نقاش:عالم المادة

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تمّ تبسیطه

تمهيد

لقد أسدت الجهود العلمية بما كشفته من قوانين طبيعية في مختلف ميادينها، خدمة كبرى في تثبيت أقدام المعرفة على أسس قويمة، وأضافت - بغير قصد - أدلة أخرى جديدة لإثبات الحقيقة الإلهية المطلقة، تختلف بطبيعتها عن الأدلة الفلسفية التي سادت من قبل.

وهي تدل دلالة واضحة على عدم صحة افتراض أزلية الكون والمادة.

ولنقرأ الآن ما يقوله العلماء من أهل الاختصاص حول افتراض أزلية المادة.

أولاً: قانون الحرارة الديناميكية يبطل أزلية المادة

- يقول الأخصائي في علم الحيوان والحشرات السير "أدوار لوثر كيل": (قد يعتقد بعضهم أنَّ هذا الكون هو خالق نفسه، على حين يرى البعض الآخر أن الاعتقاد في أزلية هذا الكون ليس بأصعب من الاعتقاد في وجود إله أزلي. ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ الرأي القائل بأزلية المادة والكون، فالعلوم تثبت بكل وضوح أنَّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة.

ومعنى ذلك أنَّ الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ هنالك عمليات كيمياوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون.

ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيمياوية والطبيعة تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود.

وهكذا توصلت العلوم دون قصد - إلى أن لهذا الكون بداية ...)[١].

وقال أيضاً "السير جيمس": (تؤمن العلوم الحديثة بأنَّ عملية تغير الحرارة سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنّا الآن موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها؟

إنَّ هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن، ومن ثم لابد لها من بداية، ولابد أنه قد حدثت عملية في الكون يمكن أن نسميها (خلقاً في وقت ما) حيث لايمكن أن يكون هذا الكون أزلياً ...))[٢].

ويقول "فرامك أللن" عالم الطبيعة البيولوجية: (إن قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أنَّ مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً، وإنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة. ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت.

أما الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة والأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح على أنَّ أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان ما من خطة معينة، فهو إذاً حدث من الأحداث.

وقد أدرك "إسحاق نيوتن" ذلك فقال: (إنَّ نظام هذا الكون يتجه نحو الانحلال، ويقترب من مرحلة تتساوى فيها درجة سائر مكوناته، ووصل من ذلك إلى أنه لابد أن يكون لهذا الكون بداية... وأيدت دراسة الحرارة هذه الآراء، وساعدت على التميز بين الطاقة الميسورة والطاقة غير الميسورة، وقد وجد أنه عند حدوث أي تغيرات حرارية، فإنَّ جزءً معيناً من الطاقة الميسورة يتحول إلى طاقة غير ميسورة، وأنه لا سبيل إلى أنَّ يسير هذا التحول في الطبيعة بطريقة عكسية، وهذا هو القانون الثاني من الديناميكا الحرارية)[٣].

وقد اهتم "بولتزمان" بتمحيص هذه الظاهرة، وأثبت أن فقدان الطاقة الميسورة الذي يسير إليه القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية ليس إلا حالة خاصة من ظاهرة عامة تشير إلى أنَّ كل تحول أو تغير طبيعي يصحبه تحلل أو نقص في النظام الكوني ...[٤].

وبكلمة ثانية: إن القانون المسمى ب (قانون الطاقة المتاحة) أو (ضابط التغير) يصف لنا أنَّ الحرارة تنتقل دائماً منه (وجود حراري) إلى (عدم حراري)، والعكس غير ممكن، وهو أن تنتقل هذه الحرارة من (وجود حراري قليل) أو (وجود حراري عدم) إلى (وجود حراري أكثر)...

وانطلاقاً من هذه الحقيقة القائلة بأنَّ العمليات الكيمياوية والطبيعية جارية، وأنَّ الحياة قائمة يثبت لدينا قطعاً أنَّ الكون ليس بأزلي، وإلا لكان من اللازم أن يفقد طاقته منذ زمن بعيد، ولما بقي من الكون بصيص من الحياة.

ولكن المادية الجدلية عندما تصطدم بهذه الحقيقة التي تنسف أهم ركيزة لها، تحاول التقليل من أهميتها فتقول: إنَّ قانون الموت الحراري للكون لا أساس له من الصحة، وهذا يشبه الاستدلال على الشيء بنفسه، وعلى صحة الدعوى بالدعوى نفسها، وهو لغو ومصادرة ولعب بالألفاظ.

فالقانون المشار إليه يقول: لو كانت المادة أزلية، أو كان الكون أزلياً لانتهى منذ زمن بعيد، وبما أنَّ الحياة فيه ما زالت قائمة فهو يعني أنه ليس أزلياً ولا نهائياً، فقولهم المشار إليه ليس إلا مصادرة.

ومن جهة ثانية: إنه إذا كان المبدأ الأساسي الذي تقدمه المادية الجدلية هو أزلية المادية بصفة كلية، بحيث لا يشذ عنها جزء منها، فإنَّ معطيات ذلك القانون يبطل هذه الكلية التي تريد المادية الجدلية فرضها.

وإذا صح عدم أزلية المادة ولو في أجزاء منها، فإنَّ هذا يشير إلى أنَّ مبدأ أزلية المادة بصورة كلية، قائم على غير أساس.

وإذا أمكن - بمقتضى هذا القانون - أن تكون المادة حادثة في جانب من هذا العالم، فلماذا لا يمكن أن تكون كلها في أي جانب فرض كذلك.

