نقاش:مشيئة الله
تمّ تبسيطه
تمهيد
لايفرِّق بعض الفلاسفة وعلماء الكلام بين المشيئة والإرادة، وتؤيد بعض عبارات اللغة هذا المذهب.
يرى الأستاذ "الجعفري" إنَّ الإرادة ذات مراتب قوية وضعيفة، في حين أنَّ الثانية خالية من المراتب وهي المرحلة الأخيرة التي تلي الإرادة[١]، لكن في رواية عن أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) أنه قال: «لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى، قُلْتُ: مَا مَعْنَى شَاءَ؟ قَالَ: ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ، قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَدَّرَ؟ قَالَ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ مِنْ طُولِهِ وَ عَرْضِهِ، قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَضَى؟ قَالَ: إِذَا قَضَى أَمْضَاهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ». [٢]
ويعلق العلامة الطباطبائي على هذه الرواية بقوله: فالمشيئة والإرادة هما المعنى الذي لابد في الفعل الاختياري من تحققه في نفس الفاعل منا بعد العلم وقبل الفعل. وهذا المعنى من حيث ارتباطه بالفاعل يسمى (مشيئة) ومن حيث ارتباطه بالفعل يسمى (إرادة). والتقدير تعيين مقدار الفعل من حيث تعلق المشيئة به، والقضاء هو الحكم الأخير الذي لا واسطة بينه وبين الفعل.
وفي رواية أخرى عنه(ع): «إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَيْنِ وَ مَشِيئَتَيْنِ: إِرَادَةَ حَتْمٍ، وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ، يَنْهَى وَ هُوَ يَشَاءُ، وَ يَأْمُرُ وَ هُوَ لاَ يَشَاءُ. أَ وَ مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ نَهَى آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ زَوْجَتَهُ عَنْ أَنْ يَأْكُلاَ مِنَ اَلشَّجَرَةِ وَ هُوَ شَاءَ ذَلِكَ، وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلاَ، وَ لَوْ أَكَلاَ لَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهُمَا مَشِيئَةَ اَللَّهِ»[٣]، ويعلق العلامة "الطباطبائي" على ذلك بقوله: إنَّ الله نهى آدم عن الأكل وشاء ذلك، وأمر إبراهيم بالذبح ولم يشأه، أراد بالأمر والنهي التشريعيَين منهما، وبالمشيئة وعدمها التكوينيَيْن منهما.
وعلى أي حال فقد وردت مشيئة الله مع مشتقاتها المختلفة في القرآن الكريم في ما يقارب (۲۰۰) موضعاً، ويمكن تقسيمها إلى عدة طوائف.
الطائفة الأولى: الآيات التي تسند وجود بعض الظواهر في العالم إلى مشيئة الله، كقوله تعالى: ﴿وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَرِهِمْ﴾ [٤]
لقد ورد في القرآن حوالي (٥٤) آية بهذا المضمون، بعض منها بعيد الصلة عن أفعال الإنسان، وأما ما ورد فيها الإشارة إلى أفعال الإنسان فليست قاصرة الدلالة على الجبر فحسب، بل هي إلى الاختيار أقرب، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [٥]، فدخول حرف (لو) على تعلق مشيئة الله لهداية الناس أجمعين ينفي حصول الهداية بصورة جبرية، بل تكون الهداية بعد اختيار واختبار.
الطائفة الثانية: الآيات المفندة لمزاعم المفسدين حيث كانوا يربطون كفرهم وإلحادهم بمشيئة الله، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾[٦]، ثم يرد الله زعمهم بقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[٧]، هذه الآيات تصلح لإثبات الاختيار، ولا دلالة على الجبر، لأنَّ الله يردُّ مزاعمهم بأنِّي لم أجبركم على الهداية، إذ لو كنت أجبركم لم يكن لكم فضل في سلوك طريق الإيمان.
الطائفة الثالثة: الآيات التي تذكر إحاطة الله تعالى على الكون، كقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [٨]، ولا دلالة لأمثال هذه الآية على الجبر، لأنه لايوجد مَنْ ينكر خضوع الظواهر الكونية بأسرها بما فيها المنافع والأضرار لمشيئة الله، وليس الإنسان إلا موجوداً ضعيفاً في هذه المجموعة.
الطائفة الرابعة: الآيات التي تُعلق تحقق الأفعال على مشيئة الله، كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِرًا﴾ [٩]، وقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إن شاء اللهُ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [١٠]، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [١١]
فهذه الآيات لاتشير إلى جبرية أفعال الإنسان، بل تدل على أنَّ إرادة الإنسان ليست هي العلة التامة في وقوع الأفعال، إذ قد تصطدم هذه الإرادة بحواجز سميكة لاتستطيع اختراقها، فإنْ تعلقَتْ مشيئةُ الله بوقوع ذلك الفعل من الإنسان أُزيلت جميع الموانع من طريقه، وحيث يجهل الإنسان ما تخبئه له الأقدار فإنَّ عليه أنْ يستعين في أفعاله دوماً بجاعل القدر وخالقه، وعلى ضوء هذا نفهم المراد من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [١٢]
الطائفة الخامسة: الآيات التي تربط الغفران والعقاب بمشيئة الله، كقوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [١٣]، فلما كان الله تعالى قد قرر الثواب للمطيعين والعقاب على العاصين، أرادت هذه الآية وغيرها أنْ تقول: إنَّ رحمة الله وسعت كل شيء، فلا يتصورنَّ أحد أنَّ العُصاة معاقبون ومعذبون لامحالة بل يغفر الله لمن يشاء ويعذب من يشاء، لأنَّ قدرة الله عامة شاملة، ولايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
فهذا النوع من الآيات لا دلالة فيه على الجبر أيضاً.
