الفرق بين المراجعتين لصفحة: «عالم البرزخ»
ط
استبدال النص - '{{متن قرآن' ب'{{نص قرآني'
ط (استبدال النص - '{{متن حدیث' ب'{{نص حديث') |
ط (استبدال النص - '{{متن قرآن' ب'{{نص قرآني') |
||
| سطر ٥: | سطر ٥: | ||
وللبرزخ خصوصيات تعرض لذكرها القرآن الكريم وبين حقيقتها. فمن تلك الآيات: | وللبرزخ خصوصيات تعرض لذكرها القرآن الكريم وبين حقيقتها. فمن تلك الآيات: | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }} <ref>المؤمنون: ۹۹-۱۰۰</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}} <ref>آلعمران: ۱٦۹</ref>، في هذه الآية إشارة إلى الرزق الذي يكون في عالم البرزخ. | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }} <ref>غافر: ٤٥-٤٦</ref>، وهذه الآية جلية في إثبات البرزخ حيث أنه: | ||
'''أولاً:''' النار يُعرضون عليها، إذ الغرض من هذا هو التخويف بالنار ويكون هذا من خواص البرزخ، والدخول في النار إنما يكون في مرحلة لاحقة حيث تقول الآية الكريمة: {{ | '''أولاً:''' النار يُعرضون عليها، إذ الغرض من هذا هو التخويف بالنار ويكون هذا من خواص البرزخ، والدخول في النار إنما يكون في مرحلة لاحقة حيث تقول الآية الكريمة: {{نص قرآني|وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }} <ref>غافر: ٤٦.</ref>، إذاً هناك حالتان، قبل قيام الساعة وبعد قيامها. | ||
'''ثانياً:''' في يوم القيامة لايوجد ليلٌ ولانهارٌ، ولايوجد صباح ولامساء، وإنما يكون ذلك في عالم البرزخ، فالنار يعرضون عليها غدواً وعشياً. | '''ثانياً:''' في يوم القيامة لايوجد ليلٌ ولانهارٌ، ولايوجد صباح ولامساء، وإنما يكون ذلك في عالم البرزخ، فالنار يعرضون عليها غدواً وعشياً. | ||
| سطر ٢٠: | سطر ٢٠: | ||
إنَّ القرآن الكريم يصف لنا شيئاً من مشاهد يوم القيامة في آيات كثيرة منها: | إنَّ القرآن الكريم يصف لنا شيئاً من مشاهد يوم القيامة في آيات كثيرة منها: | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ}} <ref>القارعة: ٤-٥</ref> العهن المنفوش: الصوف المحلوج. | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}} <ref>الأنبياء: ١٠۴.</ref> | ||
قل تعالى: {{ | قل تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}} <ref>إبراهيم: ٤٨.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ }} <ref>التكوير: ١-٣.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}} <ref>طه: ۱۰۸.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }} <ref>الحج: ۱-۲.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٠٢-٣٠٣.</ref> | ||
==النفخة في الصور== | ==النفخة في الصور== | ||
ومن الآيات التي تشير إلى نفخة الصور يوم القيامة. | ومن الآيات التي تشير إلى نفخة الصور يوم القيامة. | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}} <ref>يس: ٥١.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}} <ref>الزمر: ٦٨.</ref>، يعبر القرآن الكريم عن النفخة الأولى في آيات أخرى، بالصيحة، الزجرة، الصاخة، النقر. نجدها في سورة يس، النازعات، عبس، المدثر.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٠٣.</ref> | ||
==البعث والنشور== | ==البعث والنشور== | ||
ومن الآيات التي أشارت إلى البعث والنشور | ومن الآيات التي أشارت إلى البعث والنشور | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني| فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ }} <ref>عبس: ٣٣-٤١</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني| يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلاَّ لا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }} <ref>القيامة: ۱۰-۱٥</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}} <ref>الزلزلة: ۷-۸</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني| فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}} <ref>المؤمنون: ۱۰۱-۱۰۳</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}} <ref>الأنبياء: ٤٧.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}} <ref>الطارق: ۹.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٠٣-٣٠٤.</ref> | ||
==الحشر== | ==الحشر== | ||
ومن الآيات المباركة التي أشارت إلى الحشر. | ومن الآيات المباركة التي أشارت إلى الحشر. | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}} <ref>مريم: ٨٥.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}} <ref>الإسراء: ۹۷.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }} <ref>الحديد: ١٢–١٣</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني| وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا }} <ref>الفرقان: ۲۷-۲۹</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا}} <ref>النبأ: ۱۷-۱۸.</ref> | ||
ومن الأحاديث الشريفة في ذلك حيث يروي {{نص حديث|اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ جَالِساً قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مُعَاذٌ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اَللَّهِ تَعَالَى: {{ | ومن الأحاديث الشريفة في ذلك حيث يروي {{نص حديث|اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ جَالِساً قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مُعَاذٌ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اَللَّهِ تَعَالَى: {{نص قرآني|يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا}}<ref>النبأ: ۱۸</ref> اَلْآيَاتِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ اَلْأَمْرِ ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يُحْشَرُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أُمَّتِي أَشْتَاتاً قَدْ مَيَّزَهُمُ اَللَّهُ تَعَالَى مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ بَدَّلَ صُوَرَهُمْ بَعْضَهُمْ عَلَى صُورَةِ اَلْقِرَدَةِ؛ وَ بَعْضَهُمْ عَلَى صُورَةِ اَلْخَنَازِيرِ، وَ بَعْضُهُمْ مُنَكَّسُونَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ فَوْقُ، وَ وُجُوهُهُمْ مِنْ تَحْتُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ عَلَيْهَا، وَ بَعْضُهُمْ عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ، وَ بَعْضُهُمْ صُمٌّ وَ بُكْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ، وَ بَعْضُهُمْ يَمْضَغُونَ أَلْسِنَتَهُمْ تَسِيلُ اَلْقَيْحُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لِعَاباً يَتَقَذَّرُهُمْ أَهْلُ اَلْجَمْعِ، وَ بَعْضُهُمْ مُقَطَّعَةٌ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ، وَ بَعْضُهُمْ مُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ، وَ بَعْضُهُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ اَلْجِيَفِ، وَ بَعْضُهُمْ يَلْبَسُونَ جِبَاباً سَابِغَةً مِنْ قَطِرَانٍ لاَزِقَةً بِجُلُودِهِمْ، فَأَمَّا اَلَّذِينَ بِصُورَةِ اَلْقِرَدَةِ فَالْقَتَّاتُ مِنَ اَلنَّاسِ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ عَلَى صُورَةِ اَلْخَنَازِيرِ فَأَهْلُ اَلسُّحْتِ وَ أَمَّا اَلْمُنَكَّسُونَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَآكِلَةُ اَلرِّبَا وَ اَلْعُمْيُ اَلْجَائِرُونَ فِي اَلْحُكْمِ، وَ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلْمُعْجَبُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَ اَلَّذِينَ يَمْضَغُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ اَلْعُلَمَاءُ وَ اَلْقُضَاةُ اَلَّذِينَ خَالَفَ أَعْمَالُهُمْ أَقْوَالَهُمْ، وَ اَلْمُقَطَّعَةُ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْجِيرَانَ، وَ اَلْمُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ فَالسُّعَاةُ بِالنَّاسِ إِلَى اَلسُّلْطَانِ، وَ اَلَّذِينَ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ اَلْجِيَفِ فَالَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّهَوَاتِ وَ اَللَّذَّاتِ. وَ يَمْنَعُونَ حَقَّ اَللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْوَالِهِمْ، وَ اَلَّذِينَهُمْ يَلْبَسُونَ اَلْجِبَابَ فَأَهْلُ اَلْفَخْرِ وَ اَلْخُيَلاَءِ}}. | ||
ولتوضيح ذلك نشير إلى حقائق ثلاث: | ولتوضيح ذلك نشير إلى حقائق ثلاث: | ||
| سطر ٨٢: | سطر ٨٢: | ||
و الملكة صفة راسخة في الشخصية لاتزول بسهولة، فهي صفة باطنية يرمز إليها في الجانب الظاهري برمز من الحيوان، فإنَّ الله تبارك وتعالى خلق أعضاء الحيوانات على حسب الدواعي والأغراض النفسانية لها. | و الملكة صفة راسخة في الشخصية لاتزول بسهولة، فهي صفة باطنية يرمز إليها في الجانب الظاهري برمز من الحيوان، فإنَّ الله تبارك وتعالى خلق أعضاء الحيوانات على حسب الدواعي والأغراض النفسانية لها. | ||
والملكات عند الإنسان يعبر عنها بصورة برزخية وتترجم هذه الملكة بصورة حيوان من الحيوانات التي لها جسم كامل ورمز لتلك الملكة، لذلك فالإنسان الواعي المسؤول يحاول أنْ يتخلص من الرذائل تدريجياً ويهذب نفسه، لأنه يعرف بأنه سيحشر بصورة الملكات التي استقرت فيه، وإذا استطاع أنْ يخفيها في الدنيا ولكن في الآخرة لايمكنه ذلك، قال تعالى: {{ | والملكات عند الإنسان يعبر عنها بصورة برزخية وتترجم هذه الملكة بصورة حيوان من الحيوانات التي لها جسم كامل ورمز لتلك الملكة، لذلك فالإنسان الواعي المسؤول يحاول أنْ يتخلص من الرذائل تدريجياً ويهذب نفسه، لأنه يعرف بأنه سيحشر بصورة الملكات التي استقرت فيه، وإذا استطاع أنْ يخفيها في الدنيا ولكن في الآخرة لايمكنه ذلك، قال تعالى: {{نص قرآني|قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلً}} <ref>الإسراء: ٨٤</ref>، {{نص قرآني|يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}} <ref>الطارق: ٩</ref>، فلايستطيع الإنسان يومئذ أنْ يخفي شيئاً من حقيقته. | ||
فحينما نتحدث عن الحشر وصور الحيوانات نتحدث عن الظاهر والباطن فالإنسان له شخصية ظاهرية ولكن شخصيته الباطنية هي المهمة، وإنما يحشر الإنسان على الصورة الباطنية التي عليها لا على الصورة الظاهرة لأنَّ الصورة الظاهرة لا قيمة لها. | فحينما نتحدث عن الحشر وصور الحيوانات نتحدث عن الظاهر والباطن فالإنسان له شخصية ظاهرية ولكن شخصيته الباطنية هي المهمة، وإنما يحشر الإنسان على الصورة الباطنية التي عليها لا على الصورة الظاهرة لأنَّ الصورة الظاهرة لا قيمة لها. | ||
لذا نرى أنَّ صدر المتألهين الشيرازي يتحدث عن سر حشر الطوائف المختلفة أو أفراد مختلفين يوم القيامة مع الصور الحيوانية، فيقول: كل فرقة وكل طائفة تحشر على صورة الصفة أو الغاية الباطنية التي كان الجهد وكل السعي في الدنيا مبذولاً من أجل تحصيلها، ويستدل بقوله تعالى {{ | لذا نرى أنَّ صدر المتألهين الشيرازي يتحدث عن سر حشر الطوائف المختلفة أو أفراد مختلفين يوم القيامة مع الصور الحيوانية، فيقول: كل فرقة وكل طائفة تحشر على صورة الصفة أو الغاية الباطنية التي كان الجهد وكل السعي في الدنيا مبذولاً من أجل تحصيلها، ويستدل بقوله تعالى {{نص قرآني|قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا}} <ref>الإسراء: ٨٤.</ref>، فالشاكلة عبارة عن الطينة التي جُبِل الإنسان عليها ولكن الله تبارك وتعالى علم بمَنْ يسلك طريق الهداية ويتفاعل مع هذا اللون من التهذيب والجهد للتخلص من الصفات الرذيلة الموجودة فيه. | ||
وقد روي عن النبي{{صل}}: {{نص حديث| يُحْشَرُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَحَبَّ أَحَدُكُمْ حَجَراً لحشر مَعَهُ }}، فإذا كان حب المرء متمحضاً في ذات الله تبارك وتعالى وفي رسول الله{{صل}} وما دعا إليه من الفضل والخير والثواب، وفي أهل البيت{{عم}} حشر معهم، أما إذا كان حب المرء متمحضاً في أمور دنيوية من مال والسلطان والغرائز واللذائذ فيحشر المرء مع مَنْ أحب!<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٠٦-٣٠٧.</ref> | وقد روي عن النبي{{صل}}: {{نص حديث| يُحْشَرُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَحَبَّ أَحَدُكُمْ حَجَراً لحشر مَعَهُ }}، فإذا كان حب المرء متمحضاً في ذات الله تبارك وتعالى وفي رسول الله{{صل}} وما دعا إليه من الفضل والخير والثواب، وفي أهل البيت{{عم}} حشر معهم، أما إذا كان حب المرء متمحضاً في أمور دنيوية من مال والسلطان والغرائز واللذائذ فيحشر المرء مع مَنْ أحب!<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٠٦-٣٠٧.</ref> | ||
