الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العدل في علم الكلام»
لا يوجد ملخص تحرير
(أنشأ الصفحة ب'== تمهيد == تعتد مسألة «العدل» كلامياً من المسائل الفوارق بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والقائلين بالتحسين والتقبيح الشرعيين. فقد ركز وأكد الأولون من الفريقين عليها بكل ما أوتوا من حول علمي، وعلى رأس هؤلاء المعتزلة والامامية، وسار في خطهم الزي...') |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = العدل| عنوان المدخل =العدل | المداخل ذات الصلة = [[العدل في القرآن]] - [[العدل في الحديث]] - [[العدل في علم الكلام]] - [[العدل عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة = }} | |||
== تمهيد == | == تمهيد == | ||
تعتد مسألة «العدل» كلامياً من المسائل الفوارق بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والقائلين بالتحسين والتقبيح الشرعيين. | تعتد مسألة «العدل» كلامياً من المسائل الفوارق بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والقائلين بالتحسين والتقبيح الشرعيين. | ||
| سطر ١٣: | سطر ١٤: | ||
ومن أهمها المدلولان التاليان المرتبطان بموضوعنا وهما: | ومن أهمها المدلولان التاليان المرتبطان بموضوعنا وهما: | ||
===أولاً: العدل بمعنى الاستقامة=== | ===أولاً: العدل بمعنى الاستقامة=== | ||
«العدل» بمعنى «الاستقامة» في [[الفعل]] بوضع الشئ في موضعه، فلا [[ظلم]] ولا [[جور]].وعرف بأنه خلاف [[الجور]] والظلم.ويأتي هذا في [[الحكم]] والقضاء. ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني أمثال: | «العدل» بمعنى «الاستقامة» في [[الفعل]] بوضع الشئ في موضعه، فلا [[ظلم]] ولا [[جور]].وعرف بأنه خلاف [[الجور]] والظلم.ويأتي هذا في [[الحكم]] والقضاء. ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني أمثال: {{نص قرآني|وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٨.</ref>. {{نص قرآني|وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١١٥.</ref> {{نص قرآني|وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٥٩.</ref> {{نص قرآني|وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٨١.</ref> ومن [[الحديث الشريف]]:{{نص حديث| مَن الْمُنْجِيَاتُ كَلِمَةُ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ السَّخَطِ}} <ref>الخصال: ج 1، ص 85</ref> | ||
{{نص قرآني|وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٨.</ref>. {{نص قرآني|وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١١٥.</ref> {{نص قرآني|وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٥٩.</ref> {{نص قرآني|وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٨١.</ref> ومن [[الحديث الشريف]]:{{نص حديث| مَن الْمُنْجِيَاتُ كَلِمَةُ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ السَّخَطِ}} <ref>الخصال: ج 1، ص 85</ref> | |||
===ثانياً: العدل بمعنى الإنصاف=== | ===ثانياً: العدل بمعنى الإنصاف=== | ||
