نقاش:الإعجاز البياني

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تمّ تبسيطه

تمهيد

كل دين يحتاج إلى ايديولوجية. وهذه الايديولوجية يجب أن تكون متمركزة على قناعات لا تتزلزل، وأن يكون البناء التحتي قوياً متماسكاً.

والقرآن الكريم قد تعرض لبيان حقائق تتعلق بالمعارف الحقة ولا يستطيع أي كتاب سماوي أو غير سماوي أن يُجاري القرآن في بيان هذه الحقائق، وقد تفرد بها القرآن الكريم، ونعني بتلك المعارف الرؤية الكونية الواضحة الدقيقة التي تبين خط الإسلام ووجهة الإسلام والفكر الإسلامي فيما يتعلق بالجانب الايديولوجي خصوصاً، إنما هو سائر على أساس قويم ومنطق محكم.

ونتناول فيما يلي أمثلة موجزة على ذلك:

  1. التنزيه الكامل الله تبارك وتعالى.
  2. مفهوم اللانهاية.
  3. الإيمان والفطرة.
  4. إبطال التثليث.

لقد تكفل القرآن الكريم ببيان التنزيه الكامل لله تبارك وتعالى وبلغ من الدقة والعمق مكاناً بحيث لا يوجد أي كتاب سماوي كما لا يوجد أي كتاب فلسفي يستطيع أن يعطي التصوير الدقيق للتنزيه الكامل مثل ما أعطاه القرآن الكريم، نجد قوله تعالى سبحانه سبحان الله، سبح، يسبحون وكل مشتقات التسبيح في القرآن الكريم تتركز على مسألة تتعلق بتسبيح الله تبارك وتعالى، وينفي عنه كل نقص وكل شائبة للضعف والمحدودية والمعلومية.

فالله تبارك وتعالى هو الغني المطلق، وهو الكامل، وهو المستجمع لجميع صفات الجلال والجمال.

إنَّ التأكيد على مسألة التنزيه المطلق أمر مهم جداً، لأنه توجد في الإنسان غريزة الألفة والعادة وهي غريزة جيدة، فلو لم تكن كذلك لكانت الحياة صعبة جداً، ولكن فيها ضرر من جانب آخر وهو أن الفرد ينسى الاعتبار والموعظة، فالإنسان يريد أن يصوغ الحياة كلها على ما ألفه واعتاد عليه، فعندما يسمع عن العرش يتخيل عرش ملكة، وحينما يتحدث القرآن عن اللوح يتصور لوحاً من الخشب أو لوحاً من الصخر، والمعارف الإلهية تتحدث عن التوحيد فينتقل ذهنه إلى الوحدة العددية، والقرآن الكريم لأجل معالجة هذه الحالة أتى بمفهوم دقيق جداً وهو مفهوم التنزيه الكامل، فيقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ [١].

فالحقيقة القرآنية تؤكد على أنَّ التنزيه الكامل هو أن لا يقيس الفرد بالله غيره وأن لا يرى صفة مشتركة بين الله تبارك وتعالى وبين غيره.

إذن ليس كمثله شيء، وسبحانه وسبحانك وإسناد الكمال المطلق الله تبارك وتعالى وسلب كل ما من شأنه الضعف والمحدودية والمعلولية والفقر هو الأداة الوحيدة للتنزيه الكامل الله تبارك وتعالى.

إضافة إلى ما تقدم يمكننا الآن الحديث عن مفهوم اللانهاية أو المطلق لتكتمل الصورة لدينا، فمفهوم اللانهاية عبر عنه القرآن الكريم وأوضحه في كثير من الآيات حينما يتحدث عن الرزق يوم القيامة وفي الجنة، فقال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرة لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا ممنوعة [٢]

فالعطاء المستمر هو الذي لا نفاذ له، وبذلك يرفع القرآن الكريم مستوى الفهم البشري إلى مفهوم اللانهاية، ورفع الأذهان إلى الأزل والأبد والخلود. فلما يتحدث القرآن الكريم عن الخلود يؤكد على هذه الحقيقة من خلال مفهوم اللانهاية، وذلك من خلال قوله تعالى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا، وهذا يعني عدم وجود نهاية للزمان والمكان، وعدم وجود بداية له فيكون الله تبارك وتعالى قبل كل شيء وبعد كل شيء، وعطاؤه لا حد له ولا مقدار. قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [٣]

