نقاش:أبو ساسان الحضين بن المنذر الرقاشي

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

الحضين الرقاشي الفتى الشاب الجندي الباسل

نصر بسنده عن الحُضَين بن المنذر [الرقاشي] قال: إن ناساً كانوا أتوا علياً قبل الوقعة في هذا اليوم في صفين فقال: إنا لا نرى خالد بن المعمّر السدوسي إلا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعه، فبعث علي عليه السلام إلى رجالٍ من أشرافهم، فحمد الله ربِّه تبارك وتعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر ربيعة، فأنتم أنصاري، ومجيبوا دعوتي، ومن أوثق حي في العرب في نفسي، ولقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد ابن المعمر، وقد أتيت به، وقد جمعتكم له لاشهدكم عليه وتسمعوا أيضاً مني ومنه.

ثم أقبل عليه فقال: «يا خالد بن المعمّر، إن كان ما بلغني عنك حقاً، فإني أشهد الله ومن حضرني من المسلمين أنك آمن حتى تلحق بالعراق أو بالحجاز، أو أرضٍ لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنت مكذوباً عليك فابر صدورنا بايمانٍ نطمئن اليها». فحلف له بالله ما فعل، وقال رجال منا كثير: والله لو نعلم أنه فعل لقتلناه.

وقال شقيق بن ثور السدوسي: ما وفق الله خالد بن المعمر حين نصر معاوية وأهل الشام على علي وربيعة. فقال له زياد بن خصفة: يا أمير المؤمنين، استوثق من ابن المعمر بالايمان لا يغدر، فاستوثق منه.

قال الحضين بن المنذر: ثم انصرفنا فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من الميمنة، فجاءنا علي حتى انتهى الينا ومعه بنوه، فنادى بصوتٍ عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس، وقال: لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة.

قال: بل هي رايات الله، عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم، ثم قال لي [وأنا حامل راية ربيعة يومئذ]: يا فتى، ألا تُدني رايتك هذه ذراعاً؟ فقلت له: نعم والله، وعشرة أذرع، ثم ملتُ بها [هكذا] فأدنيتُها، فقال لي: حسبك، مكانك[١]. وقال عليه السلام في مديح الحضين الرقاشي الضابط المحنك وقد أعجبه ثباته وشبابه الغض:

قالب:الشعر قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:ب قالب:انتهی الشعر



[٢]

 وقد عقب ابن أبي الحديد على هذه الأبيات بقوله: «قلت: هكذا روى نصر بن مزاحم. وسائر الرواة رووا له عليه السلام الأبيات السنة الأولى، ورووا باقي الأبيات من قوله: وقد صبرت عك، للحضين بن المنذر صاحب الراية»[٣].

و قال الحضين في ثبات قومه ويثير مشاعر الفرقاء في الجيش:

رأت مضر صارت ربيعة دونهم                                                              شعار أمير المؤمنين وذا فضل
فأبدوا الينا ما تجن صدورهم                                                            علينا من البغضا وذاك له أصل

فقلت لهم لما رأيت رجالهم بدت بهم كأن بهم ثقل

إليكم أهيبوا لا أبا لأبيكم                                            فإن لكم شكلاً وإن لنا شكل
ونحن أناس خصنا الله بالتي                                   رآنا لها أهلاً وأنتم لها أهل
فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا                                       ولن تلحقونا الدهر ما حنت الإبل
فغضبوا من شعر حضين، فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وعمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي، ووجوه بني تميم، وقبيصة بن جابر الأسدي في وجوه بني أسد، وعبد الله بن الطفيل العامري في وجوه هوازن، فأتوا علياً عليه السلام، فتكلّم أبو الطفيل فقال: يا أمير المؤمنين، إنا والله ما نحسد قوماً خصهم الله منك بخير إن أحمدوه وشكروه، وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا، وأنك لهم دوننا، فأعفهم عن القتال أياماً، واجعل لكل امرئ منا يوماً يقاتل فيه؛ فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا.

