الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢: | سطر ٢: | ||
==مفهوم الأمن== | ==مفهوم الأمن== | ||
=== المعنى اللغوي=== | === المعنى اللغوي=== | ||
الأمن ضد | [[الأمن]] ضد [[الخوف]]، والمأمن: موضع الأمن، والآمن: المستجير ليأمن على نفسه <ref>انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١/١٠٧.</ref>، والأمان والأمانة بمعنىً، وقد أمنت فأنا آمن، وآمنت غيري من الأمن والأمان <ref>انظر: مختار الصحاح، الرازي، ٥/٢٠٧١.</ref>، وأمن كفرح أمناً وأماناً بفتحهما، وأمناً وأمنةً محركتين، وإمناً بالكسر، فهو أمن وأمين كفرح وأمير، ورجل أمنةٌ كهمزة ويحرك: يأمنه كل أحد في كل شيء<ref>انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ٤/١٩٧.</ref>، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل [[الأمان]] تارة اسماً للحالة التي يكون عليها [[الإنسان]] في الأمن، وتارة اسماً لما يؤمن عليه الإنسان <ref>انظر: المفردات، ص ٩٠.</ref>. | ||
ومن خلال ما تقدم من معانٍ لغوية يتضح لنا أن كلمة الأمن لها عدة إطلاقات: فهي تعنى الطمأنينة وعدم الخوف، أو الثقة والهدوء النفسي، إضافة إلى راحة | ومن خلال ما تقدم من معانٍ لغوية يتضح لنا أن كلمة الأمن لها عدة إطلاقات: فهي تعنى الطمأنينة وعدم الخوف، أو الثقة والهدوء النفسي، إضافة إلى راحة [[القلب]]، وعدم وقوع الغدر أو [[الخيانة]] من الغير. | ||
===المعنى الاصطلاحي=== | ===المعنى الاصطلاحي=== | ||
عرفه المناوي بقوله: «عدم توقع مكروهٍ في الزمن الآتي، وأصله طمأنينة | عرفه [[المناوي]] بقوله: «عدم توقع مكروهٍ في الزمن الآتي، وأصله طمأنينة [[النفس]]، وزوال الخوف»<ref>التوقيف، المناوي، ص٦٣.</ref>. | ||
وقال الراغب الأصفهاني: «أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف» <ref>المفردات، ص٩٠.</ref>. | وقال [[الراغب الأصفهاني]]: «أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف» <ref>المفردات، ص٩٠.</ref>. | ||
ومن خلال هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية تبين أن هناك | ومن خلال هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية تبين أن هناك ارتباطاً بينها، فالأمن ضد الخوف، وهو يعني: الأمان والطمأنينة والسكون والثقة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص ١١٦</ref> | ||
==الأمن في الاستعمال القرآني== | ==الأمن في الاستعمال القرآني== | ||
وردت مادة (أمن) في القرآن (٨٥٣) مرة، ويخص موضوع البحث منها (٤٥) مرة<ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٨١،٨٩.</ref>. | وردت مادة (أمن) في [[القرآن]] (٨٥٣) مرة، ويخص موضوع البحث منها (٤٥) مرة<ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٨١،٨٩.</ref>. | ||
والصيغ التي وردت هي: | والصيغ التي وردت هي: | ||
{| class="wikitable" | {|class="wikitable" | ||
|- | |- | ||
! الصيغة !! عدد المرات !! المثال | ! الصيغة !! عدد المرات !! المثال | ||
|- | |- | ||
| الفعل الماضي || | |الفعل الماضي||١٤||{{نص قرآني|أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٧.</ref> | ||
|- | |- | ||
| الفعل المضارع || | |الفعل المضارع||٧||{{نص قرآني|قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ١١.</ref> | ||
|- | |- | ||
| المصدر || | |المصدر||٧||{{نص قرآني|وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ}}<ref> سورة النساء، الآية ٨٣.</ref> | ||
|- | |- | ||
| اسم الفاعل || | |اسم الفاعل||١٧||{{نص قرآني|وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٩٩.</ref> | ||
|} | |} | ||
وجاء الأمن في القرآن بمعناه في اللغة وهو: طمأنينة النفس وزوال الخوف <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٩٠.</ref>.<ref> | وجاء الأمن في القرآن بمعناه في [[اللغة]] وهو: طمأنينة النفس وزوال الخوف <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٩٠.</ref>.<ref>موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم'''، ص ١١٧</ref> | ||
==الألفاظ ذات الصلة== | ==الألفاظ ذات الصلة== | ||
===الخوف=== | ===[[الخوف]]=== | ||
الخوف لغة: الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدل على الذعر والفزع <ref>مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٢٣٠.</ref>. | الخوف لغة: الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدل على الذعر والفزع <ref>مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٢٣٠.</ref>. | ||
الخوف | الخوف اصطلاحاً: «خلاف [[الأمن]]، والأمن [[سكون النفس]]، والخوف من انزعاجها وقلقها» <ref>الوجوه والنظائر، العسكري، ص ٢٠٣.</ref>. | ||
وقال التفتازاني: | وقال التفتازاني: «[[غم]] يلحق [[الإنسان]] مما يتوقعه من السوء» <ref>التوقيف، المناوي ص ١٦١</ref>. | ||
الصلة بين الأمن والخوف: يلاحظ أن الخوف جاء على خلاف الأمن، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد. | الصلة بين الأمن والخوف: يلاحظ أن الخوف جاء على خلاف الأمن، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد. | ||
===القلق=== | ===القلق=== | ||
'''القلق لغة:''' القاف واللام والقاف كلمةٌ تدل على الانزعاج | '''القلق لغة: ''' القاف واللام والقاف كلمةٌ تدل على الانزعاج <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٥/ ٢٣.</ref>. | ||
'''القلق | '''القلق اصطلاحاً: ''' «حالة انفعالية، تتميز بالخوف مما قد يحدث» <ref>المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية،٢/ ٧٥٦.</ref>. | ||
'''الصلة بين الأمن والقلق:''' القلق يدل على الانزعاج نتيجة الخوف، بخلاف الأمن الذي يدل على الطمأنينة والسكون، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد. | '''الصلة بين الأمن والقلق: ''' القلق يدل على الانزعاج نتيجة الخوف، بخلاف الأمن الذي يدل على الطمأنينة والسكون، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد. | ||
===الطمأنينة=== | ===الطمأنينة=== | ||
'''الطمأنينة لغة:''' السكون بعد الانزعاج <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني،ص ٥٢٤.</ref>. | '''الطمأنينة لغة: ''' السكون بعد الانزعاج <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني،ص ٥٢٤.</ref>. | ||
'''الطمأنينة | '''الطمأنينة اصطلاحاً: ''' الاطمئنان والثقة، وعدم القلق والقرار <ref>انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢/ ٥٦٧.</ref>. | ||
'''الصلة بين الأمن والطمأنينة:''' إن الأمن معناه طمأنينة النفس وزوال الخوف، فالعلاقة بينهما علاقة ترادف. | '''الصلة بين الأمن والطمأنينة: ''' إن الأمن معناه طمأنينة [[النفس]] وزوال الخوف، فالعلاقة بينهما علاقة ترادف. | ||
===السكينة=== | ===[[السكينة]]=== | ||
'''السكينة لغة:''' السكون ضد | '''السكينة لغة: ''' السكون ضد [[الحركة]]، سكن الشيء يسكن سكوناً: إذا ذهبت حركته، وأسكنه هو وسكنه غيره تسكيناً، وكل ما هدأ فقد سكن، كالريح والحر والبرد ونحو ذلك <ref>لسان العرب، ابن منظور ١٣/٢١١.</ref>. | ||
'''السكينة | '''السكينة اصطلاحاً: ''' هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله [[الله]] في [[قلب]] عبده عند اضطرابه <ref>مدارج السالكين، ابن القيم ٢/٤٧١.</ref>. | ||
'''الصلة بين الأمن والسكينة:''' الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والسكينة: الطمأنينة في القلب والاستقرار والرزانة والوقار. | '''الصلة بين الأمن والسكينة: ''' الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والسكينة: الطمأنينة في [[القلب]] والاستقرار والرزانة والوقار. | ||
===السلام=== | ===[[السلام]]=== | ||
'''السلام لغة:''' أصل مادة (سلم) تفيد معنى السلامة من كل | '''السلام لغة: ''' أصل مادة (سلم) تفيد معنى السلامة من كل [[شر]]، والسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣/ ٩٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٢٥٤.</ref>. | ||
'''السلام | '''السلام اصطلاحاً: ''' «[[تجرد]] النفس عن [[المحنة]] في الدارين» <ref>المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٤٢٣.</ref>. | ||
'''الصلة بين الأمن والسلام:''' الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، أما السلام: أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم من صاحبه، مع وزوال المحنة <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٢٥٤.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص | '''الصلة بين الأمن والسلام: ''' الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، أما السلام: أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم من صاحبه، مع وزوال المحنة <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٢٥٤.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص ١١٨</ref> | ||
==الأساليب القرآنية في عرض الأمن== | ==الأساليب [[القرآنية]] في عرض [[الأمن]]== | ||
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن الأمن، وبيانها فيما يأتي: | تنوعت أساليب [[القرآن]] في الحديث عن الأمن، وبيانها فيما يأتي: | ||
=== الامتنان بالأمن=== | === الامتنان بالأمن=== | ||
إن نعمة الأمن من الخوف من أجل النعم التي من الله بها على العباد، والله سبحانه وتعالى ذكر عن إبراهيم | إن [[نعمة]] الأمن من [[الخوف]] من أجل النعم التي من [[الله]] بها على العباد، والله سبحانه وتعالى ذكر عن [[إبراهيم]] {{ع}} دعاءه في سورة إبراهيم {{نص قرآني|رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٧-٤١.</ref> وذكر أنه طلب في دعائه أموراً سبعةً. | ||
وكان المطلوب الأول: أنه طلب من الله نعمة | وكان المطلوب الأول: أنه طلب من الله نعمة [[الأمان]]، وهو قوله: {{نص قرآني|رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٦.</ref>. | ||
والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيءٌ من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل | والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا [[الدعاء]] يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيءٌ من مصالح [[الدين]] والدنيا إلا به، وسئل بعض [[العلماء]]: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/١٠٣.</ref>. | ||
وإن الله تعالى ذكر امتنانه على عباده بتلك النعمة الجليلة في غير ما آية من كتاب الله تعالى، ومن صور الامتنان بنعمة الأمن في القرآن الكريم ما يلي: | وإن [[الله تعالى]] ذكر امتنانه على عباده بتلك [[النعمة]] الجليلة في غير ما آية من كتاب الله تعالى، ومن صور الامتنان بنعمة الأمن في [[القرآن الكريم]] ما يلي: | ||
====الامتنان على أهل مكة==== | ====الامتنان على أهل [[مكة]]==== | ||
وتكرر ذلك في أكثر من موضع في القرآن، ومن ذلك: | وتكرر ذلك في أكثر من موضع في القرآن، ومن ذلك: | ||
قوله تعالى: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا | قوله تعالى: {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٧.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٥٧.</ref>.<ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٢٩٥.</ref> | ||
عن قتادة قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا، إذا خرج أحدهم فقال: إني من أهل الحرم لم يتعرض له، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٢٨٨.</ref>. | عن قتادة قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا، إذا خرج أحدهم فقال: إني من أهل الحرم لم يتعرض له، وكان غيرهم من [[الناس]] إذا خرج أحدهم [[قتل]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٢٨٨.</ref>. | ||
وقال سبحانه: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ | وقال سبحانه: {{نص قرآني|أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}}<ref> سورة الفيل، الآية ١-٥.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }}<ref> | وقال: {{نص قرآني|لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}}<ref> سورة قريش، الآية ١-٤.</ref>. | ||
فكلتا السورتين تذكير بنعم الله على أهل | فكلتا السورتين تذكير بنعم [[الله]] على أهل [[مكة]]، فسورة الفيل تشتمل على إهلاك عدوهم (وهو نوع من تأمينهم) الذي جاء لهدم [[البيت الحرام]] أساس مجدهم وعزهم، وسورة [[قريش]] تذكر [[نعمة]] أخرى اجتماعية واقتصادية، حيث حقق الله بينهم الألفة واجتماع [[الكلمة]]، وأكرمهم بنعمة [[الأمن]] والاستقرار، ونعمة [[الغنى]] واليسار <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٠/٤١٢.</ref>. | ||
إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع، إنها الكعبة | إنها منطقة [[الأمان]] يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع، إنها [[الكعبة]] [[الحرام]]، تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على [[الحياة]] بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس، بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات، فتحل الطمأنينة محل [[الخوف]]، ويحل [[السلام]] محل الخصام، وترف أجنحة من [[الحب]] والإخاء والأمن والسلام، وتدرب [[النفس]] البشرية في واقعها العملي-لا في [[عالم]] [[المثل]] والنظريات- على هذه المشاعر وهذه المعاني، فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز على [[التحقيق]] في واقع الحياة. | ||
لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل | لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل [[الإنسان]]، والطير، والحيوان، والحشرات بالأمن في البيت الحرام. | ||
ولقد ألقى الله في قلوب العرب -حتى في جاهليتهم- حرمة هذه الأشهر، فكانوا لا يروعون فيها | ولقد ألقى الله في قلوب [[العرب]] -حتى في جاهليتهم- حرمة هذه الأشهر، فكانوا لا يروعون فيها نفساً، ولا يطلبون فيها دماً، ولا يتوقعون فيها ثأراً، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالاً آمناً للسياحة، والضرب في [[الأرض]]، وابتغاء [[الرزق]]. | ||
جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة -بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام، تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع. | جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة -بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام، تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع. | ||
لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وجعله مثابة للناس | لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي [[إبراهيم]] وإسماعيل عليهما السلام، وجعله مثابة للناس وأمناً، حتى لقد امتن الله به على المشركين أنفسهم إذ كان بيت [[الله]] بينهم مثابة لهم وأمناً، والناس من حولهم يتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم -بعد ذلك- لا يشكرون الله ولا يفردونه بالعبادة في بيت [[التوحيد]]، ويقولون للرسول {{صل}} إذ يدعوهم إلى التوحيد: {{نص قرآني|وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}}، فحكى الله قولهم هذا وبين [[حقيقة]] [[الأمن]] والمخافة، فقال: {{نص قرآني|وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٥٧.</ref>. <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٢٩٥.</ref> | ||
وقال تعالى | وقال تعالى ممتناً على [[قريش]]: {{نص قرآني|وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٢٦.</ref>. | ||
قال قتادة: «كان هذا الحي من العرب أذل الناس | قال قتادة: «كان هذا [[الحي]] من [[العرب]] أذل [[الناس]] ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأبينه ضلالةً، وأعراه جلوداً، وأجوعه بطوناً، مكعومين على رأس حجرٍ بين الأسدين: فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذٍ من شيءٍ يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات ردي في [[النار]]، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً يومئذٍ من حاضر [[الأرض]]، كانوا فيها أصغر حظاً وأدق فيها شأناً منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار [[الجهاد]]، ووضع لكم به من [[الرزق]]، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل [[الشكر]] في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك» <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٥/٦٥٩.</ref>. | ||
==== الامتنان على النبي | ==== الامتنان على [[النبي]] {{صل}}، وعلى أصحابه رضوان الله عليهم==== | ||
قال الله تعالى: {{ نص قرآني |ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً | قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٥٤.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}}<ref> | وقال: {{نص قرآني|إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ١١.</ref>. | ||
قال [[ابن كثير]]: «يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، | قال [[ابن كثير]]: «يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أماناً من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، وكذلك [[فعل]] تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: {{نص قرآني|ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٥٤.</ref>. | ||
أما النعاس فقد أصابهم يوم أحدٍ، وأمر ذلك مشهورٌ | أما النعاس فقد أصابهم يوم أحدٍ، وأمر ذلك مشهورٌ جداً، وأما يوم بدرٍ في هذه [[الآية الشريفة]] إنما هي في سياق قصة بدرٍ، وهي دالةٌ على وقوع ذلك أيضاً، وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنةً مطمئنةً بنصر [[الله]]، وهذا من [[فضل]] الله ورحمته بهم، ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: {{نص قرآني|فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}}<ref> سورة الشرح، الآية ٥-٦.</ref>.<ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/٢٢.</ref> | ||
وعن أنسٍ، عن [[أبي طلحة]] | وعن أنسٍ، عن [[أبي طلحة]] قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه» <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قوله: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم)، رقم ٤٠٦٨.</ref>. | ||
قال [[ابن القيم]]: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليلٌ على | قال [[ابن القيم]]: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في [[الحرب]] وعند [[الخوف]] دليلٌ على [[الأمن]]، وهو من الله» <ref>زاد المعاد ٢/١٨٢.</ref>. | ||
وقال [[الرازي]]: «واعلم أن كل نومٍ ونعاسٍ فإنه لا يحصل إلا من قبل الله | وقال [[الرازي]]: «واعلم أن كل نومٍ ونعاسٍ فإنه لا يحصل إلا من قبل [[الله تعالى]]، فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدةٍ، وذكروا فيه وجوهاً: | ||
#أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يأخذه | #أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يأخذه [[النوم]]، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف، وحصول الأمن. | ||
#أنهم خافوا من جهاتٍ كثيرةٍ. | #أنهم خافوا من جهاتٍ كثيرةٍ. | ||
## قلة المسلمين وكثرة الكفار. | ## قلة المسلمين وكثرة [[الكفار]]. | ||
##الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين. | ##الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين. | ||
## العطش الشديد، فلولا حصول هذا النعاس، وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر. | ## العطش الشديد، فلولا حصول هذا النعاس، وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من [[القتال]] لما تم الظفر. | ||
# في بيان كون ذلك النعاس نعمةً في حقهم، أنهم ما ناموا | # في بيان كون ذلك النعاس نعمةً في حقهم، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن [[العدو]] من معاقصتهم، بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الأعيان والكلال، مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه. | ||
# أنه غشيهم هذا النعاس دفعةً واحدةً مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمرٌ خارقٌ للعادة، فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم | # أنه غشيهم هذا النعاس دفعةً واحدةً مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع [[العظيم]] في [[الخوف]] الشديد أمرٌ خارقٌ للعادة، فلهذا [[السبب]] قيل: إن ذلك النعاس كان في [[حكم]] [[المعجز]]» <ref>مفاتيح الغيب، ١٥/٤٦١.</ref>. | ||
==== الامتنان على أهل الجنة==== | ==== الامتنان على [[أهل الجنة]]==== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ }}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٥-٤٦.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ | وقال: {{نص قرآني|وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}}<ref> سورة سبأ، الآية ٣٧.</ref>. | ||
قال [[ابن القيم]]: «قال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> | قال [[ابن القيم]]: «قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥١-٥٢.</ref>. | ||
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع | والمقام [[الأمين]]: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات [[الأمن]] كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع [[النقص]]، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥١.</ref>. وفي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥٥.</ref>. | ||
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها | فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون [[انقطاع]] الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من [[الموت]] فلا يخافون فيها موتاً» <ref>حادي الأرواح ص ١٠٠.</ref>. | ||
==== الامتنان على أهل سبأ==== | ==== الامتنان على أهل سبأ==== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ}}<ref> سورة سبأ، الآية ١٨.</ref>. | ||
قال [[ابن كثير]]: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً | قال [[ابن كثير]]: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من [[النعمة]] والغبطة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمراً، ويقيل في قريةٍ، ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم» <ref>تفسير القرآن الكريم، ٦/٥٠٩.</ref> | ||
وقال [[ابن عاشور]]: «وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان؛ لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار؛ لأن الليل تعترضهم فيه القطاع والسباع»<ref>التحرير والتنوير ٢٢/١٧٦.</ref>. | وقال [[ابن عاشور]]: «وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان؛ لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار؛ لأن الليل تعترضهم فيه القطاع والسباع»<ref>التحرير والتنوير ٢٢/١٧٦.</ref>. | ||
فالواجب علينا أن نشكر الله تعالى على هذه | فالواجب علينا أن نشكر [[الله تعالى]] على هذه [[النعمة]]، وأن نعلم أننا سنسأل عنها، كما قال تعالى: {{نص قرآني|ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}}<ref> سورة التكاثر، الآية ٨.</ref>. | ||
ذكر [[ابن مسعود]] | ذكر [[ابن مسعود]] وجماعة أن [[النعيم]]: [[الأمن]] والصحة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/٦٠٣.</ref>. | ||
=== التحذير من الركون إلى الأمن=== | === التحذير من الركون إلى الأمن=== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا | قال تعالى: {{نص قرآني|أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٧-٩٩.</ref>. | ||
قال [[الطبري]]: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون | قال [[الطبري]]: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا [[محمد]] هؤلاء الذين يكذبون [[الله]] ورسوله ويجحدون آياته، [[استدراج]] الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة [[الأبدان]] ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجاً مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون، وهم الهالكون» <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/٣٣٤..</ref>. | ||
وقال [[الطاهر ابن عاشور]]: «واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله: {{ نص قرآني |وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}}<ref> | وقال [[الطاهر ابن عاشور]]: «واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه [[الآية]] هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله: {{نص قرآني|وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٤.</ref>. | ||
ثم قوله: {{ نص قرآني |أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا | ثم قوله: {{نص قرآني|أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً}} [[الآيات]]، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب [[خبر]] [[الرسول]] {{صل}}، وعن [[الغرور]] بأن [[دين]] [[الشرك]] هو [[الحق]] فهو أمنٌ ناشئٌ عن كفرٍ، والمأمون منه هو [[وعيد]] [[الرسل]] إياهم، وما أطلق عليه أنه مكر الله» <ref>التحرير والتنوير، ٩/٢٤.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٦٧-٦٩.</ref>. | ||
قال في الظلال: «ولكن الإنسان هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى | قال في الظلال: «ولكن [[الإنسان]] هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه [[ثبات]] [[الأرض]] من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى [[الله]]، وتتقاذفه [[الأهواء]]، وتجرفه [[الشهوات]]، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر». | ||
وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في | وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في [[البر]]، أو وهم يعودون إليه في البحر؛ ليشعروا أن [[الأمن]] والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في البر، لا في الموجة الرخية والريح المواتية، ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: {{نص قرآني|أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٦٨-٦٩.</ref>. | ||
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟! | إن [[البشر]] في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟! | ||
أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله | أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلاً يحميهم ويدفع عنهم؟ | ||
أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم | أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحاً قاصفة، تقصف الصواري وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟ | ||
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٠.</ref>. | ألا إنها [[الغفلة]] أن يعرض [[الناس]] عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٠.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ | وقال تعالى: {{نص قرآني|أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٥-٤٧.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ | وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}}<ref> سورة المطففين، الآية ٢٩-٣٦.</ref>. | ||
قال السعدي: « {{ نص قرآني | | قال [[السعدي]]: «{{نص قرآني|انقَلَبُواْ فَكِهِينَ}}<ref> سورة المطففين، الآية ٣١.</ref> أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في [[الدنيا]]، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من [[الله]] وعهد، أنهم من أهل [[السعادة]]، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل [[الهدى]]، وأن المؤمنين ضالون، [[افتراء]] على الله، وتجرؤوا على القول عليه بلا علم، فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك [[المؤمنون]] منهم في [[الآخرة]]، ورأوهم في [[العذاب]] والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال، نعم ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلاً من الله وحكمة، والله [[عليم]] [[حكيم]]» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩١٦.</ref>. | ||
فالواجب على الناس أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم، عسى ألا يكون فيهم، لو كانوا يسمعون! | فالواجب على [[الناس]] أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم [[الأمن]] الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم، عسى ألا يكون فيهم، لو كانوا يسمعون! | ||
