الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»
←التحذير من الركون إلى الأمن
| سطر ١٥٦: | سطر ١٥٦: | ||
=== التحذير من الركون إلى الأمن=== | === التحذير من الركون إلى الأمن=== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }}<ref> سورة الأعراف، الآية 97-99.</ref>. | |||
قال تعالى: | قال [[الطبري]]: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون، وهم الهالكون» <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/٣٣٤..</ref>. | ||
وقال [[الطاهر ابن عاشور]]: «واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله: {{ نص قرآني |وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 94.</ref>. | |||
ثم قوله: {{ نص قرآني |أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا}} الآيات، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمنٌ ناشئٌ عن كفرٍ، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم، وما أطلق عليه أنه مكر الله» <ref>التحرير والتنوير، ٩/٢٤.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورًا أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا }}<ref> سورة الإسراء، الآية 67-69.</ref>. | |||
وقال تعالى: | |||
قال في الظلال: «ولكن الإنسان هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء، وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر». | قال في الظلال: «ولكن الإنسان هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء، وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر». | ||
وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر، أو وهم يعودون إليه في البحر؛ ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في البر، لا في الموجة الرخية والريح المواتية، ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: | وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر، أو وهم يعودون إليه في البحر؛ ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في البر، لا في الموجة الرخية والريح المواتية، ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: {{ نص قرآني | أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا }}<ref> سورة الإسراء، الآية 68-69.</ref>. | ||
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟! | إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟! | ||
| سطر ١٧٧: | سطر ١٧٦: | ||
أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحًا قاصفة، تقصف الصواري وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟ | أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحًا قاصفة، تقصف الصواري وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟ | ||
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! | ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٠.</ref>. | ||
وقال تعالى: | وقال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }}<ref> سورة النحل، الآية 45-47.</ref>. | ||
وقال تعالى: | وقال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }}<ref> سورة المطففين، الآية 29-36.</ref>. | ||
قال السعدي: « | قال السعدي: « {{ نص قرآني | انقَلَبُواْ فَكِهِينَ }}<ref> سورة المطففين، الآية 31.</ref> أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرؤوا على القول عليه بلا علم، فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال، نعم ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلًا من الله وحكمة، والله عليم حكيم» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩١٦.</ref>. | ||
فالواجب على الناس أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم، عسى ألا يكون فيهم، لو كانوا يسمعون! | فالواجب على الناس أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم، عسى ألا يكون فيهم، لو كانوا يسمعون! | ||
| سطر ١٩٥: | سطر ١٩٤: | ||
وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك؛ لندرك أنه لا يدعو إلى القلق، إنما يدعو إلى اليقظة، ولا يؤدي إلى الفزع، إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا يعطل الحياة، إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان. | وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك؛ لندرك أنه لا يدعو إلى القلق، إنما يدعو إلى اليقظة، ولا يؤدي إلى الفزع، إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا يعطل الحياة، إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان. | ||
والمنهج القرآني-مع ذلك- إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم، فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة، ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف | والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم، فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة، ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/١٣٤١.</ref>. | ||
يقول السعدي: « | يقول السعدي: « {{ نص قرآني | أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }}<ref> سورة الأعراف، الآية 99.</ref> حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم إن كيده متين {{ نص قرآني |فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }}<ref> سورة الأعراف، الآية 99.</ref> فإن من أمن من عذاب الله فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان. | ||
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان. | وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان. | ||
بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) | بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/١٦٠، رقم ١٢١٠٧، والترمذي في سننه، أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ٤/١٦، رقم ٢١٤٠، وحسنه. وصححه الألباني، صحيح الجامع ٢/١٣٢٣، رقم ٧٩٨٧.</ref>. وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٢٩٨.</ref>. | ||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||