نقاش:الأجل في علم الكلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

التعريف

«الأجل» يعني مهلة كل شيء، ونهاية مدة العمر، وموعد استحقاق الشيء كالدين [١]. لكن في علم الكلام، يعني مدة عمر الإنسان. والوقت الذي تحلّ فيه وفاة الإنسان يُسمى أيضاً أجلاً [٢] [٣].

عرّف المتكلمون الأجل بأنه: الوقت الذي قرّر الله فيه موت الحيوان والإنسان بموت طبيعي أو غير طبيعي، ويعلم أن حياته تنتهي في ذلك الوقت [٤]. وقد عبّروا عن الأجل بأجل الموت، والقتل، وأجل الحياة، كما ذُكر أيضاً أجل الدَين (موعد سداد القرض) استطراداً [٥] [٦].

المتكلمون والأجل المحتوم وغير المحتوم

للمتكلمين الإسلاميين رأيان حول وحدة وتعدد الأجل: يرى المتكلمون الأشاعرة، وبعض المعتزلة، وبعض الإمامية أن الإنسان ليس له إلا أجل واحد، وهو الأجل المعين [٧]. بينما يرى بعض معتزلة بغداد وبعض الإمامية أن الله قد قدّر للإنسان أجلين: الأجل المعين (المحتوم، المسمى) والأجل المعلّق (المشروط، الموقوف) [٨].

ويستند هذا الرأي إلى الآيات والروايات؛ إذ يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [٩].

وقد فسر الإمام الصادق (ع) هذه الآية قائلاً: هما أجلان: أجل محتوم وأجل موقوف (مشروط) [١٠].

في توضيح الأجل المسمى والفرق بينه وبين الأجل غير المسمى، قيل: الأجل المسمى يعني المحدد عند الله الذي لا يتغير؛ استناداً إلى الآية ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [١١].

نسبة الأجل المسمى إلى غير المسمى هي نسبة المطلق والمنجَّز إلى المشروط والمعلّق؛ بمعنى أنه قد لا يتحقق الأجل غير المسمى نتيجة تخلف شرطه، لكن الأجل الحتمي والمطلق لا يقبل التغيير. الأجل المسمى هو الأجل المحتوم المسجل في أم الكتاب، والأجل غير المسمى هو ذلك الأجل المكتوب في لوح المحو والإثبات: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [١٢]، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [١٣].

يمكن تطبيق أم الكتاب على الأحداث التي تستند إلى أسبابها التامة، ولوح المحو والإثبات على الأحداث التي تستند إلى أسباب غير تامة (مقتضية). الأجل غير المسمى بالنسبة للإنسان هو العمر الطبيعي لبنية جسمه، لكن قد يحل أجل الإنسان قبل بلوغه الحد الطبيعي بسبب ظهور موانع [١٤].

للمتكلمين آراء مختلفة حول استمرار حياة أو موت الإنسان والحيوان المقتول:

قال بعض الأشاعرة، وأبو الهذيل المعتزلي، وبعض الحشوية: لو لم يُقتل، لكان يموت بالموت الطبيعي في ذلك الوقت نفسه [١٥]. واستدلوا بما يلي:

١. لو بقي حياً، فعلم الله المتعلق بموته سيتحول إلى جهل، وهذا محال [١٦]. وفي نقد هذا الدليل قيل: إن قُتل، فنفهم أن علم الله تعلق بالقتل، وإن بقي حياً، نعلم أن العلم الإلهي تعلق باستمرار الحياة [١٧].

٢. الآية الكريمة: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [١٨]؛ لكل قوم أجل [١٩] وعندما يحل أجلهم، لا يتأخرون ساعة ولا يتقدمون [٢٠]. وفي نقد هذا الدليل قيل: المقصود بالأجل في هذه الآية هو الأجل المسمى (المعين)، وليس مطلق الأجل [٢١].

وقال بعض معتزلة بغداد: لو لم يُقتل، لبقي حياً بالتأكيد، لأنه إذا لم يبق حياً ومات بالموت الطبيعي، فلن يكون ذم وقصاص القاتل واجباً، مع أنه واجب [٢٢]. وفي نقد هذا الرأي قيل: القتل حرام في الإسلام، ووجوب القصاص وذم القاتل هو بسبب مخالفته لهذا الحكم الشرعي [٢٣].

أما الإمامية، وبعض معتزلة البصرة، وبعض الأشاعرة فلم يقبلوا الرأيين السابقين، واعتبروا الموت واستمرار الحياة ممكنين [٢٤].

وهذا الرأي مقبول أيضاً عند الفلاسفة الإسلاميين، إذ قسّموا الأجل إلى طبيعي (أي أن الإنسان يكمل مدة عمره الطبيعي) واخترامي (أي أن موت الإنسان يحدث قبل انتهاء تلك المدة، بسبب حادث) [٢٥]. ويعبر عن الأجل الطبيعي والاخترامي أيضاً بالموت الطبيعي والاخترامي [٢٦].

كما أشرنا سابقاً، تدل الروايات الإسلامية على تعدد أجل الإنسان، لأنها تبين العوامل المعنوية التي تؤثر في قصر وطول عمر الإنسان. بشكل عام، الذنب يقصر العمر [٢٧]. والذنوب مثل عقوق الوالدين (عصيان الأب والأم وإيذائهما) [٢٨]، والظلم [٢٩]، وقطع صلة الرحم [٣٠] تؤثر في تقصير العمر. ومن ناحية أخرى، تزيد الأمور التالية في عمر الإنسان:

النظافة والوضوء المستمر [٣١]؛ حسن النية [٣٢]؛ تجنب السوء [٣٣]؛ حسن الخلق؛ الإحسان والصدقة [٣٤]؛ صلة الرحم [٣٥]؛ إسعاد الوالدين والإحسان إليهما [٣٦]؛ الشكر الكثير لله [٣٧] [٣٨].

