل هذين المصدرين أُطلق على الله في عدة آيات، حيثُ أشارت بعض الآيات القرآنية إلى أن الإرادة والمشيئة التكوينية نافذة في كل مكان، والفعل الذي يكون متعلق إرادته يتحقق بدون أي قيد أو شرط {{متن قرآن|إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة النحل: ۴۰.</ref> وواضح أن المقصود من قول {{متن قرآن|كُنْ}} ليس هو الكلام، اللفظي، بل هذا التعبير كناية عن عدم إمكانية تخلف المراد عن الإرادة الإلهية ولو للحظة. ذُكر في بعض الآيات عموم مشيئة الله وعدم محدوديتها {{متن قرآن|يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة النور: ۴۵.</ref>، كما أن القرآن يؤكد على أنه لا يمكن لأي موجود أن يقف قبال الإرادة التكوينية لله وأن يمنع تحققها وهذا التعبير هو تعبير آخر لعدم مقهورية الله ومحدوديته: {{متن قرآن|قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}}<ref>سورة الفتح: ۱۱.</ref>، وسيأتي في بحث الحكمة الإلهية، فإن عموم الإرادة والمشيئة الإلهية لا يعني أن تتعلق بكل فعل ولو بالأفعال القبيحة أو العبثية، بل حكمة الله تقتضي أن يريد الأفعال الحكيمة - فقط - المشتملة على مصلحة مخلوقاته. تُشير بعض آيات القرآن الكريم إلى إرادة الله التشريعية، مثلاً: نقرأ في سورة البقرة {{متن قرآن|يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}}<ref>سورة البقرة: ۱۸۵.</ref> بعد أن يُبين الله أول الآية حكم صيام شهر رمضان ويستثنى المرضى والمسافرين، يشير إلى أن الإرادة التشريعية تتعلق بوضع الأحكام التي تتضمن راحة الناس ولا تكون سبباً لخلق المشاكل والصعوبات لهم، كما أن القرآن الكريم - بعد ذكر بعض الأحكام الإلهية - يقول في الآية الأولى من سورة المائدة: {{متن قرآن|إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}}<ref>سورة المائدة: ۱.</ref>، كما وردت روايات عاليات في بيان إرادة الله والملفت أن عموم هذه الروايات ناظرة للإرادة الفعلية لله وبعضها تنفي الإرادة كصفة قديمة زائدة على الذات، مثلاً: في الحديث الوارد عندما يسأل الراوي الإمام{{ع}}: {{متن حدیث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ{{ع}}: إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶.</ref>، فالإمام{{ع}} في هذا الحديث الشريف يُشير إلى الإرادة الفعلية ويبين أن هكذا أوصاف لا يُمكن أن تكون قديمةً وأزليةً. بتعبير آخر ينتزع من مقام فعل الله، ولأن فعل الله حادث فلا يُمكن أن تكون أوصافه الفعلية قديمة. في حديث آخر ينقل عن الإمام الرضا{{ع}} أنه بالإضافة إلى بيان حقيقة الإرادة الفعلية لله نجده يؤكد على اختلاف تلك الإرادة مع إرادة الإنسان وتنزهها عن محدوديات الإرادة البشرية، جاء في الكافي بسند صحيح {{متن حدیث|عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ{{ع}}: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ<ref>و المراد بالإرادة المحدثة أن الإرادة مخصص أحد الطرفين، فإن العلم والقدرة على الطرفين سواء، وما به يرجح ويختار أحدهما هو الإرادة والمشية المخصصة لأحد الطرفين، وهي لا يكون مثل العلم والقدرة، بل تتحقق بالعلم والقدرة فقط، ولا يحتاج الغني بذاته فيها إلى أمر خارج زائد على ذاته القدوس السبوح القادر بالقدرة الغير المتناهية.</ref> لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۳۸.</ref>. في بعض الروايات يُصرّح الإمام بمخلوقية وحدوث المشيئة الإلهية. مثلاً يروي عن الإمام الصادق{{ع}}: {{متن حدیث|خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۴۵.</ref> والأمر العجيب والملفت في روايات المعصومين{{عم}} في هذا الباب هو قولهم بتغاير العلم والإرادة، يقول الإمام الصادق{{ع}} في الجواب عن أحد الأصحاب الذي سأله عن وحدة أو تغايُر العلم والإرادة: {{متن حدیث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ سَابِقُ الْمَشِيَّةِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۸۲؛ البحار، ج۴، ص۱۴۴ وجاء في بيانه: لعل المراد المشيئة المتأخرة عن العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغائرته للعلم ظاهر. ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلق العلم؛ إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا تتعلق إلا بما هو كذلك، وفرق آخر بينهما وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولاً على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، والأول أظهر.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي‌مهر|سعيدي‌مهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٤-٢٦٧.</ref>
==تعلق الخلق بالمشيئة==
۱. {{متن حدیث|عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْقَمَّاطِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : خَلَقَ اَللَّهُ اَلْمَشِيَّةَ قَبْلَ اَلْأَشْيَاءِ ثُمَّ خَلَقَ اَلْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۲۳۹.</ref>.
هذا التعبير يعطينا أنَّ المشيئة الإلهية مصدر الخليقة، ومنشأ الإيجاد. فما من شيء في عالم الوجود إلا واكتسب الوجود بعد تعلق المشيئة الإلهية بوجوده.
أما المشيئة نفسها فهي ليست من صفات الذات، لأنَّ تعلق الخلق بها يمنع من ذلك.
