نقاش:محنة خلق القرآن
تمّ تبسيطه
تمهيد
تبدأ محنة خلق القرآن من سنة (۲۱۸ ه) إلى (٢٣۴ه) في أيام المأمون والمعتصم وكانت محنة شديدة وعنيفة في تأريخ الإسلام.
إِنَّ أول مَنْ تكلم في هذه المسألة وأثار المشكلة بشكل واسع هو (الجعد بن درهم) معلم مروان آخر خلفاء بنيأمية وكان واحداً من المتكلمين وقد تبعه على ذلك الجهم.
نشر "الجعد" مسألة كون القرآن مخلوقاً في دمشق، ثم طُلِب فهرب ونزل الكوفة، وقد أخذ "الجهم بن صفوان" هذا القول منه ولكن قتله "خالد بن عبد الله القسري" يوم الأضحى حينما كان والياً على الكوفة.
ومن الذين كانوا يقولون بذلك أيضاً (بشر المريسي) حيث كان يقول بخلق القرآن في أيام الرشيد، وروي أنَّ الرشيد قال: بَلَغَني أنَّ بِشراً يقول بخلق القرآن والله إن أظفرني الله به لأقتلنه، وصار بشراً متوارياً لفترة طويله.
فالمعتزلة ورثوا هذا القول عن (الجعد والجهم) وزادوا عليها مسائل منها: إنَّ من يقول بقدم القرآن فهو كافر.
وجاء بعد ذلك دور (المأمون العباسي) ليجد أنَّ أقرب المذاهب إلى نفسه – وهو محب للفلسفة- هم المعتزلة، فقرَّبَ رجال المعتزلة وأصبحوا ذوي نفوذ في أيامه، وكان من أبرزهم (ثمامة و أحمد بن ذؤاد) حيث يروي الطبري أنه في سنة (۲۱۲ ه) أظهر المأمون القول بخلق القرآن وفي سنة (٢١٨ه) بدأ يمتحن الناس على ذلك، وبدأت عند ذلك المحنة حقيقية حيث بدأ المأمون بإرسال كتاب مُطَوَّل إلى والي بغداد (إسحاق بن إبراهيم بن مصعب) يذكر فيه الأسباب التي دعته إلى حمل الناس على القول بخلق القرآن، وأهم ما يذكر في هذا المجال:
- إنَّ المأمون كان يرى من واجبه تصحيح عقائد الناس خصوصاً ما يتعلق بأمر إشراكهم مع الله تعالى في القدم شيئاً آخراً مثل القرآن.
- إنَّ عامة الناس كانوا يرون بأن القرآن الكريم قديم.
- بعض القضاة وهم من أهل الفضل ومن العلماء كانوا يقولون بقدم القرآن وتقبل الشهادة ممن يقول بقدمه، في حين يرد شهادة من يقول بحدوثه وإذا كان كذلك وهذه العقيدة باطلة، فإذا لا يوثق بقضاء القاضي أو شهادة الشاهد إذا كانت عقيدته باطلة لذلك لا يريد المأمون تولية الأحكام إلا لمَن صَحَّ إيمانه وتوحيده.
وكان في بغداد جماعة من المحدثين يُشَنِّعون على المأمون قوله بخلق القرآن ولا يقبلون به، فكتب المأمون كتاباً ثانياً إلى بغداد أن يرسل إليه سبعة من كبار المحدثين، فلما حضر هؤلاء سألهم جميعاً عن القرآن فأجابوه بأنه مخلوق، وأعادهم إلى بغداد وأمر المأمون إسحاق بن إبراهيم أن يجمع الفقهاء وأن يقول هؤلاء السبعة أمامهم ما قالوه أمام المأمون ففعل وفعلوا فأخلوا سبيلهم، ولكن المشكلة بدأت مع "أحمد بن حنبل" حيث لم يكن واحداً من هؤلاء السبعة ولم يكن معروفاً آنذاك. فحزن "ابن حنبل" لهذا الحادث حيث أنَّ هؤلاء العلماء يقولون بخلق القرآن رغم أنهم لم يكونوا معتقدين به ولكنه تقية أمام المأمون، وقال لو كانوا صبروا -السبعة – وقاموا الله لكان انقطع الأمر وانتهى أثره. و كانت هذه المسألة وهي القول بخلق القرآن قد وصل الأمر بها آنذاك أن يجرى امتحان لكل قاض حيث كان يستدعى وتجرى له مقابلة ويُسأل ويكتب محضر للجلسة ومضبطة، والمضابط والإجابات كلها تجمع ويرسلها الوالي إلى المأمون فثارت ثائرة المأمون على تلك الإجابات التي لم تكن مقنعة، لأنه كان يريد منهم أن يقولوا بخلق القرآن ولكن لم يفعل أحد منهم ذلك.