تغيير الأجل

ورد في بعض روايات المعصومين (ع) أن بعض الأعمال الحسنة - مثل صلة الرحم والصدقة - تُبعد أجل الإنسان، وبعض الذنوب تقربه [٣٩]. ويظهر من بعض آيات القرآن أنه عندما يحل أجل أحد، لا يمكن تقديمه أو تأخيره [٤٠].

المقصود في هذه الآيات هو «الأجل المحتوم»؛ بينما المقصود في تلك الروايات هو «الأجل غير المحتوم» الذي تؤثر فيه أعمال الإنسان تقديماً وتأخيراً. ومع أن أعمال الإنسان تؤثر في أجله المعلّق، إلا أن الله وحده هو من يحدد كلا الأجلين. لذلك، فإن موت الإنسان بأي من الأجلين يحدث، كان معيناً في القضاء والقدر الإلهي. وهكذا، لكل إنسان أجل واحد فقط، وهو الأجل المحدد في علم الله [٤١] [٤٢].

المصادر

  • مركز دراسات الإمام الصادق (ع) للعلوم الإسلامية، معجم الشيعة
  • علي زاده، أكبر أسد، مقالة «الآجال»، موسوعة الكلام الإسلامي، ج١
  1. العين، ج٢، ص ١٧٨؛ الصحاح، ج٤، ص ١٦٢١؛ المفردات، مادة أجل.
  2. مفردات راغب، ١١.
  3. معجم الشيعة، ص ٦٦.
  4. كشف المراد، ص١٤٠؛ شرح المقاصد، ج٤، ص٣١٤ والاقتصاد في الاعتقاد، ص٢٤٤.
  5. كشف المراد، ص١٤٠؛ الذخيرة، ص٢٦١و ٢٦٣ وأنوار الملكوت، ص١٩٤.
  6. علي زاده، أكبر أسد، مقالة «الآجال»، موسوعة الكلام الإسلامي، ج١، ص ٢٥.
  7. شرح المقاصد، ج٤، ص ٣١٤؛ الذخيرة، ص ٢٦١؛ الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، ص ٢٠١.
  8. تصحيح الاعتقاد، ص ٦٦؛ كشف المراد، ص ١٤٠.
  9. «هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمّى عنده ثم أنتم تمترون» سورة الأنعام، الآية ٢.
  10. أصول الكافي، ج١، ص ١٤٧، ح٤؛ تفسير العياشي، ج١، ص ٣٥٤، ح٧.
  11. «ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» سورة النحل، الآية ٩٦.
  12. «ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله؛ لكل أجل كتاب» سورة الرعد، الآية ٣٨.
  13. «يمحو الله ما يشاء (من اللوح المحفوظ) ويثبت وعنده أم الكتاب» سورة الرعد، الآية ٣٩.
  14. الميزان، ج٧، ص ٧-٦.
  15. كشف المراد، ص ١٤٠؛ شرح المقاصد، ج٤، ص ٣١٤؛ شرح الأصول الخمسة، ص ٧٨٢؛ وإرشاد الطالبين، ص ٢٩٢.
  16. كشف المراد، ص ١٤١ وإرشاد الطالبين، ص ٢٩٢.
  17. كشف المراد، ص ١٤٢.
  18. «والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» سورة الأعراف، الآية ٣٦.
  19. معين.
  20. تمهيد الأوائل، ص ٣٧٥-٣٧٣.
  21. الميزان، ج٧، ص٦.
  22. كشف المراد، ص ١٤١؛ شرح المقاصد، ج٤، ص ٣١٦ وشرح الأصول الخمسة، ص ٧٨٢.
  23. كشف المراد، ص ١٤٢ وشرح المقاصد، ج٤، ص ٣١٦.
  24. كشف المراد، ص ١٤٠؛ شرح المقاصد، ج٤، ص ٣١٥؛ شرح الأصول الخمسة، ص ٧٨٢ وإرشاد الطالبين، ص ٢٩٢.
  25. الحكمة المتعالية، ج٩، ص ٢٤٢؛ تفسير كبير، ج١٢، ص ١٥٣-١٥٤ والكليات، ج١، ص ٥٩.
  26. شرح المنظومة، ج٢، ص ٤٣٠.
  27. الأمالي، ص ٣٠٥.
  28. مستدرك الوسائل، ج١٥، ص ٢٤٩، ح٤٦.
  29. أصول الكافي، ج٢، ص ١٥٠.
  30. وسائل الشيعة، ج١، ص ٣٨٣، ح١٠١١.
  31. بحار الأنوار، ج٦٦، ص ٤٠٧، ح١٤.
  32. عيون أخبار الرضا (ع)، ج٢، ص ٣٦، ح٩٠.
  33. أصول الكافي، ج٨، ص ٢١٩، ح٢٦٩؛ كتاب الزهد، ص ٢٩.
  34. كتاب الزهد، ص ٣٣.
  35. نفس المصدر، ص ٣٤.
  36. عيون الحكم والمواعظ، ص ٢٧٥.
  37. تهذيب الأحكام، ج٦، ص ٤٢، ح١.
  38. علي زاده، أكبر أسد، مقالة «الآجال»، موسوعة الكلام الإسلامي، ج١، ص ٢٥؛ معجم الشيعة، ص ٦٦-٦٧.
  39. بحار الأنوار، ٥/١٤٠/٧.
  40. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ سورة الأعراف، الآية ٣٤.
  41. دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ٢/٦١٤.
  42. معجم الشيعة، ص ٦٧.