وما يريد الله للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار، فالفزع الدائم من المجهول، والقلق الدائم من المستقبل، وتوقع الدمار في كل لحظة، قد تشل طاقة البشر وتشتتها، وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج، وتنمية | وما يريد الله للناس بهذا التحذير في [[القرآن]] أن يعيشوا مفزعين قلقين يرتجفون من [[الهلاك]] والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار، فالفزع [[الدائم]] من المجهول، والقلق الدائم من المستقبل، وتوقع الدمار في كل لحظة، قد تشل طاقة [[البشر]] وتشتتها، وقد تنتهي بهم إلى اليأس من [[العمل]] والنتاج، وتنمية [[الحياة]]، وعمارة [[الأرض]]، إنما يريد الله منهم [[اليقظة]] والحساسية والتقوى، ومراقبة [[النفس]]، والعظة بتجارب البشر، ورؤية محركات [[التاريخ]] الإنساني، وإدامة الاتصال بالله، وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة. | ||
والله يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة، إذا هم أرهفوا حساسيتهم به، وإذا هم أخلصوا العبودية له، وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة، فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار الله، لا في جوار النعيم المادي المغري، وإلى الثقة بقوة الله، لا بقوتهم المادية الزائلة، وإلى الركون إلى ما عند الله، لا إلى ما يملكون من عرض الحياة. | والله يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة، إذا هم أرهفوا حساسيتهم به، وإذا هم أخلصوا العبودية له، وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة، فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار الله، لا في جوار [[النعيم]] المادي المغري، وإلى الثقة بقوة الله، لا بقوتهم [[المادية]] الزائلة، وإلى الركون إلى ما عند الله، لا إلى ما يملكون من عرض الحياة. | ||
ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين لله سلف ما كان يأمن مكر | ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين لله سلف ما كان يأمن مكر [[الله]]، وما كان يركن إلى سواه، وكان بهذا وذاك عامر [[القلب]] بالإيمان، مطمئناً بذكر الله، قوياً على [[الشيطان]] وعلى هواه، مصلحاً في [[الأرض]] بهدى الله، لا يخشى [[الناس]] والله أحق أن يخشاه. | ||
وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك؛ لندرك أنه لا يدعو إلى القلق، إنما يدعو إلى | وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف [[الدائم]] من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك؛ لندرك أنه لا يدعو إلى القلق، إنما يدعو إلى [[اليقظة]]، ولا يؤدي إلى الفزع، إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا يعطل [[الحياة]]، إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان. | ||
والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم، فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة، ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/١٣٤١.</ref>. | والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم، فيعطيها جرعة من [[الأمن]] والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة، ويعطيها جرعة من [[الخوف]] والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة، وربك أعلم بمن خلق، وهو [[اللطيف]] [[الخبير]] <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/١٣٤١.</ref>. | ||
يقول السعدي: « {{ نص قرآني | أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ | يقول [[السعدي]]: «{{نص قرآني|أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٩.</ref> حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم إن كيده متين {{نص قرآني|فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٩.</ref> فإن من أمن من [[عذاب]] الله فهو لم يصدق بالجزاء على [[الأعمال]]، ولا آمن بالرسل [[حقيقة]] [[الإيمان]]. | ||
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون | وهذه [[الآية الكريمة]] فيها من التخويف البليغ على أن [[العبد]] لا ينبغي له أن يكون آمناً على ما معه من الإيمان. | ||
بل لا يزال | بل لا يزال خائفاً وجلاً أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعياً بقوله: (يا مقلب [[القلوب]] ثبت قلبي على دينك)<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/١٦٠، رقم ١٢١٠٧، والترمذي في سننه، أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ٤/١٦، رقم ٢١٤٠، وحسنه. وصححه الألباني، صحيح الجامع ٢/١٣٢٣، رقم ٧٩٨٧.</ref>. وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من [[الشر]]، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على [[يقين]] من السلامة» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٢٩٨.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص ١٢٠</ref> | ||
==أنواع الأمن== | ==أنواع [[الأمن]]== | ||
ذكر القرآن الكريم | ذكر [[القرآن الكريم]] أنواعاً للأمن، منه المحمود، ومنه المذموم، نبينها فيما يأتي: | ||
=== الأمن المحمود=== | === الأمن المحمود=== | ||
====أهمية الأمن المحمود==== | ====أهمية الأمن المحمود==== | ||
إن نعمة الأمن أهم من نعمة الرزق. | إن [[نعمة]] الأمن أهم من نعمة [[الرزق]]. | ||
قال الله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا | قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٦.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ | وقال: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٥.</ref>. | ||
فبدأ بالأمن قبل الرزق لسببين: | فبدأ بالأمن قبل الرزق لسببين: | ||
#لأن استتباب الأمن سبب للرزق، فإذا شاع الأمن، واستتب ضرب الناس في | #لأن استتباب الأمن سبب للرزق، فإذا شاع الأمن، واستتب ضرب [[الناس]] في [[الأرض]]، وهذا مما يدر عليهم [[رزق]] ربهم، ويفتح أبوابه، ولا يكون ذلك إذا فقد الأمن. | ||
#ولأنه لا يطيب طعام، ولا ينتفع بنعمة رزق إذا فقد الأمن. | #ولأنه لا يطيب طعام، ولا ينتفع بنعمة رزق إذا فقد الأمن. | ||
فمن من الناس أحاط به الخوف من كل مكان، وتبدد الأمن من حياته، ثم وجد لذة بمشروب أو مطعوم؟! | فمن من الناس أحاط به [[الخوف]] من كل مكان، وتبدد الأمن من حياته، ثم وجد [[لذة]] بمشروب أو مطعوم؟! | ||
ولقائل أن يقول: فلماذا قدم الرزق على الأمن في سورة | ولقائل أن يقول: فلماذا [[قدم]] الرزق على الأمن في سورة [[قريش]]؟ | ||
والجواب: أن هذه السورة خطاب للمشركين، وعند مخاطبة هؤلاء يحسن البدء بالقليل قبل الكثير، وباليسير قبل | والجواب: أن هذه [[السورة]] [[خطاب]] للمشركين، وعند مخاطبة هؤلاء يحسن البدء بالقليل قبل الكثير، وباليسير قبل [[العظيم]]، ودليل ذلك قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢١.</ref>. | ||
فبدأ بخلقهم قبل خلق السماوات | فبدأ بخلقهم قبل [[خلق السماوات والأرض]]، وخلقهما أكبر من خلق الناس، قال تعالى: {{نص قرآني|لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة غافر، الآية ٥٧.</ref>. | ||
وقال تعالى عن إبراهيم | وقال تعالى عن [[إبراهيم]] {{ع}}: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٦.</ref>. | ||
وقال:{{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ | وقال: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٥.</ref>. | ||
ويوسف | ويوسف {{ع}} يطلب من والديه دخول مصر مخبراً باستتباب [[الأمن]] بها: {{نص قرآني|فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٩٩-١٠٠.</ref>. | ||
==== أقسام الأمن المحمود==== | ==== أقسام الأمن المحمود==== | ||
=====الأمن للمؤمنين في الدنيا===== | =====الأمن للمؤمنين في [[الدنيا]]===== | ||
ومن ذلك: | ومن ذلك: | ||
١. الأمن في [[البيت الحرام]]، والبلد [[الحرام]]: قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٥-١٢٦.</ref>. | |||
فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان، عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه على نفسه، والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها، وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم | فنعمة الأمن [[نعمة]] ماسة بالإنسان، عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه على نفسه، والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها، وقد استجاب [[الله]] [[دعاء]] أبيهم [[إبراهيم]] {{ع}} فجعل البلد آمناً، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم، فكفروا [[النعمة]]، وجعلوا لله أنداداً، وصدوا عن سبيل الله <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢١٠٩.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ | وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ٩٦-٩٧.</ref>. | ||
قال قتادة: ذلك | قال قتادة: ذلك أيضاً من آيات الحرم، وقال النحاس: وهو قول حسن؛ لأن [[الناس]] كانوا يتخطفون من حواليه، ولا يصل إليه [[جبار]]، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب، ولم يوصل إلى الحرم، وقال بعض [[العلماء]]: صورة [[الآية]] خبرٌ ومعناها أمرٌ، تقديرها: ومن دخله فأمنوه <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١١/٢٢٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/١٤٠.</ref>. | ||
فيذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان | فيذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمناً، فهو مثابة [[الأمن]] لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في [[الأرض]]، وقد بقي هكذا مذ بناه [[إبراهيم]] وإسماعيل عليهما [[السلام]]، وحتى في جاهلية [[العرب]]، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن [[دين]] إبراهيم، وعن [[التوحيد]] الخالص الذي يمثله هذا [[الدين]]. . .، حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال [[الحسن]] البصري وغيره: «كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج» <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٩٧.</ref>، وكان هذا من تكريم [[الله]] سبحانه لبيته هذا، حتى والناس من حوله في جاهلية! | ||
وقال سبحانه يمتن على العرب به: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا | وقال سبحانه يمتن على العرب به: {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٧.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٥٧.</ref>.<ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/٤٣٥.</ref> | ||
٢. الأمن في المعارك: وقد قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ١١.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً | وقال: {{نص قرآني|ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٥٤.</ref>. | ||
وعن أنسٍ، عن [[أبي طلحة]] | وعن أنسٍ، عن [[أبي طلحة]] قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مراراً يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه» <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة)، رقم ٤٠٦٨.</ref>. | ||
قال [[ابن القيم]]: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليلٌ على الأمن، وهو من الله. . . »<ref>زاد المعاد ٢/١٨٢.</ref>. | قال [[ابن القيم]]: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في [[الحرب]] وعند [[الخوف]] دليلٌ على الأمن، وهو من الله. . .»<ref>زاد المعاد ٢/١٨٢.</ref>. | ||
=====الأمن للمؤمنين في الآخرة===== | =====الأمن للمؤمنين في [[الآخرة]]===== | ||
ومن ذلك: | ومن ذلك: | ||
١. النجاة من أهوال [[يوم القيامة]]: قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٤٠.</ref>. | |||
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب | يقول [[الطبري]]: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في [[الدنيا]] [[يوم القيامة]] [[عذاب]] [[النار]]، ثم قال [[الله]]: أفهذا الذي يلقى في النار خيرٌ، أم الذي يأتي يوم القيامة آمناً من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا [[الكافر]]، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذٍ به كافراً» <ref>جامع البيان ٢٠/٤٤٢.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٨٩.</ref>. | ||
في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر: {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> | في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون [[الأمن]] والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في [[الحياة]] الدنيا، فوق ما ينالهم من [[ثواب]] هو أجزل من حسناتهم وأوفر: {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٨٩.</ref>. | ||
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع | والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده [[فضل]] من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم [[خوف]] الدنيا وفزع [[الآخرة]]، بل أمنهم يوم يفزع من في [[السماوات]] ومن في [[الأرض]] إلا من شاء الله <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/٢٦٦٩.</ref>. | ||
٢. الأمن لأهل [[الجنة]]: قال تعالى: {{نص قرآني|ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٦.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ | وقال: {{نص قرآني|وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}}<ref> سورة سبأ، الآية ٣٧.</ref>. | ||
قال [[ابن القيم]]: «قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> | قال [[ابن القيم]]: «قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥١-٥٢.</ref>. | ||
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع | والمقام [[الأمين]]: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع [[النقص]]، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد. . .، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥١.</ref>. | ||
وفي قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ}}<ref> | وفي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥٥.</ref>. | ||
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها | فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون [[انقطاع]] الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من [[الموت]] فلا يخافون فيها موتاً» <ref>حادي الأرواح ص ١٠٠.</ref>. | ||