| سطر ٩٣: | سطر ٩٣: | ||
لقد أشار القرآن الكريم إلى مسألة حشر الحيوانات في آيات متعددة منها: | لقد أشار القرآن الكريم إلى مسألة حشر الحيوانات في آيات متعددة منها: | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}} <ref>الأنعام: ٣٨.</ref> | ||
قال تعالى: {{ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}} <ref>التكوير: ٥.</ref> | ||
ومن الأحاديث التي تبين هذه الحقيقة قولهم{{عم}} في مانع الزكاة: {{نص حديث| تَنْهَشُهُ كُلُّ ذَاتِ نَابٍ بِنَابِهَا وَ تَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا }}. | ومن الأحاديث التي تبين هذه الحقيقة قولهم{{عم}} في مانع الزكاة: {{نص حديث| تَنْهَشُهُ كُلُّ ذَاتِ نَابٍ بِنَابِهَا وَ تَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا }}. | ||
| سطر ١٠٥: | سطر ١٠٥: | ||
وعن النبي{{صل}}: {{نص حديث|اِسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى اَلصِّرَاطِ}} | وعن النبي{{صل}}: {{نص حديث|اِسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى اَلصِّرَاطِ}} | ||
ويذكر الفخر الرازي في تفسيره لقوله تعالى: {{ | ويذكر الفخر الرازي في تفسيره لقوله تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}} <ref>التكوير: ٥.</ref> قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص! ويروي -الفخر الرازي- عن المعتزلة في تفسيره الكبير بأنَّ الله تعالى يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على ألمها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت أو القتل وغير ذلك، فإذا عوضت عن كُلِّ آلامها فإنْ شاء الله أنْ يبقي بعضها في الجنة إذا كان مستحسناً فعل، وإنْ شاء الله أنْ يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر. | ||
ثم ينهي كلامه بقوله: وأما أصحابنا (الأشاعرة) فعندهم أنه لايجب على الله شيء بحكم الاستحقاق ولكن الله تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها موتي فتموت. | ثم ينهي كلامه بقوله: وأما أصحابنا (الأشاعرة) فعندهم أنه لايجب على الله شيء بحكم الاستحقاق ولكن الله تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها موتي فتموت. | ||
| سطر ١١٤: | سطر ١١٤: | ||
ولمنكري الحشر للحيوانات مناقشات حول ذلك نستعرض بعضاً منها: | ولمنكري الحشر للحيوانات مناقشات حول ذلك نستعرض بعضاً منها: | ||
'''المناقشة الأولى:''' يقولون: {{ | '''المناقشة الأولى:''' يقولون: {{نص قرآني|وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}} الحشر بمعنى الجمع يعني اليوم الذي تجمع فيه الوحوش من على وجه الأرض، إذاً فهذه أشارة فقط إلى أشراط الساعة، أو إنَّ {{نص قرآني|إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}}، المقصود منه هو إذا الناس حشروا بما أنَّ صفاتهم الباطنية هي صفات وحوش، فإنَّ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً، وهؤلاء يأتون بصورة الطباع والخصال التي في الحيوانات. | ||
'''المناقشة الثانية:''' يقولون بالنسبة للروايات إنَّ هذه الروايات آحاد ولاتثبت بها عقيدة. فالعقائد إما أنْ تثبت بأدلة قطعية أو روايات متواترة أو دليل عقلي لامجال للمناقشة فيه. | '''المناقشة الثانية:''' يقولون بالنسبة للروايات إنَّ هذه الروايات آحاد ولاتثبت بها عقيدة. فالعقائد إما أنْ تثبت بأدلة قطعية أو روايات متواترة أو دليل عقلي لامجال للمناقشة فيه. | ||
| سطر ١٣٥: | سطر ١٣٥: | ||
- هل يماثل حشر الحيوان حشر الإنسان؟ | - هل يماثل حشر الحيوان حشر الإنسان؟ | ||
يقول العلامة الطباطبائي: إنَّ ذلك لازم الحشر بمعنى جمع الأفراد وسوقهم إلى أمر بالإزعاج، وأما مثل السماء والأرض وما يشابههما من شمس وقمر وحجارة فلم يطلق في موردها لفظ الحشر، بل يقول تعالى: {{ | يقول العلامة الطباطبائي: إنَّ ذلك لازم الحشر بمعنى جمع الأفراد وسوقهم إلى أمر بالإزعاج، وأما مثل السماء والأرض وما يشابههما من شمس وقمر وحجارة فلم يطلق في موردها لفظ الحشر، بل يقول تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}} <ref>إبراهيم: ٤٨.</ref> | ||
إذن هناك عناية إنَّ الحشر يكون للإنسان والحيوان ومرجع الجميع أنَّ إنعام المحسن والانتقام من الظالم بظلمه، ولا يلزم من شمول الأخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أنْ يساوى الإنسان في الشعور والإرادة، ويرقي الحيوان إلى درجة الإنسان في نفسانيته وروحياته، لأنه يعلم أنَّ ذلك باطل بالضرورة. ومجرد الاشتراك في الأخذ والانتقام والحساب والأجر بين الإنسان وغيره لايقضي بالمعادلة والمساواة. | إذن هناك عناية إنَّ الحشر يكون للإنسان والحيوان ومرجع الجميع أنَّ إنعام المحسن والانتقام من الظالم بظلمه، ولا يلزم من شمول الأخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أنْ يساوى الإنسان في الشعور والإرادة، ويرقي الحيوان إلى درجة الإنسان في نفسانيته وروحياته، لأنه يعلم أنَّ ذلك باطل بالضرورة. ومجرد الاشتراك في الأخذ والانتقام والحساب والأجر بين الإنسان وغيره لايقضي بالمعادلة والمساواة. | ||
| سطر ١٦٢: | سطر ١٦٢: | ||
والشهود في محكمة العدل الإلهي يوم القيامة على الإنسان عدة يذكرهم القرآن الكريم، منهم: | والشهود في محكمة العدل الإلهي يوم القيامة على الإنسان عدة يذكرهم القرآن الكريم، منهم: | ||
أولاً: الله جل جلاله. قال تعالى: {{ | أولاً: الله جل جلاله. قال تعالى: {{نص قرآني|وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}} <ref>آلعمران: ۹۸.</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}} <ref>يونس: ۶١.</ref> | ||
