الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»

سطر ٦٩: سطر ٦٩:


'''الصلة بين الأمن والسلام:''' الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، أما السلام: أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم من صاحبه، مع وزوال المحنة <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٢٥٤.</ref>.
'''الصلة بين الأمن والسلام:''' الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، أما السلام: أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم من صاحبه، مع وزوال المحنة <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٢٥٤.</ref>.
==الأساليب القرآنية في عرض الأمن==
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن الأمن، وبيانها فيما يأتي:
=== الامتنان بالأمن===
إن نعمة الأمن من الخوف من أجل النعم التي من الله بها على العباد، والله سبحانه وتعالى ذكر عن إبراهيم عليه السلام دعاءه في سورة إبراهيم (٣٧-٤١) وذكر أنه طلب في دعائه أمورًا سبعةً.
وكان المطلوب الأول: أنه طلب من الله نعمة الأمان، وهو قوله: (ئې ئى ئى ئى ی) [البقرة: ١٢٦].
والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيءٌ من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل21.
وإن الله تعالى ذكر امتنانه على عباده بتلك النعمة الجليلة في غير ما آية من كتاب الله تعالى، ومن صور الامتنان بنعمة الأمن في القرآن الكريم ما يلي:
١. الامتنان على أهل مكة.
وتكرر ذلك في أكثر من موضع في القرآن، ومن ذلك:
قوله تعالى: (چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [العنكبوت: ٦٧].
وقال تعالى: (ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ) [القصص: ٥٧]22.
عن قتادة قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا، إذا خرج أحدهم فقال: إني من أهل الحرم لم يتعرض له، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل23.
وقال سبحانه: (ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ) [الفيل: ١ - ٥].
وقال: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ) [قريش: ١ - ٤].
فكلتا السورتين تذكير بنعم الله على أهل مكة، فسورة الفيل تشتمل على إهلاك عدوهم (وهو نوع من تأمينهم) الذي جاء لهدم البيت الحرام أساس مجدهم وعزهم، وسورة قريش تذكر نعمة أخرى اجتماعية واقتصادية، حيث حقق الله بينهم الألفة واجتماع الكلمة، وأكرمهم بنعمة الأمن والاستقرار، ونعمة الغنى واليسار24.
إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع، إنها الكعبة الحرام، تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس، بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات، فتحل الطمأنينة محل الخوف، ويحل السلام محل الخصام، وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن والسلام، وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي-لا في عالم المثل والنظريات- على هذه المشاعر وهذه المعاني، فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز على التحقيق في واقع الحياة.
لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل الإنسان، والطير، والحيوان، والحشرات بالأمن في البيت الحرام.
ولقد ألقى الله في قلوب العرب -حتى في جاهليتهم- حرمة هذه الأشهر، فكانوا لا يروعون فيها نفسًا، ولا يطلبون فيها دمًا، ولا يتوقعون فيها ثأرًا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالًا آمنًا للسياحة، والضرب في الأرض، وابتغاء الرزق.
جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة -بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام، تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع.
لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وجعله مثابة للناس وأمنًا، حتى لقد امتن الله به على المشركين أنفسهم إذ كان بيت الله بينهم مثابة لهم وأمنًا، والناس من حولهم يتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم -بعد ذلك- لا يشكرون الله ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد، ويقولون للرسول صلى الله عليه وسلم إذ يدعوهم إلى التوحيد: (ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀہ)، فحكى الله قولهم هذا وبين حقيقة الأمن والمخافة، فقال: (ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ) [القصص: ٥٧]25.
وقال تعالى ممتنًا على قريش: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ) [الأنفال: ٢٦].
قال قتادة: «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالةً، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين على رأس حجرٍ بين الأسدين: فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذٍ من شيءٍ يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا يومئذٍ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًا وأدق فيها شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك»26.
٢. الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه رضوان الله عليهم.
قال الله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ) [آل عمران: ١٥٤].
وقال: (ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ) [الأنفال: ١١].
قال ابن كثير: «يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ ٺ ٺ) [آل عمران: ١٥٤].
أما النعاس فقد أصابهم يوم أحدٍ، وأمر ذلك مشهورٌ جدًا، وأما يوم بدرٍ في هذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدرٍ، وهي دالةٌ على وقوع ذلك أيضًا، وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنةً مطمئنةً بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم، ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: (ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ) [الشرح: ٥ - ٦]»27.
وعن أنسٍ، عن أبي طلحة رضي الله عنهما قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه»28.
قال ابن القيم: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليلٌ على الأمن، وهو من الله»29.
وقال الرازي: «واعلم أن كل نومٍ ونعاسٍ فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى، فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدةٍ، وذكروا فيه وجوهًا:
أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف، وحصول الأمن.
وثانيها: أنهم خافوا من جهاتٍ كثيرةٍ.
أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار.
وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين.
وثالثها: العطش الشديد، فلولا حصول هذا النعاس، وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر.
