الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقل عند أهل السنة»
ط
استبدال النص - 'وهم' ب'وهم'
لا ملخص تعديل |
ط (استبدال النص - 'وهم' ب'وهم') |
||
| سطر ٢٨: | سطر ٢٨: | ||
==الألفاظ ذات الصلة== | ==الألفاظ ذات الصلة== | ||
===اللب=== | ===اللب=== | ||
اللب لغةً: «لُبٌّ: لُبُّ كُلِّ شيءٍ: داخلُه، ولُبابُه أيضًا. وكذلك الخالص الخيار من كل شيءٍ»<ref>المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد،٢/٤٥١.</ref>. «واللُّبُّ: خُلاصة الشيء وقلبُه، ولُبُّ الرجل: ما جعل في قلبه من [[العقل]]. وشيءٌ لبابٌ: خالصٌ. ابن جني: هو لباب قومه، | اللب لغةً: «لُبٌّ: لُبُّ كُلِّ شيءٍ: داخلُه، ولُبابُه أيضًا. وكذلك الخالص الخيار من كل شيءٍ»<ref>المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد،٢/٤٥١.</ref>. «واللُّبُّ: خُلاصة الشيء وقلبُه، ولُبُّ الرجل: ما جعل في قلبه من [[العقل]]. وشيءٌ لبابٌ: خالصٌ. ابن جني: هو لباب قومه، وهم لباب قومهم، وهي لباب قومها، ولبيبٌ: عاقلٌ ذو لبٍّ»<ref>جمهرة اللغة، الأزدي ١/٧٦، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٠/٣٦٦، وانظر: لسان العرب، ابن منظور ١/٧٢٩.</ref>. «لبب: الألباب: [[العقول]]» <ref>تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، أبو حيان الأندلسي،١/٢٧٤.</ref>. | ||
اللُّبُّ اصطلاحًا: «وأطلق هنا على [[عقل]] [[الإنسان]]؛ لأنه أنفع شيء فيه، ولب الرجل: ما جعل في قلبه من العقل» <ref>لسان العرب، ابن منظور،١/٧٢٩.</ref>، وقيل: «هو ما زكى من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل لُبًّا»<ref>المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧٣٣.</ref>. | اللُّبُّ اصطلاحًا: «وأطلق هنا على [[عقل]] [[الإنسان]]؛ لأنه أنفع شيء فيه، ولب الرجل: ما جعل في قلبه من العقل» <ref>لسان العرب، ابن منظور،١/٧٢٩.</ref>، وقيل: «هو ما زكى من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل لُبًّا»<ref>المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧٣٣.</ref>. | ||
| سطر ٨١: | سطر ٨١: | ||
وقد خص أصحاب [[العقول]] الصافية، والقلوب النيرة أولي الألباب، وأصحاب [[الفطرة]] السليمة بهذا [[التفكر]] والتدبر، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٩٠.</ref>. | وقد خص أصحاب [[العقول]] الصافية، والقلوب النيرة أولي الألباب، وأصحاب [[الفطرة]] السليمة بهذا [[التفكر]] والتدبر، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٩٠.</ref>. | ||
«وخَصَّ اللهُ بالآيات أولي الألباب، | «وخَصَّ اللهُ بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٦١.</ref>. | ||
والواجب علينا أن نقوم بالمحافظة عليه؛ كي يبقى سليمًا بعيدًا عن [[الشبهات]] التي تتسبب في نقص [[الإيمان]] أو انعدامه كلية، كذلك الابتعاد عن تعاطي كل ما يخامر العقل ويؤدي بالإنسان إلى ارتكاب حماقات أو جرائم هو والمجتمع في [[غنى]] عنها، عدا ذلك الأضرار الصحية وما ينجم عنها من خسائر وأضرار مادية ومعنوية تعود على الشخص وعائلته وكذلك [[المجتمع]]. | والواجب علينا أن نقوم بالمحافظة عليه؛ كي يبقى سليمًا بعيدًا عن [[الشبهات]] التي تتسبب في نقص [[الإيمان]] أو انعدامه كلية، كذلك الابتعاد عن تعاطي كل ما يخامر العقل ويؤدي بالإنسان إلى ارتكاب حماقات أو جرائم هو والمجتمع في [[غنى]] عنها، عدا ذلك الأضرار الصحية وما ينجم عنها من خسائر وأضرار مادية ومعنوية تعود على الشخص وعائلته وكذلك [[المجتمع]]. | ||
| سطر ١٧٣: | سطر ١٧٣: | ||
فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه [[العقل]]، وتارة بتنبيه [[الغافل]] وإظهار [[الدليل]] حتى يتنبه لحقائق [[المعرفة]]، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال [[المعاد]]، فالشرع [[نظام]] [[الاعتقادات]] الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح [[الدنيا]] والآخرة، ومن [[عدل]] عنه فقد ضل سواء السبيل، وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٨٣.</ref>. «وعنى بالقليل المصطفين الأخيار» <ref>معارج القدس في مدراج معرفة النفس، أبو حامد الغزالي، ١/٥٩.</ref>. | فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه [[العقل]]، وتارة بتنبيه [[الغافل]] وإظهار [[الدليل]] حتى يتنبه لحقائق [[المعرفة]]، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال [[المعاد]]، فالشرع [[نظام]] [[الاعتقادات]] الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح [[الدنيا]] والآخرة، ومن [[عدل]] عنه فقد ضل سواء السبيل، وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٨٣.</ref>. «وعنى بالقليل المصطفين الأخيار» <ref>معارج القدس في مدراج معرفة النفس، أبو حامد الغزالي، ١/٥٩.</ref>. | ||