ثانياً: الأنبياء. فكل نبي يكون شاهداً على أعمال أمته، قال تعالى: {{ | ثانياً: الأنبياء. فكل نبي يكون شاهداً على أعمال أمته، قال تعالى: {{نص قرآني|وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}} <ref>النحل: ٨٤.</ref> | ||
ثالثاً: الملائكة. قال تعالى: {{ | ثالثاً: الملائكة. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}} <ref>الانفطار: ۱۰-۱۲</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني| وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}} <ref>ق: ١٦-٢١</ref> | ||
رابعاً: الأعضاء والجوارح. قال تعالى: {{ | رابعاً: الأعضاء والجوارح. قال تعالى: {{نص قرآني|حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}} <ref>فصلت: ۲۰-۲۱.</ref> | ||
خامساً: صحيفة الأعمال. قال تعالى: {{ | خامساً: صحيفة الأعمال. قال تعالى: {{نص قرآني|وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}} <ref>الكهف: ٤۹</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني| وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}}<ref>الزلزلة: ٢-٥.</ref> | ||
سادساً: الأراضي والبقاع. يذكر العلامة المجلسي (رض) حديثاً مفصلاً في الجزء السابع من بحار الأنوار عن رسول الله{{صل}}: {{نص حديث|فمن عمل صالحاً شهدت له جوارحه وبقاعه وشهوره وأعوامه وساعاته وأيامه وليالي الجمع وساعاتها وأيامها فيسعد بذلك ... فإنَّ مَنْ عرف حرمة شهر رجب وشعبان ووصلهما بشهر رمضان شهدت له هذه الشهور يوم القيامة}}.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣١٤-٣١٥.</ref> | سادساً: الأراضي والبقاع. يذكر العلامة المجلسي (رض) حديثاً مفصلاً في الجزء السابع من بحار الأنوار عن رسول الله{{صل}}: {{نص حديث|فمن عمل صالحاً شهدت له جوارحه وبقاعه وشهوره وأعوامه وساعاته وأيامه وليالي الجمع وساعاتها وأيامها فيسعد بذلك ... فإنَّ مَنْ عرف حرمة شهر رجب وشعبان ووصلهما بشهر رمضان شهدت له هذه الشهور يوم القيامة}}.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣١٤-٣١٥.</ref> | ||
==صحيفة الأعمال== | ==صحيفة الأعمال== | ||
إنَّ صحيفة الأعمال بالنسبة للإنسان يوم القيامة قد تعرَّض لذكرها القرآن الكريم صراحة ليكون الإنسانُ على تفكُّرٍ دائماً بذلك اليوم العظيم، قال تعالى: {{ | إنَّ صحيفة الأعمال بالنسبة للإنسان يوم القيامة قد تعرَّض لذكرها القرآن الكريم صراحة ليكون الإنسانُ على تفكُّرٍ دائماً بذلك اليوم العظيم، قال تعالى: {{نص قرآني|وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا}} <ref>الإسراء: ۱۳</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني| فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ }}<ref>الحاقة: ١٩</ref>، {{نص قرآني|وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ }} <ref>الحاقة: ٢٥.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣١٥-٣١٦.</ref> | ||
==الحساب == | ==الحساب == | ||
| سطر ١٨٣: | سطر ١٨٣: | ||
وأما حقيقة هذا الحساب فتوجد هناك نظريتان عن حقيقة الحساب: | وأما حقيقة هذا الحساب فتوجد هناك نظريتان عن حقيقة الحساب: | ||
#إنَّ الحساب عبارة عن المقارنة والموازنة بين الأعمال الصالحة والطالحة، فإذا كانت الأعمال صالحة حسب الوعد القرآني فإنها تضاعف كما قال تعالى: {{ | #إنَّ الحساب عبارة عن المقارنة والموازنة بين الأعمال الصالحة والطالحة، فإذا كانت الأعمال صالحة حسب الوعد القرآني فإنها تضاعف كما قال تعالى: {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}} <ref>الأنعام: ١٦</ref>، بناء على هذا التصور فإنَّ المقصود من الحساب هو جمع الحسنات والسيئات مع مراعاة أنَّ الحسنات يذهبن السيئات، وملاحظة الأجر والزيادة ... يشير الشيخ المفيد (رض) في كتابه (أوائل المقلات) فيقول بأنَّ الحسابَ عبارةٌ عن المقابلة بين الأعمال والجزاء الذي عليها وأنَّ العبد يطلع على نتائج أعماله | ||
#يعبِّر عن الحساب بأنه ظهور الملكات والنوايا والأفكار إلى العيان، والتأكيد على الجانب القيمي لسلوك الإنسان ولتصرفاته ولأعماله، يعني أنَّ كل عقيدة وكل سلوك في الإنسان وفي كل عمل يصدر منه يؤثر تأثيراً خاصاً في روحه وفي نفسه بحيث انشغاله بالحياة الدنيوية وبمتطلباتها يمنع من ظهور تلك الملكات والخصوصيات والعقائد جلية إلى العيان، وفي يوم القيامة كل هذه الأفكار والتصورات والنوايا والصفات تتجلى وتعطي صورتها الحقيقية لأنه لاتوجد حياة دنيوية ولا انشغال بطبيعة الحياة، ولذلك القرآن الكريم يصف يوم القيامة: {{ | #يعبِّر عن الحساب بأنه ظهور الملكات والنوايا والأفكار إلى العيان، والتأكيد على الجانب القيمي لسلوك الإنسان ولتصرفاته ولأعماله، يعني أنَّ كل عقيدة وكل سلوك في الإنسان وفي كل عمل يصدر منه يؤثر تأثيراً خاصاً في روحه وفي نفسه بحيث انشغاله بالحياة الدنيوية وبمتطلباتها يمنع من ظهور تلك الملكات والخصوصيات والعقائد جلية إلى العيان، وفي يوم القيامة كل هذه الأفكار والتصورات والنوايا والصفات تتجلى وتعطي صورتها الحقيقية لأنه لاتوجد حياة دنيوية ولا انشغال بطبيعة الحياة، ولذلك القرآن الكريم يصف يوم القيامة: {{نص قرآني|يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}}، ولهذا كل ما كانت عقائد الإنسان ونواياه وصفاته وسجاياه الخلقية أفضل وأحسن كان حسابه أيسر، وحينما تكون الظلمات والصفات السيئة مسيطرة على النفس الإنسانية فسيكون الحساب أشد وأطول .. | ||
فالأمر واضح إنَّ الحساب هنا ليس على أساس وحدات العمل وإنما على نوعية العمل والملكات التي ظهرت، ولذلك يستشهد من يرجح المعنى الثاني بحديث الإمام الصادق{{ع}} حول الحساب، حيث يقول: لو لم يكن للحساب مهولة إلا حياء العرض على الله عزوجل وفضيحة هتك الستر على الخفيات لحق للمرء ألا يهبط من رؤوس الجبال ولا يأوي إلى عمران ولايأكل ولايشرب ولاينام إلا عن اضطرار متصل بالتلف. | فالأمر واضح إنَّ الحساب هنا ليس على أساس وحدات العمل وإنما على نوعية العمل والملكات التي ظهرت، ولذلك يستشهد من يرجح المعنى الثاني بحديث الإمام الصادق{{ع}} حول الحساب، حيث يقول: لو لم يكن للحساب مهولة إلا حياء العرض على الله عزوجل وفضيحة هتك الستر على الخفيات لحق للمرء ألا يهبط من رؤوس الجبال ولا يأوي إلى عمران ولايأكل ولايشرب ولاينام إلا عن اضطرار متصل بالتلف. | ||