===== وسائل تحقيقه===== | ===== وسائل تحقيقه===== | ||
'''الوسيلة الأولى:''' الإيمان بالله وحده وعمل الصالحات: | '''الوسيلة الأولى: ''' [[الإيمان بالله]] وحده وعمل الصالحات: | ||
قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم | قال [[الله تعالى]] عن نبيه [[إبراهيم]] {{ع}}: {{نص قرآني|وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨٠-٨٢.</ref>. | ||
وهذا خبرٌ من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم | وهذا خبرٌ من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم {{صل}} وبين قومه <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٩/٣٦٩.</ref>. | ||
فالذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: | فالذين حصل لهم [[الأمن]] [[المطلق]] هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: | ||
أولهما: | أولهما: [[الإيمان]]، وهو [[كمال]] [[القوة]] النظرية. | ||
وثانيهما: {{ نص قرآني |وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}} وهو كمال القوة العملية <ref>مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/٤٩.</ref>. | وثانيهما: {{نص قرآني|وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}} وهو كمال القوة العملية <ref>مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/٤٩.</ref>. | ||
فالظلم ثلاثة أنواعٍ: | فالظلم ثلاثة أنواعٍ: | ||
فالظلم الذي هو شركٌ لا شفاعة فيه. | فالظلم الذي هو شركٌ لا [[شفاعة]] فيه. | ||
وظلم الناس بعضهم | وظلم [[الناس]] بعضهم بعضاً لا بد فيه من إعطاء المظلوم حقه. | ||
وأما الظلم المقيد، فقد يختص بظلم الإنسان نفسه... | وأما [[الظلم]] المقيد، فقد يختص بظلم [[الإنسان]] نفسه... | ||
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء | فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقاً، بمعنى أنه لابد أن يدخل [[الجنة]]، كما [[وعد]] بذلك في [[الآية]] الأخرى، وقد هداه إلى [[الصراط المستقيم]] الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. | ||
وليس مراد النبي | وليس مراد [[النبي]] {{صل}} بقوله: {{نص حديث|إنما هو الشرك}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد آتيانا لقمان الحكمة)، ٤/١٦٣، رقم ٣٤٢٩.</ref> أن من لم يشرك [[الشرك]] الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص [[القرآن]] تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم [[الأمن]] التام، ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى [[الصراط المستقيم]]، [[صراط]] الذين [[أنعم الله]] عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذابٍ يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا [[الصراط]]، ومعهم أصل [[نعمة]] [[الله]] عليهم، ولا بد لهم من دخول [[الجنة]] <ref>انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٧/٧٨-٨٢.</ref>. | ||
وقال ابن القيم: «فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف والهم والغم والبلاء والألم والقلق مع الضلال والحيرة» <ref>إغاثة اللهفان ٢/١٧٢.</ref>. | وقال [[ابن القيم]]: «فإن الأمن والعافية والسرور ولذة [[القلب]] ونعيمه وبهجته وطمأنينته مع [[الإيمان]] والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف والهم والغم والبلاء والألم والقلق مع [[الضلال]] والحيرة» <ref>إغاثة اللهفان ٢/١٧٢.</ref>. | ||
وقال: ثم رجع الخليل إليهم | وقال: ثم رجع الخليل إليهم مقرراً للحجة، فقال: {{نص قرآني|وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨١.</ref> يعني في إلهيته {{نص قرآني|وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨١-٨٢.</ref>. | ||
يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أن أخاف ما جعلتموه لله | يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أن أخاف ما جعلتموه لله شريكاً في الإلهية وهي ليست موضع نفعٍ ولا ضرٍ، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في الإلهية أشياء لم ينزل بها حجةً عليكم، والذي أشرك بخالقه وفاطره، فاطر [[السماوات]] والأرض، ورب كل شيءٍ ومليكه آلهةً لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وجعلها نداً له ومثلاً في الإلهية، أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلهاً آخر، وحده وأفرده بالإلهية والربوبية، والقهر والسلطان، والحب والخوف والرجاء {{نص قرآني|فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨١.</ref>. | ||
فحكم الله تعالى بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له | فحكم [[الله تعالى]] بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له [[القلوب]]، وأقرت به الفطر، فقال تعالى: {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨٢.</ref>. <ref>انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم ٢/٩٢.</ref> | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَدَ | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}}<ref> سورة النور، الآية ٥٥.</ref>. | ||
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد | ذلك [[وعد]] [[الله]] للذين آمنوا وعملوا الصالحات من [[أمة]] [[محمد]] {{صل}} أن يستخلفهم في [[الأرض]]، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً؛ ذلك وعد الله، ووعد الله [[حق]]، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، فما [[حقيقة]] ذلك [[الإيمان]]؟ | ||
إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله، فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط، وبناء وإنشاء، موجه كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه | إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله، فما تكاد تستقر في [[القلب]] حتى تعلن عن نفسها في صورة [[عمل]] ونشاط، وبناء وإنشاء، موجه كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا [[وجه الله]]، وهي [[طاعة]] لله، واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها [[هوى]] في [[النفس]]، ولا [[شهوة]] في القلب، ولا ميل في [[الفطرة]] إلا وهو تبع لما جاء به [[رسول الله]] {{صل}} من عند الله. | ||
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس | فهو الإيمان الذي يستغرق [[الإنسان]] كله بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع [[الناس]] جميعاً، ويتوجه بهذا كله إلى الله. | ||
ذلك الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد | ذلك الإيمان منهج [[حياة]] كامل يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد [[العدة]]، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل [[الأمانة]] الكبرى في الأرض <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٥٢٨.</ref>. | ||
وقوله: {{نص حديث| يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا }}. | وقوله: {{نص حديث|يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}}. | ||
قال [[القرطبي]]: « {{نص حديث| يَعْبُدُونَنِي}} هو في موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص» | قال [[القرطبي]]: «{{نص حديث|يَعْبُدُونَنِي}} هو في موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص» <ref>الجامع لأحكام القرآن، ١٢/٣٠٠.</ref>. | ||
قال [[ابن العربي]]: قلنا لهم هذا وعدٌ عامٌ في النبوة والخلافة، وإقامة | قال [[ابن العربي]]: قلنا لهم هذا وعدٌ عامٌ في [[النبوة]] والخلافة، وإقامة [[الدعوة]]، وعموم [[الشريعة]]، فنفذ [[الوعد]] في كل أحدٍ بقدره وعلى حاله. | ||
ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز. | ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية [[الأمن]] والعز. | ||
فكان في هذه الآية دلالةٌ على نبوة رسول الله | فكان في هذه [[الآية]] دلالةٌ على [[نبوة رسول الله]] {{صل}}؛ لأن الله عز وجل أنجز ذلك الوعد <ref>الجامع لأحكام القرآن، ١٢/٢٩٨.</ref>. | ||
والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي: كلما كانت الأمة المسلمة مطيعة لله ورسوله يحكم التوحيد حياتها كاملة كان الأمن على قدر ذلك، والله تعالى أعلم. | والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي: كلما كانت [[الأمة]] المسلمة مطيعة لله ورسوله يحكم [[التوحيد]] حياتها كاملة كان [[الأمن]] على [[قدر]] ذلك، والله تعالى أعلم. | ||
ولذلك كان الآمنون في الدنيا هم أهل | ولذلك كان الآمنون في [[الدنيا]] هم أهل [[الإيمان]]، فعن [[جابر بن عبد الله]] قال: غزونا مع [[رسول الله]] {{صل}} غزوةً قبل نجدٍ، فأدركنا رسول الله {{صل}} في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله {{صل}} تحت شجرةٍ، فعلق سيفه بغصنٍ من أغصانها، قال: وتفرق [[الناس]] في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|إن رجلاً أتاني وأنا نائمٌ، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائمٌ على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالسٌ}} ثم لم يعرض له رسول الله {{صل}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، ٤/٣٩، رقم ٢٩١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس ٤/١٧٨٦، رقم ٨٤٣.</ref>. | ||
وقال [[ابن القيم]]: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة | وقال [[ابن القيم]]: «وسمعت شيخ [[الإسلام]] [[ابن تيمية]] قدس [[الله]] روحه يقول: إن في الدنيا [[جنة]] من لم يدخلها لا يدخل جنة [[الآخرة]]، وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي [[شهادة]]، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً ما [[عدل]] عندي شكر هذه [[النعمة]]، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. | ||
ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: {{ نص قرآني |فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}}<ref> | ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: {{نص قرآني|فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}}<ref> سورة الحديد، الآية ١٣.</ref>. | ||
وعلم الله ما رأيت | وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة [[النعيم]] على وجهه. | ||
وكنا إذا اشتد بنا | وكنا إذا اشتد بنا [[الخوف]]، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا [[الأرض]] أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة» <ref>الوابل الصيب ص ٤٨.</ref>. | ||
ومن الصالحات التي تؤدي إلى الأمن: | ومن الصالحات التي تؤدي إلى [[الأمن]]: | ||
١. الأخذ بأسباب [[القوة]]: قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٦٠.</ref>. | |||
لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير | لابد للإسلام من [[قوة]] ينطلق بها في الأرض لتحرير [[الإنسان]]، وأول ما تصنعه هذه القوة أن تؤمن الذين يختارون هذه [[العقيدة]] على حريتهم في اختيارها فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها، والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا [[الدين]]، فلا يفكروا في الاعتداء على [[دار الإسلام]] التي تحميها تلك القوة، والأمر الثالث: أن يبلغ [[الرعب]] بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد [[الإسلامي]]، وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها، والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة [[الألوهية]]، فتحكم [[الناس]] بشرائعها هي وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٢/١٥٤٣.</ref>. | ||
٢. [[الدعاء]]: قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٦.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ | وقال: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٥.</ref>. | ||
وعن [[طلحة بن عبيد الله]] | وعن [[طلحة بن عبيد الله]] أن [[النبي]] {{صل}} كان إذا رأى الهلال قال: {{نص حديث|اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله}}<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ٢/١٧٨، رقم ١٣٩٧، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما يقول عند رؤية الهلال، ٥/٥٠٤، رقم ٣٤٥١. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/٨٦١، رقم ٤٧٢٦.</ref>. وفي رواية: {{نص حديث|اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان}} <ref>أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣/١٧١ رقم ٨٨٨، والحاكم في المستدرك، ٤/٣١٧، رقم ٧٧٦٧. وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب ص ١٣٨.</ref>. | ||
وعن [[ابن عمر]] | وعن [[ابن عمر]]: لم يكن [[رسول الله]] {{صل}} يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: {{نص حديث|اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي}} <ref>أخرجه أحمد ٨/٤٠٣، رقم ٤٧٨٥، والبخاري في الأدب المفرد، باب ما يقول إذا أصبح ص١٢٠٠، رقم ٦٨١، وأبو داود في سننه، أبواب النوم، باب ما يقول إذا أصبح ٤/٣١٨، رقم ٥٠٧٤. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ٤٦٥.</ref>. | ||
'''الوسيلة الثانية:''' أداء الشكر لله وحده على نعمه: فالنعم تثبت بالشكر، وتذهب بالجحود، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}}<ref> | '''الوسيلة الثانية: ''' أداء [[الشكر]] لله وحده على نعمه: فالنعم تثبت بالشكر، وتذهب بالجحود، قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٧.</ref>. | ||
وقال في خصوص نعمة الأمن: {{ نص قرآني | لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ | وقال في خصوص [[نعمة]] [[الأمن]]: {{نص قرآني|لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}}<ref> سورة سبأ، الآية ١٥-٢١.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ | وقال: {{نص قرآني|وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١١٢.</ref>. | ||
وهكذا نجد في هذه الآيات أن استقرار الأمن مربوط بشكر | وهكذا نجد في هذه [[الآيات]] أن استقرار [[الأمن]] مربوط بشكر [[النعمة]]، وأن زواله مقرون بكفرها، كما نجد أن توفر الأمن لابد أن يسبق توفر [[الغذاء]]، مما يدل على أن [[الضرورة]] إليه أشد من الضرورة إلى الغذاء؛ لأنه لا يمكن التلذذ بالغذاء لو توفر مع عدم الأمن والاستقرار؛ ولهذا كان في [[دعاء]] الخليل {{ع}} تقديم طلب الأمن على [[طلب الرزق]]، كما ذكر [[الله]] عنه في قوله: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٥.</ref>. | ||
