الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقل عند أهل السنة»
←دلائل النفس
(←النهي) |
|||
| سطر ١٤٣: | سطر ١٤٣: | ||
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر والتفكر في أنفسنا، كيف خلقنا الله من العدم فبدأ بخلقنا من الطين، ثم جعل الخلق بعد ذلك من نطفة، ثم خلق النطفة علقة، وخلق العلقة مضغة، ثم خلقها عظامًا، وكساها بعد ذلك لحمًا، ثم تدرج في الخلق وبعد حينٍ أماته، وهذه دلائل قدرته سبحانه على الإيجاد والإماتة، ليختبرنا ماذا سنفعل في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ }}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١٢-١٥.</ref>. | لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر والتفكر في أنفسنا، كيف خلقنا الله من العدم فبدأ بخلقنا من الطين، ثم جعل الخلق بعد ذلك من نطفة، ثم خلق النطفة علقة، وخلق العلقة مضغة، ثم خلقها عظامًا، وكساها بعد ذلك لحمًا، ثم تدرج في الخلق وبعد حينٍ أماته، وهذه دلائل قدرته سبحانه على الإيجاد والإماتة، ليختبرنا ماذا سنفعل في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ }}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١٢-١٥.</ref>. | ||
« هذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم | « هذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة» <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور،١٨/٢٢.</ref>. | ||
« يخبر تعالى عن خلقه الإنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته، والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه | « يخبر تعالى عن خلقه الإنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته، والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه وتقديره» <ref>أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ٣/٥٠٧.</ref>. | ||
قال تعالى: | قال تعالى: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٨.</ref>. « وهو الدلالة على توحيده وقدرته» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤/٨.</ref>. | ||
«وهذا حث لهم على إعمال الفكر السليم الموصل إلى معرفة الله و وحدانيته بالنظر في أنفسهم وما حولهم من مشاهد الكون» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٢١/٥٤.</ref>. «أي: يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال ويتفكرون في خلق السماوات والأرض بدلائل الآفاق» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٥/٣٨٩.</ref>. «والمعنى: أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي، لعلموا وحدانية الله، وصدق أنبيائه » <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٢٤٨.</ref>. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة غافر، الآية ٦٧.</ref>. «{{نص قرآني| وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} أي: ما في هذه الأحوال العجيبة من القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته هو الذي يحيي ويميت، فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، أي: يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب وكل ذلك من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته » <ref>لباب التأويل، الخازن، ٤/٨٠.</ref>. «أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته» <ref>معالم التنزيل، البغوي، ٧/١٥٨.</ref>. | |||
«دلالة على وجود هذا الخالق الخلق البديع، وعلى انفراده بالإلهية، وعلى أن ما عداه لا يستحق وصف الإلهية، فمن عقل ذلك من الناس فقد اهتدى إلى ما أريد منه، ومن لم يعقل ذلك فهو بمنزلة عديم العقل <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٤/١٩٦-١٩٧.</ref>. | |||
«دعوة القرآن للتفكر في الأنفس لتفتح مغاليق القلوب لتتدبر هذا الخلق العجيب، فهذا الإنسان بجميع خصائصه وسماته كان كامنًا في تلك النقطة الصغيرة الدقيقة التي لا تراها العين المجردة بعد أن أنستهم الألفة هذا الأمر العجيب» <ref>البناء العقلي في ضوء القرآن الكريم، رسالة ماجستير، ميساء قلجة، ص ٥٥.</ref>. | |||
«دعوة القرآن للتفكر في الأنفس لتفتح مغاليق القلوب لتتدبر هذا الخلق العجيب، فهذا الإنسان بجميع خصائصه وسماته كان كامنًا في تلك النقطة الصغيرة الدقيقة التي لا تراها العين المجردة بعد أن أنستهم الألفة هذا الأمر | |||
وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يحجر على عقولنا، بل أمرنا بالنظر والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية، وفي أنفسنا لنزداد إيمانًا ويقينًا بوحدانيته سبحانه وتعالى، وبالتالي نزداد خشوعًا وتعظيمًا له سبحانه، أما الذين عطلوا عقولهم وألغوها فهم لا يقلون عن الحيوانات، بالإضافة إلى العقوبة التي تنتظرهم يوم القيامة، لأنهم لو أعملوا عقولهم لاهتدوا، فكل الأنفس قابلة للإيمان والاهتداء وكل شيء بيد الله سبحانه وتعالى. اللهم ألهم نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم آمين. | وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يحجر على عقولنا، بل أمرنا بالنظر والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية، وفي أنفسنا لنزداد إيمانًا ويقينًا بوحدانيته سبحانه وتعالى، وبالتالي نزداد خشوعًا وتعظيمًا له سبحانه، أما الذين عطلوا عقولهم وألغوها فهم لا يقلون عن الحيوانات، بالإضافة إلى العقوبة التي تنتظرهم يوم القيامة، لأنهم لو أعملوا عقولهم لاهتدوا، فكل الأنفس قابلة للإيمان والاهتداء وكل شيء بيد الله سبحانه وتعالى. اللهم ألهم نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم آمين. | ||
=== الأحكام الشرعية=== | |||
القرآن الكريم احترم العقل وأولاه اهتمامًا بالغًا، وسمح له بالتفكر والتدبر في الآيات الكونية المرئية المنظورة، والآيات المسطورة في القرآن الكريم وذم من يعطل عقله عن التفكر والتدبر، لكن في الأحكام الشرعية، فالعقل لا يستطيع أن يحيط بكل شيء علمًا، بعض الأحكام التي شرعت لا يعلم كنهها إلا الله وحده، فلا يستطيع العقل فهم الحكمة المرادة منها، وقد جعلها الله تعالى من الأمور الغيبية، فلا يجوز للعقل الخوض في أمور الغيب، بينما أمور الاجتهاد والقياس والأمور التي في إمكانية العقل القيام بها، فهذا مسموح الخوض فيه، وعند تعارض العقل والنقل يقدم النقل على العقل. | القرآن الكريم احترم العقل وأولاه اهتمامًا بالغًا، وسمح له بالتفكر والتدبر في الآيات الكونية المرئية المنظورة، والآيات المسطورة في القرآن الكريم وذم من يعطل عقله عن التفكر والتدبر، لكن في الأحكام الشرعية، فالعقل لا يستطيع أن يحيط بكل شيء علمًا، بعض الأحكام التي شرعت لا يعلم كنهها إلا الله وحده، فلا يستطيع العقل فهم الحكمة المرادة منها، وقد جعلها الله تعالى من الأمور الغيبية، فلا يجوز للعقل الخوض في أمور الغيب، بينما أمور الاجتهاد والقياس والأمور التي في إمكانية العقل القيام بها، فهذا مسموح الخوض فيه، وعند تعارض العقل والنقل يقدم النقل على العقل. | ||
| سطر ١٧٩: | سطر ١٦٧: | ||
«العقل هو الذي دلنا على وجود الخالق، وصحة رسالة رسوله الذي أيده بالمعجزات، تلك المعجزات التي تدل على صدق نبوة الأنبياء باستعمال الفكر والنظر. | «العقل هو الذي دلنا على وجود الخالق، وصحة رسالة رسوله الذي أيده بالمعجزات، تلك المعجزات التي تدل على صدق نبوة الأنبياء باستعمال الفكر والنظر. | ||
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «المعقول الصريح لا يخالف المنقول | ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح» <ref>درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ٨/٩١، العقل والنقل عند ابن رشد، أبو أحمد جامي علي، ١/٧٨.</ref>. | ||
العقل | |||
العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأس والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس، وأيضًا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر. فلهذا قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }}<ref> سورة المائدة، الآية ١٥-١٦.</ref>. | |||
فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه العقل، وتارة بتنبيه الغافل وإظهار الدليل حتى يتنبه لحقائق المعرفة، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل، وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٨٣.</ref>. «وعنى بالقليل المصطفين الأخيار» <ref>معارج القدس في مدراج معرفة النفس، أبو حامد الغزالي، ١/٥٩.</ref>. | |||