«العدل» بمعنى «الإنصاف» الذي يأتي وسطاً بين [[الظلم]] والتفضل (الاحسان). ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بإنقاص [[الحق]]، ولا تفضل بالزيادة عليه. ومنه قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}}<ref> سورة النحل، الآية ٩٠.</ref> | «العدل» بمعنى «الإنصاف» الذي يأتي وسطاً بين [[الظلم]] والتفضل (الاحسان). ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بإنقاص [[الحق]]، ولا تفضل بالزيادة عليه. ومنه قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}}<ref> سورة النحل، الآية ٩٠.</ref> | ||
ومن كلام [[الشيخ الصدوق]] هنا ما نصه: ان [[الله]] أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، وذلك أنه تعالى يقول: | ومن كلام [[الشيخ الصدوق]] هنا ما نصه: ان [[الله]] أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، وذلك أنه تعالى يقول: {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٦٠.</ref>.والعدل: هو أن يثيب على الحسنة الحسنة، ويعاقب على السيئة السيئة.<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ، ص ١٦4</ref>. | ||
{{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٦٠.</ref>.والعدل: هو أن يثيب على الحسنة الحسنة، ويعاقب على السيئة السيئة.<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ، ص ١٦4</ref>. | |||
والعدل: [[اسم]] من أسمائه الحسنى، وهو مصدر | والعدل: [[اسم]] من أسمائه الحسنى، وهو مصدر إلا أننا نستطيع أن نستخلص تعريف [[العدل]] كصفة من مضمون التعريف المذكور، بأنه: عدم [[فعل القبيح]]، وعدم الاخلال بالواجب، وعدم [[التكليف]] بما لا [[مصلحة]] فيه. | ||
إلا أننا نستطيع أن نستخلص تعريف [[العدل]] كصفة من مضمون التعريف المذكور، بأنه: عدم [[فعل القبيح]]، وعدم الاخلال بالواجب، وعدم [[التكليف]] بما لا [[مصلحة]] فيه. | |||
وعرفه [[الفاضل المقداد]] بأنه تنزيه [[الباري]] تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب <ref>النافع يوم الحشر ص ٤٣</ref> | وعرفه [[الفاضل المقداد]] بأنه تنزيه [[الباري]] تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب <ref>النافع يوم الحشر ص ٤٣</ref> فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفة من [[صفات الله تعالى]]، وهو المطلوب هنا. | ||
فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفة من [[صفات الله تعالى]]، وهو المطلوب هنا. | |||
والعدل من [[صفات الفعل]] كما هو واضح من التعريف، وأيضاً هو من [[الصفات الثبوتية]] لأنه وصف وجودي، ومما يتطلبه [[الكمال]] [[المطلق]] للذات الإلهية. | والعدل من [[صفات الفعل]] كما هو واضح من التعريف، وأيضاً هو من [[الصفات الثبوتية]] لأنه وصف وجودي، ومما يتطلبه [[الكمال]] [[المطلق]] للذات الإلهية. | ||
وقد يوهم تعريفه المذكور أعلاه بأنه من [[الصفات السلبية]]، لأنه اشتمل على ألفاظ سلبية مثل: التنزيه والعدم. | وقد يوهم تعريفه المذكور أعلاه بأنه من [[الصفات السلبية]]، لأنه اشتمل على ألفاظ سلبية مثل: التنزيه والعدم. | ||
لكن لعلمنا بأنهم غالباً ما يستخدمون الطريقة السلبية في التعريفات ندرك أنه ليس من مقصودهم ادراج العدل في قائمة الصفات السلبية لأننا نستطيع أن نستعمل الطريقة الايجابية في تعريفه، فنقول: العدل: هو [[فعل]] [[الحسن]] والاتيان بالواجب.<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]،ص 166</ref>. | لكن لعلمنا بأنهم غالباً ما يستخدمون الطريقة السلبية في التعريفات ندرك أنه ليس من مقصودهم ادراج العدل في قائمة الصفات السلبية لأننا نستطيع أن نستعمل الطريقة الايجابية في تعريفه، فنقول: العدل: هو [[فعل]] [[الحسن]] والاتيان بالواجب.<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]،ص 166</ref>. | ||
