ط
استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''''
ط (استبدال النص - 'سيد فاضل ميلاني' ب'السيد فاضل الميلاني') |
ط (استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''') |
||
| سطر ١١: | سطر ١١: | ||
ما هو الاختلاف بين مفهوم الإرادة ومفاهيم أخرى كالاختيار والمشيئة؟ | ما هو الاختلاف بين مفهوم الإرادة ومفاهيم أخرى كالاختيار والمشيئة؟ | ||
كما نجد أبحاث دقيقة وعميقة عند الفلاسفة المسلمين كذلك في باب حقيقة الإرادة الإلهية مما زاد من تعقيد وعمق البحث.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٥٧.</ref> | كما نجد أبحاث دقيقة وعميقة عند الفلاسفة المسلمين كذلك في باب حقيقة الإرادة الإلهية مما زاد من تعقيد وعمق البحث.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٥٧.</ref> | ||
عقد الشيخ الكليني في (أصول الكافي) باباً أسماه (باب الإرادة أنها من صفات الفعل) وذكر بعض الروايات التي تؤيد هذا المعنى، ولما كانت صفات الفعل خارجة عن ذاته تعالى، فإرادته تعالى لا تكون عين ذاته على هذا الأساس. | عقد الشيخ الكليني في (أصول الكافي) باباً أسماه (باب الإرادة أنها من صفات الفعل) وذكر بعض الروايات التي تؤيد هذا المعنى، ولما كانت صفات الفعل خارجة عن ذاته تعالى، فإرادته تعالى لا تكون عين ذاته على هذا الأساس. | ||
| سطر ٢٧: | سطر ٢٧: | ||
الإنسان عندما يكون بصدد القيام بعمل اختياري يجد حالة في باطنه يُعبّر عنها بالإرادة، هذه الحالة هي حالة نفسانية وكما هو حال سائر الأحوال الباطنية، فإنها تدرك بالعلم الحضوري، مع هذا فإن حضور علمنا بهذه الحالة لا يعني أن تبيينها في قالب مفاهيم ذهنية (علم حصولي) أمرٌ سهل، وهذا ما أدى إلى الاختلاف في تعريف إرادة الإنسان. فقال جماعة أن الإرادة هي الاعتقاد بمنفعة الفعل، أما قبل القيام بعمل ما نصدق بنفعه وهذا التصديق هو إرادتنا على القيام بالعمل المذكور. | الإنسان عندما يكون بصدد القيام بعمل اختياري يجد حالة في باطنه يُعبّر عنها بالإرادة، هذه الحالة هي حالة نفسانية وكما هو حال سائر الأحوال الباطنية، فإنها تدرك بالعلم الحضوري، مع هذا فإن حضور علمنا بهذه الحالة لا يعني أن تبيينها في قالب مفاهيم ذهنية (علم حصولي) أمرٌ سهل، وهذا ما أدى إلى الاختلاف في تعريف إرادة الإنسان. فقال جماعة أن الإرادة هي الاعتقاد بمنفعة الفعل، أما قبل القيام بعمل ما نصدق بنفعه وهذا التصديق هو إرادتنا على القيام بالعمل المذكور. | ||
و أحياناً يُعبر عن التصديق ب (الداعي)، فالإرادة هي الداعي على القيام بالعمل، ويرى جماعة أخرى أن الإرادة غير الداعى، بل يعتقدون أن صرف الاعتقاد بمنفعة العمل ليس هو إرادة القيام بذلك العمل، وتوجد هنا أيضاً آراء مختلفة، منها أنه بعد الاعتقاد بمنفعة العمل يحصل في النفس شوق للعمل وهذا الشوق هو الإرادة، وقد يُقال: إن الإرادة هي ميلنا للقيام بفعل ما والكراهة التي تقع مقابل الإرادة هي ميلنا إلى ترك الفعل، وفي رأي آخر يتفاوت الشوق والميل عن القيام بالفعل، فيُقال: إن الإرادة كيفية نفسانية تحصل في النفس بعد العلم بمنفعة الفعل وقبل القيام به وتسبب ترجيح القيام بالفعل على تركه، ولكل رأي من هذه الآراء أدلته وبراهينه، نعرض عن ذكرها لتلافي الإطالة<ref>مثلاً يُقال: إن العطشان عندما يرى كأسين ماء يختار أحدهما لرفع العطش مع أن إرادته للاثنين كانت متساوية فيعلم أن الارادة غير العلم بمنفعة الفعل. للمراجعة ماقيل في هذا الباب يُمكن الرجوع إلى: مناهج اليقين في أصول الدين، ص۱۷۱؛ المطالب العالية، ج۳، ص۱۷۷.