فالدين الحنيف هو الدين الذي بني عليه خلق الإنسان، والبشرية إنما وجدت للتعامل مع هذا الدين الحنيف ومع صبغة الله وسبيله، وسبيله هو سبيل المؤمنين وسبيل العبادة، وهذه الآية تنفي مسألة الاتجاه المادي بصراحة كاملة وتبين كيف أنَّ الحقائق الإسلامية والمعارف الدينية إنما هي منسجمة مع الفطرة الإنسانية، فالشوق إنما يكون نحو الإيمان بالله تعالى بارئ الكون، وهذا الشوق والظمأ الذي لا يرويه أي شيء في الروح تجاه الله تبارك وتعالى إلا حب الله وعبادته وامتثال أمره والسير في صراطه المستقيم ودينه الحنيف، فهذه المسألة تتناسب وتتماشى مع الفطرة التي فطرة الله الناس عليها.

وهناك زوايا عظيمة تتكون منها الروح بحيث لما تجتمع تعطي الإنسان ما يسمى بالباطن والوجدان أو الروح أو النفس الإنسانية، وفي الحقيقة إنَّ الروح بسيطة مجردة وليست مركبة كالجسد، ولما نقول أبعاد الروح إنما نقصد أنَّ هناك تجليات للروح وللنفس الإنسانية، وهذه التجليات قد تظهر على شكل حب الاستطلاع وحب الخير وحب الفن والجمال وأخيراً قد تظهر عل شكل الفطرة.

  1. حب الاستطلاع: غريزة ذاتية وليست من الاقتباس والإيحاء، وإنما توجد في كل البشر على اختلاف طبقاتهم.
  2. حب الخير: النفس قد جبلت على حب الخير وليس بتعليم أحد، فنجد الأنبياء والأئمة(ع) أنهم مُذَكِّرون، يذكرون الناس بأنفسهم وبمقومات أرواحهم.
  3. حب الفن والجمال: النفس تحب الفن والجمال، فالفنون كلها لها نواة في الذات الإنسانية بمجملات مختلفة والذي ليس لديه جمال لا يرى في الحياة شيئاً جميلاً!
  4. الفطرة: هي ميل النفس نحو خالق الكون، والإيمان يستند إلى الفطرة. والقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي جاء ليقرر هذه الحقيقة حيث قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيها [٤]، وكما قال رسول الله: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِه‏»[٥].[٦]

إبطال التثليث

الاعتقاد بالأب والابن والروح القدس لم تقرُّه أي رسالة سماوية، لكن نجد أنَّ العقيدة المسيحية اقتبست من التثليث الموجود عند البراهمة وعند البوذيين، حيث يعتقد البراهمة بأنَّ الله تبارك وتعالى واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، ونجد في معابدهم رأساً مُكَوَّناً من ثلاث أوجه متلاصقة من القفا، وهي عبارة عن: براهما الخالق الموجد، ويشنو وهو الحافظ، وسيوا وهو المهلك. على كل حال فالتثليث لا يزال مقبولاً لدى الكثير من الطوائف المسيحية.

ولكن القرآن الكريم قد عالج هذه الأمور بصراحة وبَيَّن حقيقة الأمر مؤكداً على بطلان التثليث، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثةِ [٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُؤْفَكُونَ [٨]، ففي هذه الآية نفى الله تبارك وتعالى كون العزيز ابن الله ونفى كون المسيح ابن الله لأنه تبارك وتعالى واحد، صمد، لم يلد ولم يولد، لا شريك له، ولا ند، ولا صاحبة، ولا ولد. والقرآن الكريم يردد أنه ما أرسل نبياً إلا موحداً ومبلغاً التوحيد ومبيناً أساس ذلك، وأنَّ الله تبارك وتعالى واحد بسيط غير مركب.[٩]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. الشورى: ۱۱
  2. الواقعة: ٣٢ – ٣٣.
  3. الروم: ۳۰.
  4. الروم: ۳۰.
  5. محمدباقر بن محمدتقي، المجلسي، بحار الأنوار ٣: ٢٨١.
  6. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢١٩-٢٢٢.
  7. المائدة: ٧٣.
  8. التوبة: ٣٠.
  9. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٢٢-٢٢٣.