'''دور العقل في [[إدراك]] الغيبيات:''' إن أول ركن بني عليه [[الإسلام]]، صقل [[العقول]] بصقال [[التوحيد]]، وتطهيرها من لوث الأوهام، وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة [[الفكرية]]، فيسهل عليه قبول كل | '''دور العقل في [[إدراك]] الغيبيات:''' إن أول ركن بني عليه [[الإسلام]]، صقل [[العقول]] بصقال [[التوحيد]]، وتطهيرها من لوث الأوهام، وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة [[الفكرية]]، فيسهل عليه قبول كل وهم وتصديق كل [[ظن]]، وفوق ذلك ما تجلبه من الأوهام على النفوس من الوحشة وقرب الدهشة، والخوف مما لا يخيف، والفزع مما لا يفزع <ref>انظر: مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص ٤٩.</ref>. أما في الغيبيات فإن دور العقل منفي تمامًا، ولهذا لا يقبل [[حكم العقل]] على غيبيات، وجعل [[الشرع]] موطن [[التصديق]] بالغيبيات [[الإيمان]] [[المطلق]] وليس العقل، ولا غرابة في ذلك، إذ أن جميع [[الناس]] يتفقون على أن العقل [[حادث]] ومخلوق، ويتغير بتغير المعلومات التي تدخل إليه، وأيضًا يتغير بالقدرة علي الاستفادة من تلك المعلومات، ولا [[قدرة]] للمخلوق أن يحيط بالخالق سبحانه، والغيب من اختصاصات [[الخالق]]، لذا فلا يدرك الغيب أصلًا، وبعض ما يعلم عنه إنما يكون من خلال النصوص الصحيحة. | ||
'''دور العقل في [[الأحكام]] الشرعية:''' والأصل أن العقل لا [[سلطان]] له في [[تغيير]] الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، هذا إذا افترضنا أصلًا أن هناك تناقضًا بين [[أحكام]] [[الشريعة]] وما يتوصل إليه [[العقل]] السليم، مع أن هذا الافتراض مدفوع، فالعقل السليم ينتهي دائمًا عند مراد [[الشرع]]، حتى بالنسبة لأحكام العبادات التي قد لا ينهض العقل لإدراك [[الحكمة]] من فرضيتها، فإنه بالعقل يمكن [[إدراك]] العديد من [[الحكم]] الجليلة التي تتخفى وراء [[الحكم الشرعي]] والتي تدرك بالممارسة والتأمل. وآفة [[الناس]] أنهم تركوا المساحة الواسعة التي أفردها الشرع لعقولهم ولم يسعوا إلا للكلام في المناطق التي ملأها الشرع على نحو تفصيلي، وهذا مما يطعن في سلامة نوايا هؤلاء الناس. | '''دور العقل في [[الأحكام]] الشرعية:''' والأصل أن العقل لا [[سلطان]] له في [[تغيير]] الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، هذا إذا افترضنا أصلًا أن هناك تناقضًا بين [[أحكام]] [[الشريعة]] وما يتوصل إليه [[العقل]] السليم، مع أن هذا الافتراض مدفوع، فالعقل السليم ينتهي دائمًا عند مراد [[الشرع]]، حتى بالنسبة لأحكام العبادات التي قد لا ينهض العقل لإدراك [[الحكمة]] من فرضيتها، فإنه بالعقل يمكن [[إدراك]] العديد من [[الحكم]] الجليلة التي تتخفى وراء [[الحكم الشرعي]] والتي تدرك بالممارسة والتأمل. وآفة [[الناس]] أنهم تركوا المساحة الواسعة التي أفردها الشرع لعقولهم ولم يسعوا إلا للكلام في المناطق التي ملأها الشرع على نحو تفصيلي، وهذا مما يطعن في سلامة نوايا هؤلاء الناس. | ||
| سطر ١٩٤: | سطر ١٩٤: | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية ١٦.</ref>. «وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني [[الله]] عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به؛ أفليس لكم [[عقول]] تعرفون بها الحق من [[الباطل]]» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٥٣.