صدق الله في علم الكلام
تمهيد
يرد على الذهن سؤال: أنه هل الله صادق في كلامه أو يحتمل عليه الكذب؟
يتفق المسلمون في الجواب عن هذا السؤال بأنه لا يشوب كلامه الكذب أو الخلاف؛ وبعبارة أخرى: يمتنع الكذب على الله تعالى. حيث تعتقد كل الفِرق الإسلامية بصدقه تعالى بمعنى مطابقة الكلام للواقع وهذه صفة من أوصاف الله الثبوتية. وبالتأمل في صفة الصدق ولوازمها تتضح عظم أهمية هذا البحث، فهذه الصفة تُعدّ المبنى الأساس لاعتماد البشر على دعوى الأنبياء؛ لأنه لو احتمل الكذب في كلام الله، فلا يمكن إثبات حقانية الوحي ولا يُمكن الاعتماد على الوعد الإلهي الذي أتى به الوحي من تاريخ البشر القديم وحتى الآتي؛ بعبارة جامعة: إن الشك في صفة الصدق أو إنكارها يؤدي إلى إسقاط اعتبار كل المعارف والحقائق التي تحصل عليها بواسطة الوحي الإلهي والكتب السماوية.[١]
هل الصدق صفة ذاتية أم فعلية؟
الجواب يتعلق بتعريفنا لصفة الكلام ونرى أنّ هاتين الصفتين تتناظران في الذاتية أو الفعلية، فعلى رأي الأشاعرة القائلون بالكلام النفسي وأنه من الأوصاف الذاتية، من الطبيعي أن تكون صفة الصدق ذاتية كذلك، ولا يوجد تصور واضح للكلام النفسي بنحو لا يرجعه إلى العلم والإرادة، فإذا رجعت صفة الكلام عند الأشاعرة إلى العلم الإلهي فيصبح معنى الصدق هو تطابق العلم الإلهي مع الواقع الخارجي (المعلوم)، وإذا أرجعناها إلى الإرادة فلا يكون لصفة الصدق معنى؛ لأنه لا يوجد معنى معقول لدينا لصدق الإرادة. أما إذا اعتقدنا أن الكلام الإلهي من الصفات الفعلية، فإن الصدق كذلك ستصبح صفة فعلية واتضح من ابحث السابق أن الكلام صفة فعلية فالصدق كذلك.[٢]
استدلال المتكلمين على صدق الله
مما لا شك فيه أنه لإثبات صفة الصدق، لا يُمكن التمسك بالأدلة النقلية وإلا يأتي الدور؛ لأن اعتبار الدليل النقلي (الآيات والروايات) يعتمد على صدق الله، فإثبات صدقه تعالى بالتمسك بالدليل النقلي يستلزم الدور فلا اعتبار له، ويبقى الدليل العقلي هو الطريق الوحيد. اختلف المتكلمون في طريقة الاستدلال وذلك لاختلافهم في بحث الحسن والقبح العقليين، فيرى أتباعه أن عقل الإنسان مستقلاً – بدون الحاجة إلى الوحي والشريعة - يُمكنه إدراك حسن وقبح جملة من الأفعال ومن المُحال أن يفعل الله أفعالاً يرى العقل قبحها، ومتكلمي الإمامية والمعتزلة يدافعون عن الحسن والقبح العقليين في قبال الأشاعرة المخالفون لهم. ويقرّر القائلون بأصل الحسن والقبح العقليين الاستدلال على صدق الله بقولهم:
الكذب قبيح عقلاً (المقدمة الأولى)،
ومُحال على الله أن يفعل القبيح (المقدمة الثانية)،
فالكذب مُحال على الله (النتيجة): بالتوجه إلى تقابل الصدق والكذب، نتيجة هذا الاستدلال هو أن الله صادق في كلامه، ويتمسك المحقق الطوسي بهذا الدليل ويقول: (وانتفاء القبح عنه تعالى يدل على صدقه)[٣].
من البديهي أنّ الأشاعرة لا ترى اعتبار هذا الاستدلال، لأنهم لا يؤمنون بالحسن والقبح العقليين لذلك حاول بعضهم أن يطرح أدلة أخرى لا تعتمد على الحسن والقبح العقليين، فقال مثلاً: إن الكذب نقص وكل نقص مُحال على الله، إذن: الكذب مُحال على الله[٤].[٥]
الصدق الإلهي في القرآن الكريم
يؤكد القرآن الكريم في آيات عديدة على صدق الله ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾[٦] ويُعرّف الكلام الإلهي في آيات أخرى أنه أصدق الكلام: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾[٧]، ﴿مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾[٨]. قد يُقصد من أن كلام الله أصدق بالقياس إلى الصادقين غيره، حيث إنه يُبيّن الحقائق بشكل أكثر جامعية وبالأبعاد المختلفة للواقعية. بعض الآيات تؤكد أيضاً على هذه المسألة أن الله صادق في وعده، مثلاً: جاء في مورد تحقق الوعد الإلهي في نصرة المسلمين في معركة أحد ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾[٩] وعن الصدق المطلق لكل الوعود الإلهية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾[١٠].[١١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٧٩.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٧٩-٢٨٠.
- ↑ كشف المراد، ص۳۱۵.
- ↑ العلامة الحلي، مناهج اليقين، ذكر دليل آخر بالإضافة إلى هذه الأدلة الثلاثة، ورد أدلة الأشاعرة الأربعة. يُمكن الرجوع إلى: مناهج اليقين، ص۱۹۵ و۱۹۶.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٨٠.
- ↑ سورة الحجر: ۶۴.
- ↑ سورة النساء: ۸۷.
- ↑ سورة النساء: ۱۲۲.
- ↑ سورة آل عمران: ۱۵۲.
- ↑ سورة آل عمران: ۹.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٨١.