الطائفة السادسة: الآيات التي تربط الإضلال والهداية بمشيئة الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [١٤]، وقال تعالى: ﴿وَ اللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[١٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِى مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [١٦] وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [١٧]، وقال تعالى: ﴿وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّلِمِينَ﴾ [١٨]
فأما الآية الأولى فإنها تعلق الهداية على مشيئة الله، وإذا صح ما يَدَّعيه الجبريون من دلالة هذه الآيات على حصول الهداية للفرد بصورة جبرية لم يكن مجال لتعليق الهداية على الإنابة (التي هي فعل اختياري للإنسان)، وإذا ضممنا هذا المعنى إلى ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَ الَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [١٩]، نستطيع الخروج بالنتيجة التالية: إنَّ الهدايةَ تتوقف على مقدمات اختيارية تصدر من الإنسان، ولكن تقرير المصير الجازم بيد الله تعالى.
أما الآيتان الأخيرتان فقد ذكر فيهما الإضلال لجماعة خاصة هم الفاسقون والظالمون، وإذا كان الله أراد لهم الضلال بمعنى أنهم كانوا مجبرين على الفسق والظلم والانحراف فلماذا يعيب الله عليهم ذلك؟!
وإذا كان الفسق والظلم مستنداً إلى سوء اختيارهم فلماذا ينسب الله الإضلال إلى نفسه؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: من المألوف في الأدب العربي أنَّ الصائغ إذا وضع الذهب أو الفضة في النار ليختبرها وخرجت فاسدة، فإنه يقال له: ﴿أَفْسَدَ ذَهَبَهُ أَوْ فِضَّتَهُ﴾ في حين أنه لم يفسدهما، بل كان أمرهما مشتبهاً على الناس فاختبرهما وأظهر فسادهما بالاختبار. وكذلك إسناد الإضلال إلى الله تعالى يحتمل أنْ يكون إظهاراً لضلال الفاسقين والمجرمين والظالمين بتعريضهم للاختبارات والامتحانات، كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَا وهُمْ لَايُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ﴾ [٢٠]
الطائفة السابعة: الآيات التي تربط مشيئة الناس بمشيئة الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا ومَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [٢١] وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يستقيم ومَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [٢٢]
فهاتان الآيتان تعتبران من أوضح أدلة الجبريين، ويجيب الأستاذ "الجعفري" عن الاستدلال بهما أنَّ مفاد الآيتين أنَّ الأفراد يستطيعون سلوك طريق الهداية بواسطة القرآن، ولكنهم لايختارون ولايشاؤون الهداية بإرادتهم، إلا أنْ يشاء الله إجبارهم على الهداية، ومن الواضح أنَّ هذا الإجبار لايحصل من الله، لأنَّ الدنيا دار الابتلاء والامتحان، وإنَّ كل ما يقع في هذه الحياة منوط بإرادة الإنسان واختياره[٢٣].
لكننا نرى أنَّ الأفضل هو أنْ نقول: إننا نجد فرقاً بَيِّناً بين هاتين العبارتين:
- وما تشاؤون إلا أنْ يشاء الله.
- وما تشاؤون إلا ما يشاء الله.
والقرآن الكريم لم يستعمل العبارة الثانية حتى يكون مفادها الجبر، وعدم تأثير مشيئة الإنسان في شيء، وإنما استعمل العبارة الأولى، وهذا المقدار كافٍ في عدم دلالة الآية على الجبر.[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: الشيخ محمد تقي الجعفري، الجبر والاختيار: ٢١٤.
- ↑ أصول الكافي، ج۱، ص۱٥۰.
- ↑ أصول الكافي، ج۱، ص۱۵۰.
- ↑ البقرة: ٢۰
- ↑ الرعد: ٣۱
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٤٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٤٩.
- ↑ الأعراف: ۱۸۸
- ↑ الكهف: ٦٩
- ↑ القصص: ۲۷
- ↑ الفتح: ٢٧
- ↑ الكهف: ٢٣-٢۴.
- ↑ البقرة: ٢٨٤
- ↑ الرعد: ۲۷
- ↑ البقرة: ۲۱٣
- ↑ فاطر: ۸
- ↑ البقرة: ٢٦.
- ↑ إبراهيم: ٢٧
- ↑ العنكبوت: ٦٩.
- ↑ العنكبوت: ١-٣.
- ↑ الإنسان: ۲۹-۳۰
- ↑ التكوير: ۲۷-۲۹.
- ↑ انظر: الشيخ محمد تقي الجعفري، الجبر والاختيار: ٢٢٢.
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٣٣-١٣٧.