| سطر ١٩٧: | سطر ١٩٧: | ||
الثاني: إنَّ للعمل وزناً خاصاً والموازين والميزان أمور ترتبط بوزن ذلك العمل، فاستفاد قسم من العلماء والمفسرين من كلمة ميزان أنَّ يوم القيامة سيكون هناك ميزان له كفتان وينصب هذا الميزان ثم توضع عليه الأعمال الصالحة والفاسدة في جانب آخر. | الثاني: إنَّ للعمل وزناً خاصاً والموازين والميزان أمور ترتبط بوزن ذلك العمل، فاستفاد قسم من العلماء والمفسرين من كلمة ميزان أنَّ يوم القيامة سيكون هناك ميزان له كفتان وينصب هذا الميزان ثم توضع عليه الأعمال الصالحة والفاسدة في جانب آخر. | ||
وقد ورد استعمال الميزان في الشريعة المقدسة لمعانٍ عدة، فمنها العدل قال تعالى: {{ | وقد ورد استعمال الميزان في الشريعة المقدسة لمعانٍ عدة، فمنها العدل قال تعالى: {{نص قرآني|وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}} <ref>الرحمن: ٧.</ref>، وجاء في الحديث الشريف: {{نص حديث|بِالْعَدْلِ قامَتِ السَّماوَاتُ وَالأرضُ}} فيؤكد هذا المعنى على أنَّ الحياة والخلق قائمان على أساس العدل. | ||
والشيخ الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) حين يشير إلى قوله تعالى: {{ | والشيخ الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) حين يشير إلى قوله تعالى: {{نص قرآني|وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}} <ref>الأعراف: ۸-۹</ref>، يقول بأنَّ للوزن معانٍ عديدة ولكن أفضلها هو العدل وعدم الظلم. وكذلك قد عبر عن الميزان بالصلاة ففي الحديث الشريف: {{نص حديث| مِيزَانَ قِسْطٍ لاَ يَحِيفُ}}. وكذلك عبر عنه بالشريعة أيضاً قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}} <ref>الحديد: ٢٥.</ref> | ||
وكذلك أطلق الميزان على الإمام حيث نجد في إحدى الزيارات: {{نص حديث| اَلسَّلاَمُ عَلَى يَعْسُوبِ اَلْإِيمَانِ وَ مِيزَانِ اَلْأَعْمَالِ}}<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣١٧-٣١٨.</ref> | وكذلك أطلق الميزان على الإمام حيث نجد في إحدى الزيارات: {{نص حديث| اَلسَّلاَمُ عَلَى يَعْسُوبِ اَلْإِيمَانِ وَ مِيزَانِ اَلْأَعْمَالِ}}<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣١٧-٣١٨.</ref> | ||
| سطر ٢٠٧: | سطر ٢٠٧: | ||
وهناك حديث نبوي شريف يسلط الضوء على هذه الحقيقة، حيث يروى أنَّ النبي{{صل}} كان جالساً مع أصحابه ذات يوم فقال{{صل}}: {{نص حديث| رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَلَائِكَةً فِي الْجَنَّةِ يَبْنُونَ بُيُوتاً مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الْعَمَلَ، فَقُلْتُ لجبرائيل: سَلْهُمْ لَمْ توقفوا عَنِ الْعَمَلَ؟ قالُوا: حَتَّى تَأْتِيَنَا نَفَقَتُنَا، فَقُلْتُ: مَا هِيَ نَفَقَتُهُمْ؟ قالُوا نَفَقَتُنَا قَوْلُ الْعَبْدِ: سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ ولا إِلهَ إِلا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ!}} | وهناك حديث نبوي شريف يسلط الضوء على هذه الحقيقة، حيث يروى أنَّ النبي{{صل}} كان جالساً مع أصحابه ذات يوم فقال{{صل}}: {{نص حديث| رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَلَائِكَةً فِي الْجَنَّةِ يَبْنُونَ بُيُوتاً مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الْعَمَلَ، فَقُلْتُ لجبرائيل: سَلْهُمْ لَمْ توقفوا عَنِ الْعَمَلَ؟ قالُوا: حَتَّى تَأْتِيَنَا نَفَقَتُنَا، فَقُلْتُ: مَا هِيَ نَفَقَتُهُمْ؟ قالُوا نَفَقَتُنَا قَوْلُ الْعَبْدِ: سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ ولا إِلهَ إِلا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ!}} | ||
فنلاحظ من خلال ذلك كيف أنَّ الذكر الذي يكون طاقة يعد عملاً ويُترجم عملياً إلى مادة. ولذا نجد قول النبي{{صل}}: {{نص حديث| إِيَّاكُمْ وَ اَلْحَسَدَ فَإِنَّ اَلْحَسَدَ يَأْكُلُ اَلْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ}}، فتبدلُ الطاقةِ إلى مادةٍ هو عبارة عن تجسم العمل وحينئذ يكون العمل خفيفاً أو ثقيلاً، قال تعالى: {{ | فنلاحظ من خلال ذلك كيف أنَّ الذكر الذي يكون طاقة يعد عملاً ويُترجم عملياً إلى مادة. ولذا نجد قول النبي{{صل}}: {{نص حديث| إِيَّاكُمْ وَ اَلْحَسَدَ فَإِنَّ اَلْحَسَدَ يَأْكُلُ اَلْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ}}، فتبدلُ الطاقةِ إلى مادةٍ هو عبارة عن تجسم العمل وحينئذ يكون العمل خفيفاً أو ثقيلاً، قال تعالى: {{نص قرآني|وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}} <ref>الأنبياء: ٤٧.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣١٨-٣١٩.</ref> | ||
==الصراط والشفاعة== | ==الصراط والشفاعة== | ||
ذكر الشيخ الصدوق (رض) في الاعتقادات إنَّ الصراط حق وهو جسر على جهنم يمر عليه جميع الناس يوم القيامة، كما قال تعالى: {{ | ذكر الشيخ الصدوق (رض) في الاعتقادات إنَّ الصراط حق وهو جسر على جهنم يمر عليه جميع الناس يوم القيامة، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}} <ref>مريم: ۷۱</ref>، والصراط من جهة أخرى اسم لحجج الله تبارك وتعالى، فمن عرف حجة الله في هذه الحياة وأطاع الحجج فيسمح لهم يوم القيامة بالعبور من ذلك الصراط الذي ينصب على جهنم، ولهذا فإنَّ رسول الله{{صل}} قال لعليٍّ{{ع}}: {{نص حديث| يَا عَلِيُّ عندما تَقُومُ الْقِيَامَةُ نَجْلِسُ أَنَا وَ أَنْتَ وَ جَبْرَائِيلُ عَلَى الصِّرَاطِ فَلَا يَجُوزَ الصِّرَاطَ أَحَدُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ بَرَاءَةً مِنْكَ }}. إذاً الصراط في هذا المعنى عبارة عن المقياس التام لمن قبل ولاية علي{{ع}}.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٠.</ref> | ||
==الصراط المستقيم== | ==الصراط المستقيم== | ||