ومن جهة ثالثة: فإنَّ إعلانها بأنَّ الكون يمثل كلية لا حدَّ لها لعدد لا نهائي للمجموعات المختلفة كيفياً، وإنَّ عدد الحالات الممكنة للمادة في الكون لا نهائية، ولا يمكن التوصل إليها مع أي مرور في الزمن، ما هو إلا رجم بالغيب، ودعوى إحاطتهم بالغيب وكيف يحيطون بذلك علماً، مع اعترافهم بأنها لا نهائية ولا يمكن التوصل اليها.

ومثل هذا قولهم: إنَّ القانون الثاني المشار إليه، لا يحدد جميع التيارات الممكنة في المادة، ولم يفصحوا عن هذه التيارات.

ولكن يبدو أنهم يقصدون بها قوانين (بقاء المادة) مثل (قانون حفظ الطاقة) و(قانون بقاء الكتلة)، و(قانون بقاء الأشياء)، و(قانون بقاء المادة). وهي جميعاً تعني مضموناً واحداً، هو أنَّ التحولات الطارئة على المادة لا يلزم منها اختفاء الطاقة والمادة، ولا تستدعي استحداثها من جديد عندما تتحول من نوع إلى نوع آخر، بل تبقى متناسبة في الزيادة والنقصان مع أي تحول وتغير. وعمليات التحول من شكل لآخر إنما تعني انبثاق معادلات جديدة أخرى.

ولكن ذلك سيبقى نظريات واحتمالات لاحظ لها من الواقع، بعد أن قضى القانون الثاني من الديناميكا الحرارية نهائيات على ما أسموه بقوانين المادة المذكورة التي برهن عليها -كما قالوا- "ماير" و"جول" وغيرهما في منتصف القرن التاسععشر أن سبقهم إلى ذلك بالتخمينات حولها كل من "ديكارت" و"لا يبتز" وغيرهما.

وقد أشرنا من قبل إلى أن العلم يؤكد على الضوء والحرارة وإشعاعات الراديوم - وهي مادي - تضمحل وتتلاشى ولا تترك أثراً.

ثانياً: الكيمياء الجيولوجية تبطل أزلية الكون

يقول الدكتور "دونالد روبرت كار" الأخصائي وأستاذ الكيمياء الجيولوجية: (الكيمياء الجيولوجية تحدد عمر التكوينات الجيولوجية كمواد الشهب وغيرها، فقد أمكن باستخدام العلاقات الاشعاعية أن نحصل على صورة شبه كمية عن تأريخ الأرض، ويستخدم في الوقت الحاضر عدد من الطرق المختلفة لتقدير عمر الأرض بدرجات متفاوتة من الدقة، ولكن نتائج هذه الطرق متقاربة إلى حد كبير، وهي تشير إلى أنَّ الكون قد نشأ منذ نحو خمسة ملايين سنة. وعلى ذلك فإنَّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، ولو كان كذلك لما بقيت فيه أي عناصر إشعاعية، وهذا يتفق مع القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. أما الرأي الذي يقول بأنَّ هذا الكون دوري، أي... أنه ينكمش ثم يتمدد ثم يعود فينكمش من جديد ... إلخ فإنه رأي لم يقم على صحته دليل، ولا يمكن أن يعتبر رأياً علمياً، بل مجرد تخمين)[٥].

ويقول الدكتور "جون كليفلاند كوثران" من علماء الكيمياء: (و تدل الكيمياء على أنَّ بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة، والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإنَّ المادة ليست أبدية. ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية، غير أنَّ لها بداية. وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد. وعلى ذلك فإنَّ هذا العالم المادي لابد أن يكون مخلوقاً، وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ليس لعنصر المصادفة بينها مكان)[٦].

ثالثاً: علم الفلك يبطل أزلية المادة

يقول الدكتور "إيرفنج وايام" أستاذ العلوم الطبيعية: (فعلم الفلك يشير إلى أنَّ لهذا الكون بداية قديمة، وأنَّ الكون يسير إلى نهاية محتومة، وليس مما يتفق مع العلم أننا نعتقد بأنَّ الكون أزلي ليس له بداية، أو أبدي ليس له نهاية فهو قائم على أساس التغير، وفي هذا الرأي يلتقي الدين بالعلم)[٧]. 

رابعاً: علم الطبيعة أيضاً ينفي

يقول الدكتور عالم الطبيعة "ادوين فاست": (وعندما تحاول عقولنا المحدودة أن ترتد إلى الوراء وتبحث عن ساعة الصفر في تأريخ هذا الكون، نجدها تسلم ضمناً بأنَّ لهذا الكون بداية ولحظة معينة نشأت فيها الذرات الدقيقة التي تتألف منها مادة هذا الكون، ولابد أن تكون خواص هذه الجزيئات التي تحدد سلوكها، قدظهرت معها في نفس الوقت، ومن المنطق السليم أن يكون السبب الأول الذي أوجد هذه الجزيئات هو الذي أودع فيها صفاتها التي تحدد سلوكها ...)[٨].[٩]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. الله يتجلى في عصر العلم ص۲۹.
  2. الإسلام يتحدي، ص۵۵ – ۵۶.
  3. الإسلام يتحدي، ص۹۲.
  4. الإسلام يتحدي، ص۹۲.
  5. الله يتجلي في عصر العلم، ص۸۷.
  6. الله يتجلي في عصر العلم، ص۲۷.
  7. الله يتجلي في عصر العلم، ص۵۵.
  8. الله يتجلي في عصر العلم، ص۹۹.
  9. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٤٣-٤٩.