</ref>، ما يهم هو أننا لا يُمكننا تسرية معنى الإرادة في الموجودات الممكنة - كالإنسان - إلى الله بدون حذف الجهات الموجبة للنقص والمحدودية. مثلاً: إرادة الإنسان بأيّ معنى كان هي حالة نفسانية وحادثة تعرض على النفس الإنسانية، ومن البديهي أن هكذا معنى لا يتناسب ومقام الإلهية؛ لأن ذات الله منزهه عن أي تغيير وتحول، أو أن تكون معروضه للعوارض.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٥٧-٢٥٨.</ref> | و أحياناً يُعبر عن التصديق ب (الداعي)، فالإرادة هي الداعي على القيام بالعمل، ويرى جماعة أخرى أن الإرادة غير الداعى، بل يعتقدون أن صرف الاعتقاد بمنفعة العمل ليس هو إرادة القيام بذلك العمل، وتوجد هنا أيضاً آراء مختلفة، منها أنه بعد الاعتقاد بمنفعة العمل يحصل في النفس شوق للعمل وهذا الشوق هو الإرادة، وقد يُقال: إن الإرادة هي ميلنا للقيام بفعل ما والكراهة التي تقع مقابل الإرادة هي ميلنا إلى ترك الفعل، وفي رأي آخر يتفاوت الشوق والميل عن القيام بالفعل، فيُقال: إن الإرادة كيفية نفسانية تحصل في النفس بعد العلم بمنفعة الفعل وقبل القيام به وتسبب ترجيح القيام بالفعل على تركه، ولكل رأي من هذه الآراء أدلته وبراهينه، نعرض عن ذكرها لتلافي الإطالة<ref>مثلاً يُقال: إن العطشان عندما يرى كأسين ماء يختار أحدهما لرفع العطش مع أن إرادته للاثنين كانت متساوية فيعلم أن الارادة غير العلم بمنفعة الفعل. للمراجعة ماقيل في هذا الباب يُمكن الرجوع إلى: مناهج اليقين في أصول الدين، ص۱۷۱؛ المطالب العالية، ج۳، ص۱۷۷.</ref>، ما يهم هو أننا لا يُمكننا تسرية معنى الإرادة في الموجودات الممكنة - كالإنسان - إلى الله بدون حذف الجهات الموجبة للنقص والمحدودية. مثلاً: إرادة الإنسان بأيّ معنى كان هي حالة نفسانية وحادثة تعرض على النفس الإنسانية، ومن البديهي أن هكذا معنى لا يتناسب ومقام الإلهية؛ لأن ذات الله منزهه عن أي تغيير وتحول، أو أن تكون معروضه للعوارض.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٥٧-٢٥٨.</ref> | ||
==آراء المتكلمين في بيان حقيقة الإرادة الإلهية== | ==آراء المتكلمين في بيان حقيقة الإرادة الإلهية== | ||
| سطر ٣٥: | سطر ٣٥: | ||
#إرادة الله في مقام الذات عبارة عن محبة الله لذاته وكمالاته، وفي مقام الفعل عبارة عن رضا الله بوقوع الفعل<ref>دروس في العقيدة، ج۱، ص۱۱۳.</ref>. | #إرادة الله في مقام الذات عبارة عن محبة الله لذاته وكمالاته، وفي مقام الفعل عبارة عن رضا الله بوقوع الفعل<ref>دروس في العقيدة، ج۱، ص۱۱۳.</ref>. | ||
#المقصود من إرادة الله هو علمه الذاتي بالنظام الأحسن، بعض الحكماء يرى أن الإرادة الإلهية كصفة ذاتية تساوق علمه الذاتي بالنظام الأصلح للعالم، العلم الذي يقع في السلسلة العلية لوجود العالم ومن مبادئ إيجاده<ref>مثلاً: يُمكن الرجوع: صدر المتألهين، أسفار، ج۶، ص۳۱۶.</ref>. | #المقصود من إرادة الله هو علمه الذاتي بالنظام الأحسن، بعض الحكماء يرى أن الإرادة الإلهية كصفة ذاتية تساوق علمه الذاتي بالنظام الأصلح للعالم، العلم الذي يقع في السلسلة العلية لوجود العالم ومن مبادئ إيجاده<ref>مثلاً: يُمكن الرجوع: صدر المتألهين، أسفار، ج۶، ص۳۱۶.</ref>. | ||