يذهب بعض المفسرين إلى أنَّ الحياة قد رسمت على أساس الحق والعدالة وبعيداً عن كل إفراط وتفريط، وهذا السلوك المعتدل في الحياة هو الصراط المستقيم، قال تعالى: {{ | يذهب بعض المفسرين إلى أنَّ الحياة قد رسمت على أساس الحق والعدالة وبعيداً عن كل إفراط وتفريط، وهذا السلوك المعتدل في الحياة هو الصراط المستقيم، قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}} <ref>الأنعام: ١٥٣</ref>، يقول صدر المتألهين في تفسير فاتحة الكتاب: هذا الصراط المستقيم إنما نصب على جهنم طبيعة الإنسان. | ||
وأما مواصفات الصراط فقد ورد فيه عدة صور كما في الروايات ويمكن إجمالها بما يلي: | وأما مواصفات الصراط فقد ورد فيه عدة صور كما في الروايات ويمكن إجمالها بما يلي: | ||
| سطر ٢٢٠: | سطر ٢٢٠: | ||
#أحر من النار. | #أحر من النار. | ||
#أحلك من الليل. | #أحلك من الليل. | ||
فحينما يستطيع الإنسان أنْ يتجاوز هذه الأمور ويعبر الصراط والعقبات فإنه يصل إلى الجنة وإلا فإنه يسقط في النار حتماً، قال تعالى: {{ | فحينما يستطيع الإنسان أنْ يتجاوز هذه الأمور ويعبر الصراط والعقبات فإنه يصل إلى الجنة وإلا فإنه يسقط في النار حتماً، قال تعالى: {{نص قرآني| وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا }} <ref>مريم ۷۱-۷۲</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٠-٣٢١.</ref> | ||
==المرور على الصراط== | ==المرور على الصراط== | ||
لقد وصفت الروايات المباركة طبيعة المرور على الصراط يوم القيامة ففي حديث عن الإمام الصادق{{ع}} وهو يصف حالات الناس في مرورهم على الصراط، وكل ذلك يرتبط بمدى سلوك الإنسان في الحياة، يقول الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث| النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ طَبَقَاتٍ، وَ الصِّرَاطُ أَدَقُّ مِنِ الشَّعْرَةُ وَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ حَبْواً، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مَشْياً، وَ مِنْهُمْ يَمُرُّ مُتَعَلِّقاً وَقَدْ تَأْخُذُ النَّارِ مِنْهُ شَيْئاً وَ تَتْرُكُ شَيْئاً}}، وهذا الحديث أيضاً يذكره ويشيره إليه العلامة السيد عبد الله شبر (رض) في كتابه حق اليقين. | لقد وصفت الروايات المباركة طبيعة المرور على الصراط يوم القيامة ففي حديث عن الإمام الصادق{{ع}} وهو يصف حالات الناس في مرورهم على الصراط، وكل ذلك يرتبط بمدى سلوك الإنسان في الحياة، يقول الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث| النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ طَبَقَاتٍ، وَ الصِّرَاطُ أَدَقُّ مِنِ الشَّعْرَةُ وَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ حَبْواً، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مَشْياً، وَ مِنْهُمْ يَمُرُّ مُتَعَلِّقاً وَقَدْ تَأْخُذُ النَّارِ مِنْهُ شَيْئاً وَ تَتْرُكُ شَيْئاً}}، وهذا الحديث أيضاً يذكره ويشيره إليه العلامة السيد عبد الله شبر (رض) في كتابه حق اليقين. | ||
وبناء على هذا التصوير يرى صدر المتألهين وقسم من الذين اتبعوه يقولون بأنَّ الصراط يستمر من الدنيا إلى الآخرة، فإذا سلك الفرد وعبر هذا الصراط بتوفيقٍ ونجاحٍ فإنه يصل إلى الجنة وإلا فيسقط في النار وفي ظلمة الصراط حيث أنه أحلك من الليل، فنجد المؤمن يصفه الله تعالى بقوله: {{ | وبناء على هذا التصوير يرى صدر المتألهين وقسم من الذين اتبعوه يقولون بأنَّ الصراط يستمر من الدنيا إلى الآخرة، فإذا سلك الفرد وعبر هذا الصراط بتوفيقٍ ونجاحٍ فإنه يصل إلى الجنة وإلا فيسقط في النار وفي ظلمة الصراط حيث أنه أحلك من الليل، فنجد المؤمن يصفه الله تعالى بقوله: {{نص قرآني|يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}} <ref>الحديد: ۱۲.</ref>، وفي مقابل ذلك المنافقون والمنافقات قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }}<ref>الحديد: ۱۳</ref>، وفي حديث عن المفضل بن عمر الجعفي قال سألت أبا عبد الله{{ع}} عن الصراط؟ فقال{{ع}}: {{نص حديث| هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ عزوجل ، وَهْماً صراطان ؛ صِراطِ فِي الدُّنْيَا وَ صِراطٍ فِي الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا صِراطِ الدُّنْيَا هُوَ الْإِمَامِ الْمَفْرُوضِ الطَّاعَةِ مَنْ عَرِّفْهُ فِي الدُّنْيَا وَ اقْتَدَى بِهُدَاهُ ، مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي هُوَ جِسْرِ جَهَنَّمُ فِي الْآخِرَةِ ، وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي الدُّنْيَا زِلْتُ قَدَمُهُ عَنِ الصِّرَاطُ فِي الْآخِرَةِ فَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ}}. | ||
وفي حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري{{ع}} يقول: {{نص حديث| إِنَّ الصِّرَاطِ صراطان صِراطٍ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَا قَصَرَ مِنِ الْغُلُوِّ وَ ارْتَفَعَ عَنِ التَّقْصِيرُ وَ اسْتَقَامَ فَلَمْ يَعْدِلَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَ أَمَّا الصِّرَاطُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ طَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِيمٍ لَا يَعْدِلُونَ عَنِ الْجَنَّةِ إِلَى النَّارِ وَ لَا إِلَى غَيْرِ النَّارِ سِوَى الْجَنَّةِ }}. | وفي حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري{{ع}} يقول: {{نص حديث| إِنَّ الصِّرَاطِ صراطان صِراطٍ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَا قَصَرَ مِنِ الْغُلُوِّ وَ ارْتَفَعَ عَنِ التَّقْصِيرُ وَ اسْتَقَامَ فَلَمْ يَعْدِلَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَ أَمَّا الصِّرَاطُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ طَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِيمٍ لَا يَعْدِلُونَ عَنِ الْجَنَّةِ إِلَى النَّارِ وَ لَا إِلَى غَيْرِ النَّارِ سِوَى الْجَنَّةِ }}. | ||