| سطر ٤١: | سطر ٣٦: | ||
===أولاً: الفعل=== | ===أولاً: الفعل=== | ||
عرفه بعضهم كالقاضي [[المعتزلي]] بقوله: الفعل: هو ما يحدث من [[القادر]]<ref>المختصر في أصول الدين ص٣٤٧</ref> | عرفه بعضهم كالقاضي [[المعتزلي]] بقوله: الفعل: هو ما يحدث من [[القادر]]<ref>المختصر في أصول الدين ص٣٤٧</ref> | ||
وبه نفسه عرفه أبو الحسين البصري. | وبه نفسه عرفه أبو الحسين البصري. | ||
وأورد عليه [[العلامة الحلي]] في كشف المراد<ref>ص ٢٣٥</ref> بأنه يلزم منه الدور لتعريفهم القادر بأنه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل، ثم قال: الفعل أعم من الصادر عن [[قادر]] أو غيره. | وأورد عليه [[العلامة الحلي]] في كشف المراد<ref>ص ٢٣٥</ref> بأنه يلزم منه الدور لتعريفهم القادر بأنه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل، ثم قال: الفعل أعم من الصادر عن [[قادر]] أو غيره. | ||
ولم يعرفه لأنه من المتصورات الضرورية كما [[نص]] على ذلك. | ولم يعرفه لأنه من المتصورات الضرورية كما [[نص]] على ذلك. | ||
وهو - في الواقع - من المفاهيم التي هي أعرف من أن تعرف، ومن هنا لم يحده الكثير من المتكلمين، واكتفوا بأن قالوا: الفعل [[ضروري]] [[التصور]]، أو هو من المتصورات الضرورية. | وهو - في الواقع - من المفاهيم التي هي أعرف من أن تعرف، ومن هنا لم يحده الكثير من المتكلمين، واكتفوا بأن قالوا: الفعل [[ضروري]] [[التصور]]، أو هو من المتصورات الضرورية. | ||
فالفعل هو ما نفهمه من مدلول لهذه [[الكلمة]]. | فالفعل هو ما نفهمه من مدلول لهذه [[الكلمة]]. | ||
| سطر ٥٠: | سطر ٤٨: | ||
#ما لا يكون له صفة زائدة على حدوثه، مثل: حركة [[الساهي]] والنائم. | #ما لا يكون له صفة زائدة على حدوثه، مثل: حركة [[الساهي]] والنائم. | ||
#ما يكون له صفة زائدة على حدوثه. | #ما يكون له صفة زائدة على حدوثه. | ||
ثم قسموا القسم الثاني إلى قسمين أيضاً هما: [[الحسن]] والقبيح. | ثم قسموا القسم الثاني إلى قسمين أيضاً هما: [[الحسن]] والقبيح. | ||
وقسموا الحسن إلى قسمين أيضاً هما: | وقسموا الحسن إلى قسمين أيضاً هما: | ||
#ما لا يكون له صفة زائدة على حسنه، وهو [[المباح]].وعرفوه بأنه: ما لا [[مدح]] في فعله ولا تركه ولا [[ذم]] فيهما<ref> نهج المسترشدين ٤٥</ref> | #ما لا يكون له صفة زائدة على حسنه، وهو [[المباح]].وعرفوه بأنه: ما لا [[مدح]] في فعله ولا تركه ولا [[ذم]] فيهما<ref> نهج المسترشدين ٤٥</ref> | ||
| سطر ٥٧: | سطر ٥٧: | ||
#[[المندوب]]: وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله، ولا يستحق [[الذم]] بتركه. | #[[المندوب]]: وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله، ولا يستحق [[الذم]] بتركه. | ||
الخلاصة: [[الفعل]] ما ليس له صفة ما له صفة زائدة زائدة على حدوثه على حدوثه حسن [[قبيح]] ما ليس له صفة ما له صفة زائدة زائدة على حسنه على حسنه واجب [[مندوب]] الواجب: | '''الخلاصة:''' [[الفعل]] ما ليس له صفة ما له صفة زائدة زائدة على حدوثه على حدوثه حسن [[قبيح]] ما ليس له صفة ما له صفة زائدة زائدة على حسنه على حسنه واجب [[مندوب]] الواجب: | ||