والوجه الثالث: في بيان كون ذلك النعاس نعمةً في حقهم، أنهم ما ناموا نومًا غرقًا يتمكن العدو من معاقصتهم، بل كان ذلك نعاسًا يحصل لهم زوال الأعيان والكلال، مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه.
والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس دفعةً واحدةً مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمرٌ خارقٌ للعادة، فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز»30.
٣. الامتنان على أهل الجنة.
قال تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) [الحجر: ٤٥ - ٤٦].
وقال: (ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې) [سبأ: ٣٧].
قال ابن القيم: «قال تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں) [الدخان: ٥١ - ٥٢].
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ)[الدخان: ٥١]. وفي قوله تعالى: (ھ ھ ھ ے ے) [الدخان: ٥٥].
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتًا»31.
٤. الامتنان على أهل سبأ:
قال تعالى: (ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ) [سبأ: ١٨].
قال ابن كثير: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في قريةٍ، ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم»32.
وقال ابن عاشور: «وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان؛ لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار؛ لأن الليل تعترضهم فيه القطاع والسباع»33.
فالواجب علينا أن نشكر الله تعالى على هذه النعمة، وأن نعلم أننا سنسأل عنها، كما قال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ) [التكاثر: ٨].
ذكر ابن مسعودٍ رضي الله عنه وجماعة أن النعيم: الأمن والصحة34.
=== التحذير من الركون إلى الأمن===
قال تعالى: (ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چچ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون، وهم الهالكون»35.
وقال الطاهر ابن عاشور: «واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله: (ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئې ئې ئى) [الأعراف: ٩٤].
ثم قوله: (ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ) الآيات، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمنٌ ناشئٌ عن كفرٍ، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم، وما أطلق عليه أنه مكر الله»36.
وقال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ) [الإسراء: ٦٧ - ٦٩].
قال في الظلال: «ولكن الإنسان هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء، وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر».
وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر، أو وهم يعودون إليه في البحر؛ ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في البر، لا في الموجة الرخية والريح المواتية، ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: (ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ) [الإسراء: ٦٨ - ٦٩].
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟!
أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلًا يحميهم ويدفع عنهم؟
أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحًا قاصفة، تقصف الصواري وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله!37.
وقال تعالى: (ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک) [النحل: ٤٥ - ٤٧].
وقال تعالى: (ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى ئى ی ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي تج تح تخ تم تى تي ثج ثم ثى ثي جح جم حج ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ) [المطففين: ٢٩ - ٣٦].
قال السعدي: « (ئم ئى) أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرؤوا على القول عليه بلا علم، فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال، نعم ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلًا من الله وحكمة، والله عليم حكيم»38.
فالواجب على الناس أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم، عسى ألا يكون فيهم، لو كانوا يسمعون!
وما يريد الله للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار، فالفزع الدائم من المجهول، والقلق الدائم من المستقبل، وتوقع الدمار في كل لحظة، قد تشل طاقة البشر وتشتتها، وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج، وتنمية الحياة، وعمارة الأرض، إنما يريد الله منهم اليقظة والحساسية والتقوى، ومراقبة النفس، والعظة بتجارب البشر، ورؤية محركات التاريخ الإنساني، وإدامة الاتصال بالله، وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة.
والله يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة، إذا هم أرهفوا حساسيتهم به، وإذا هم أخلصوا العبودية له، وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة، فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار الله، لا في جوار النعيم المادي المغري، وإلى الثقة بقوة الله، لا بقوتهم المادية الزائلة، وإلى الركون إلى ما عند الله، لا إلى ما يملكون من عرض الحياة.
ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين لله سلف ما كان يأمن مكر الله، وما كان يركن إلى سواه، وكان بهذا وذاك عامر القلب بالإيمان، مطمئنًا بذكر الله، قويًا على الشيطان وعلى هواه، مصلحًا في الأرض بهدى الله، لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه.
وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك؛ لندرك أنه لا يدعو إلى القلق، إنما يدعو إلى اليقظة، ولا يؤدي إلى الفزع، إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا يعطل الحياة، إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان.
والمنهج القرآني-مع ذلك- إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم، فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة، ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير39.
يقول السعدي: « (ڃ ڃ چچ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم إن كيده متين (چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) فإن من أمن من عذاب الله فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان.
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان.
بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)40. وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة»41.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢١

تعديل