فقال علي عليه السلام: أعطيتم ما طلبتهم يوم الأربعاء، وأمر ربيعة أن تكف عن القتال، وكانت بازاء اليمن من صفوف أهل الشام.

فغدا أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة، فتقدم أمام الخيل وهو يقول: طاعنوا وضاربوا. ثم حمل ... فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم أنصرف أبو الطفيل إلى عليّ عليه السلام فقال: «يا أمير المؤمنين، إنك نبأتنا أنّ أشرف القتل الشهادة، وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصبنا، فقتيلنا، شهيد وحينا ثائر، فاطلب بمن بقى ثار من مضى، فإنّنا وإن كان قد ذهب صفونا وبقى كدرنا، فإن لنا ديناً لا يميل به الهوى، ويقيناً لا يزحمه الشبهة».

فأثنى علي عليه السلام عليه خيراً. ثم غدا يوم الجمعة عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم، وهو يومئذ سيد مضر من أهل الكوفة، فقال يا قوم، إني أتبع آثار أبي الطفيل وتتبعون آثار كنانة، فتقدم برايته ... حتى خضبها دماً، وقاتل أصحابه قتالاً شديداً حتى أمسوا، وانصرف عمير إلى علي عليه السلام، وعليه سلاحه فقال: «يا أمير المؤمنين، قد كان ظنّي بالناس حسناً، وقد رأيت منهم فوق ظنّي بهم، قاتلوا من كل جهة، وبلغوا من عفوهم جهد عدوّهم، وهم لهم إن شاء الله». ثم غدا يوم السبت قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد، وهم حيُّ الكوفة بعد همدان، فقال: «يا معشر بني أسد، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي، وأما أنتم فذاك إليكم»، ثم تقدم برايته ... فقاتل القوم ولم يكونوا على ما يريد في الجهد، فعذلهم على ما يجب فظفر، ثم أتى علياً فقال: «يا أمير المؤمنين، إن استهانة النفوس فى الحرب أبقى لها، والقتل خير لها في الآخرة». ثم غدا يوم الأحد عبد الله بن الطفيل العامري وكان سيد بني عامر، ... واشتد القتال بينهم حتى الليل، ثم انصرف عبد الله فقال: «يا أمير المؤمنين، أبشر، فإنّ الناس نقمة، لقيت والله بقومي أعدادهم من عدوهم، فما ثنوا أعنتهم حتى طعنوا في عدوهم، ثم رجعوا إلي فاستكرهوني على الرجوع إليهم، واستكرهتهم على الانصراف اليك، فأبوا ثم عادوا فاقتتلوا». فأثنى علي عليه السلام عليهم خيراً، وفخرت المضرية بما كان منهم على الربعية، وانتصفوا من الربعية. و قال عامر بن واثلة: حامت كنانة في حربها وحامت تميم وحامت أسد و هي اثنى عشر بيتا[٤]. و نادى منادي علي عليه السلام: أن اتعدوا للقتال واغدُوا عليه، وانهدوا إلى عدوّكم. فلما أصبحوا نهدوا للقتال غير ربيعة لم تتحرك، فبعث اليهم علي: أن انهدوا إلى عدوّكم. فأبوا، فبعث اليهم أبا ثروان فقال: إن أمير المؤمنين يُقرئكم السلام ويقول: يا معشر ربيعة ما يمنعكم أن تنهدوا وقد تهد الناس؟ قالوا: كيف ننهد وهذه الخيل وراء ظهرنا؟ قل لأمير المؤمنين عليه السلام فليأمر هَمْدان أو غيرها بمناجزتهم لننهد. فرجع أبو ثروان إلى علي عليه السلام فأخبره، فبعث اليهم الأشتر فقال: يا معشر ربيعة، ما منعكم أن تنهدوا وقد نهد الناس، وكان جهير الصوت وأنتم أصحاب كذا وأصحاب كذا؟ فجعل يعدد أيامهم. فقالوا: لسنا نفعل حتى ننظر ما تصنع هذه الخيل التي خلف ظهورنا، وهي أربعة آلاف. قل لأمير المؤمنين فليبعث اليهم من يكفيه أمرهم، وراية ربيعة يومئذ مع حضين بن المنذر.