وقد امتن الله على قريش بتوفير هاتين النعمتين، وأمرهم أن يفردوه بالعبادة | وقد امتن الله على [[قريش]] بتوفير هاتين النعمتين، وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكراً له على ذلك، فقال: {{نص قرآني|لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}}<ref> سورة قريش، الآية ١-٤.</ref>. | ||
'''الوسيلة الثالثة:''' الاستقامة، وحسن التعامل، والتكافل الاجتماعي: إن حسن التعامل من شأنه أن يشيع الأمن بين أفراد | '''الوسيلة الثالثة: ''' الاستقامة، وحسن التعامل، والتكافل [[الاجتماعي]]: إن حسن التعامل من شأنه أن يشيع الأمن بين أفراد [[المجتمع]]؛ ولذلك نهى [[النبي]] {{صل}} عن ترويع [[المسلم]]، وسلب حالة الأمن التي يتمتع بها، فعن [[عبد الرحمن بن أبي ليلى]] قال: حدثنا أصحاب محمدٍ {{صل}}، أنهم كانوا يسيرون مع النبي {{صل}}، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلماً}} <ref>أخرجه أحمد في مسنده، ٣٨/١٦٣، رقم ٢٣٠٦٤، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، ٤/٣٠١، رقم ٥٠٠٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢/١٢٦٨، رقم ٧٦٥٨.</ref>. | ||
وقد ذكر بعض العلماء أن من أيسر الأمور أن تروع أخاك فتخفي عصاه أو تخفي حذاءه فإنه يروع بذلك، فما بالكم إذا كان الترويع بسيفٍ، أو بأداة قتلٍ، أو بتهديدٍ وسلبٍ للأمن، فذلك مما يحذر منه الإسلام. | وقد ذكر بعض [[العلماء]] أن من أيسر الأمور أن تروع أخاك فتخفي عصاه أو تخفي حذاءه فإنه يروع بذلك، فما بالكم إذا كان الترويع بسيفٍ، أو بأداة قتلٍ، أو بتهديدٍ وسلبٍ للأمن، فذلك مما يحذر منه [[الإسلام]]. | ||
'''الوسيلة الرابعة:''' الأمر | '''الوسيلة الرابعة: ''' [[الأمر بالمعروف]]، والنهي عن [[المنكر]]: وهو من أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في [[الأرض]]، قال تعالى: {{نص قرآني|الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}}<ref> سورة الحج، الآية ٤٠-٤١.</ref>. | ||
وفيه الأمن من | وفيه [[الأمن]] من [[الهلاك]]، والمحافظة على [[صلاح]] المجتمعات، فعن [[النعمان بن بشير]] عن [[النبي]] {{صل}} قال: {{نص حديث|مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، بابٌ هل يقرع في القسمة والاستهام فيه وغيرهما، ٣/١٣٩، رقم ٢٤٩٣.</ref>. | ||
وفيه دفع العذاب عن العباد، قال تعالى: {{ نص قرآني | لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}}<ref> | وفيه دفع [[العذاب]] عن العباد، قال تعالى: {{نص قرآني|لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٧٨-٧٩.</ref>. | ||
وهو مطلب مهم لمن أراد النجاة لنفسه، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}}<ref> | وهو مطلب مهم لمن أراد النجاة لنفسه، قال تعالى: {{نص قرآني|فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٦٥.</ref>. | ||
'''الوسيلة الخامسة:''' إقامة شرع الله: ولما كان توفر الأمن ضرورة من ضروريات المجتمع التي تفوق ضرورة | '''الوسيلة الخامسة: ''' إقامة [[شرع]] [[الله]]: ولما كان توفر الأمن [[ضرورة]] من [[ضروريات]] [[المجتمع]] التي تفوق ضرورة [[الغذاء]]، اهتم [[الإسلام]] بتوفير الأسباب الجالبة للأمن، وذلك ببناء [[الإنسان]] عقيدة وأخلاقاً وسلوكاً؛ لأن الأمن لا يتوفر بمجرد البطش والإرهاب وقوة الحديد والنار، وإنما يتوفر بتهذيب النفوس، وتطهير [[الأخلاق]]، وتصحيح المفاهيم حتى تترك النفوس [[الشر]] رغبة عنه وكراهية له. | ||
فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره. | فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره. | ||
ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان | ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس [[الناس]] من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان [[القوي]]، كما قال تعالى {{نص قرآني|لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}}<ref> سورة الحديد، الآية ٢٥.</ref>. | ||
ويفهم الأمن من مفهوم | ويفهم [[الأمن]] من مفهوم [[الإسلام]]؛ لأن الإسلام هو [[الاستسلام]] لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى [[الله]] عن التعدي على [[الناس]] في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. | ||
وفي الحديث: عن عبد الله بن | وفي الحديث: عن [[عبد الله بن عمرو]] عن [[النبي]] {{صل}} قال: {{نص حديث|المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ١/١١، رقم ١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، ١/٦٥، رقم ٤١.</ref>. | ||
ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن؛ لقول رسول الله | ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن؛ لقول [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ٢/١٠٥، رقم ١٣٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ١/٥١، رقم ٢٠.</ref>. | ||
فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم، وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، ومن الحدود التي شرعها الله لحفظ الأمن للأفراد والجماعات؛ القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا، وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل، وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة | فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم، وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه [[الحدود]] الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، ومن الحدود التي شرعها الله لحفظ الأمن للأفراد والجماعات؛ [[القصاص]] لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا، وحد [[القذف]] لحفظ [[العرض]] والنسب، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل، وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ [[السلطة]] [[الإسلامية]]، ومنعاً لتفريق [[الكلمة]]، واختلاف [[الأئمة]]. | ||
#فالقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة، وضمانٌ للأمن بين الناس، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}<ref> | #فالقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة، وضمانٌ للأمن بين الناس، قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٧٩.</ref>. فإذا عرف من يريد [[قتل]] [[إنسان]] أنه سيقتل به امتنع عن [[القتل]]، فكان في هذا حفظ لحياته وحياة غيره، وإذا أقدم على القتل فاقتص منه كان في هذا ردع للآخرين، فلا يقدمون على مثل جريمته لئلا يكون مصيرهم كمصيره، فقتل نفس واحدة بالقصاص حصل به نجاة أنفس كثيرة، كالعضو [[الفاسد]] يقطع لحفظ بقية [[الجسم]]؛ وبذلك يأمن [[الناس]] على حياتهم. | ||
#ورجم الزاني المحصن (وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح) بمحضر عام من المؤمنين، فيرجم بالحجارة حتى يموت. وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها؛ وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط، ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم الله بحفظها في قوله تعالى: {{ نص قرآني | قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ | #ورجم الزاني المحصن (وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح) بمحضر عام من المؤمنين، فيرجم بالحجارة حتى يموت. وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها؛ وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط، ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم [[الله]] بحفظها في قوله تعالى: {{نص قرآني|قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}}<ref> سورة النور، الآية ٣٠-٣١.</ref>. وبذلك يقضى على جريمة الزنا التي تدمر المجتمعات البشرية، وبتطبيق هذا [[الحد]] يأمن الناس من هذا الخطر المدمر الذي يلوث [[المجتمع]]، ويهدد [[الإنسانية]]، وينشر [[الأمراض]] الخطيرة. | ||
# ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض المسلم صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا | # ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض [[المسلم]] صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا زوراً وبهتاناً. فأمر بجلد القاذف الذي لا يستطيع إقامة [[البينة]] على ما يقول بأن يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له [[شهادة]] أبداً، وأنه يعتبر فاسقاً ساقط [[العدالة]] ما لم يتب من هذه الجريمة. قال تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}}<ref> سورة النور، الآية ٤-٥.</ref>. وبهذا الحد الرادع وسحب الثقة من القاذف تصان الأعراض البريئة، وتسكت الأفواه البذيئة، وتتوارى آثار هذه الجريمة، ويصبح الناس في مأمن منها ومن ذكرها حتى تتوارى من المجتمع نهائياً. | ||
#ولما كان المال قوام الحياة والحفاظ عليه من الضروريات. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ | #ولما كان المال قوام [[الحياة]] والحفاظ عليه من [[الضروريات]]. قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}}<ref> سورة النساء، الآية ٥.</ref>. وقد حرم [[الله]] أخذ أموال [[الناس]] بغير [[حق]] والاستيلاء عليها بغير مبرر، فالاعتداء على مال الغير كالاعتداء على دمه وعرضه في [[الحرمة]]، كما تدل عليه [[الآيات]] والأحاديث، ومن أشد أنواع الاعتداء على أموال الناس أخذها بالسرقة، وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، وجزاء من [[فعل]] ذلك قطع يده، هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وعبثت بالأمن، وروعت [[المجتمع]] جزاؤها البتر، قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣٨.</ref>. والسرقة أشد خطورة من اغتصاب المال مجاهرة؛ لأن المجاهرة [[تمكن]] مدافعتها وعمل الاحتياطات المانعة من شرها، أما السرقة فإنها مكر خفي، وغدر سيئ، يؤخذ بها [[الإنسان]] من مأمنه، وتدل على جرأة المجرم حيث لم تمنع منه الحروز والحصون، فكان جزاؤه بتر يده وتعطيلها عليه ردعاً له وعظة لغيره، وبهذا يتوفر [[الأمن]] للمجتمع، ويطمئن الناس على أموالهم في بيوتهم ومستودعاتهم، ويقضى على الجريمة. | ||
#ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم؛ لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها، ويروعون المارة. ولأجل ذلك شرع سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة، وهذا الحد هو ما ذكره الله تعالى بقوله: {{ نص قرآني |إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ | #ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم؛ لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها، ويروعون المارة. ولأجل ذلك [[شرع]] سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة، وهذا [[الحد]] هو ما ذكره الله تعالى بقوله: {{نص قرآني|إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣٣-٣٤.</ref>. وبتطبيق هذه العقوبة على قطاع الطريق تأمن السبل، وتنتظم المصالح، ويتوفر الأمن في [[البر]] والبحر والحاضرة والبادية، وتنتظم المواصلات بين البلدان والأقاليم، ويسهل نقل البضائع والتبادل التجاري مما فيه [[صلاح]] العمران [[البشري]]، وتوفر الإنتاج؛ ولهذا [[وصف الله]] من يحاول تعطيل هذه المصالح بأنه محارب لله ورسوله، وساع في [[الأرض]] بالفساد. | ||
#ولما كان لابد للمسلمين من قيادة تجتمع كلمتهم بها، وتحل مشاكلهم، وتكف الظالم منهم عن ظلمه، وتدفع العدو الخارجي عنهم، وترعى شؤونهم، وتنفذ أحكام الله فيهم. لما كان الأمر كذلك وأكثر، شرع الله تنصيب الإمام وطاعته بالمعروف وإعانته على | #ولما كان لابد للمسلمين من [[قيادة]] تجتمع كلمتهم بها، وتحل مشاكلهم، وتكف [[الظالم]] منهم عن ظلمه، وتدفع [[العدو]] الخارجي عنهم، وترعى شؤونهم، وتنفذ [[أحكام]] [[الله]] فيهم. لما كان الأمر كذلك وأكثر، [[شرع]] الله تنصيب [[الإمام]] وطاعته بالمعروف وإعانته على [[الخير]]، قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٩.</ref>. | ||
وهكذا نتبين من هذا العرض الموجز ما حققه الإسلام من أمن الأفراد والمجتمعات حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: {{ نص قرآني |أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ | وهكذا نتبين من هذا [[العرض]] الموجز ما حققه [[الإسلام]] من أمن الأفراد والمجتمعات حين عجزت كل نظم [[البشر]] وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا [[الأمن]] الذي حققه الإسلام، وصدق الله [[العظيم]] حيث يقول: {{نص قرآني|أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥٠.</ref>. | ||
ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس الإيمان في | ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس [[الإيمان]] في [[القلوب]]، وزرع [[الخشية]] الإلهية في النفوس حتى تترك الإجرام رغبة عنه، وكراهية له، بل تقوم بمقاومته والنهي عنه، ثم يتبع ذلك الوعظ والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن [[المنكر]]؛ لأجل تعليم [[الجاهل]]، وتذكير [[الغافل]]، والأخذ على يد [[السفيه]] عن الوقوع في الجرائم، ثم يتبع ذلك تطبيق [[العقوبات]] الشرعية على من لم تُجْدِ فيه الموعظة، ولم تؤثر فيه النصيحة، ولم يأتمر بالمعروف، وينته عن المنكر، فالعقوبة آخر <ref>انظر: تحقيق الإسلام لأمن المجتمع، صالح الفوزان، مجلة البحوث الإسلامية ٢١/٩٦.</ref> | ||
إن | إن مجتمعاً يسود بين أهله [[الإيمان بالله]] عز وجل، واليقين بالآخرة، والجزاء والحساب، لا شك أنه [[مجتمع]] تسوده [[المحبة]]، ويعمه [[السلام]]؛ لأن [[تعظيم]] الله سبحانه سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله عز وجل بديلاً، ولا تقبل [[الاستسلام]] إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات؛ لأن أهلها يخافون الله ويخافون [[يوم الفصل]] والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق [[الإسلام]] الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا [[ظلم]]، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه [[عصر النبوة]] ولا [[الخلافة]] الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدب أفرادها بحكم [[الله]] عز وجل وحدوده، إذا لم يردعهم وازع [[الدين]] والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من [[الآخرة]]، ويكون التحاكم إلى أهواء [[البشر]] وحكمهم فهذا هو [[البلاء]] [[العظيم]] والفساد [[الكبير]]، حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل [[القوي]] الضعيف، وبالتالي لا يأمن [[الناس]] على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سبباً في عدم [[الأمن]] والاستقرار، وانتشار [[الخوف]]، واختلال [[حياة]] الناس. | ||