#إرادة الله عبارة عن اختياره الذاتي، الله ذاتاً فاعل مختار، وإرادته ليست إلا اختياره، وإن كان من الممكن تفسير اختياره بأنه (غير مجبور وغيرمكره) لكن هذا التفسير لا يستلزم أن تكون الإرادة – المساوقة للاختيار الذاتي - صفة سلبية كما أن تفسير العلم ب(عدم الجهل) لا يستلزم أن تكون صفة العلم سلبية<ref>السبحاني، محاضرات في الإلهيات، ص١۴٨.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٥٩.</ref> | #إرادة الله عبارة عن اختياره الذاتي، الله ذاتاً فاعل مختار، وإرادته ليست إلا اختياره، وإن كان من الممكن تفسير اختياره بأنه (غير مجبور وغيرمكره) لكن هذا التفسير لا يستلزم أن تكون الإرادة – المساوقة للاختيار الذاتي - صفة سلبية كما أن تفسير العلم ب(عدم الجهل) لا يستلزم أن تكون صفة العلم سلبية<ref>السبحاني، محاضرات في الإلهيات، ص١۴٨.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٥٩.</ref> | ||
==الإرادة الذاتية والإرادة الفعلية== | ==الإرادة الذاتية والإرادة الفعلية== | ||
| سطر ٤٤: | سطر ٤٤: | ||
كما يُمكن إرجاع الإرادة الفعلية إلى صفاتٍ، كالحب والرضا، فإرادة الله الوقوع فعل خاص عبارة عن تعلق محبته ورضاه بوقوع ذلك الفعل، وقد يشكل هنا كذلك أننا ندرك بالوجدان أن معنى الإرادة غير معنى المحبة والرضا. | كما يُمكن إرجاع الإرادة الفعلية إلى صفاتٍ، كالحب والرضا، فإرادة الله الوقوع فعل خاص عبارة عن تعلق محبته ورضاه بوقوع ذلك الفعل، وقد يشكل هنا كذلك أننا ندرك بالوجدان أن معنى الإرادة غير معنى المحبة والرضا. | ||
و هناك احتمال آخر أيضاً وهو أن نقول بأن صفة الإرادة كصفة فعلية تُنتزع من مرتبة فعل الواجب تعالى، أي: أنها تُنتزع من إيجاد الموجودات (بلحاظ خاص)؛ وتوضيح ذلك: أن عقل الإنسان يرى أن وجود كل مخلوق في مكان وزمان خاصين وبكيفية خاصة، هذا وقع متعلق علم ومحبة الله، والله أوجده بإرادته وبدون أن يجبره أحد من مخلوقاته، فبلحاظ العلاقة الخاصة بين الله ومخلوقاته نتزع صفة الإرادة. كما يوجد رأي آخر في المقام، ينتزع على أساسه الإرادة كصفة فعل وهو: بلحاظ العلاقة بين الله والفعل الذي كل أسبابه تامة، فكلما نظرنا إلى علاقة الفعل – الذي هو علة تامة لذلك الموجود- بالذات الإلهية فإننا ننتزع صفة الإرادة ونقول أن الله أراد تحقق الفعل المذكور.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٠-٢٦١.</ref> | و هناك احتمال آخر أيضاً وهو أن نقول بأن صفة الإرادة كصفة فعلية تُنتزع من مرتبة فعل الواجب تعالى، أي: أنها تُنتزع من إيجاد الموجودات (بلحاظ خاص)؛ وتوضيح ذلك: أن عقل الإنسان يرى أن وجود كل مخلوق في مكان وزمان خاصين وبكيفية خاصة، هذا وقع متعلق علم ومحبة الله، والله أوجده بإرادته وبدون أن يجبره أحد من مخلوقاته، فبلحاظ العلاقة الخاصة بين الله ومخلوقاته نتزع صفة الإرادة. كما يوجد رأي آخر في المقام، ينتزع على أساسه الإرادة كصفة فعل وهو: بلحاظ العلاقة بين الله والفعل الذي كل أسبابه تامة، فكلما نظرنا إلى علاقة الفعل – الذي هو علة تامة لذلك الموجود- بالذات الإلهية فإننا ننتزع صفة الإرادة ونقول أن الله أراد تحقق الفعل المذكور.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٠-٢٦١.</ref> | ||
==حدوث الإرادة الإلهية أو قدمها== | ==حدوث الإرادة الإلهية أو قدمها== | ||
بعد اتضاح معنى إرادة الله، من المناسب أن نبحث في قدمها أو حدوثها، وبالنظر إلى آراء المتكلمين في هذا البحث نجد أن هناك اختلافاً شديداً في هذه المسألة أيضاً. فيرى الأشاعرة أن الإرادة صفة ثبوتية وزائدة على الذات وهي قديمة كالذات. في المقابل يعتقد البعض بحدوث صفة الإرادة ويختلفون في ماهية ومحل حدوثها<ref>يرى الكرامية أن صفة الإرادة في الذات الإلهيه حادثة، لكن يرى الجبائي وجماعة من المعتزلة أن الإرادة حادثة بدون محل.