ومن التقسيم هذا عرفنا معنى الواجب بأنه ما يستحق فاعله المدح بفعله، والذم على تركه. | ومن التقسيم هذا عرفنا معنى الواجب بأنه ما يستحق فاعله المدح بفعله، والذم على تركه. | ||
===ثانياً: [[الحسن والقبيح]]=== | ===ثانياً: [[الحسن والقبيح]]=== | ||
رأينا انهما يقتسمان الفعل [[الحادث]] الذي له صفة زائدة على حدوثه. | رأينا انهما يقتسمان الفعل [[الحادث]] الذي له صفة زائدة على حدوثه. ومن هنا كان البحث في تحديد معنييهما أساسياً من ناحية منهجية، لتوقف فهم معنى [[العدل]] الذي هو [[فعل]] على فهم معناهما. | ||
ومن هنا كان البحث في تحديد معنييهما أساسياً من ناحية منهجية، لتوقف فهم معنى [[العدل]] الذي هو [[فعل]] على فهم معناهما. | |||
ولأن لهما أكثر من معنى ذكروا المعاني التي يطلقان عليها، ثم حرروا محل النزاع منها، فقالوا: | ولأن لهما أكثر من معنى ذكروا المعاني التي يطلقان عليها، ثم حرروا محل النزاع منها، فقالوا: | ||
تطلق كلمتا [[الحسن والقبح]] على معان ثلاثة متقابلة هي: | تطلق كلمتا [[الحسن والقبح]] على معان ثلاثة متقابلة هي: | ||
#يطلق الحسن ويراد به (الملاءمة للطبع)، ويطلق [[القبح]] في مقابله فيراد به (عدم الملاءمة للطبع)، مثل: (هذا الصوت حسن) بمعنى أنه ملائم للطبع و (ذلك الصوت قبيح) بمعنى أنه غير ملائم للطبع. | #يطلق الحسن ويراد به (الملاءمة للطبع)، ويطلق [[القبح]] في مقابله فيراد به (عدم الملاءمة للطبع)، مثل: (هذا الصوت حسن) بمعنى أنه ملائم للطبع و (ذلك الصوت قبيح) بمعنى أنه غير ملائم للطبع. | ||
#يطلق الحسن ويراد به ([[الكمال]])، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (النقص) أو (عدم الكمال)، مثل: ([[العلم]] حسن) بمعنى انه [[كمال]] للنفس، و ([[الجهل]] قبيح) على [[اعتبار]] أنه نقص للنفس. | #يطلق الحسن ويراد به ([[الكمال]])، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (النقص) أو (عدم الكمال)، مثل: ([[العلم]] حسن) بمعنى انه [[كمال]] للنفس، و ([[الجهل]] قبيح) على [[اعتبار]] أنه نقص للنفس. | ||
#يطلق الحسن ويراد به ادراك أن هذا الشئ أو ذاك مما ينبغي أن يفعل بحيث لو أقدم عليه [[الفاعل]] لكان موضع مدح [[العقلاء]] بما هم عقلاء، والقبح بخلافه، مثل: | #يطلق الحسن ويراد به ادراك أن هذا الشئ أو ذاك مما ينبغي أن يفعل بحيث لو أقدم عليه [[الفاعل]] لكان موضع مدح [[العقلاء]] بما هم عقلاء، والقبح بخلافه، مثل: (العدل حسن) و ([[الظلم]] قبيح). | ||
(العدل حسن) و ([[الظلم]] قبيح). | |||
والمراد بالحسن والقبيح في موضوعنا هو القسم الثالث، ويمكن تعريفهما بالتالي: | والمراد بالحسن والقبيح في موضوعنا هو القسم الثالث، ويمكن تعريفهما بالتالي: | ||
[[الفعل الحسن]]: هو الذي يمدح فاعله على فعله. | #[[الفعل الحسن]]: هو الذي يمدح فاعله على فعله. | ||
[[الفعل القبيح]]: هو الذي يذم فاعله على فعله. | #[[الفعل القبيح]]: هو الذي يذم فاعله على فعله. | ||
وقد اتفق المتكلمة والفلاسفة من المسلمين على امكان ادراك [[العقل]] للمعنيين الأولين للحسن والقبح. | وقد اتفق المتكلمة والفلاسفة من المسلمين على امكان ادراك [[العقل]] للمعنيين الأولين للحسن والقبح. | ||
واختلفوا في المعنى الثالث، فوقع محلا للنزاع بين [[الأشاعرة]] والعدلية ونقطة الخلاف فيه هي:<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ص168</ref>. | واختلفوا في المعنى الثالث، فوقع محلا للنزاع بين [[الأشاعرة]] والعدلية ونقطة الخلاف فيه هي:<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ص168</ref>. | ||