فقال لهم الأشتر: فإن أمير المؤمنين عليه السلام يقول لكم: اكفونيها. إنكم لو بعثتم اليهم طائفة منكم لتركوكم في هذه الفلاة وفروا كاليعافير (أي الظباء، واحدها يعفور). فوجهت حينئذ ربيعة اليهم تيم الله، والنمر بن قاسط، وعنزة. قالوا: فمشينا اليهم مستلئمين مقنعين في الحديد، وكانت عامة قتال صفين مشياً، فلما أتيناهم هربوا وانتشروا انتشار الجراد - يقول أحد الجنود: - فذكرت قول الأشتر: «و فروا كاليعافير»[٥].
ورجعوا بعد أداء هذه المهمة، فرأوا جماعتهم وأصحابهم وقد نشب القتال بينهم وبين العدو، وقد اقتطع العدو طائفة من أهل العراق بعضها من ربيعة فأحاط بها، يقول الراوي: فلم نصل اليها حتى حملنا على العدو فعلوناهم بالأسياف حتى أنفرجوا لنا، وأفضينا الى أصحابنا فاستنقذناهم، وعرفناهم تحت النقع بسيماهم وعلامتهم[٦].

لما حدثت مسألة رفع المصاحف واختلف أهل العراق قام القادة العسكريون، فعبروا عن وجهة نظرهم وخطبوا ... وقام الحضين بن المنذر الرقاشي وكان أصغر القوم سناً فقال: «أيها الناس، إنما بُني هذا الدين على التسليم فلا تُوفّروه بالقياس ولا تهدموه بالشفقة؛ فإنا والله لولا أنا لا نقبل إلا ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلاً، ولو تركنا ما نهوى لكان الباطل في أيدينا كثيراً، وإن لنا داعياً قد حمدنا ورده وصدره، وهو المصدّق على ما قال، المأمون على ما فعل. فإن قال لا قلنا لا، وإن قال نعم قلنا نعم». و مدح الشعراء الحضين على كلمته القيمة هذه، وعلى مواقفه البطولية فقال ابن المعمر: و قارع بالشورى حريث بن جابر وفاز بها لولا حضين بن منذر

لان حضينا قام فينا بخطبة                                                       من الحق فيها ميتة المتجبر

أمرنا بمُرّ الحق حتي كأننا خشاش تفادى من قطام بثرقر و كان أبوه خير بكر بن وائل إذا خيف من يوم أغر مشهر نماه إلى عُليا عُكابة عصبة وآب أبي للدنية أزهر

وخالد بن المعمر الذي قال هذه الأبيات كان رجلاً متهماً في نواياه تجاه الدولة واشتهر إنه كاتب العدو، فاستحلفه أمير المؤمنين عليه السلام -كما مر-، فحلف ببراءة ساحته.

و كلمة حضين بن المنذر تعبر عن صدق واخلاص عظيمين في مثل ذلك الجو المشحون بالتوجسات، ومن هذا المنطلق لما انتشرت كلمة الحضين المخلصة بين الناس رمته بكر بن وائل بالعداوة، فاصلح أمير المؤمنين عليه السلام بينهما[٧]. قدور حجرية يرتقى اليها بالسلالم: قال المبرد: لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى إلى أثاث لم يُر مثله، وإلى آلات لم يُر مثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما أنعم عليه، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدارٍ ففُرشت وفي صحنها قدُور يرتقى إليها بالسلالم، فإذا الحُصين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحُضين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله ابن مسلم قال لأخيه قُتيبة: ائذن لي في معاتبته؛ قال: لا ترده لأنه خبيث الجواب؛ فأبى عبد الله إلا أن يأذن له وكان عبد الله يضعف، وقد كان تسوّر حائطاً إلى امرأةٍ قبل ذلك، فأقبل الحُضين فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أَجَلْ أَسَنَّ عمك عن تسور الحيطان. قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من إلا ترى قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها. قال: أجل، ولا غيلان، ولو كان رآها سمّى شبعان، ولم يسم غيلان.