</ref>. بلحاظ ما ذُكر في بحث الإرادة الذاتية والفعلية، يُمكن أن يقال: إن الإرادة الذاتية عين ذات الله ولذلك قدم الذات يشملها، فالإرادة كصفة ذاتية قديمة بقدم الذات، ولذلك كان البحث عن الإرادة الفعلية من جهة أنها تُنتزع من العلاقة بين الذات وأفعال الله، وأحد طرفي هذه العلاقة – يعني الفعل - حادث، فالإرادة حادثة كذلك، وكما مرَّ في بحث اختلاف الصفات الذاتية والفعلية، فإن منشأ انتزاع الصفة الفعلية ليس هو ذات الله حتى يشكل حدوثها، بل إنها تُنتزع من مقام الفعل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦١-٢٦٢.</ref> | بعد اتضاح معنى إرادة الله، من المناسب أن نبحث في قدمها أو حدوثها، وبالنظر إلى آراء المتكلمين في هذا البحث نجد أن هناك اختلافاً شديداً في هذه المسألة أيضاً. فيرى الأشاعرة أن الإرادة صفة ثبوتية وزائدة على الذات وهي قديمة كالذات. في المقابل يعتقد البعض بحدوث صفة الإرادة ويختلفون في ماهية ومحل حدوثها<ref>يرى الكرامية أن صفة الإرادة في الذات الإلهيه حادثة، لكن يرى الجبائي وجماعة من المعتزلة أن الإرادة حادثة بدون محل.</ref>. بلحاظ ما ذُكر في بحث الإرادة الذاتية والفعلية، يُمكن أن يقال: إن الإرادة الذاتية عين ذات الله ولذلك قدم الذات يشملها، فالإرادة كصفة ذاتية قديمة بقدم الذات، ولذلك كان البحث عن الإرادة الفعلية من جهة أنها تُنتزع من العلاقة بين الذات وأفعال الله، وأحد طرفي هذه العلاقة – يعني الفعل - حادث، فالإرادة حادثة كذلك، وكما مرَّ في بحث اختلاف الصفات الذاتية والفعلية، فإن منشأ انتزاع الصفة الفعلية ليس هو ذات الله حتى يشكل حدوثها، بل إنها تُنتزع من مقام الفعل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦١-٢٦٢.</ref> | ||
==الفرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار== | ==الفرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار== | ||
يتصف الله بصفتي المشيئة والاختيار بالإضافة إلى الإرادة، فهل هذه الصفات مترادفة أو أن لكل منها معنى مستقل؟ | يتصف الله بصفتي المشيئة والاختيار بالإضافة إلى الإرادة، فهل هذه الصفات مترادفة أو أن لكل منها معنى مستقل؟ | ||
يُستفاد من بعض العبارات أنه لا يوجد اختلاف بين الإرادة والمشيئة وكلاهما تستعملان بمعنى واحد. ولكن يرى جماعة من المتكلمين وجود اختلاف بينهما، فيقول البعض أن الإرادة هي العلم بمصلحة أو مفسدة الفعل، والمشيئة هي إرادة القيام بالفعل أو تركه، فالإرادة تبتني على العلم بالمصلحة أو المفسدة<ref>عبدالرزاق لاهيجي، سرماية إيمان، ص۴۸.</ref>. كما قيل: إن متعلق المشيئة هو ماهية المعلول أما متعلق الإرادة فهو وجوده<ref>الأسفار، ج۶، ص۳۱۳، تعليق الحكيم السبزواري.</ref>. كما مرَّ أنه في بعض تفاسير الإرادة الذاتية، ذكر البعض أنه لا فرق بين الإرادة والاختيار، بل إن حقيقة الإرادة ترجع إلى اختيار الله، وهناك رأي آخر وهو أن الاختيار عبارة عن القيام بالفعل، هذا الفعل مسبوق بالعلم والمشيئة والإرادة والقدرة، عندها يُنتزع من علاقة الفاعل بهكذا فعل صفة المختار.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٢-٢٦٣.</ref> | يُستفاد من بعض العبارات أنه لا يوجد اختلاف بين الإرادة والمشيئة وكلاهما تستعملان بمعنى واحد. ولكن يرى جماعة من المتكلمين وجود اختلاف بينهما، فيقول البعض أن الإرادة هي العلم بمصلحة أو مفسدة الفعل، والمشيئة هي إرادة القيام بالفعل أو تركه، فالإرادة تبتني على العلم بالمصلحة أو المفسدة<ref>عبدالرزاق لاهيجي، سرماية إيمان، ص۴۸.</ref>. كما قيل: إن متعلق المشيئة هو ماهية المعلول أما متعلق الإرادة فهو وجوده<ref>الأسفار، ج۶، ص۳۱۳، تعليق الحكيم السبزواري.</ref>. كما مرَّ أنه في بعض تفاسير الإرادة الذاتية، ذكر البعض أنه لا فرق بين الإرادة والاختيار، بل إن حقيقة الإرادة ترجع إلى اختيار الله، وهناك رأي آخر وهو أن الاختيار عبارة عن القيام بالفعل، هذا الفعل مسبوق بالعلم والمشيئة والإرادة والقدرة، عندها يُنتزع من علاقة الفاعل بهكذا فعل صفة المختار.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٢-٢٦٣.</ref> | ||