وفي اليوم التاسع من الامتحان كتب المأمون كتاباً كلهُ عنف وتقريع لأنه رأى أجوبة هؤلاء لا تدل على العقل، فهي لا تنكر صراحة ولا تقر صراحة فبعضهم يُسلم بالمقدمات وينكر النتيجة، فأمر الوالي بأن يضرب عنق بعض ويتهم الآخر بسرقة الطعام ويتهم ثالث بأنه صبي في عقله لا في لسانه وآخرين يأكلون الربا و.. و.. أما "أحمد بن حنبل" فكان موقف المأمون تجاهه أن إجابته تدل على جهله.
وهكذا نجد أن الامتحان في زمن المأمون تركّز على هؤلاء وعلى عدم قبول شهادتهم وطردهم من وظائفهم.
أما رياسة المعارضة فتركز على "أحمد ابن حنبل" وهذا كان أحد الدواعي إلى شهرته. أما عهد المعتصم العباسي فكان مختلفاً عن دور المأمون، فقد كتب المأمون وصيته للمعتصم وجاء في الوصية: وخذ بسيرة أخيك في القرآن.
ولكن لم تكن للمعتصم شخصية علمية تذكر ولذا استمر على العمل بوصية المأمون في قصة خلق القرآن وذلك بقتل جماعة من العلماء وضرب آخرين منهم "أحمد بن حنبل" الذي ضرب ضرباً مبرحاً مع ذلك بقي "ابن حنبل" مصراً على امتناعه من القول بخلق القرآن، وأخيراً دعي "ابن حنبل" لتجري مناظرة في مجلس المعتصم بينه وبين القضاة من أتباع الدولة، ولما انتهت المناظرة أمر ب "أحمد بن حنبل" إلى السجن ثم تم إعادة المناظرة بعد ثلاثة أيام وأخيراً ضُرب ثمانية وثلاثين سوطاً حتى سال منهُ الدم وتعددت الجراحات ثم أرسل إلى السجن.
مات المعتصم سنة (۲۲۷ ه) فخلفه في المنصب الواثق الذي لم يتعرض إلى مسألة خلق القرآن إلا بشكل يسير وتدرجياً نسيت القضية!
قول الأشاعرة:
أما الأشاعرة فجاء بعد هذه الحوادث كلها "أبو الحسن الأشعري" بما يقرب بثمانين سنة برأي جديد، فقال كلام الله تبارك وتعالى يطلق إطلاقان عيناً كما عند الإنسان، فالإنسان يسمى متكلماً باعتبارين. أحدهما: الصوت الذي يصدر منه، والآخر الكلام الذي يحدث به نفسه. وهذا الكلام الذي يحدث به نفسه ليس بالصوت ولا بالحرف.
إذن فالقرآن كما هو عند الله تبارك وتعالى فهو ليس حادثاً وليس قديماً.
قول الإمامية:
إنَّ الكلام إنما هو صفة فعل، فالله تبارك وتعالى أوجد هذا الصوت وأوجد هذا الكلام وخلقه فليس هو أزلي، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [١].[٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ النساء: ١٦٤.
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٣٠-٢٣٣.