'''دور العقل في إدراك الغيبيات:''' إن أول ركن بني عليه الإسلام، صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام، وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة الفكرية، فيسهل عليه قبول كل وهم وتصديق كل ظن، وفوق ذلك ما تجلبه من الأوهام على النفوس من الوحشة وقرب الدهشة، والخوف مما لا يخيف، والفزع مما لا يفزع <ref>انظر: مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص ٤٩.</ref>. أما في الغيبيات فإن دور العقل منفي تمامًا، ولهذا لا يقبل حكم العقل على غيبيات، وجعل الشرع موطن التصديق بالغيبيات الإيمان المطلق وليس العقل، ولا غرابة في ذلك، إذ أن جميع الناس يتفقون على أن العقل حادث ومخلوق، ويتغير بتغير المعلومات التي تدخل إليه، وأيضًا يتغير بالقدرة علي الاستفادة من تلك المعلومات، ولا قدرة للمخلوق أن يحيط بالخالق سبحانه، والغيب من اختصاصات الخالق، لذا فلا يدرك الغيب أصلًا، وبعض ما يعلم عنه إنما يكون من خلال النصوص الصحيحة. | |||
وآفة الناس أنهم تركوا المساحة الواسعة التي أفردها الشرع لعقولهم ولم يسعوا إلا للكلام في المناطق التي ملأها الشرع على نحو تفصيلي، وهذا مما يطعن في سلامة نوايا هؤلاء الناس. | '''دور العقل في الأحكام الشرعية:''' والأصل أن العقل لا سلطان له في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، هذا إذا افترضنا أصلًا أن هناك تناقضًا بين أحكام الشريعة وما يتوصل إليه العقل السليم، مع أن هذا الافتراض مدفوع، فالعقل السليم ينتهي دائمًا عند مراد الشرع، حتى بالنسبة لأحكام العبادات التي قد لا ينهض العقل لإدراك الحكمة من فرضيتها، فإنه بالعقل يمكن إدراك العديد من الحكم الجليلة التي تتخفى وراء الحكم الشرعي والتي تدرك بالممارسة والتأمل. وآفة الناس أنهم تركوا المساحة الواسعة التي أفردها الشرع لعقولهم ولم يسعوا إلا للكلام في المناطق التي ملأها الشرع على نحو تفصيلي، وهذا مما يطعن في سلامة نوايا هؤلاء الناس. | ||
وليس للعقل دور في كل العلوم على سواء، فالعلوم ثلاثة أقسام: | وليس للعقل دور في كل العلوم على سواء، فالعلوم ثلاثة أقسام: | ||
#العلوم الضرورية: وهي التي لا يمكن التشكيك فيها، إذ أنها تلزم جميع العقلاء ولا تنفك عنهم، كعلم الإنسان بوجوده وأن اثنين أكثر من الواحد، وكالسماء فوقنا والأرض تحتنا إلى غير ذلك مما يسمى بقوانين العقل الضرورية. | |||
#العلوم النظرية: وهي التي تكتسب بالنظر والاستدلال، وهذا النظر لابد في تحصيله من علم ضروري يستند إليه حتى يعرف وجه الصواب فيه، ويدخل في هذا القسم كثير من العلوم كالطبيعيات والطب والصناعات، فهذه العقلُ له مجال رحب في معرفتها وإدراكها والتوسع فيها. | |||
#العلوم الغيبية: وهذه لا تعلم بواسطة العقل المجرد وحده، بل لابد للعقل إذا أراد أن يعلمها أن يكون له طريق آخر للعلم به؛ كعلمه بما يكون في البلد القاصي عنه، وعلمه بما في اليوم الآخر من بعث وحساب وجزاء، وهذا لا يعلم إلا عن طريق الخبر، ويدخل في هذا القسم كثير من مسائل الاعتقاد لا سيما التفصيلية منها، فهذه لا يستقل العقل بمعرفتها؛ بل لابد من اعتماده على الوحي، هذا الموقف الوسط بخلاف ما عليه أصحاب الفرق الضالة، فمنهم من اعتمد على العقل وأعرض عن الوحي بالكلية كالفلاسفة، أو أسقط حكم الوحي عند التعارض المفترض كما هو حال أكثر المتكلمين، ومنهم من جعل الحق والصواب فيما تشرق به نفسه وتفيض به روحه، وإن خالف هذا أحكام العقل الصريحة أو نصوص الوحي الصحيحة، كما هو حال بعض المتصوفة، والعقل كذلك له طاقة وقدرة محدودة ولا يستطيع أن يخضع كل المعارف وحقائقها لقدرته. | |||
=== التمييز بين الحق والباطل=== | |||
من فضل الله علينا أَنْ مَنَّ علينا بنعمة العقل كي نميز به بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وبين ما ينفعنا وما يضرنا فلله الحمد على هذه النعمة، ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك نذكر بعضًا منها. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٦.</ref>. «عن ابن عباس: {{نص قرآني|وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}}، يعني: بما أمركم الله به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك» <ref>جامع البيان، الطبري،٢/٢٥١.</ref>. | |||
«روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، نشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء -كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا وغيرهم- أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٢/١٩٧.</ref>. | |||
