غزوة ذي العشيرة

(بالتحويل من غزوة العشيرة)

تمهيد

قال الواقدي: وجاءه الخبر بفصول العير من مكة تريد الشام، قد جمعت قريش لها أموالها فهي في تلك العير، فندب أصحابه فخرج في مائة وخمسين أو مائتين، يعترض لعير قريش، على رأس ستة عشر شهراً، فسلك على نقب بني دينار إلى بيوت السقيا (الى جهة الجحفة)[١].

وقال ابن إسحاق: فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها فهناك مسجده. وصنع له عندها طعام.. واستقي له من ماء يقال له المشترب.

ثم ارتحل رسول الله فترك (أرض) الخلائق على يساره وسلك شعبة عبد الله، ثم مال إلى يساره حتى هبط يليل فنزل بمجتمعه، واستقى من بئر بالضّبوعة.

ثم سلك الفرش حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع. فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة. ولم يلق قتالاً. ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة[٢] (فهو ثالث العهود).[٣]

عليّ أبو تراب

ثم روى بسنده عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا و علي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فلما نزلها رسول الله وأقام بها، رأينا اناساً من بني مدلج يعملون في عين لهم وفي نخل. فقال لي عليّ بن أبي طالب: يا أبا اليقظان، هل لك في أن نأتي هؤلاء، فننظر كيف يعملون؟ قلت: إن شئت.

فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعليّ حتى اضطجعنا بين صغار النخيل، في التراب اللين فنمنا. فما أيقظنا الا رسول الله يحركنا برجله وقد تترّبنا من ذلك التراب اللين الذي نمنا فيه، وقال لعليّ: ما لك يا أبا تراب؟ لما رأى عليه من التراب.

ثم قال لنا: ألا احدكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: احيمر ثمود الذي عقر الناقة. والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع يده على مقدّم رأسه - حتى يبلّ منها هذه. وأشار إلى لحيته[٤].

ثم رجع إلى المدينة.. فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان[٥].[٦]

المراجع والمصادر

  1.   محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج٢

الهوامش

  1. مغازي الواقدي ١: ١٢.
  2. وهذا غير ما مرّ من خبر الواقدي: أنه وادع بني ضمرة من كنانة، فانهم في بواط غير متحالفين مع بني مدلج، وهؤلاء منهم متحالفون مع بني مدلج في ذي العشيرة من ينبع.
  3. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ١٠٤.
  4. سيرة ابن هشام ٢: ٢٤٩، ٢٥٠ ثم روى عن بعض أهل العلم!: أن رسول الله انما سمّى عليا أبا تراب لأنه كان اذا عتب على فاطمة في شيء.. أخذ ترابا فوضعه على رأسه. فرآه رسول الله وعلى رأسه التراب فقال له: مالك يا أبا تراب؟ (بالمعنى). ونقل محقق السيرة عن السهيلي في «الروض الانف» قال: وأصحّ من ذلك ما رواه البخاري في جامعه، وهو أنه كان قد خرج إلى المسجد مغاضبا لفاطمة، فوجده رسول الله نائما وقد ترب جنبه، فجعل يمسح التراب عن جنبه ويقول: قم يا أبا تراب. ونقول: بل الأصح من هذه الثلاث هو ما رواه ابن إسحاق أولا مسندا عن يزيد ابن محمد عن أبيه محمد بن خيثم المحاربي عن عمار بن ياسر. أما ما رواه ثانيا مرفوعا عن بعض - أهل العلم، فهو يلتقي وخبر البخاري في اتهام الإمام بالعتب والغضب على فاطمة وهي عليه! وكأنّما أراد البخاري وأصحابه أن يعالجوا ما قاله هو بشأن الزهراء والشيخين: ماتت فاطمة وهي غضبى عليهما. فكأنهم أرادوا أن يقولوا: لو أنها غضبت عليهما فلقد غضبت على علي كذلك من قبل! فتأمّل ولا تقبل. على أنّ هذا الخبر الأخير رواه الطبري في تاريخه خلوا من «مغاضبا لفاطمة» بسنده عن أبي حازم قال: قيل لسهل بن سعد (الساعدي): إن بعض امراء المدينة يريد أن يبعث إليك تسبّ عليا على المنبر! قال: أقول ما ذا؟ قال: تقول: أبا تراب. قال: والله ما سمّاه بذلك الا رسول الله(ص). قال (أبو حازم): قلت: وكيف ذلك يا أبا العباس؟ قال: دخل علي على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في فيء المسجد. ثم دخل رسول الله على فاطمة فقال لها: أين ابن عمّك؟ فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد فجاءه رسول الله فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره وخلص التراب إليه فجعل يمسح التراب عنه ويقول: اجلس أبا تراب. ثم قال سهل: فو الله ما سماه به الا رسول الله، وو الله ما كان اسم أحبّ إليه منه (الطبري ٢: ٤٠٩) فمن أين جاءت الزيادة في رواية البخاري: «مغاضبا لفاطمة» اللهم الّا من حيث ذكرناه. ثم لا ننسى أنه(ع) لم يكن قد دخل بفاطمة(س) بعد.
  5. البداية والنهاية ٣: ٢٤٨.
  6. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ١٠٥.