==دليل المتكلمين على الإرادة الإلهية== | ==دليل المتكلمين على الإرادة الإلهية== | ||
من الأدلة المشهورة للمتكلمين هو أن بعض أفعال الله تتحقق في وقت خاص؛ مثلاً: نرى موجوداً يخلق في زمان خاص كان معدوماً قبله، واختصاص هذه الأفعال بزمان خاص يحتاج إلى مخصص، بالتأمل في صفاتٍ، كالقدرة والعلم الإلهي يتضح أنه لا يصح تخصيصها، مثلاً: القدرة متساوية في كل الأزمنة، فلا يُمكن أن يقال: إن الله في زمان ما قادر على فعل معين غير قادر عليه في زمان آخر، وهكذا بالنسبة إلى العلم، فيجب أن يوجد مخصِّص آخر غير العلم والقدرة وهو الإرادة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٣.</ref> | من الأدلة المشهورة للمتكلمين هو أن بعض أفعال الله تتحقق في وقت خاص؛ مثلاً: نرى موجوداً يخلق في زمان خاص كان معدوماً قبله، واختصاص هذه الأفعال بزمان خاص يحتاج إلى مخصص، بالتأمل في صفاتٍ، كالقدرة والعلم الإلهي يتضح أنه لا يصح تخصيصها، مثلاً: القدرة متساوية في كل الأزمنة، فلا يُمكن أن يقال: إن الله في زمان ما قادر على فعل معين غير قادر عليه في زمان آخر، وهكذا بالنسبة إلى العلم، فيجب أن يوجد مخصِّص آخر غير العلم والقدرة وهو الإرادة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٣.</ref> | ||
==الإرادة التكوينية والتشريعية== | ==الإرادة التكوينية والتشريعية== | ||
كل ما ذُكر حتى الآن في بحث الإرادة يقع في دائرة الإرادة التكوينية لله، ويرى المتكلمون أن هناك نوعاً آخر للإرادة غير هذا النوع وهو الإرادة التشريعية، والتي متعلقها عبارة عن الأفعال الخاصة للإنسان. | كل ما ذُكر حتى الآن في بحث الإرادة يقع في دائرة الإرادة التكوينية لله، ويرى المتكلمون أن هناك نوعاً آخر للإرادة غير هذا النوع وهو الإرادة التشريعية، والتي متعلقها عبارة عن الأفعال الخاصة للإنسان. | ||
تُنتزَع صفة الوجوب أو الاستحباب من متعلق الإرادة التشريعية - التي تقع في قبال الإرادة التكوينية - ببعض الأفعال، وتعلق الكراهة التشريعية في بعض الأفعال الأخرى، فتكون مبدأ انتزاع وصف الحرمة - أو الكراهة - فالإرادة الفعلية والتكوينية لله منبع وجود الكائنات والموجودات؛ بعبارة أخرى: الإرادة التكوينية تُنتزع من العلاقة الخاصة بين ذات الله ومخلوقاته، أما منشأ انتزاع الإرادة التشريعية فهو العلاقة الخاصة بين الله وأفعال الإنسان الاختيارية. من الاختلافات الأخرى بين هاتين الإرادتين هو أن عدم تحقق المراد - ما تعلقت به الإرادة - ممتنع في الإرادة التكوينية ولكنه ممكن في الإرادة التشريعية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٣-٢٦٤.</ref> | تُنتزَع صفة الوجوب أو الاستحباب من متعلق الإرادة التشريعية - التي تقع في قبال الإرادة التكوينية - ببعض الأفعال، وتعلق الكراهة التشريعية في بعض الأفعال الأخرى، فتكون مبدأ انتزاع وصف الحرمة - أو الكراهة - فالإرادة الفعلية والتكوينية لله منبع وجود الكائنات والموجودات؛ بعبارة أخرى: الإرادة التكوينية تُنتزع من العلاقة الخاصة بين ذات الله ومخلوقاته، أما منشأ انتزاع الإرادة التشريعية فهو العلاقة الخاصة بين الله وأفعال الإنسان الاختيارية. من الاختلافات الأخرى بين هاتين الإرادتين هو أن عدم تحقق المراد - ما تعلقت به الإرادة - ممتنع في الإرادة التكوينية ولكنه ممكن في الإرادة التشريعية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٣-٢٦٤.</ref> | ||