«{{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}}} متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب، أي: ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش، وهو أن ذلك حجة لهم عليكم، فالمنكر عدم التعقل ابتداء، أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون الى التنبيه عليه، فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل» <ref>روح البيان، إسماعيل حقي، ١/١٦٧.</ref>. فهم كانوا يعرفون الحق وينكرونه، من أقوال المفسرين يتبين أن بالعقل يستطيع الإنسان التمييز بين الحق والباطل. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ١٠٣.</ref>. | |||
« | «{{نص قرآني| وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ }} بتحريم ذلك ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى، {{نص قرآني|وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}} أي: الحلال من الحرام والمبيح من المحرم، أو الآمر من الناهي، ولكنهم يقلدون كبارهم، وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك، ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي،٢/١٤٦.</ref>. فهم يعرفون الحلال والحرام ويميزونه، لكن حبهم لتقليد الآباء هو الذي أعمى بصائرهم عن اتباع الحق. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية ١٦.</ref>. «وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به؛ أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٥٣.</ref>. «وقل لهم: إنني إنما جئتكم بهذا القرآن بإذن الله ومشيئته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته، ولو شاء أن لا يعلمكم به بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم لتهتدوا، وتكونوا خلائف في الأرض. فقد عشت فيكم وبينكم سنين طويلة من عمري لم أبلغكم خلالها شيئا، لأن الله لم يكن قد أوحى إلي برسالته، فلما أوحى إلي، وأمرني بأن أبلغكم أوامره فعلت، أليس لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل؟» <ref>أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١/١٣٨١.</ref>. | |||
===التدبر في آيات القرآن=== | |||
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من الآيات التي تبين لنا أن الغرض منها هو التدبر والتأمل، وذلك ليزداد الإيمان بالله وتقوى العقيدة، ونصل إلى مرتبة اليقين بالله تعالى، ولا يعترينا شك في أي شيء مما وصلنا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه من لدن حكيم خبير، قال تعالى: {{ نص قرآني |ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٢٨.</ref>. «{{نص قرآني| لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} أي: يستعملون عقولهم في تدبر الأمور، وتخصيصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها» <ref>إرشاد العقل السليم،أبو السعود، ٧/٥٩.</ref>. «{{نص قرآني| لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي،٤/٢٠٦.</ref>. «{{نص قرآني| كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} أي: ومثل هذا التفصيل البديع بضرب الأمثال الكاشفة للمعاني، المقربة لها إلى العقول، إذ تنقل المعقول إلى المحسوس التي هي به ألصق، ولإدراكه أقرب-نفصل حججنا وآياتنا لقوم يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال، واستخراج مغازيها ومراميها للوصول إلى الأغراض التي لأجلها ضربت، ولمثلها استعملت، فيستبين الرشد من الغى، والحق من الباطل، ولأمر ما كثرت الأمثال في جلاء الحقائق، وإيضاح ما أشكل منها على الناظرين» <ref>تفسير المراغي، ٢١/٤٤.</ref>. الواجب استعمال العقول في التدبر والتفكر للآيات والأمثال التي يضربها الله لنا كي ننجو من الوقوع في المحظور، والخوف كذلك لا يكون إلا منه سبحانه، فكل شيء بيده، فلم نخاف المخلوقين وهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فكيف سيقومون بنفعنا أو ضرنا؟! نسأل الله السلامة. | |||
قال تعالى: | قال تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ١٠.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل في أحكامه» <ref>إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/٥٨.</ref>. «وهذا كالحث على التدبر للقول؛ لأنهم كانوا عقلاء، لأن التدبير من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٣/٤٥٣.</ref>. | ||
« | قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية ١٦.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر، فتعلموا أنه ليس من طوق البشر، بل هو من عند الحكيم العليم الواحد القهار» <ref>البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/٤٥٨.</ref>. | ||
«فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذا أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٩.</ref>. «أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه، لتعلموا أنه ليس إلا من الله» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ١١/١٢٧.</ref>. | |||
«فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذا أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم | |||
«أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه، لتعلموا أنه ليس إلا من | |||
مما سبق نجد أننا لو تدبرنا كتاب الله وآياته المسطورة والمنظورة بعقولنا وفطرتنا السليمة، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى، واتبعنا التعاليم والمبادئ الموجودة في ديننا الحنيف، لاهتدينا بأمر الله وكنا من الفائزين في الدنيا والآخرة. | مما سبق نجد أننا لو تدبرنا كتاب الله وآياته المسطورة والمنظورة بعقولنا وفطرتنا السليمة، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى، واتبعنا التعاليم والمبادئ الموجودة في ديننا الحنيف، لاهتدينا بأمر الله وكنا من الفائزين في الدنيا والآخرة. | ||
===آثار المهلكين من الأمم السابقة=== | |||
من وسائل تربية الله تعالى للبشر، ذكره القصص لأخذ العبرة والامتثال لحكم الله سبحانه وتعالى، فذكر لنا قصص الأمم الغابرة التي حادت عن منهج الله سبحانه، فبين الله عز وجل سنته فيهم وذلك بالخسف والدمار وإنزال العذاب عليهم، وترك من آثار ديارهم المدمرة للتدبر وليكونوا عبرة لغيرهم. | من وسائل تربية الله تعالى للبشر، ذكره القصص لأخذ العبرة والامتثال لحكم الله سبحانه وتعالى، فذكر لنا قصص الأمم الغابرة التي حادت عن منهج الله سبحانه، فبين الله عز وجل سنته فيهم وذلك بالخسف والدمار وإنزال العذاب عليهم، وترك من آثار ديارهم المدمرة للتدبر وليكونوا عبرة لغيرهم. | ||
قال تعالى: | قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٠٩.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} يعني: يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنون» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٢/٥٦٠.</ref>. « فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟ » <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب، ٤/٢٠٣٥.</ref>. | ||
« | |||
« فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟ | |||
«أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن يصيبكم مثل ما | قال تعالى: {{ نص قرآني | وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ }}<ref> سورة الصافات، الآية ١٣٧-١٣٨.</ref>. والمعنى تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى الشام ورجوعكم منه نهارًا وليلًا أفلا تعقلون ما تشاهدونه في ديارهم من آثار عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتدبرين <ref>جامع البيان، الطبري، ١٣/٣٨٢.</ref>. «أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٣٨.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} يقول: أفليس لكم عقول تتدبرون بها وتتفكرون» <ref>جامع البيان، الطبري،٢١/١٠٥.</ref>. «أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» <ref>إرشاد العقل السليم،أبو السعود ٧/٢٠٥.</ref>. | ||
ويظهر من خلال ما نقل من أقوال المفسرين آنفًا أن معنى العقلان في الآيات السابقة يدور حل الاعتبار والاتعاظ بما تضمنه السنن الجارية من دروس في حياة الأفراد والأمم، فلنعتبر مما حدث في الأمم السابقة، وننظر إلى ما آلت إليه الأمم التي حادت عن المنهج السليم، الذي أرسل الله لهم به الرسل للهداية والنجاة من العقاب، وتدبرنا ذلك في أنفسنا بعقولنا وبصائرنا، ترانا ماذا كنا فاعلين؟ | ويظهر من خلال ما نقل من أقوال المفسرين آنفًا أن معنى العقلان في الآيات السابقة يدور حل الاعتبار والاتعاظ بما تضمنه السنن الجارية من دروس في حياة الأفراد والأمم، فلنعتبر مما حدث في الأمم السابقة، وننظر إلى ما آلت إليه الأمم التي حادت عن المنهج السليم، الذي أرسل الله لهم به الرسل للهداية والنجاة من العقاب، وتدبرنا ذلك في أنفسنا بعقولنا وبصائرنا، ترانا ماذا كنا فاعلين؟ فالسعيد من وعظ بغيره، نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة. | ||