</ref>. «وقل لهم: إنني إنما جئتكم بهذا [[القرآن]] بإذن الله ومشيئته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته، ولو شاء أن لا يعلمكم به بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا [[العلم]] لتهتدوا، وتكونوا خلائف في [[الأرض]]. فقد عشت فيكم وبينكم سنين طويلة من عمري لم أبلغكم خلالها شيئا، لأن الله لم يكن قد أوحى إلي برسالته، فلما أوحى إلي، وأمرني بأن أبلغكم أوامره فعلت، أليس لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل؟» <ref>أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١/١٣٨١.</ref>. | قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية ١٦.</ref>. «وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني [[الله]] عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به؛ أفليس لكم [[عقول]] تعرفون بها الحق من [[الباطل]]» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٥٣.</ref>. «وقل لهم: إنني إنما جئتكم بهذا [[القرآن]] بإذن الله ومشيئته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته، ولو شاء أن لا يعلمكم به بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا [[العلم]] لتهتدوا، وتكونوا خلائف في [[الأرض]]. فقد عشت فيكم وبينكم سنين طويلة من عمري لم أبلغكم خلالها شيئا، لأن الله لم يكن قد أوحى إلي برسالته، فلما أوحى إلي، وأمرني بأن أبلغكم أوامره فعلت، أليس لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل؟» <ref>أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١/١٣٨١.</ref>. | ||
===[[التدبر]] في [[آيات القرآن]]=== | ===[[التدبر]] في [[آيات القرآن]]=== | ||
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من [[الآيات]] التي تبين لنا أن [[الغرض]] منها هو التدبر والتأمل، وذلك ليزداد [[الإيمان بالله]] وتقوى [[العقيدة]]، ونصل إلى مرتبة [[اليقين]] بالله تعالى، ولا يعترينا شك في أي شيء مما وصلنا على لسان نبينا محمد {{صل}}، وأنه من لدن [[حكيم]] خبير، قال تعالى: {{ نص قرآني |ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٢٨.</ref>. «{{نص قرآني| لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} أي: يستعملون عقولهم في [[تدبر]] الأمور، وتخصيصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها» <ref>إرشاد العقل السليم،أبو السعود، ٧/٥٩.</ref>. «{{نص قرآني| لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} يستعملون عقولهم في [[تدبر]] الأمثال» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي،٤/٢٠٦.</ref>. «{{نص قرآني| كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} أي: ومثل هذا التفصيل [[البديع]] بضرب الأمثال الكاشفة للمعاني، المقربة لها إلى [[العقول]]، إذ تنقل [[المعقول]] إلى المحسوس التي هي به ألصق، ولإدراكه أقرب-نفصل حججنا وآياتنا لقوم يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال، واستخراج مغازيها ومراميها للوصول إلى الأغراض التي لأجلها ضربت، ولمثلها استعملت، فيستبين الرشد من الغى، والحق من [[الباطل]]، ولأمر ما كثرت الأمثال في جلاء [[الحقائق]]، وإيضاح ما أشكل منها على الناظرين» <ref>تفسير المراغي، ٢١/٤٤.</ref>. الواجب استعمال العقول في [[التدبر]] والتفكر للآيات والأمثال التي يضربها [[الله]] لنا كي ننجو من الوقوع في [[المحظور]]، والخوف كذلك لا يكون إلا منه سبحانه، فكل شيء بيده، فلم نخاف المخلوقين | ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من [[الآيات]] التي تبين لنا أن [[الغرض]] منها هو التدبر والتأمل، وذلك ليزداد [[الإيمان بالله]] وتقوى [[العقيدة]]، ونصل إلى مرتبة [[اليقين]] بالله تعالى، ولا يعترينا شك في أي شيء مما وصلنا على لسان نبينا محمد {{صل}}، وأنه من لدن [[حكيم]] خبير، قال تعالى: {{ نص قرآني |ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٢٨.</ref>. «{{نص قرآني| لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} أي: يستعملون عقولهم في [[تدبر]] الأمور، وتخصيصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها» <ref>إرشاد العقل السليم،أبو السعود، ٧/٥٩.</ref>. «{{نص قرآني| لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} يستعملون عقولهم في [[تدبر]] الأمثال» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي،٤/٢٠٦.