==الإرادة والمشيئة الإلهية في القرآن والروايات== | ==الإرادة والمشيئة الإلهية في القرآن والروايات== | ||
كلمة الإرادة مأخوذة من (رَوْد) ومعناها الذهاب والإياب الملازم للملائمة في الطلب والبحث عن شيء ما، والواقع أن معنى هذه الكلمة يتركب من ثلاثة عناصر: إرادة شيء مع التعلق به والأمل بالوصول إليه والحكم بالقيام به بنفسه أو بالواسطة. | كلمة الإرادة مأخوذة من (رَوْد) ومعناها الذهاب والإياب الملازم للملائمة في الطلب والبحث عن شيء ما، والواقع أن معنى هذه الكلمة يتركب من ثلاثة عناصر: إرادة شيء مع التعلق به والأمل بالوصول إليه والحكم بالقيام به بنفسه أو بالواسطة. | ||
المشيئة كذلك في نظر الكثير من أرباب اللغة بمعنى الإرادة، لكن يرى البعض منهم أن المشيئة عبارة عن الميل الحاصل بعد التصور والتصديق وبعد ذلك يأتي العزم والتصميم، ثم تتحقق الإرادة. وإن كانت هاتين الصفتين لم تنسبا لله في القرآن الكريم بصيغة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة أو أمثال ذلك، لكن صيغة فعل هذين المصدرين أُطلق على الله في عدة آيات، حيثُ أشارت بعض الآيات القرآنية إلى أن الإرادة والمشيئة التكوينية نافذة في كل مكان، والفعل الذي يكون متعلق إرادته يتحقق بدون أي قيد أو شرط {{نص قرآني|إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة النحل: ۴۰.</ref> وواضح أن المقصود من قول {{نص قرآني|كُنْ}} ليس هو الكلام، اللفظي، بل هذا التعبير كناية عن عدم إمكانية تخلف المراد عن الإرادة الإلهية ولو للحظة. ذُكر في بعض الآيات عموم مشيئة الله وعدم محدوديتها {{نص قرآني|يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة النور: ۴۵.</ref>، كما أن القرآن يؤكد على أنه لا يمكن لأي موجود أن يقف قبال الإرادة التكوينية لله وأن يمنع تحققها وهذا التعبير هو تعبير آخر لعدم مقهورية الله ومحدوديته: {{نص قرآني|قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}}<ref>سورة الفتح: ۱۱.</ref>، وسيأتي في بحث الحكمة الإلهية، فإن عموم الإرادة والمشيئة الإلهية لا يعني أن تتعلق بكل فعل ولو بالأفعال القبيحة أو العبثية، بل حكمة الله تقتضي أن يريد الأفعال الحكيمة - فقط - المشتملة على مصلحة مخلوقاته. تُشير بعض آيات القرآن الكريم إلى إرادة الله التشريعية، مثلاً: نقرأ في سورة البقرة {{نص قرآني|يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}}<ref>سورة البقرة: ۱۸۵.</ref> بعد أن يُبين الله أول الآية حكم صيام شهر رمضان ويستثنى المرضى والمسافرين، يشير إلى أن الإرادة التشريعية تتعلق بوضع الأحكام التي تتضمن راحة الناس ولا تكون سبباً لخلق المشاكل والصعوبات لهم، كما أن القرآن الكريم - بعد ذكر بعض الأحكام الإلهية - يقول في الآية الأولى من سورة المائدة: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}}<ref>سورة المائدة: ۱.</ref>، كما وردت روايات عاليات في بيان إرادة الله والملفت أن عموم هذه الروايات ناظرة للإرادة الفعلية لله وبعضها تنفي الإرادة كصفة قديمة زائدة على الذات، مثلاً: في الحديث الوارد عندما يسأل الراوي الإمام{{ع}}: {{نص حديث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ{{ع}}: إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶.</ref>، فالإمام{{ع}} في هذا الحديث الشريف يُشير إلى الإرادة الفعلية ويبين أن هكذا أوصاف لا يُمكن أن تكون قديمةً وأزليةً. بتعبير آخر ينتزع من مقام فعل الله، ولأن فعل الله حادث فلا يُمكن أن تكون أوصافه الفعلية قديمة. في حديث آخر ينقل عن الإمام الرضا{{ع}} أنه بالإضافة إلى بيان حقيقة الإرادة الفعلية لله نجده يؤكد على اختلاف تلك الإرادة مع إرادة الإنسان وتنزهها عن محدوديات الإرادة البشرية، جاء في الكافي بسند صحيح {{نص حديث|عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ{{ع}}: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ<ref>و المراد بالإرادة المحدثة أن الإرادة مخصص أحد الطرفين، فإن العلم والقدرة على الطرفين سواء، وما به يرجح ويختار أحدهما هو الإرادة والمشية المخصصة لأحد الطرفين، وهي لا يكون مثل العلم والقدرة، بل تتحقق بالعلم والقدرة فقط، ولا يحتاج الغني بذاته فيها إلى أمر خارج زائد على ذاته القدوس السبوح القادر بالقدرة الغير المتناهية.</ref> لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۳۸.</ref>. في بعض الروايات يُصرّح الإمام بمخلوقية وحدوث المشيئة الإلهية. مثلاً يروي عن الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۴۵.</ref> والأمر العجيب والملفت في روايات المعصومين{{ع}} في هذا الباب هو قولهم بتغاير العلم والإرادة، يقول الإمام الصادق{{ع}} في الجواب عن أحد الأصحاب الذي سأله عن وحدة أو تغايُر العلم والإرادة: {{نص حديث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ سَابِقُ الْمَشِيَّةِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۸۲؛ البحار، ج۴، ص۱۴۴ وجاء في بيانه: لعل المراد المشيئة المتأخرة عن العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغائرته للعلم ظاهر. ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلق العلم؛ إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا تتعلق إلا بما هو كذلك، وفرق آخر بينهما وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولاً على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، والأول أظهر.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٤-٢٦٧.</ref> | المشيئة كذلك في نظر الكثير من أرباب اللغة بمعنى الإرادة، لكن يرى البعض منهم أن المشيئة عبارة عن الميل الحاصل بعد التصور والتصديق وبعد ذلك يأتي العزم والتصميم، ثم تتحقق الإرادة. وإن كانت هاتين الصفتين لم تنسبا لله في القرآن الكريم بصيغة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة أو أمثال ذلك، لكن صيغة فعل هذين المصدرين أُطلق على الله في عدة آيات، حيثُ أشارت بعض الآيات القرآنية إلى أن الإرادة والمشيئة التكوينية نافذة في كل مكان، والفعل الذي يكون متعلق إرادته يتحقق بدون أي قيد أو شرط {{نص قرآني|إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة النحل: ۴۰.</ref> وواضح أن المقصود من قول {{نص قرآني|كُنْ}} ليس هو الكلام، اللفظي، بل هذا التعبير كناية عن عدم إمكانية تخلف المراد عن الإرادة الإلهية ولو للحظة. ذُكر في بعض الآيات عموم مشيئة الله وعدم محدوديتها {{نص قرآني|يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة النور: ۴۵.</ref>، كما أن القرآن يؤكد على أنه لا يمكن لأي موجود أن يقف قبال الإرادة التكوينية لله وأن يمنع تحققها وهذا التعبير هو تعبير آخر لعدم مقهورية الله ومحدوديته: {{نص قرآني|قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}}<ref>سورة الفتح: ۱۱.