وإذا انحرف الناس عن هذا المنهج ضاع الأمن، وهلك العباد، وسقطت البلاد، قال ابن تيمية: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٢٥٤.</ref>. | وإذا انحرف الناس عن هذا [[المنهج]] ضاع الأمن، وهلك العباد، وسقطت البلاد، قال [[ابن تيمية]]: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة [[التفرق]] والفتن بينهم» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٢٥٤.</ref>. | ||
وعن عبد الله بن عمر | وعن [[عبد الله بن عمر]] قال: أقبل علينا [[رسول الله]] {{صل}}، فقال: {{نص حديث|يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم}} <ref>أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب العقوبات، ٢/١٣٣٢، رقم ٤٠١٩. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٢١٦.</ref>. | ||
ومن إقامة الشرع: إقامة | ومن إقامة [[الشرع]]: إقامة [[العدل]]، قال تعالى مخاطباً جميع عباده: {{نص قرآني|إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٨.</ref>. | ||
قال [[ابن تيمية]]: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمةٌ، وعاقبة العدل كريمةٌ؛ ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً» | قال [[ابن تيمية]]: «إن [[الناس]] لم يتنازعوا في أن عاقبة [[الظلم]] وخيمةٌ، وعاقبة [[العدل]] كريمةٌ؛ ولهذا يروى: [[الله]] ينصر [[الدولة]] العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٦٣.</ref>. | ||
والعدل هو الذي يؤمن الأمم من عدوان أعدائها، وتحل وفرته وشموله محل ما نقص من السلاح والعتاد المادي، وقد كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا | والعدل هو الذي يؤمن الأمم من عدوان أعدائها، وتحل وفرته وشموله محل ما نقص من السلاح والعتاد المادي، وقد كتب بعض عمال عمر بن عبد [[العزيز]] إليه: إن مدينتنا قد خربت، فإن رأى [[أمير المؤمنين]] أن يقطع لنا مالاً نرمها به [[فعل]]، فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مرمتها، والسلام <ref>انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٤٥/٢٠٢، تاريخ الخلفاء، السيوطي ص١٧٤.</ref>. | ||
=== الأمن المذموم ومظاهره=== | === [[الأمن]] المذموم ومظاهره=== | ||
الأمن منه محمود ومذموم، وقد سبق بيان الأمن المحمود، وطرق تحصيله، والأمن المذموم هو ما يضاد الأمن المحمود، كالأمن من مكر الله | الأمن منه محمود ومذموم، وقد سبق بيان الأمن المحمود، وطرق تحصيله، والأمن المذموم هو ما يضاد الأمن المحمود، كالأمن من مكر [[الله تعالى]]، والأمن من بطش الأعداء، والتفريط في تحصيل أسباب الأمن المحمود، يوقع ولا شك في الأمن المذموم، وقد ذكر [[القرآن الكريم]] مظاهر ذلك الأمن المذموم، ومن ذلك: | ||
١. الأمن من عقوبة الله وعذابه في الدنيا: ذكر الله تعالى توبيخ الذين أمنوا، واستغرقوا في أمنهم | ١. الأمن من عقوبة الله وعذابه في [[الدنيا]]: ذكر الله تعالى توبيخ الذين أمنوا، واستغرقوا في أمنهم [[الباطل]]، فقال تعالى: {{نص قرآني|أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٧-٩٩.</ref>. | ||
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون | قال [[الطبري]]: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا [[محمد]] هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، [[استدراج]] الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة [[الأبدان]] ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجاً مع مقامهم على كفرهم، وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون» <ref>جامع البيان، ١٠/٣٣٤.</ref>. | ||
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في | إن [[البشر]] في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في [[البر]]، كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ | ||
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٠.</ref>. | ألا إنها [[الغفلة]] أن يعرض [[الناس]] عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها [[الله]]! <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٠.</ref>. | ||
٢. الأمن من بطش الأعداء وتسلطهم: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا | ٢. [[الأمن]] من بطش الأعداء وتسلطهم: قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِيناً وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٠١-١٠٢.</ref>. | ||
أمرهم الله تعالى بالصلاة، ثم بالتعبئة الروحية الكاملة تجاه | أمرهم [[الله تعالى]] بالصلاة، ثم بالتعبئة الروحية الكاملة تجاه [[العدو]]، وهذا الحذر الذي يوصى [[المؤمنون]] به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميل عليهم ميلة واحدة! ومع هذا التحذير والتخويف، التطمين والتثبيت، إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قوماً كتب الله عليهم الهوان: {{نص قرآني|إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٠٢.</ref>. | ||
وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر، وسكب فيض الثقة هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة، والصف المسلم في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم! <ref>انظر: | وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة [[حاسة]] الحذر، وسكب فيض الثقة هو طابع هذا [[المنهج]] في [[تربية]] [[النفس]] المؤمنة، والصف [[المسلم]] في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم! <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/٧٤٨.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا | وقال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً}}<ref> سورة النساء، الآية ٧١.</ref>. | ||
يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٣٥٧.</ref>. | يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير [[العدد]] بالنفير في سبيله <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٣٥٧.</ref>. | ||
٣. الأمن من زوال النعمة: ومن القصص التي ذكر الله فيها زوال نعمة الأمن عن أصحابها: | ٣. الأمن من زوال [[النعمة]]: ومن القصص التي ذكر الله فيها زوال [[نعمة]] الأمن عن أصحابها: | ||
#قصة سبأ: قال تعالى: {{ نص قرآني | لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ | #قصة سبأ: قال تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}}<ref> سورة سبأ، الآية ١٥-٢١.</ref>. عن [[ابن عباس]] عنه قال: فإنهم بطروا عيشهم، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمزقوا بين الشام وسبأٍ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكلٍ خمطٍ وأثلٍ، وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ <ref>جامع البيان، الطبري ١٩/٢٦٥.</ref>. فهم كفروا بما كانوا فيه من أمن فأبدلهم [[الله]] به خوفاً وتشتتاً وتمزيقاً، وقال [[ابن كثير]]: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من [[الغبطة]] والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمراً، ويقيل في قريةٍ ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم. . .، فبطروا هذه [[النعمة]]، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، فجعلهم الله حديثاً للناس، وسمراً يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء؟ تفرقوا في البلاد ها هنا وها هنا» <ref>انظر: تفسير القرآن الكريم، ٦/٥٠٨.</ref>. | ||
#القرية الظالمة المضروب بها المثل: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ | #القرية الظالمة المضروب بها [[المثل]]: قال تعالى: {{نص قرآني|وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١١٢.</ref>. فكونها آمنةً أي ذات أمنٍ لا يغار عليهم، كما قال: {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٧.</ref>. والأمر في [[مكة]] كان كذلك؛ لأن [[العرب]] كان يغير بعضهم على بعضٍ، أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم [[الله]]، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم <ref>مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/٢٧٩.</ref>. والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم، وعاقبة [[المثل]] أمامهم، مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله، وكذبت رسوله {{نص حديث|فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}} وأخذ قومها [[العذاب]] وهم ظالمون. ويحسم التعبير [[الجوع]] والخوف فيجعله لباساً، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقاً؛ لأن [[الذوق]] أعمق أثراً في [[الحس]] من مساس اللباس للجلد، وتتداخل في التعبير استجابات [[الحواس]] فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس، لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٤/ ٢١٩٩.</ref>. وقال [[الإمام]] [[ابن كثير]] في قوله تعالى: {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٧.</ref>. يقول تعالى ممتناً على قريشٍ فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمناً، فهم في أمنٍ عظيمٍ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: {{نص قرآني|لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}}<ref> سورة قريش، الآية ١-٤.</ref>. وقوله: {{نص حديث|أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ}}. أي: أفكان شكرهم على هذه [[النعمة]] العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من [[الأصنام]] والأنداد، و{{نص قرآني|أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٢٨.</ref>. وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم [[إخلاص]] [[العبادة]] لله، وألا يشركوا به، وتصديق [[الرسول]] وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من [[قتل]] منهم ببدرٍ، وصارت [[الدولة]] لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح [[الله]] على رسوله [[مكة]]، وأرغم أنوفهم، وأذل رقابهم <ref>تفسير القرآن العظيم ٦/٢٩٥.</ref>. إن [[سنة الله]] ماضية، من أعرض عن شكر [[الله تعالى]]، وعن [[العمل الصالح]] وعن التصرف [[الحميد]] في نعم ربه عليه، فهو حري بسلب هذا الرخاء وإبداله جوعاً، وسلب [[نعمة]] [[الأمن]] وإبدالها خوفاً. | ||
#أصحاب الجنة: قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ }}<ref> | #أصحاب [[الجنة]]: قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ}}<ref> سورة القلم، الآية ١٧-٢٠.</ref>. | ||
#صاحب الجنتين: قال تعالى:{{ نص قرآني | وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ | #صاحب الجنتين: قال تعالى: {{نص قرآني|وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣٤-٤٤.</ref>. | ||
فقول الظالم: {{نص قرآني|قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ | فقول [[الظالم]]: {{نص قرآني|قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}} اغترارٌ منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، [[ظن]] أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة [[الدنيا]] وزينتها، وكفره بالآخرة <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٥٧.</ref>. | ||
تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب | تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلاً للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة [[الحياة]]، والنفس المعتزة بالله. | ||
وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله | وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من [[الناس]]: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله [[الثروة]]، وتبطره [[النعمة]]، فينسى [[الله]] ونعماءه، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله [[القوة]] ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل [[المؤمن]] المعتز بإيمانه، [[الذاكر]] لربه، يرى النعمة دليلاً على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره. | ||
جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: {{نص قرآني| فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ | جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: {{نص قرآني|فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَراً}}. | ||
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه | ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه [[الغرور]]، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبداً، أنكر [[قيام الساعة]] أصلاً، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في [[الدنيا]]؟! فلابد أن يكون جنابه ملحوظاً في [[الآخرة]]! {{نص قرآني|وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣٥-٣٦.</ref>. | ||
إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور | إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه [[الأرض]] فلابد أن يكون لهم عند [[السماء]] مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا [[جنة]] عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكراً عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى [[الأدب]] الواجب في [[حق]] المنعم، وينذره عاقبة البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو [[خير]] من [[الجنة]] والثمار {{نص قرآني|قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبااً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣٧-٤١.</ref>. | ||
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في | وهكذا تنتفض عزة [[الإيمان]] في [[النفس]] المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري [[الغنى]] والبطر، ولا تتلعثم في [[الحق]]، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر [[المؤمن]] أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند [[الله]] [[خير]] من أعراض [[الحياة]]، وأن [[فضل]] الله عظيم، وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين. | ||
وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن {{ نص قرآني |وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي | وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة [[الندم]] والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن {{نص قرآني|وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٤٢.</ref>. | ||
وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه | وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفاً وحزناً على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة [[الشرك]]، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركاً ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٤/ ٢٢٧٠.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص ١٢٨</ref> | ||
==آثار الأمن على الفرد والمجتمع== | ==آثار [[الأمن]] على الفرد والمجتمع== | ||
لاستقرار الأمن آثار على الفرد وعلى المجتمع منها: | لاستقرار الأمن آثار على الفرد وعلى [[المجتمع]] منها: [[الهداية]]، وسعة [[الرزق]] ورغد العيش، ومنها: النجاة من [[العذاب]] الأليم في [[الآخرة]]، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي: | ||
=== الهداية إلى أقوم السبل، وتوفر السكينة والاطمئنان=== | === الهداية إلى أقوم السبل، وتوفر [[السكينة]] والاطمئنان=== | ||
إن تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في | إن تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى [[حقيقة]] مفادها أنه مستقر في [[القلب]]، ومدار مادة (أمن) في [[اللسان العربي]] على سكينة يطمئن إليها [[القلب]] بعد اضطراب، وقول [[الراغب الأصفهاني]] يكاد يكون جامعاً لما في غيره مع تدقيق، يقول: «أصل [[الأمن]]: طمأنينة [[النفس]] وزوال [[الخوف]]، وآمن: إنما يقال على وجهين: | ||
# | #متعدياً بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: [[مؤمن]]. | ||
#غير متعد، ومعناه: صار ذا أمن، والإيمان هو التصديق الذي معه أمن» <ref>المفردات ص٩٠.</ref>. | #غير متعد، ومعناه: صار ذا أمن، والإيمان هو [[التصديق]] الذي معه أمن» <ref>المفردات ص٩٠.</ref>. | ||
كأن الإمام الراغب لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا | كأن [[الإمام]] الراغب لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا [[حيرة]]؛ لأنه مطمئن إلى ربه {{نص قرآني|أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٢٨.</ref>. | ||
{{ نص قرآني |هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا | {{نص قرآني|هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً}}<ref> سورة الفتح، الآية ٤.</ref>. | ||
فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة (أمن) أو (آمن) المتعدي واللازم، المدار على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> | فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه [[المادة]] سواء في صورة (أمن) أو (آمن) المتعدي واللازم، المدار على هذه [[السكينة]] وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد [[قدر]] من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٨٩.</ref>. | ||
وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها | وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها جميعاً هي أنها تحدث لدى [[الإنسان]] ضرباً من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في [[الدنيا]] يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في [[الآخرة]] يسعد وتحصل له [[السعادة]] [[الأبدية]]. | ||
إن أثر الإيمان حسب النصوص الشرعية يطمئن النفوس، ويهدئ المجتمعات من القلاقل، والفتن والأزمات، في أمور كثيرة، اضطربت فيها أنظمة الأمم، وتباينت فيها الآراء رغبة في وجود حل، والقضاء على مشكلة، أجد أن هذا الحيز لا يفيها كلها، ولكن حسبنا الإشارة إلى نماذج منها مثل: | إن أثر [[الإيمان]] حسب النصوص الشرعية يطمئن النفوس، ويهدئ المجتمعات من القلاقل، والفتن والأزمات، في أمور كثيرة، اضطربت فيها أنظمة الأمم، وتباينت فيها الآراء رغبة في وجود حل، والقضاء على مشكلة، أجد أن هذا الحيز لا يفيها كلها، ولكن حسبنا الإشارة إلى نماذج منها مثل: | ||
#الأمن الزراعي وتوفير الغذاء: ونجد هذا في آيات كثيرة في كتاب الله | #الأمن الزراعي وتوفير [[الغذاء]]: ونجد هذا في آيات كثيرة في [[كتاب الله]] [[الكريم]]، مثل سورة [[يوسف]] والنحل وغيرهما. | ||
#الأمن الأسري ورباط الزوجية: كما في قول الله تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ | #الأمن الأسري ورباط الزوجية: كما في قول [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}}<ref> سورة الفرقان، الآية ٧٤.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٢١.</ref>. | ||
#الأمن العائلي والاهتمام بالأولاد: كما جاء في سورة النساء في تقسيم التركات. | #[[الأمن]] العائلي والاهتمام بالأولاد: كما جاء في سورة [[النساء]] في تقسيم التركات. | ||
#الأمن في الأوطان وحمايتها، والأمن الأخلاقي وتهذيب النفوس: كما جاء في آيات سورة في تحريم الزنا، ومنع الخوض في أعراض | #الأمن في الأوطان وحمايتها، والأمن الأخلاقي وتهذيب النفوس: كما جاء في آيات سورة في تحريم الزنا، ومنع الخوض في أعراض [[الناس]]، وفي [[آداب]] الاستئذان، وفي فرضية [[الحجاب]] وآياته في [[سورة الأحزاب]]. | ||
#أمن العقيدة وسلامة القلوب لارتباطها بالله وحده، ونبذ كل ما سواه: يقول تعالى في هذا: {{ نص قرآني |الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ | #أمن [[العقيدة]] وسلامة [[القلوب]] لارتباطها بالله وحده، ونبذ كل ما سواه: يقول تعالى في هذا: {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٢٨.</ref>. وآيات سورة [[الروم]] وسورة الواقعة التي تربط [[الإنسان]] بخالقه المتصرف سبحانه في جميع الأمور. | ||
#أمن المسكن وتوفير المعيشة: وتوضح ذلك آيات متعددة من كتاب الله الكريم كما في سورة النحل. | #أمن المسكن وتوفير المعيشة: وتوضح ذلك آيات متعددة من [[كتاب الله]] [[الكريم]] كما في [[سورة النحل]]. | ||
#الأمن الاقتصادي وحرية الحركة في الأموال | #الأمن الاقتصادي وحرية [[الحركة]] في الأموال بيعاً وشراء، بعد أداء [[حق]] [[الله]] فيها بالزكاة والصدقة: وقد حظيت [[الزكاة]] والصدقة بتوجيهات [[كبيرة]] من [[القرآن الكريم]] والسنة المطهرة؛ لتهذيب النفوس وتعويدها على البذل والعطاء براحة نفس واطمئنان [[خاطر]]، وفي [[السر]] آكد؛ لأنها أبعد عن المراءاة. | ||
#الأمن بالهجرة لمكان آخر إذا كان المرء لا يستطيع أداء شعائر دينه، أو يجد مضايقات من أعداء دينه، وهذا هو الأمن على العبادة. وقد حكى الله عمن لم ينج بدينه وهو قادر: {{ نص قرآني | إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ | #الأمن بالهجرة لمكان آخر إذا كان المرء لا يستطيع أداء شعائر دينه، أو يجد مضايقات من أعداء دينه، وهذا هو الأمن على [[العبادة]]. وقد حكى الله عمن لم ينج بدينه وهو [[قادر]]: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}}<ref> سورة النساء، الآية ٩٧-١٠٠.</ref>. ولكي يجعل [[الله]] مأمناً ومخرجاً لهؤلاء المستضعفين غير القادرين على [[الهجرة]] والنجاة بأنفسهم فإن مما يطمئنهم أن الفئة المؤمنة مأمورة بالجهاد لتخليصهم ونصرتهم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ٧٥.</ref>. | ||
#الأمن بالتوبة: وهذا هو أمن المصير، وراحة النفس في الدنيا بالابتعاد عن أمر يؤرق النفس، ويخيفها التلبس به، وآيات التوبة في كتاب الله الكريم كثيرة ومتعددة. | #[[الأمن]] بالتوبة: وهذا هو أمن المصير، وراحة [[النفس]] في [[الدنيا]] بالابتعاد عن أمر يؤرق النفس، ويخيفها التلبس به، وآيات [[التوبة]] في [[كتاب الله]] [[الكريم]] كثيرة ومتعددة. | ||
#أمن النفوس بمجاهدة | #أمن النفوس بمجاهدة [[الكفار]]؛ لإظهار [[دين]] الله، ولإسعاد البشرية بتبليغه: كما توضح ذلك سورة [[الأنفال]] وسورة التوبة وسورة البقرة، وغيرها في مواطن كثيرة من كتاب الله؛ لأن قمع [[أعداء الله]] وأعداء رسالاته لا يكون إلا بقوة السلاح، ودفاع المجاهدين المتحمسين لإظهار دينه. وتأمين النفوس من التأثيرات الخفية، وحفظها من أثر ذلك كالسحر ونفثات [[الشيطان]]، كما جاء في المعوذتين، وقل هو الله أحد، وآية [[الكرسي]]، ففي هذا حرز للنفس وأمان لها من المؤثرات [[النفسية]]، ووساوس الشيطان وأتباعه. | ||
#الأمن بالمشورة في كل أمر حتى يخف ما على كاهل الإنسان بإعطائه للآخرين، فيشاركون في الرأي: كما في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى | #الأمن بالمشورة في كل أمر حتى يخف ما على كاهل [[الإنسان]] بإعطائه للآخرين، فيشاركون في الرأي: كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٥٩.</ref>. | ||
وغير هذا من الأمور التي جعلت الشريعة الإسلامية فيها | وغير هذا من الأمور التي جعلت [[الشريعة الإسلامية]] فيها حلولاً لكل ما يعترض الإنسان في هذه [[الحياة]]، حيث يجد المرء في المخارج ما يريح نفسه، ويعينه على [[التغلب]] على المشكلة التي اعترضته؛ لأن في كتاب الله وسنة نبيه عليه [[الصلاة]] والسلام ما ينير الطريق، ويوضح المعالم، ويهدئ النفوس. | ||
وقد وصف الله الفئة المؤمنة بآيات كريمات في مطلع سورة سميت باسمهم، أعطتهم صفات مطمئنة ومريحة؛ لأنهم في يقين | وقد [[وصف الله]] الفئة المؤمنة بآيات كريمات في مطلع سورة سميت باسمهم، أعطتهم صفات مطمئنة ومريحة؛ لأنهم في [[يقين]] ورضاً. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١-١١.</ref>.<ref>انظر: أثر الإيمان في إشاعة الاطمئنان، محمد الشويعر، مجلة البحوث الإسلامية ١٧/١٨٩.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ | وقال تعالى: {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٢٨.</ref>. | ||
فلا سعادة لإنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان | فلا [[سعادة]] لإنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان [[القلب]]، ومما لا شك فيه أن كلاً منا يبحث عن [[السعادة]] ويسعى إليها، فهي أمل كل [[إنسان]]، ومنشود كل [[بشر]]، والتي بها يتحقق له [[الأمن]] النفسي. | ||
وليس الأمن النفسي بالمطلب الهين، فبواعث القلق والخوف والضيق ودواعي التردد والارتياب والشك تصاحب الإنسان منذ أن يولد وحتى يواريه التراب. | وليس الأمن النفسي بالمطلب الهين، فبواعث القلق والخوف والضيق ودواعي التردد والارتياب والشك تصاحب [[الإنسان]] منذ أن يولد وحتى يواريه التراب. | ||
وإن الإسلام ليقيم صرحه الشامخ على عقيدة أن الإيمان مصدر | وإن [[الإسلام]] ليقيم صرحه الشامخ على عقيدة أن [[الإيمان]] مصدر [[الأمان]]، فالإقبال على طريق [[الله]] هو الموصل إلى [[السكينة]] والطمأنينة والأمن؛ ولذلك فإن الإيمان [[الحق]] هو السير في طريق الله للوصول إلى [[حب الله]]، والفوز بالقرب منه تعالى . | ||
قال ابن القيم: «إن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل ؛ إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا، والله المستعان» <ref>الفوائد ص ٧٧.</ref>. | قال [[ابن القيم]]: «إن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل ؛ إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى [[حس]] قد جرب هذا وهذا، والله المستعان» <ref>الفوائد ص ٧٧.</ref>. | ||
وكذلك شرع الإسلام ما يحمي الإنسان، ويجعله | وكذلك [[شرع]] الإسلام ما يحمي الإنسان، ويجعله آمناً على نفسه، فحرم [[الله تعالى]] [[قتل]] [[النفس]] بغير الحق، كما قال سبحانه: {{نص قرآني|وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٥١.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ | وقال: {{نص قرآني|وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٣٣.</ref>. | ||
وفي حماية الأموال قال سبحانه: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ | وفي حماية الأموال قال سبحانه: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ٢٩-٣٠.</ref>. | ||
ومن الحدود التي تحافظ على أمن المجتمع كله حد | ومن [[الحدود]] التي تحافظ على أمن [[المجتمع]] كله حد [[الحرابة]]، قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣٣-٣٤.</ref>. | ||
وهكذا كل الشريعة تحفظ على الناس أمنهم بطرق كثيرة، فيترتب عليه شيوع الأمن في المجتمع | وهكذا كل [[الشريعة]] تحفظ على [[الناس]] أمنهم بطرق كثيرة، فيترتب عليه شيوع [[الأمن]] في المجتمع [[المسلم]]، ومن ثم يتوفر الناس لأمور دينهم ودنياهم. | ||
=== سعة الرزق والرغد=== | === سعة [[الرزق]] والرغد=== | ||
باستقراء جزئي لبعض نصوص القرآن الكريم نجد | باستقراء جزئي لبعض نصوص [[القرآن الكريم]] نجد اقتراناً وجيهاً بين الأمن والرزق، ومن ذلك: | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١١٢.</ref>. | ||
وهنا عقوبة بعد امتنان، وهدم بعد تشييد، فيظهر الله منته على عبادة بقوله: {{نص قرآني|آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا | وهنا عقوبة بعد امتنان، وهدم بعد تشييد، فيظهر [[الله]] منته على [[عبادة]] بقوله: {{نص قرآني|آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}} فقرن بين الأمن والكفاية في الرزق؛ بل من [[كمال]] فضله على أهل هذه القرية زيادة على الأمن تفضل عليهم بالطمأنينة، وهي الاستقرار النفسي من الداخل، فكانوا في آمن من [[عدو]] خارجي، واستقرار نفسي داخلي، ثم بين أن رزقها يأتيها ليس كفافاً أو كفاية؛ بل يأتيها رغداً كثيراً هنيئًا متنوعاً من كل مكان، فقد بلغ أهل القرية غاية الأرب، ومنتهى الطلب في مقصدي الأمن والكفاية، فلما كفرت بتلك النعم حرمت من الكأس الذي به كان الامتنان، فتبدل الأمن خوفاً والرزق جوعاً. | ||
وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن أعظم المنة على النفس توفير الآمن وكفاية العيش. | وفي هذه [[الآية]] [[دلالة]] صريحة على أن أعظم المنة على [[النفس]] توفير الآمن وكفاية العيش. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}}<ref> سورة قريش، الآية ٤.</ref>. | ||
