سرية ابن رواحة إلى خيبر
تمهيد
روى الواقدي بسنده عن ابن عباس قال: لما قُتل ابو رافع (سلام بن ابي الحقيق، زعيم اليهود في خيبر[١]) أمّروا عليهم اسير بن زارم. وكان شجاعاً، فقام فيهم فقال: إنه والله ما سار محمد إلى أحد من اليهود الا بعث احداً من أصحابه فأصاب منهم ما أراد، ولكني اصنع ما لا يصنع اصحابي. قالوا: وما عسيت ان تصنع ما لم يصنع أصحابك؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم، ثم نسير إلى محمد في عقر داره، فانه لم يغز أحد في داره الا ادرك منه عدوّه بعض ما يريد. قالوا: نعم ما رأيت. فسار في غطفان فجمعهم.
وقدم خارجة بن حسيل الأشجعي على رسول الله فاستخبره عمّا وراءه فقال: تركت اسير بن زارم يسير إليك في كتائب اليهود.
فروى عن عروة بن الزبير: أن النبي بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان إلى خيبر ليخبر عن حال اهلها وما يتكلمون به وما يريدون. فلما وصل إلى خيبر فرّق أصحابه الثلاثة في ثلاثة من آطام خيبر: الشق، والكتيبة، والنطاة، فأقاموا فيها ثلاثة أيام حتى وعوا ما سمعوه عن اسير وغيره، ثم خرجوا بعد ثلاثة أيام فرجعوا إلى النبي(ص) لليالي بقين من شهر رمضان، فأخبروه بما رأوا وسمعوا.
وعن ابن عباس قال: فندب رسول الله الناس فانتدب له ثلاثون رجلاً. فاستعمل عليهم عبد الله بن رواحة.
وقال عبد الله بن انيس: جئت فوجدت أصحابي يوجهون إلى اسير بن زارم، وسمعت النبي يقول: لا أرى اسير بن زارم. يعني ان اقتلوه وكنت فيهم، فخرجنا حتى قدمنا خيبر، فأرسلنا إلى اسير: إنا آمنون حتى نأتيك فنعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي مثل ذلك منكم؟ قلنا: نعم.
فدخلنا عليه فقلنا: انّ رسول الله بعثنا إليك أن تخرج إليه فيستعملك على خيبر، ويحسن إليك. فشاور اليهود في ذلك فقالوا له: ما كان محمد يستعمل رجلاً من بني إسرائيل! قال: بلى، وقد مللنا الحرب.
فخرج ومعه ثلاثون رجلاً من اليهود. فسرنا حتى اذا كنّا بقرقرة ثبار[٢] فأهوى بيده إلى سيفي! ففطنت له فدفعت بعيري وقلت: أغدرا أي عدو الله؟ ثم دنوت منه مرة اخرى وتناومت لانظر ما يصنع؟ فتناول سيفي! فغمزت بعيري ونزلت عنه وسقت القوم حتى انفرد اسير فضربته بالسيف فقطعت فخذه وسقط عن بعيره، ثم ملنا على أصحابه فقتلناهم الا واحدا منهم اعجزنا هربا، ورجعنا إلى رسول الله فاذا هو جالس في اصحابه مشرفين على الثنية (ثنية الوداع إلى جهة الشام) فانتهينا إليه وحدثناه الخبر فقال: نجّاكم الله من القوم الظالمين[٣].[٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مرّ خبره في حوادث ما بعد الخندق وبني قريظة، كما ذكره ابن إسحاق ٣: ٢٨٦-٢٨٨ وذكره الواقدي ١: ٣٩١ على رأس ستة واربعين شهرا، وقال: ٣٩٥، ويقال: كانت السرية في شهر رمضان سنة ست.
- ↑ موضع على ستة اميال من خيبر - وفاء الوفاء ٢: ٢٧٣. وروى السمهودي الخبر عن موسى ابن عقبة، وفاء الوفاء ٢: ٣٦١.
- ↑ المغازي ٢: ٥٦٦-٥٦٨. وذكر ابن إسحاق مختصره في السيرة ٤: ٢٦٦ والطبرسي في اعلام الورى ١: ٢١١ بعد خيبر، بلا تأريخ. ويصلح هذا ان يكون الباعث على حرب خيبر بفاصل أربعة أشهر وعشرا تقريبا. وسيأتي في أخبار خيبر البحث في ثنية الوداع هل كانت قبل خيبر أم لا؟ وهذه هي ثنية الوداع الشمالية، وكانت معلماً بارزاً للعيان حتى اُزيلت لتوسعة ميدان ملتقى طريقي سلطانة وسيدالشهداء (ع) كما جاء في كتاب: المساجد والاماكن الاثرية المجهولة في المدينة لعبدالرحمن خويلد الحجازي، وعنه في مجلة ميقات الحج ٦: ٢٦٩.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٩٤.