</ref>، وسيأتي في بحث الحكمة الإلهية، فإن عموم الإرادة والمشيئة الإلهية لا يعني أن تتعلق بكل فعل ولو بالأفعال القبيحة أو العبثية، بل حكمة الله تقتضي أن يريد الأفعال الحكيمة - فقط - المشتملة على مصلحة مخلوقاته. تُشير بعض آيات القرآن الكريم إلى إرادة الله التشريعية، مثلاً: نقرأ في سورة البقرة {{نص قرآني|يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}}<ref>سورة البقرة: ۱۸۵.</ref> بعد أن يُبين الله أول الآية حكم صيام شهر رمضان ويستثنى المرضى والمسافرين، يشير إلى أن الإرادة التشريعية تتعلق بوضع الأحكام التي تتضمن راحة الناس ولا تكون سبباً لخلق المشاكل والصعوبات لهم، كما أن القرآن الكريم - بعد ذكر بعض الأحكام الإلهية - يقول في الآية الأولى من سورة المائدة: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}}<ref>سورة المائدة: ۱.</ref>، كما وردت روايات عاليات في بيان إرادة الله والملفت أن عموم هذه الروايات ناظرة للإرادة الفعلية لله وبعضها تنفي الإرادة كصفة قديمة زائدة على الذات، مثلاً: في الحديث الوارد عندما يسأل الراوي الإمام{{ع}}: {{نص حديث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ{{ع}}: إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶.</ref>، فالإمام{{ع}} في هذا الحديث الشريف يُشير إلى الإرادة الفعلية ويبين أن هكذا أوصاف لا يُمكن أن تكون قديمةً وأزليةً. بتعبير آخر ينتزع من مقام فعل الله، ولأن فعل الله حادث فلا يُمكن أن تكون أوصافه الفعلية قديمة. في حديث آخر ينقل عن الإمام الرضا{{ع}} أنه بالإضافة إلى بيان حقيقة الإرادة الفعلية لله نجده يؤكد على اختلاف تلك الإرادة مع إرادة الإنسان وتنزهها عن محدوديات الإرادة البشرية، جاء في الكافي بسند صحيح {{نص حديث|عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ{{ع}}: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ<ref>و المراد بالإرادة المحدثة أن الإرادة مخصص أحد الطرفين، فإن العلم والقدرة على الطرفين سواء، وما به يرجح ويختار أحدهما هو الإرادة والمشية المخصصة لأحد الطرفين، وهي لا يكون مثل العلم والقدرة، بل تتحقق بالعلم والقدرة فقط، ولا يحتاج الغني بذاته فيها إلى أمر خارج زائد على ذاته القدوس السبوح القادر بالقدرة الغير المتناهية.</ref> لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۳۸.</ref>. في بعض الروايات يُصرّح الإمام بمخلوقية وحدوث المشيئة الإلهية. مثلاً يروي عن الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۴۵.</ref> والأمر العجيب والملفت في روايات المعصومين{{ع}} في هذا الباب هو قولهم بتغاير العلم والإرادة، يقول الإمام الصادق{{ع}} في الجواب عن أحد الأصحاب الذي سأله عن وحدة أو تغايُر العلم والإرادة: {{نص حديث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ سَابِقُ الْمَشِيَّةِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۸۲؛ البحار، ج۴، ص۱۴۴ وجاء في بيانه: لعل المراد المشيئة المتأخرة عن العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغائرته للعلم ظاهر. ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلق العلم؛ إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا تتعلق إلا بما هو كذلك، وفرق آخر بينهما وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولاً على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، والأول أظهر.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٤-٢٦٧.</ref> | ||
==تعلق الخلق بالمشيئة== | ==تعلق الخلق بالمشيئة== | ||