</ref>. «{{نص قرآني| كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} أي: ومثل هذا التفصيل [[البديع]] بضرب الأمثال الكاشفة للمعاني، المقربة لها إلى [[العقول]]، إذ تنقل [[المعقول]] إلى المحسوس التي هي به ألصق، ولإدراكه أقرب-نفصل حججنا وآياتنا لقوم يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال، واستخراج مغازيها ومراميها للوصول إلى الأغراض التي لأجلها ضربت، ولمثلها استعملت، فيستبين الرشد من الغى، والحق من [[الباطل]]، ولأمر ما كثرت الأمثال في جلاء [[الحقائق]]، وإيضاح ما أشكل منها على الناظرين» <ref>تفسير المراغي، ٢١/٤٤.</ref>. الواجب استعمال العقول في [[التدبر]] والتفكر للآيات والأمثال التي يضربها [[الله]] لنا كي ننجو من الوقوع في [[المحظور]]، والخوف كذلك لا يكون إلا منه سبحانه، فكل شيء بيده، فلم نخاف المخلوقين وهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فكيف سيقومون بنفعنا أو ضرنا؟! نسأل الله السلامة. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ١٠.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل في أحكامه» <ref>إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/٥٨.</ref>. «وهذا كالحث على التدبر للقول؛ لأنهم كانوا عقلاء، لأن [[التدبير]] من لوازم [[العقل]]، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٣/٤٥٣.</ref>. | قال تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ١٠.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل في أحكامه» <ref>إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/٥٨.</ref>. «وهذا كالحث على التدبر للقول؛ لأنهم كانوا عقلاء، لأن [[التدبير]] من لوازم [[العقل]]، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٣/٤٥٣.</ref>. | ||
| سطر ٢٩٨: | سطر ٢٩٨: | ||
«قال سبحانه عن أهل النار: {{ نص قرآني |وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}}<ref> سورة الملك، الآية ١٠.</ref>. فقد كانت لديهم [[عقول]] وأسماع لزمتهم بها [[الحجة]] عند [[الله تعالى]]» <ref>مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص ٧٦.</ref>. | «قال سبحانه عن أهل النار: {{ نص قرآني |وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}}<ref> سورة الملك، الآية ١٠.</ref>. فقد كانت لديهم [[عقول]] وأسماع لزمتهم بها [[الحجة]] عند [[الله تعالى]]» <ref>مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص ٧٦.</ref>. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}}<ref> سورة لقمان، الآية ٢١.</ref>. « بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية [[القبح]]، فإن [[النبي]] {{صل}} كان يدعوهم إلى [[كلام الله]]، | قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}}<ref> سورة لقمان، الآية ٢١.</ref>. « بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية [[القبح]]، فإن [[النبي]] {{صل}} كان يدعوهم إلى [[كلام الله]]، وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله وكلام [[العلماء]] بون عظيم، فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهال؟!» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٥/٤٥٥.</ref>. «{{نص قرآني| قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}} أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في [[توحيد]] الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا [[اتباع]] الآباء الأقدمين فيما اعتقدوه من [[دين]]. وهذا في غاية القبح، فإن النبي {{صل}} يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم. وهذا منع صريح من [[التقليد]] في [[أصول العقيدة]]، لذا وبخهم [[الله]] على سوء مقالتهم» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٢١/١٦٠.</ref>. | ||