ووردت هذه الآية في معرض المنة على كفار قريش في جاهليتهم، فكانوا أعز العرب منعة وأكثر هم مهابة، وتجلب لها الأرزاق والأنعام من حيث شاءوا. | ووردت هذه [[الآية]] في معرض المنة على كفار [[قريش]] في جاهليتهم، فكانوا أعز [[العرب]] منعة وأكثر هم مهابة، وتجلب لها الأرزاق والأنعام من حيث شاءوا. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٥٥.</ref>. | ||
فقرن في عقوبة الابتلاء بين الخوف والجوع، فبفقدهما تكون أعظم المصائب وأجل الخطوب. | فقرن في عقوبة [[الابتلاء]] بين [[الخوف]] والجوع، فبفقدهما تكون أعظم [[المصائب]] وأجل الخطوب. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٥٧.</ref>. | ||
فقرن في الامتنان على كفار قريش بين الأمن والرزق، وهذا التلازم بين هذين المقصدين يقتضى الوقوف عنده | فقرن في الامتنان على كفار قريش بين [[الأمن]] والرزق، وهذا التلازم بين هذين المقصدين يقتضى الوقوف عنده كثيراً. | ||
وقال تعالى عن دعاء إبراهيم | وقال تعالى عن [[دعاء]] [[إبراهيم]] {{ع}}: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٦.</ref>. | ||
وهنا عندما طلب إبراهيم | وهنا عندما طلب إبراهيم {{ع}} من ربه [[الحياة]] الكريمة لمن سيؤول إليه سكن [[مكة]]، طلب أعز موجود، وأعظم مفقود، وهما الأمن والرزق، وهذا [[دلالة]] على أنهما ركيزتان للحياة [[الإنسانية]] الكريمة. | ||
وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيءٍ آخر من أمور الدين والدنيا <ref>فتح القدير، الشوكاني ٣/١٣٤.</ref>، وهكذا في آيات كثيرة. | وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ [[الإنسان]] لشيءٍ آخر من أمور [[الدين]] والدنيا <ref>فتح القدير، الشوكاني ٣/١٣٤.</ref>، وهكذا في آيات كثيرة. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٢٦.</ref>. | ||
وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله أصحاب نبيه | وفي هذه [[الآية الكريمة]] يذكر [[الله]] أصحاب نبيه {{صل}} بأعظم منتين امتن الله بهما عليهم، وهما الأمن بعد الخوف، والرزق بعد شظف العيش. | ||
وقال رسول الله | وقال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|من أصبح منكم آمناً في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا}} <ref>أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، ٤/١٥٢، رقم ٢٣٤٦، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب القناعة، ٢/١٣٨٧، رقم ٤١٤١. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٢/ ١٠٤٤، رقم ٦٠٤٢.</ref>. | ||
وهذا الحديث أصل في هذا الباب، فقد ذكر فيه الدعائم الأساسية في حياة الفرد، وهي تنطبق | وهذا الحديث أصل في هذا الباب، فقد ذكر فيه الدعائم الأساسية في [[حياة]] الفرد، وهي تنطبق تباعاً على المجتمعات والتكتلات بكل مفرداتها، وهذه الأسس هي: [[الأمن]] والعافية والقوت ([[الرزق]]) فمن جوامع [[الخير]] وحقوق الآدمية للفرد والجماعة أن يوفر لهم الأمن بكل أنواعه، والرزق بصنوف حاجاته وعلائقه. | ||
وإذا كنا قد اتفقنا على أن أعظم طرق الأمن هو | وإذا كنا قد اتفقنا على أن أعظم طرق الأمن هو [[الإيمان]]، فإن [[الإيمان بالله]] هو الذي يجعل [[المجتمع]] في رغد وسعة من الرزق. | ||
ولذلك قال سبحانه: {{ نص قرآني |وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا | ولذلك قال سبحانه: {{نص قرآني|وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٩٦-٩٩.</ref>. | ||
فذكر الله تعالى أن هذه القرى لما كانت آمنة كانت البركات تنزل عليهم، فلما كفروا أبدلهم الله بالأمن | فذكر [[الله تعالى]] أن هذه القرى لما كانت آمنة كانت البركات تنزل عليهم، فلما كفروا أبدلهم [[الله]] بالأمن خوفاً، وزالت [[النعمة]] عنهم. | ||
وقال سبحانه: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ | وقال سبحانه: {{نص قرآني|وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١١٢.</ref>. | ||
فجعل من مستلزمات الأمن أن رزقها | فجعل من مستلزمات الأمن أن رزقها رغداً. | ||
قال الماوردي: «اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمةً، وأمورها ملتئمةً، ستة أشياء هي قواعدها، وإن تفرعت، وهي: دينٌ متبعٌ، وسلطانٌ قاهرٌ، وعدلٌ شاملٌ، وأمنٌ عامٌ، وخصبٌ دائمٌ، وأملٌ فسيحٌ. | قال الماوردي: «اعلم أن ما به تصلح [[الدنيا]] حتى تصير أحوالها منتظمةً، وأمورها ملتئمةً، ستة أشياء هي قواعدها، وإن تفرعت، وهي: دينٌ متبعٌ، وسلطانٌ قاهرٌ، وعدلٌ شاملٌ، وأمنٌ عامٌ، وخصبٌ دائمٌ، وأملٌ فسيحٌ. | ||
وقال في شرح ذلك: وأما القاعدة الرابعة: فهي أمنٌ عامٌ تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائفٍ راحةٌ، ولا لحاذرٍ طمأنينةٌ. | وقال في شرح ذلك: وأما القاعدة الرابعة: فهي أمنٌ عامٌ تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائفٍ راحةٌ، ولا لحاذرٍ طمأنينةٌ. | ||
وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيشٍ، والعدل أقوى جيشٍ؛ لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم، وانتظام جملتهم؛ لأن الأمن من نتائج | وقد قال بعض [[الحكماء]]: الأمن أهنأ عيشٍ، والعدل أقوى جيشٍ؛ لأن [[الخوف]] يقبض [[الناس]] عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم، وانتظام جملتهم؛ لأن الأمن من نتائج [[العدل]]، والجور من نتائج ما ليس بعدلٍ. | ||
ثم قال في الخصب: والخصب يكون من وجهين: خصبٌ في المكاسب، وخصبٌ في المواد، فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد، وهو من نتائج الأمن المقترن بها، وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسبابٍ إلهيةٍ، وهو من نتائج العدل المقترن بها» <ref>أدب الدنيا والدين، الماوردي ص١٣٣.</ref>. | ثم قال في الخصب: والخصب يكون من وجهين: خصبٌ في المكاسب، وخصبٌ في المواد، فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد، وهو من نتائج الأمن المقترن بها، وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسبابٍ إلهيةٍ، وهو من نتائج [[العدل]] المقترن بها» <ref>أدب الدنيا والدين، الماوردي ص١٣٣.</ref>. | ||
وتأمل التلازم الوثيق بين الأمن والرزق، وبين الخوف والجوع، تجده | وتأمل التلازم الوثيق بين [[الأمن]] والرزق، وبين [[الخوف]] والجوع، تجده مطرداً في [[القرآن]] كله، مما يؤكد أهمية ووجوب المحافظة على الأمن؛ لما يترتب على ذلك من آثار كبرى في [[حياة]] [[الناس]] وعباداتهم، واستقرارهم البدني والنفسي، وأي طعم للحياة والعبادة إذا حل الخوف؟ بل تتعثر مشاريع [[الدين]] والدنيا. | ||
وقال الجويني: «ولا تصفو نعمةٌ عن الأقذاء ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار، فإذا اضطربت الطرق، وانقطعت الرفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي | وقال الجويني: «ولا تصفو نعمةٌ عن الأقذاء ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار، فإذا اضطربت الطرق، وانقطعت الرفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت [[دواعي]] [[الفساد]]، ترتب عليه [[غلاء]] الأسعار، وخراب الديار، وهواجس الخطوب الكبار، فالأمن والعافية قاعدتا النعم كلها، ولا يهنأ بشيءٍ منها دونها؛ فلينتهض [[الإمام]] لهذا المهم، وليوكل بذلك الذين يخفون، وإذا حزب خطبٌ لا يتواكلون، ولا يتجادلون، ولا يركنون إلى الدعة والسكون، ويتسارعون إلى لقاء الأشرار بدار الفراش إلى [[النار]]، فليس للناجمين من المتلصصين مثل أن يبادروا قبل أن يتجمعوا أو يتألبوا، وتتحد كلمتهم، ويستقر قدمهم، ثم يندب لكل صقعٍ من ذوي البأس من يستقل بكفاية هذا المهم. | ||
وإذا تمهدت الممالك، وتوطدت المسالك، انتشر الناس في حوائجهم، ودرجوا في مدارجهم، وتقاذفت أخبار الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام، وصارت خطة الإسلام كأنها بمرأى منه ومسمعٍ، واتسق أمر الدين والدنيا، واطمأن إلى الأمنة الورى، والإمام في حكم البذرقة <ref>البذرقة: الحراس يتقدمون القافلة، وأجر الحراسة، والأمان يعطاه المسافر، وهي كلمة ليست بعربية، وإنما هي كلمة فارسية وعربتها العرب، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة، والمبذرق: الخفير. انظر: المعجم الوسيط ١/٤٥ والقاموس المحيط ص ٨٦٦.</ref> في البلاد للسفرة والحاضرة، فليكلأهم بعينٍ ساهرةٍ، وبطشةٍ قاهرةٍ» <ref>غياث الأمم، الجويني ص ٢١٢.</ref>. | وإذا تمهدت الممالك، وتوطدت المسالك، انتشر الناس في حوائجهم، ودرجوا في مدارجهم، وتقاذفت أخبار الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام، وصارت خطة [[الإسلام]] كأنها بمرأى منه ومسمعٍ، واتسق أمر الدين والدنيا، واطمأن إلى الأمنة الورى، والإمام في [[حكم]] البذرقة <ref>البذرقة: الحراس يتقدمون القافلة، وأجر الحراسة، والأمان يعطاه المسافر، وهي كلمة ليست بعربية، وإنما هي كلمة فارسية وعربتها العرب، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة، والمبذرق: الخفير. انظر: المعجم الوسيط ١/٤٥ والقاموس المحيط ص ٨٦٦.</ref> في البلاد للسفرة والحاضرة، فليكلأهم بعينٍ ساهرةٍ، وبطشةٍ قاهرةٍ» <ref>غياث الأمم، الجويني ص ٢١٢.</ref>. | ||
=== النجاة من عذاب الله في الآخرة=== | === النجاة من [[عذاب]] [[الله]] في [[الآخرة]]=== | ||
من المفهوم القاصر للأمن الذي يحاول الملبسون ترسيخه في أذهان الناس اليوم توجيه الأنظار إلى توفير الأمن على النفس والرزق في هذه الحياة الدنيا فحسب، ونسيان الأمن الحقيقي والسعادة الكبرى في الآخرة، وعدم أو ضعف الحرص على ذلك، وإغفال الأسباب التي توصل إلى الأمن يوم الفزع الأكبر، والفوز بدار الأمن والسلام والتي أعدها الله عز وجل لعباده المتقين، قال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ }}<ref> | من المفهوم القاصر للأمن الذي يحاول الملبسون ترسيخه في أذهان الناس اليوم توجيه الأنظار إلى توفير الأمن على [[النفس]] والرزق في هذه [[الحياة]] [[الدنيا]] فحسب، ونسيان الأمن الحقيقي والسعادة الكبرى في الآخرة، وعدم أو [[ضعف]] [[الحرص]] على ذلك، وإغفال الأسباب التي توصل إلى [[الأمن]] يوم الفزع الأكبر، والفوز بدار الأمن والسلام والتي أعدها [[الله]] عز وجل لعباده المتقين، قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٥-٤٦.</ref>. | ||
وقال سبحانه: {{ نص قرآني | | وقال سبحانه: {{نص قرآني|وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}}<ref> سورة يونس، الآية ٢٥.</ref>. | ||
إن الأمن يوجب على الإنسان أن يعبد الله، كما قال سبحانه: {{ نص قرآني |وَعَدَ | إن الأمن يوجب على [[الإنسان]] أن يعبد الله، كما قال سبحانه: {{نص قرآني|وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}}<ref> سورة النور، الآية ٥٥.</ref>. | ||
وهذه العبادة هي المؤدية للأمن التام في | وهذه [[العبادة]] هي المؤدية للأمن التام في [[الآخرة]]، كما قال تعالى: {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨٢.</ref>. | ||
فهؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم | فهؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون [[يوم القيامة]]، المهتدون في [[الدنيا]] والآخرة <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٢٩٤.</ref>. | ||
ومن خاف هنا أمن هناك، فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، ولست أعني بالخوف رقة كرقة | ومن خاف هنا أمن هناك، فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، ولست أعني بالخوف رقة كرقة [[النساء]]، تدمع العين، ويرق [[القلب]]، ثم ينسى على [[القرب]]، يعود المرء إلى [[اللهو]] واللعب، فهذا ليس من [[الخوف]] في شيء، بل من خاف شيئًا هرب منه، ومن رجا شيئًا طلبه، فلا ينجي إلا [[خوف]] يمنع عن معاصي [[الله تعالى]] ويحث على طاعته. | ||
ولذلك وعد الله أهل الإيمان بالأمن التام، فقال سبحانه: {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> | ولذلك [[وعد]] الله أهل [[الإيمان]] بالأمن التام، فقال سبحانه: {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٨٩.</ref>. | ||
ففي يوم القيامة في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> | ففي يوم القيامة في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في [[الحياة]] الدنيا، فوق ما ينالهم من [[ثواب]] هو أجزل من حسناتهم وأوفر {{نص قرآني|مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٨٩.</ref>. | ||
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع | والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده [[فضل]] من الله ومنة، ولقد خافوا [[الله]] في [[الدنيا]] فلم يجمع عليهم [[خوف]] الدنيا وفزع [[الآخرة]]، بل أمنهم يوم يفزع من في [[السماوات]] ومن في [[الأرض]] إلا من شاء الله. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي | وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٤٠.</ref>. | ||
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذابُ | قال [[الطبري]]: «يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا [[يوم القيامة]] عذابُ [[النار]]، ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خيرٌ أم الذي يأتي يوم القيامة آمناً من [[عذاب]] الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا [[الكافر]]، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذٍ به كافراً» <ref>جامع البيان، ٢٠/٤٤٢.</ref>. | ||
وقال تعالى | وقال تعالى ذاكراً أمنهم وهم في [[الجنة]]: {{نص قرآني|وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}}<ref> سورة سبأ، الآية ٣٧.</ref>. | ||
إشارةً إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من تنقطع عنه النعمة لا يكون | إشارةً إلى دوام [[النعيم]] وتأبيده، فإن من تنقطع عنه [[النعمة]] لا يكون آمناً <ref>مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/٢٠٩.</ref>. | ||
فهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأسٍ وخوفٍ وأذًى، ومن كل شرٍ يحذر منه، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل الأمن في الدنيا والآخرة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص | فهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأسٍ وخوفٍ وأذًى، ومن كل شرٍ يحذر منه، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل [[الأمن]] في الدنيا والآخرة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم''']]، ص ١٤٩</ref> | ||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||