هل أن للأفعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن [[حكم]] الشارع؟. | هل أن للأفعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن [[حكم]] الشارع؟. أي: هل أن [[الحسن والقبح]] وصفان ذاتيان للأفعال، أو أنهما ليسا بذاتيين، وإنما يعرضان للأفعال بسبب حكم الشارع بحسن [[الفعل]] أو قبحه؟؟. | ||
أي: هل أن [[الحسن والقبح]] وصفان ذاتيان للأفعال، أو أنهما ليسا بذاتيين، وإنما يعرضان للأفعال بسبب حكم الشارع بحسن [[الفعل]] أو قبحه؟؟. | |||
فقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدين إلى أمر حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل إن ما حسنه الشارع فهو حسن، وما قبحه الشارع فهو [[قبيح]]. | فقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدين إلى أمر حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل إن ما حسنه الشارع فهو حسن، وما قبحه الشارع فهو [[قبيح]]. | ||
| سطر ٨٦: | سطر ٨٤: | ||
وعرف الأول أعني قول الأشاعرة - ب (التحسين والتقبيح الشرعيين) وعرف [[الرأي]] الثاني - أعني قول العدلية ب (التحسين والتقبيح العقليين) انظر: <ref>مبادئ أصول الفقه ص ٨٥ - ٨٦</ref><ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ص 169</ref>. | وعرف الأول أعني قول الأشاعرة - ب (التحسين والتقبيح الشرعيين) وعرف [[الرأي]] الثاني - أعني قول العدلية ب (التحسين والتقبيح العقليين) انظر: <ref>مبادئ أصول الفقه ص ٨٥ - ٨٦</ref><ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ص 169</ref>. | ||
== [[مذهب]] الأشاعرة ودليله == | |||
قال العضد الإيجي: [[القبيح]]: ما [[نهي]] عنه شرعاً. والحسن بخلافه. ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها. وليس ذلك عائداً إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه [[الشرع]]، بل الشرع هو المثبت له والمبين. ولو عكس القضية فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه، لم يكن ممتنعاً، وانقلب الأمر <ref>المواقف ص ٣٢٣</ref> | |||
ثم قال مستدلاً: لنا وجهان: | |||
ثم قال مستدلاً: | |||
لنا وجهان: | |||
#أن العبد مجبور في أفعاله.. وإذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا [[قبح]]، اتفاقاً. بيانه:أن العبد ان لم يتمكن من الترك فذاك هو [[الجبر]]، وإن [[تمكن]] ولم يتوقف على مرجح، بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه أخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً. وان توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، والا تسلسل، ووجب الفعل عنده، والا جاز معه الفعل والترك فاحتاج إلى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً. وعلى التقادير فلا [[اختيار]] للعبد فيكون مجبوراً <ref>المواقف ص ٣٢٤</ref> | #أن العبد مجبور في أفعاله.. وإذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا [[قبح]]، اتفاقاً. بيانه:أن العبد ان لم يتمكن من الترك فذاك هو [[الجبر]]، وإن [[تمكن]] ولم يتوقف على مرجح، بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه أخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً. وان توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، والا تسلسل، ووجب الفعل عنده، والا جاز معه الفعل والترك فاحتاج إلى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً. وعلى التقادير فلا [[اختيار]] للعبد فيكون مجبوراً <ref>المواقف ص ٣٢٤</ref> | ||
#لو كان قبح [[الكذب]] ذاتيا لما تخلف عنه، لأن ما بالذات لا يزول، واللازم [[باطل]]، فإنه قد يحسن إذا كان فيه [[عصمة]] دم [[نبي]]، بل يجب، ويذم تاركه قطعاً، وكذا إذا كان فيه انجاء متوعد بالقتل <ref>المواقف ص ٣٢٥</ref> | #لو كان قبح [[الكذب]] ذاتيا لما تخلف عنه، لأن ما بالذات لا يزول، واللازم [[باطل]]، فإنه قد يحسن إذا كان فيه [[عصمة]] دم [[نبي]]، بل يجب، ويذم تاركه قطعاً، وكذا إذا كان فيه انجاء متوعد بالقتل <ref>المواقف ص ٣٢٥</ref> | ||
== [[مذهب]] [[العدلية]] ودليلهم == | == [[مذهب]] [[العدلية]] ودليلهم == | ||
قال [[النصير الطوسي]]: وعند [[المعتزلة]] ان [[بديهة العقل]] تحكم بحسن بعض الأفعال. كالصدق النافع والعدل، وقبح بعضها كالظلم والكذب الضار. | |||
والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال. | والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال. | ||
والحسن العقلي: ما لا يستحق فاعل [[الفعل]] الموصوف به [[الذم]]. | والحسن العقلي: ما لا يستحق فاعل [[الفعل]] الموصوف به [[الذم]]. | ||
والقبح العقلي: ما يستحق به الذم. | والقبح العقلي: ما يستحق به الذم. | ||
والحسن الشرعي: ما لا يستحق به [[العقاب]]. | والحسن الشرعي: ما لا يستحق به [[العقاب]]. | ||
والقبح (الشرعي): ما يستحق به (العقاب). | والقبح (الشرعي): ما يستحق به (العقاب). | ||
وبإزاء [[القبح]]: [[الوجوب]]: وهو ما يستحق تارك الفعل الموصوف به الذم أو العقاب. | وبإزاء [[القبح]]: [[الوجوب]]: وهو ما يستحق تارك الفعل الموصوف به الذم أو العقاب. | ||
ويقولون بان [[الله]] لا يخل بالواجب العقلي، ولا يفعل [[القبح العقلي]] البتة. | ويقولون بان [[الله]] لا يخل بالواجب العقلي، ولا يفعل [[القبح العقلي]] البتة. | ||
وان من يخل بالواجب، ويرتكب القبح بالاختيار [[جاهل]] أو محتاج <ref>قواعد العقائد ص ٤٥٢</ref> | وان من يخل بالواجب، ويرتكب القبح بالاختيار [[جاهل]] أو محتاج <ref>قواعد العقائد ص ٤٥٢</ref> | ||
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الذي يدرك حسن الافعال وقبحها في رأي [[الحكماء]] هو [[العقل]] العملي لا العقل النظري. | ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الذي يدرك حسن الافعال وقبحها في رأي [[الحكماء]] هو [[العقل]] العملي لا العقل النظري. | ||
والى هنا ننتهي إلى أن [[العدل]] عند [[الأشاعرة]] هو ما يفعله [[الله تعالى]] لأن ما يفعله هو [[الحسن]]. | والى هنا ننتهي إلى أن [[العدل]] عند [[الأشاعرة]] هو ما يفعله [[الله تعالى]] لأن ما يفعله هو [[الحسن]]. | ||
وأن العدل عند العدلية: هو أن الله لا يفعل الا ما هو حسن عقلا. | وأن العدل عند العدلية: هو أن الله لا يفعل الا ما هو حسن عقلا. | ||
==[[دليل]] العدل== | ==[[دليل]] العدل== | ||
الدليل على [[وجوب]] اتصافه بالعدل هو: | الدليل على [[وجوب]] اتصافه بالعدل هو: انه لو لم يكن الله عادلا لكان ناقصا، والنقص منتف بالضرورة فيثبت كونه عادلاً. | ||
انه لو لم يكن الله عادلا لكان ناقصا، والنقص منتف بالضرورة فيثبت كونه | |||
وأيضاً لو جاز عليه [[فعل القبيح]] لجاز عليه [[الكذب]]، فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده، وترتفع [[الأحكام]] الشرعية، وينقض [[الغرض]] المقصود من بعث [[الأنبياء]] والرسل النكت <ref>الاعتقادية ص ٤٠١</ref> | |||
وقرره شيخنا المظفر بالتالي: | |||
فلو كان يفعل [[الظلم]] والقبح - تعالى عن ذلك - فان الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور: | وقرره شيخنا المظفر بالتالي: فلو كان يفعل [[الظلم]] والقبح - تعالى عن ذلك - فان الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور: | ||
#ان يكون جاهلا بالأمر فلا يدري أنه [[قبيح]]. | #ان يكون جاهلا بالأمر فلا يدري أنه [[قبيح]]. | ||
#ان يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه. | #ان يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه. | ||
#ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج إلى فعله. | #ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج إلى فعله. | ||
#ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في أن يكون فعله له تشهيا وعبثا ولهوا. | #ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في أن يكون فعله له تشهيا وعبثا ولهوا. | ||
وكل هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض [[كمال]]، فيجب أن نحكم أنه منزه عن [[الظلم]] وفعل ما هو [[قبيح]] <ref>عقائد الإمامية ص ٦٤ - ٦٥</ref> | وكل هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض [[كمال]]، فيجب أن نحكم أنه منزه عن [[الظلم]] وفعل ما هو [[قبيح]] <ref>عقائد الإمامية ص ٦٤ - ٦٥</ref> | ||
من المكابرة أن ننكر أن يكون لمثل [[العدل]] والظلم قيم ذاتية يدركها [[العقلاء]] بما هم عقلاء، إذ لا أدل على ذلك من وضع القوانين والأنظمة واتباع [[الأعراف]] في مختلف المجتمعات حاضرة وبادية. | الموازنة: من المكابرة أن ننكر أن يكون لمثل [[العدل]] والظلم قيم ذاتية يدركها [[العقلاء]] بما هم عقلاء، إذ لا أدل على ذلك من وضع القوانين والأنظمة واتباع [[الأعراف]] في مختلف المجتمعات حاضرة وبادية. | ||
فلولا [[إدراك]] أبنائها أن العدل بما هو [[عدل]] حسن، وأن الظلم بما هو [[ظلم]] قبيح لما تواضعوا فيما بينهم ووضعوا الأنظمة لحفظ [[الحقوق]] وإقرار العدل. | فلولا [[إدراك]] أبنائها أن العدل بما هو [[عدل]] حسن، وأن الظلم بما هو [[ظلم]] قبيح لما تواضعوا فيما بينهم ووضعوا الأنظمة لحفظ [[الحقوق]] وإقرار العدل. | ||
فالقضية من البداهة والوضوح بمكان. | |||
وعليه: | فالقضية من البداهة والوضوح بمكان. وعليه: | ||
#للعدل مفهوم محدد، وهو [[فعل]] [[الحسن]] العقلي. | #للعدل مفهوم محدد، وهو [[فعل]] [[الحسن]] العقلي. | ||
#ان معنى أن [[الله تعالى]] عدل: لا يفعل [[القبيح العقلي]]. | #ان معنى أن [[الله تعالى]] عدل: لا يفعل [[القبيح العقلي]]. | ||
#ان صفة العدل تساوق كونه حكيما، والحكمة وضع الشئ في موضعه، والاتيان بالفعل في محله.<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ص172</ref>. | #ان صفة العدل تساوق كونه حكيما، والحكمة وضع الشئ في موضعه، والاتيان بالفعل في محله.<ref>[[عبدالهادي الفضلي]]، [[خلاصة علم الكلام (كتاب)|'''خلاصة علم الكلام''']]، ص172</ref>. | ||
==عقيدة العدل في القرآن الكريم== | ==عقيدة العدل في القرآن الكريم== | ||