فالسعيد من وعظ بغيره، نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة. | |||
===حقيقة الحياة الدنيا والحياة الآخرة=== | |||
في القرآن الكريم العديد من الآيات التي يدعونا الله عز وجل من خلالها للمقارنة بين الدنيا وشقائها، والدار الآخرة بنعيمها والفوز بالجنة، والذي يتدبر الأمر هو الذي يمتلك عقلًا واعيًا، ويحسن المقارنة فيترك متاع الدنيا القليل الزائل ويعمل من أجل النعيم الدائم في الآخرة. | في القرآن الكريم العديد من الآيات التي يدعونا الله عز وجل من خلالها للمقارنة بين الدنيا وشقائها، والدار الآخرة بنعيمها والفوز بالجنة، والذي يتدبر الأمر هو الذي يمتلك عقلًا واعيًا، ويحسن المقارنة فيترك متاع الدنيا القليل الزائل ويعمل من أجل النعيم الدائم في الآخرة. | ||
قال تعالى: | قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٣٢.</ref>. « {{ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تدركون، أي الدارين أحق بالإيثار» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٥٤.</ref>. « أفلا تعقلون إن الآخرة خير من الدنيا فيعملون لها» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٢/١٠٩.</ref>. « نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا بالحياة الدنيا، ويهملوا شأن الآخرة وهي خير للمتقين» <ref>أيسر التفاسير، الجزائري، ٢/٥٢.</ref>. في الآية السابقة نلاحظ كيف أن القرآن ينكر على الذين يعقلون كيف لا يتدبرون الآيات، ويشغلون أنفسهم بالدنيا وما فيها من مظاهر اللهو واللعب، ويتركون الإعداد للآخرة التي هي خير وأبقى لمن أخلص في طلبها واستعمل دنياه في تحصيلها. | ||
« | |||
« أفلا تعقلون إن الآخرة خير من الدنيا فيعملون | |||
« نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا بالحياة الدنيا، ويهملوا شأن الآخرة وهي خير | |||
في الآية السابقة نلاحظ كيف أن القرآن ينكر على الذين يعقلون كيف لا يتدبرون الآيات، ويشغلون أنفسهم بالدنيا وما فيها من مظاهر اللهو واللعب، ويتركون الإعداد للآخرة التي هي خير وأبقى لمن أخلص في طلبها واستعمل دنياه في تحصيلها | |||
وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل | قال تعالى: {{ نص قرآني |فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٦٩.</ref>. «{{نص قرآني| وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ }} لدوامها، وخلوص منافعها ولذاتها عن المضار والآلام، {{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي، ولا تؤثرون الأدنى الفاني، على الأعلى الباقي» <ref>محاسن التأويل، القاسمي، ٤/٣٤٤.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب» <ref>البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/٢٧٧.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} يعني: أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة خير وأبقى لأنها دار المتقين» <ref>لباب التأويل، الخازن،٢/٢٦٥.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب. وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل والرأي؟» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٧.</ref>. | ||
مما سبق نلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أن العاقل هو الذي يقارن بعقله بين الدنيا ومتاعها الزائل، والآخرة ونعيمها الباقي ويختار بعقله السليم ما هو خير له في دنياه وآخرته، و الشقي من يؤثر الدنيا ومتاعها القليل الزائل ويستبدلها بالخلود في الجنة ونعيمها المقيم، يبيع آخرته بعرض ومتاع سقط لا قيمة له، مقارنة بما كان ينتظره في الجنة لو أعد له واهتدى. نسأل الله السداد والتوفيق. | مما سبق نلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أن العاقل هو الذي يقارن بعقله بين الدنيا ومتاعها الزائل، والآخرة ونعيمها الباقي ويختار بعقله السليم ما هو خير له في دنياه وآخرته، و الشقي من يؤثر الدنيا ومتاعها القليل الزائل ويستبدلها بالخلود في الجنة ونعيمها المقيم، يبيع آخرته بعرض ومتاع سقط لا قيمة له، مقارنة بما كان ينتظره في الجنة لو أعد له واهتدى. نسأل الله السداد والتوفيق. | ||
=== الأمثال القرآنية=== | |||