قال له عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول:

عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل تجر خصاها تبتغى من تحالفه قال: أجل أعرفه، وأعرف الذي يقول: بأدنى العزم قاد بني قُشير ومن كانت له أسرى كلاب

وخيبة من يخيب على غني                                          وباهلة بن يَعْصُر والركاب

يريد: يا خيبة من يخيب. قال: أفتعرف الذي يقول: كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع إذا عرقت أفواه بكر بن وائل قال: نعم أعرفه وأعرف الذي يقول: قوم قتيبة أمهم وأبوهم لولا قتيبة أصبحوا في مجهل

قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟

قال: اقرأ منه الأكثر الأطيب: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال المبرد: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، ثم قال على رسله، وما يكون! اتلد غلاماً على فراشي، فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال: عبد الله بن مسلم.

فأقبل قتيبة على عبد الله وقال: لا يبعد الله غيرك قلت: هو الحضين بالضاد المعجمة، وليس في العرب من اسمه «الحضين» بالضاد المعجمة غيره[٨].

و نقل ابن أبي الحديد ثلاثة أبيات للحضين بن المنذر عن نصر في أن نصراً يذكر ستة أبيات وقد مرت آنفا، والأبيات التي ينقلها ابن أبي الحديد عن نصر تختلف... وإليك الأبيات الثلاثة:

أرَى مُضَراً صارت ربيعة دونها                                               شعار أمير المؤمنين وذا الفضل
فأبدوا لنا مما تجن صدورهم                                                  هو السوء والبغضاء والحقد والغلُّ
فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا                                                      ولن تلحقونا الدهر ما حنت الإبلُ[٩]

قال: أتيت حديثاً زائراً عن جنابة فكان حُريث عن عطائي جامداً إذا ما رأى ذا حاجة فكأنما يرى أسداً في بيته وأساوداً لعمرك ما أشبهت وعلة في الندى شمائله ولا أباء مُجالداً و إن امرى قد زرته قبل هذه بجو الخير منك نفساً ووالداً تضيفته يوماً فَقَرَبَ مجلسي وأصفَدَني على الزمانة قائداً و أمتعني على العشا بوليدةٍ فَأبت بخير منك يا هوذ حامداً فتى لو يُباري الشمس القَت قِناعها أو القمر الساري لألقى المقالداً يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة ويعدو على جمع الثلاثين واحداً[١٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج١
  1. نصر 2۸۷ - ۲۸۸، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ۵ : ٢٢۵ – ٢٢۶.
  2. نصر 2٨٩، ابن أبي الحدىد، شرح النهج ۵: ٢٢۶- ٢٢٧.
  3. شرح نهج البلاغة ۵: ٢٢٧.
  4. نصر ۳۰۸ - ۳۱۳؛ ابن أبي الحديد ۵: ٢۴۴-٢۴٧.
  5. نصر ۳۳۰ - ۳۳۲، شرح النهج 8: 14 – ١۶.
  6. نفس المصدر ٣٣٢ مع تصرف.
  7. يراجع: نصر: ۴٨۵ ، ۴٨٧ – ۴٨٨.
  8. المبرد: الكامل في اللغة ٢: ٢٨ - ٢٩ طبعة «المعارف» بيروت، ابن أبي الحديد 18: 152-154 و5: 33-35، نقلاً من الكامل.
  9. شرح النهج: 5: 244.
  10. الكامل في اللغة 2: 29-30.