٢. {{متن حدیث|عَنِ اِبْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: خَلَقَ اَللَّهُ اَلْمَشِيَّةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ اَلْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۱۴۸.</ref>.
ويصرح الشيخ الصدوق (رض) بكون الإرادة من صفات الأفعال في قوله: (وليست الإرادة والمشيئة، والرضا والغضب وما يشبه ذلك من صفات الأفعال، بمثابة صفات الذات، لأنه لا يجوز أن يُقال: لم يزل الله مريداً شائياً كما يجوز أن يقال: لم يزل الله قادراً عالماً)<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۱۴۸.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ١١١.</ref>
==اختلاف العلم والمشيئة==
{{متن حدیث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : عِلْمُ اَللَّهِ وَ مَشِيئَتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَمْ مُتَّفِقَانِ؟ قَالَ: «اَلْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ اَلْمَشِيئَةَ، أَ لاَ تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ، وَ لاَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اَللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ، وَ إِذَا شَاءَ كَانَ اَلَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ، وَ عِلْمُ اَللَّهِ سَابِقٌ لِلْمَشِيئَةِ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص١۴٧.</ref>.
ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ المشية والإرادة استعملتا كثيراً في الكتاب والسنة على أنهما مترادفتان، لكن يظهر من بعض النصوص أنهما متغايرتان.
فعن معلى بن محمد، قال: سُئِل العالم{{ع}}: كيف علم الله؟
قال: عَلِمَ، وشَاءَ، وأرادَ، وقدرَ، وقضى، وأمضى ... فالعلمُ متقدم على المشية، والمشية ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص٣۴۴.</ref>.
والذي يقتضيه التحقيق أنَّ الإرادة تطلق على معنيين:
المعنى الأول - ما يقابل الكراهة. وهذا لا يجوز على الله تعالى، لأنَّ الذي يفهم من الروايات أنه صفة إضافية، فعن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله{{ع}} قال: قلت: لم يزل الله مريداً؟
قال{{ع}}: إنَّ المريد لا يكون إلا لمراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً ثم أراد<ref>شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني، ج٣، ص٣۴۴.</ref>. وأطلاق صفة الفعل على الإرادة بهذا المعنى، يكون بمعناه المفعولي، أي الوجود الفائض منه.
المعنى الثاني- كون ذاته تعالى بحيث تصدر عنه الأشياء لأجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، وبعبارة أخرى: إرادته تعالى علمه بكون الفعل خيراً. فهي وجه من وجوه علمه تعالى الذي سبق أن عرفنا أنه عين ذاته. ولا يتنافى هذا مع حديث بكير بن أعين عن الإمام الصادق{{ع}}: {{متن حدیث|اَلْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ اَلْمَشِيَّةُ }} وقوله: {{متن حدیث| عِلْمُ اَللَّهِ سَابِقٌ لِلْمَشِيَّةِ}}. فإنَّ العلم بكون الفعل خيراً يكون منشأ للإفاضة منه تعالى.
ثم إنَّ الإرادة في الإنسان تتوقف على مقدمات هي: تصور الفعل، ثم التصديق بفائدته، ثم الميل نحوه، ثم الجزم، فالعزم، والرغبة الأكيدة (أو القصد).
أما بالنسبة إلى الله تعالى فلا معنى لهذه المقدمات أصلاً، بل إنَّ لكل ذات رضى بذاته، وهذا الرضى في الله تعالى يسميه البعض ب (الابتهاج)<ref>يلاحظ هذا التعبير عند (صدر المتألهين) و(الحكيم السبزواري) و(الشيخ محمدحسين الأصفهاني) في تعليقته على (كفاية الأصول) عند التعرض لمسألة الطلب والإرادة.</ref>.
وحيث كان الله تعالى مبدأ المبادئ فإن رضاه (أبو ابتهاجه) بذاته عين إرادته. وقد صرح أمير المؤمنين{{ع}} في حديثه مع ذعلب اليماني بأنه {{متن حدیث|مُرِيدٌ لاَ بِهِمَّةٍ}}.
وفي حديث عن الإمام الرضا{{ع}} مقارنة دقيقة بين الإرادة من الله، والإرداة من المخلوقين.
فعن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن{{ع}}: أخبرني عن الإرادة من الله ومن المخلوق.
قال: فقال: الإرادة من المخلوق الضمير، وما يبدو له بعد ذلك من الفعل. وأما من الله عز وجل فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي ولا يهم، ولايتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق.
فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك. يقول له (كن فيكون)، بلا لفظ ولا نطق لسان ولا همة ولا تفكر، ولا كيف لذلك كما إنه بلا كيف<ref>التوحيد للصدوق، ص١۴٧.</ref>.
ولكي نفهم إنَّ إرادة الله نافذة في كل شيء، ولا يمنع منها شيء مهما بلغ من القوة والقدرة نشير إلى الحديث القدسي الذي رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين{{ع}}: {{متن حدیث|أوحى الله عز وجل إلى داود: يا داود، تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فإن أسلمت لما أريد أعطيتُكَ ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد}}<ref>التوحيد للصدوق، ص۳۳۷.</ref>.
و من الواضح إنَّ هذا هو الإذن التكويني والإرادة التكوينية، أما الإرادة التشريعية فالإنسان مخير في الإطاعة والمعصية، ولا يوجب ذلك نقضاً لإرادة الله تعالى.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ١١٢-١١٤.</ref>


== المراجع ==
== المراجع ==
{{مراجع}}
{{مراجع}}
٢٦٬٨٦٢

تعديل