ضرب المثل نوع من أنواع تقريب العلم وفهمه لعقول الناس، وهو وسيلة من الوسائل التعليمية التي نهجها القرآن منها القصص والمثل وغيرها، وذلك لتقريب الصورة للأذهان، والاستفادة من الأحكام والأوامر والنواهي والتدبر والتفكر في آيات الله، والحذر من الوقوع في المعصية، والتعرض لغضب الله والعياذ بالله. | ضرب المثل نوع من أنواع تقريب العلم وفهمه لعقول الناس، وهو وسيلة من الوسائل التعليمية التي نهجها القرآن منها القصص والمثل وغيرها، وذلك لتقريب الصورة للأذهان، والاستفادة من الأحكام والأوامر والنواهي والتدبر والتفكر في آيات الله، والحذر من الوقوع في المعصية، والتعرض لغضب الله والعياذ بالله. | ||
قال تعالى: | قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}}<ref> سورة الكهف، الآية ٥٤.</ref>. «{{ نص قرآني |وَلَقَدْ صَرَّفْنَا}} أي: بَيَّنا {{نص قرآني|فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ}} أي: ليتذكروا ويتعظوا» <ref>لباب التأويل، الخازن،٣/١٦٨.</ref>. «{{نص قرآني| مِنْ كُلِّ مَثَلٍ }} من كل خبر يحتاجون إليه مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا، أو من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول» <ref>البحر المديد، ابن عجيبة، ٣/٢٨٢.</ref>. «{{نص قرآني| مِنْ كُلِّ مَثَلٍ }} ضربناه للناس: تقريبًا لأفهامهم،» <ref>أوضح التفاسير، الخطيب، ١/٣٥٩.</ref>. | ||
« | |||
« | |||
« | |||
«يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن، وجلالته، وعمومه، وأنه صرف فيه من كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، وكل طريق يعصم من الشر والهلاك، ففيه أمثال الحلال والحرام، وجزاء الأعمال، والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب، اعتقادًا، وطمأنينة، ونورًا، وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر من الأمور» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٨٠.</ref>. | |||
«يقول عز ذكره: ولقد مثلنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، ووعظناهم فيه من كل عظة، واحتججنا عليهم فيه بكل حجة ليتذكروا فينيبوا، ويعتبروا فيتعظوا، وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله وعبادة الأوثان» <ref>جامع البيان، الطبري، ١٨/٤٨.</ref>. وهكذا نرى أن الغاية من ضرب المثل هو تقريب المعنى للأفهام، وتوضيح الصورة لأخذ العبرة، والانقياد والطاعة وزيادة الطمأنينة. | |||
قوله تعالى: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية ٢٤.</ref>. «{{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}} أي: بضرب الأمثال وتدبرها» <ref>محاسن التأويل، القاسمي، ٦/٨٦.</ref>. «{{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}} أي: أفلا تعتبرون وتتعظون؟ والغرض التفريق بين أهل الطاعة والإيمان، وأهل الجحود والعصيان» <ref>صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني،٢/٩.</ref>. «{{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}} تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم» <ref>البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/٥٢١.</ref>. «{{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}} أي: تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها» <ref>السراج المنير، الشربيني، ٢/٥٢، التفسير المظهري، ٥/٨٠.</ref>، من الآية السابقة نجد أن ضرب المثل كان للتدبر والاتعاظ. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ٣.</ref>. «{{نص قرآني| كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}} أي: مثل ذلك البيان الواضح، بين الله أمر كلٍّ من الفريقين المؤمنين والكافرين بأوضح بيانٍ وأجلى برهان؛ ليعتبر الناس ويتعظوا» <ref>صفوة التفاسير، الصابوني، ٣/١٩١.</ref>. | |||
«أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم | وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٤١.</ref>. «هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن، نضربها للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفهامهم» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٢٣٦.</ref>. «أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣١.</ref>. وهكذا نرى كيف ضرب الله تعالى المثل لتقريب الصورة وسهولة الاستيعاب، وأخذ العبرة من الأمثال. | ||
==المراجع== | ==المراجع== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | ||