←المراجع والمصادر
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ٤٨٨: | سطر ٤٨٨: | ||
وقد اتفق الفقهاء على صحة الأجل (فيما يقبل التأجيل) إذا كان الأجل معلومًا، فأما كيفية العلم به فإنه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمانٍ بعينه لا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ ومن جماعةٍ إلى جماعةٍ، وذلك إنما يكون إذا كان محددًا باليوم والشهر والسنة... وإنما اتفقوا؛ لأن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم، فهذا يطالبه في قريب المدة، وذاك في بعيدها، وكل ما يفضي إلى المنازعة يجب إغلاق بابه، ولأنه. سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود، وقد أمرنا بالوفاء بها <ref>الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ٢/٣٣.</ref>. | وقد اتفق الفقهاء على صحة الأجل (فيما يقبل التأجيل) إذا كان الأجل معلومًا، فأما كيفية العلم به فإنه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمانٍ بعينه لا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ ومن جماعةٍ إلى جماعةٍ، وذلك إنما يكون إذا كان محددًا باليوم والشهر والسنة... وإنما اتفقوا؛ لأن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم، فهذا يطالبه في قريب المدة، وذاك في بعيدها، وكل ما يفضي إلى المنازعة يجب إغلاق بابه، ولأنه. سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود، وقد أمرنا بالوفاء بها <ref>الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ٢/٣٣.</ref>. | ||
==الأجل في الآخرة== | |||
وهذا هو أجل الآجال ومنتهى العمر والأعمال، فكل شيء عند الله بمقدار، إليه يرجع الأمر كله، أوله وآخره، علنه وسره، فإن الله سبحانه بواسع علمه وحكيم صنعته جعل لهذه الحياة أجلًا عنده تنقضي، ووقتًا إليه تنتهي، إنه يوم القيامة، يوم البعث والنشور. | |||
===أجل يوم القيامة=== | |||
وقد وردت الآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى التي تبين أن يوم القيامة مؤخرٌ إلى وقت معلوم محدود. | |||
يقول سبحانه: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية 99.</ref>. | |||
أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم. | |||
وقوله: {{نص قرآني| وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ }} أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدةً مقدرةً لا بد من انقضائها. | |||
كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ}}<ref> سورة هود، الآية 104.</ref>. | |||
وقوله: {{نص قرآني|فَأَبَى الظَّالِمُونَ}} أي: بعد قيام الحجة عليهم {{نص قرآني|إِلَّا كُفُورًا}} إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/١١٣.</ref>. | |||
وقد قضى الله تعالى هذا الأجل منذ الأزل {{ نص قرآني |هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 2.</ref>. | |||
عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {{نص قرآني| وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ }} قال: إلى يوم القيامة. | |||
وروي عن سعيد بن جبيرٍ، وعطية، والضحاك، وعكرمة، والسدي، وعطاءٍ الخراساني، والربيع بن أنسٍ نحو ذلك <ref>تفسير ابن أبي حاتم، ٤/١٢٦١.</ref>. | |||
وأجل يوم القيامة جاء مانعًا من تعجيل العذاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هي آخر الأمم. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى}}<ref> سورة طه، الآية 129.</ref>. | |||
بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلًا على من كذب وكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فقال: {{ نص قرآني |وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى}}. | |||
وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجلٌ مسمًى لكان لزامًا. | |||
ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال <ref>مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ٢٢/١١٢.</ref>. | |||
وأجل القيامة آتٍ لا محالة لا يحابي أحدًا أو ينتظر أحدًا. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }}<ref> سورة العنكبوت، الآية 5-6.</ref>. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ}} أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات ورجا ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملًا موفرًا، فإن ذلك كائنٌ لا محالة لأنه سميع الدعاء بصير بكل الكائنات... | |||
وقوله تعالى: {{نص قرآني| وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ }} كقوله تعالى: {{ نص قرآني |مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}}<ref> سورة فصلت، الآية 46.</ref>. | |||
أي: من عمل صالحًا، فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله تعالى غنيٌ عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٣٨.</ref>. | |||
===أجل النعيم والعذاب=== | |||
وكما اقتضت سنة الله الحكيم العليم بمجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إسائته، فإن هذا الجزاء مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأجل انقضاء الدنيا وحلول البعث الذي فيه الحساب حيث يصير الناس إلى فريقين أهل النعيم وأهل العذاب والجحيم. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ}}<ref> سورة هود، الآية 103-108.</ref>. | |||
يخبر الله تعالى عن تأخير يوم القيامة وعذابه إلى أجل معين: {{نص قرآني| وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ }} أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لانتهاء مدة محدودة في علمنا، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهي عمر الدنيا، لإعطاء الفرصة الكافية للناس لإصلاح أعمالهم، وتصحيح عقيدتهم. | |||
{{متن قرآني| فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ }} أي: فمن أهل الجمع من الناس في ذلك اليوم شقي معذب لكفره وعصيانه، ومنهم سعيد منعم في الجنان لإيمانه واستقامته، كما أخبر تعالى: {{ نص قرآني |فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}}<ref> سورة الشورى، الآية 7.</ref>. | |||
فمن أريد له الشر فعمل الشر، فهو من أهل الشقاوة، ومن أريد له الخير فعمل الخير، فهو من أهل السعادة، وكل ميسر لما خلق له... ثم بين الله تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال عن الفريق الأول: | |||
{{نص قرآني|فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ }} أي: فأما الأشقياء فهم في جهنم مستقرهم ومثواهم، بسبب اعتقادهم الفاسد وعملهم السيء، لهم من الهم والكرب وضيق الصدر زفير وشهيق، تنفسهم زفير، وإخراجهم النفس، وشهيق، لما هم فيه من العذاب، كما ذكر ابن كثير، مع أن الزفير في العادة هو إخراج النفس، والشهيق: رده. | |||
{{نص قرآني|خَالِدِينَ فِيهَا }} أي: ماكثين فيها على الدوام، مدة بقاء السماوات والأرض، والمراد: التأبيد ونفي الانقطاع، على سبيل التمثيل وقول العرب: أفعل كذا أو لا أفعله ما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وما تغنت حمامة. | |||
ثم ذكر الله تعالى جزاء الفريق الثاني وهم السعداء: {{نص قرآني| وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ }} أي: وأما أهل السعادة وهم أتباع الرسل، فمأواهم الجنة، {{نص قرآني|خَالِدِينَ فِيهَا }} أي: ماكثين فيها أبدًا، مدة دوام السماء والأرض، بمشيئة الله تعالى، عطاء غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية، كقوله تعالى: {{ نص قرآني | لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}}<ref> سورة فصلت، الآية 8.</ref>. | |||
قال [[ابن كثير]]: معنى الاستثناء هاهنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس. | |||
فكلٌ من جزائي أهل النار وأهل الجنة دائمٌ بمشيئة الله تعالى. | |||
فعذاب أهل النار في النار دائمًا مردود إلى مشيئته تعالى، وأنه بعدله وحكمته موافق لأعمالهم. | |||
وثواب أهل الجنة في الجنة بحسب مشيئته تعالى أيضًا، جزاء بما كانوا يعملون. | |||
إلا أنه تعالى أورد فرقًا في ختام آية كل من الفريقين، فقال عقب بيان حال الأشقياء: {{نص قرآني| إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }} كما قال: {{ نص قرآني |لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 23.</ref>. | |||
وقال عقب بيان حال السعداء: {{نص قرآني|عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ}}}} تطييب القلوب، والإشارة إلى أن جزاء المؤمنين هبة منه تعالى وإحسان دائم. | |||
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن [[أبي هريرة]]: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم ٥٦٧٣، ٧/١٢١.</ref>. | |||
وجاء في الصحيحين: (يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة)، رقم ٤٧٣٠، ٦/٩٣. التفسير المنير، الزحيلي، ١٢/١٤٩-١٥٣.</ref> | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# | # | ||