«فهذا هو سندهم الوحيد، وهذا هو دليلهم العجيب! التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير. التقليد الذي يريد [[الإسلام]] أن يحررهم منه، وأن يطلق عقولهم لتتدبر ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور، فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي [[المنحرف]]، ويتمسكوا بالأغلال والقيود. إن الإسلام حرية في الضمير، وحركة في [[الشعور]]، وتَطَلُّعٌ إلى [[النور]]، ومنهج جديد للحياة، طليق من إسار التقليد والجمود. ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من [[الناس]]، ويدفعون عن أرواحهم هداه، ويجادلون في الله بغير علم ولا [[هدى]] ولا كتاب منير» <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/٢٧٩٣.</ref>. وإذا دعوا إلى [[اتباع]] [[وحي]] الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير [[حجة]] فسلكوا طريق الآباء، فكان القائل منهم يقول: هم يتبعون [[دين]] آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير <ref>انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/٣٥٣.</ref>. | «فهذا هو سندهم الوحيد، وهذا هو دليلهم العجيب! التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير. التقليد الذي يريد [[الإسلام]] أن يحررهم منه، وأن يطلق عقولهم لتتدبر ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور، فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي [[المنحرف]]، ويتمسكوا بالأغلال والقيود. إن الإسلام حرية في الضمير، وحركة في [[الشعور]]، وتَطَلُّعٌ إلى [[النور]]، ومنهج جديد للحياة، طليق من إسار التقليد والجمود. ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من [[الناس]]، ويدفعون عن أرواحهم هداه، ويجادلون في الله بغير علم ولا [[هدى]] ولا كتاب منير» <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/٢٧٩٣.</ref>. وإذا دعوا إلى [[اتباع]] [[وحي]] الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير [[حجة]] فسلكوا طريق الآباء، فكان القائل منهم يقول: هم يتبعون [[دين]] آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير <ref>انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/٣٥٣.</ref>. | ||
| سطر ٣٨٢: | سطر ٣٨٢: | ||
#أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق» <ref>النكت والعيون، الماوردي، ١/١٤٨.</ref>. | #أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق» <ref>النكت والعيون، الماوردي، ١/١٤٨.</ref>. | ||
«ومعنى الآية الكريمة: أفتطمعون- أيها المؤمنون- بعد أن وصفت لكم من حال اليهود ما وصفت من [[جحود]] ونكران، أن يدخلوا في [[الإسلام]]. والحال أنه كان فريق من علمائهم وأحبارهم يسمعون [[كلام الله]] ثم يميلونه عن وجهه الصحيح من بعد ما فهموه، | «ومعنى الآية الكريمة: أفتطمعون- أيها المؤمنون- بعد أن وصفت لكم من حال اليهود ما وصفت من [[جحود]] ونكران، أن يدخلوا في [[الإسلام]]. والحال أنه كان فريق من علمائهم وأحبارهم يسمعون [[كلام الله]] ثم يميلونه عن وجهه الصحيح من بعد ما فهموه، وهم يعلمون أنهم كاذبون بهذا التحريف على [[الله تعالى]]، أو يعلمون ما يستحقه محرفه من الخزي والعذاب الأليم» <ref>التفسير الوسيط، طنطاوي، ١/١٧٩.</ref>. | ||
«والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة، فجعلوا حلاله حرامًا أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم، كتحريفهم صفة [[رسول الله]] {{صل}} وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى فزادوا فيه ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على [[الكفر]] وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال: أي ولهم سلف حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم [[متبعون]] سبيلهم» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ١/١٢٠.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]</ref> | «والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة، فجعلوا حلاله حرامًا أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم، كتحريفهم صفة [[رسول الله]] {{صل}} وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى فزادوا فيه ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على [[الكفر]] وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال: أي ولهم سلف حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم [[متبعون]] سبيلهم» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ١/١٢٠.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]</ref> | ||