ومما يحبس الإنسان على الصراط فأعمال عدة وقد أشارت إليها الروايات المباركة، ففي حديث عنهم{{عم}} عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {{ | ومما يحبس الإنسان على الصراط فأعمال عدة وقد أشارت إليها الروايات المباركة، ففي حديث عنهم{{عم}} عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}} <ref>الفجر: ١٤</ref>، يقول{{ع}}: {{نص حديث| عَلَى جَهَنَّمَ سَبْعَ محابس ، يُسْأَلُ الْعَبْدِ عِنْدَ أَوَّلُهَا عَنْ شَهَادَةٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الثَّانِي فَيُسْأَلُ عَنِ الصَّلَاةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الثَّالِثِ فَيُسْأَلُ عَنِ الزَّكَاةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الرَّابِعُ فَيَسْأَلُ عَنِ الصَّوْمَ فَإِذَا جَاءَ بِهِ تَامّاً جَازَ إِلَى الْخَامِسُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَجِّ فَإِذَا أَتَى بِهِ تَامّاً جَازَ إِلَى السَّادِسُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْعُمْرَةَ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى السَّابِعِ فَيُسْأَلُ عَنِ الْمَظَالِمِ فَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا . . وَ إِلَّا يُقَالُ فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعُ أَكْمَلَ بِهِ أَعْمَالِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ ! }}.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢١-٣٢٢.</ref> | ||
==الشفاعة== | ==الشفاعة== | ||
الشفاعة هي إحدى مواقف القيامة. في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة نجد أنَّ من مواقف القيامة المقام المحمود، قال تعالى: {{ | الشفاعة هي إحدى مواقف القيامة. في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة نجد أنَّ من مواقف القيامة المقام المحمود، قال تعالى: {{نص قرآني|وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}} <ref>الإسراء: ۷۹.</ref>، فالمقام المحمود هو مقام الشفاعة الذي يكون الرسول الله{{صل}} وفي هذا المقام الملائكة، الأنبياء، الأولياء، الشهداء، الصديقون، الصالحون، العلماء، وحتى المؤمنون الذين ارتكبوا بعض المعاصي ولكنهم وفقوا للتوبة فإنهم يشفعون. | ||
و قد ورد في الشفاعة عن النبي{{صل}}: {{نص حديث| شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي }}. | و قد ورد في الشفاعة عن النبي{{صل}}: {{نص حديث| شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي }}. | ||
والشفاعة ربطها القرآن الكريم بضوابط معينة، وأشار إليها في قوله تعالى: {{ | والشفاعة ربطها القرآن الكريم بضوابط معينة، وأشار إليها في قوله تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}} <ref>طه: ۱۰۹</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني|لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}} <ref>مريم: ۸۷</ref>، فهذه الآيات المباركة توضح أنَّ الشفاعة ثابتة بنص القرآن. | ||
وأما الشفاعة في السنة فقد ورد فيها روايات عدة منها: | وأما الشفاعة في السنة فقد ورد فيها روايات عدة منها: | ||
| سطر ٢٤٥: | سطر ٢٤٥: | ||
عن الإمام الرضا{{ع}} عن أمير المؤمنين{{ع}} عن النبي{{صل}}: {{نص حديث| مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بحوضي فَلَا أَوْرَدَهُ اللَّهِ حَوْضِي وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِشَفَاعَتِي فَلَا أَ نَالَهُ اللَّهُ شَفَاعَتِي }} ثم قال{{صل}}: {{نص حديث| شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي فَأَمَّا الْمُحْسِنُونَ فَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ }} | عن الإمام الرضا{{ع}} عن أمير المؤمنين{{ع}} عن النبي{{صل}}: {{نص حديث| مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بحوضي فَلَا أَوْرَدَهُ اللَّهِ حَوْضِي وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِشَفَاعَتِي فَلَا أَ نَالَهُ اللَّهُ شَفَاعَتِي }} ثم قال{{صل}}: {{نص حديث| شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي فَأَمَّا الْمُحْسِنُونَ فَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ }} | ||
قال الحسين بن خالد فقلت للرضا{{ع}}: يا ابن رسول الله فما معنى قول الله عزوجل: {{ | قال الحسين بن خالد فقلت للرضا{{ع}}: يا ابن رسول الله فما معنى قول الله عزوجل: {{نص قرآني|وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}} <ref>الأنبياء: ۲۸</ref> ؟ قال{{ع}}: {{نص حديث| لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى اللَّهُ دِينِهِ}}. | ||
'''النتيجة:''' إنَّ الاعتقاد بالشفاعة من ضروريات الدين، وقد صرح بذلك (القوشجي) في شرح التجريد: إنَّ الشفاعة تخص أهل الإيمان والتوحيد الذين ارتكبوا المعاصي الكبيرة ولم يُوَفَّقوا للتوبة، وأهل الشرك والكفر والمنكرون لأصول العقائد محرومون من الشفاعة.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٣-٣٢٤.</ref> | '''النتيجة:''' إنَّ الاعتقاد بالشفاعة من ضروريات الدين، وقد صرح بذلك (القوشجي) في شرح التجريد: إنَّ الشفاعة تخص أهل الإيمان والتوحيد الذين ارتكبوا المعاصي الكبيرة ولم يُوَفَّقوا للتوبة، وأهل الشرك والكفر والمنكرون لأصول العقائد محرومون من الشفاعة.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٣-٣٢٤.</ref> | ||
| سطر ٢٥٢: | سطر ٢٥٢: | ||
والفرق بين الدنيا والآخرة واضح للإنسان بأدنى تأمل ولكن نحاول أنْ نستعرض ذلك من خلال الآيات المباركة. | والفرق بين الدنيا والآخرة واضح للإنسان بأدنى تأمل ولكن نحاول أنْ نستعرض ذلك من خلال الآيات المباركة. | ||
أولاً: الحياة الدنيا متاع والآخرة قرار. قال تعالى: {{ | أولاً: الحياة الدنيا متاع والآخرة قرار. قال تعالى: {{نص قرآني|يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}} <ref>غافر: ٣٩</ref>، إنَّ الحياة الدنيا فيها تحوُّلٌ وتبدُّلٌ، فالإنسان دائماً في حركة تكاملية مستمرة وفي الآخرة يكون الاستقرار والثبات، ويحصل الإنسان على النتيجة النهائية والكمال القطعي والخلود. والثبات السمة المميزة للآخرة، قال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}} <ref>فاطر: ٣٤-٣٥.</ref> | ||
ثانياً: الحياة الدنيا مليئة بالعناء، أما الآخرة لا نصب فيها ولا لغوب يكون فيها العيش الرغيد والمسرة والسرور. أما الدنيا فإنها دار اختبار وامتحان وفتن، ولكن السمة البارزة للآخرة هي النعمة ولهذا لا يرضى أهل الجنة بالانتقال من ذلك المكان مطلقاً لأنهم استقروا، ولأنهم سعدوا فلا يحتاجون للانتقال إلى بيت آخر، قال تعالى: {{ | ثانياً: الحياة الدنيا مليئة بالعناء، أما الآخرة لا نصب فيها ولا لغوب يكون فيها العيش الرغيد والمسرة والسرور. أما الدنيا فإنها دار اختبار وامتحان وفتن، ولكن السمة البارزة للآخرة هي النعمة ولهذا لا يرضى أهل الجنة بالانتقال من ذلك المكان مطلقاً لأنهم استقروا، ولأنهم سعدوا فلا يحتاجون للانتقال إلى بيت آخر، قال تعالى: {{نص قرآني| إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا}} <ref>الكهف: ۱۰۷-۱۰۸.</ref> | ||
ثالثاً: إنَّ الدنيا مقرُّ عملٍ ولا حساب، بينما الآخرة حساب ولا عمل، يقول الإمام علي{{ع}} في إحدى خطبه: {{نص حديث| عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْمَلُوا وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةُ، وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةُ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ ...}} وأما إنْ كان الإنسان بدون هذا العمل فالحال هو كما قال تعالى: {{ | ثالثاً: إنَّ الدنيا مقرُّ عملٍ ولا حساب، بينما الآخرة حساب ولا عمل، يقول الإمام علي{{ع}} في إحدى خطبه: {{نص حديث| عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْمَلُوا وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةُ، وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةُ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ ...}} وأما إنْ كان الإنسان بدون هذا العمل فالحال هو كما قال تعالى: {{نص قرآني|حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}} <ref>المؤمنون: ۹۹-۱۰۰</ref> | ||
رابعاً: إنَّ الآخرة مليئة بالوعي والشعور وهي الحياة الحقيقية دون الحياة الدنيا، قال تعالى: {{ | رابعاً: إنَّ الآخرة مليئة بالوعي والشعور وهي الحياة الحقيقية دون الحياة الدنيا، قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}} <ref>العنكبوت: ٦٤.</ref>، فكل تلك الموجودات تملك شعوراً وحياة حتى جهنم، قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}} <ref>ق: ٣٠.</ref> | ||
خامساً: السعة في الأفق، قال تعالى: {{ | خامساً: السعة في الأفق، قال تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}} <ref>ق:۲۲ .</ref>، فما دام الإنسان في هذه الحياة فهو مرتبط بالعلل والمعاليل ومتأثر بما حوله من القوانين الطبيعية التي تتحكم فيه، وأما في الآخرة فلا توجد قوانين فيزيائية ولايوجد بُعد أو فاصل ولايوجد مكان ولازمان وإنما يعيش الإنسان في عالم أوسع وأفضل بكثير من هذه الدنيا الضيقة المحدودة.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٤-٣٢٥.</ref> | ||
==مواصفات الجنة== | ==مواصفات الجنة== | ||
وقد وصفت الجنة في القرآن الكريم بأوصاف متعددة ومختلفة نذكر منها: | وقد وصفت الجنة في القرآن الكريم بأوصاف متعددة ومختلفة نذكر منها: | ||
#'''الأنهار الجارية:''' قال تعالى: {{ | #'''الأنهار الجارية:''' قال تعالى: {{نص قرآني|مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}} <ref>محمد: ١٥.</ref> | ||
#'''النعيم والفاكهة الكثيرة:''' قال تعالى: {{ | #'''النعيم والفاكهة الكثيرة:''' قال تعالى: {{نص قرآني|ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ}} <ref>الزخرف: ۷۰-۷۳</ref> | ||
#'''الزينة والثياب:''' قال تعالى: {{ | #'''الزينة والثياب:''' قال تعالى: {{نص قرآني| إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا }} <ref>الكهف: ٣٠-٣١</ref> | ||
#'''النعم الروحية:''' قال تعالى: {{ | #'''النعم الروحية:''' قال تعالى: {{نص قرآني|وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}} <ref>التوبة: ۷۲</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني|ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}} <ref>الحجر: ٤٦.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٦.</ref> | ||
==مواصفات النار== | ==مواصفات النار== | ||
و قد وصفت النار في القرآن الكريم بأوصاف متعددة ومختلفة نذكر منها: | و قد وصفت النار في القرآن الكريم بأوصاف متعددة ومختلفة نذكر منها: | ||
#'''ألسنة النار:''' قال تعالى: {{ | #'''ألسنة النار:''' قال تعالى: {{نص قرآني|إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}} <ref>الملك: ۷-۸.</ref> | ||
#'''ثياب النار:''' قال تعالى: {{ | #'''ثياب النار:''' قال تعالى: {{نص قرآني|هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}} <ref>الحج: ١٩.</ref> | ||
#'''شراب أهل النار:''' قال تعالى: {{ | #'''شراب أهل النار:''' قال تعالى: {{نص قرآني|لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}} <ref>النبأ: ٢٤-٢٥</ref> | ||
#التعذيب النفسي والجسدي الذي لا ينقطع: قال تعالى: {{ | #التعذيب النفسي والجسدي الذي لا ينقطع: قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}} <ref>النساء: ٥٦</ref> | ||
#'''الأغلال والسلاسل:''' قال تعالى: {{ | #'''الأغلال والسلاسل:''' قال تعالى: {{نص قرآني|خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ}} <ref>الحاقة ٣٠-٣٢.</ref> | ||
#'''أبواب النار:''' قال تعالى: {{ | #'''أبواب النار:''' قال تعالى: {{نص قرآني| وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ }} <ref>الحجر: ٤٣-٤٤</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني|ميلاني، سيد فاضل]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ٣٢٧.</ref> | ||
== المراجع == | == المراجع == | ||
{{مراجع}} | {{مراجع}} | ||