انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمّة عند أهل السنة»

سطر ٣٥١: سطر ٣٥١:


===أولًا: لكل أمة أجل===
===أولًا: لكل أمة أجل===
ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم بأن لكل أمة أجلًا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا يتأخر عنه.
ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم بأن لكل أمة أجلًا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا يتأخر عنه.


قال تعالى: (ں ں ڻڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہہ ہ ھ) [الأعراف: ٣٤].
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  34.</ref>.
 
قال الخازن في هذه الآية: «قوله تعالى: (ں ں ڻ) الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة، ثم في هذا الأجل المذكور في الآية قولان:
 
أحدهما: أنه أجل العذاب، والمعنى: أن لكل أمة كذبت رسله وقتًا معينًا، وأجلًا مسمى أمهلهم الله إلى ذلك الوقت (ڻ ڻ ۀ) يعني: إذا حل وقت عذابهم (ۀ ہ ہہ ہ ھ) يعني: فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الوقت في العرف، وهذا حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى أن لهم وقتًا إذا جاء ذلك الوقت هو وقت إهلاكهم واستئصالهم، فلا يؤخرون عنه ساعة ولا يستقدمون.


والقول الثاني: أن المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ذلك الأجل وحضر الموت، فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة، وعلى هذا القول يلزم أن يكون لكل واحد أجل لا يقع فيه تقديم ولا تأخير، وإنما قال تعالى: (ں ں) ؛ لتقارب أعمار أهل كل عصر، فكأنهم كالواحد في مقدار العمر»102.
قال [[الخازن]] في هذه الآية: «قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}} الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة، ثم في هذا الأجل المذكور في الآية قولان:
#أنه أجل العذاب، والمعنى: أن لكل أمة كذبت رسله وقتًا معينًا، وأجلًا مسمى أمهلهم الله إلى ذلك الوقت (ڻ ڻ ۀ) يعني: إذا حل وقت عذابهم (ۀ ہ ہہ ہ ھ) يعني: فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الوقت في العرف، وهذا حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى أن لهم وقتًا إذا جاء ذلك الوقت هو وقت إهلاكهم واستئصالهم، فلا يؤخرون عنه ساعة ولا يستقدمون.
#أن المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ذلك الأجل وحضر الموت، فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة، وعلى هذا القول يلزم أن يكون لكل واحد أجل لا يقع فيه تقديم ولا تأخير، وإنما قال تعالى: (ں ں) ؛ لتقارب أعمار أهل كل عصر، فكأنهم كالواحد في مقدار العمر»<ref>لباب التأويل، الخازن ٢/١٩٦.</ref>.


وأما ابن عاشور فقال في هذه الآية: «وليس المراد في الآية، بأجل الأمة، أجل أفرادها، وهو مدة حياة كل واحد منها؛ لأنه لا علاقة له بالسياق، ولأن إسناده إلى الأمة يعين أنه أجل مجموعها لا أفرادها، ولو أريد آجال الأفراد لقال: لكل أحد أو لكل حي أجل»103.
وأما [[ابن عاشور]] فقال في هذه الآية: «وليس المراد في الآية، بأجل الأمة، أجل أفرادها، وهو مدة حياة كل واحد منها؛ لأنه لا علاقة له بالسياق، ولأن إسناده إلى الأمة يعين أنه أجل مجموعها لا أفرادها، ولو أريد آجال الأفراد لقال: لكل أحد أو لكل حي أجل»<ref>التحرير والتنوير، ٨/١٠٤-١٠٥.</ref>.


والأجل يطلق على مدة الإمهال، ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال، ولا شك أنه وضع في الآية لأحد الأمرين، ثم استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدة، أو تأخير المنتهى، وشاع الاستعمالان.
والأجل يطلق على مدة الإمهال، ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال، ولا شك أنه وضع في الآية لأحد الأمرين، ثم استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدة، أو تأخير المنتهى، وشاع الاستعمالان.


فعلى الأول: يقال: قضى الأجل، أي: المدة، كما قال تعالى: (ی ی ی) [القصص: ٢٨].
فعلى الأول: يقال: قضى الأجل، أي: المدة، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |َ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ}}<ref>  سورة القصص، الآية  28.</ref>.


وعلى الثاني: يقال: دنا أجل فلان.
وعلى الثاني: يقال: دنا أجل فلان.


وقوله تعالى: (ڱ ڱ ڱ ڱ ں) [الأنعام: ١٢٨]، والواقع في هذه الآية يصح للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأول المدة، وبالثاني الوقت المحدد لفعل ما104، والغرض من ذكر الأجل هو التخويف؛ ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي105.
وقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  128.</ref>، والواقع في هذه الآية يصح للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأول المدة، وبالثاني الوقت المحدد لفعل ما<ref>التحرير والتنوير، ٨/١٠٣-١٠٤.</ref>، والغرض من ذكر الأجل هو التخويف؛ ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي<ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/٢٣٤.</ref>.


وذكر عموم الأمم في هذا الوعيد، مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا، إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على الماضي، فيكون الوعيد خبرًا معضودًا بالدليل والحجة، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ)[آل عمران: ١٣٧]106.
وذكر عموم الأمم في هذا الوعيد، مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا، إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على الماضي، فيكون الوعيد خبرًا معضودًا بالدليل والحجة، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: {{ نص قرآني |قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  137.</ref><ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/١٠٣.</ref>.


وخلاصة معنى الآية: إن لكل أمة أجلًا لا يتأخرون عنه إذا جاء، ولا يتقدمون عليه أيضًا ، فيهلكوا قبل مجيئه، وبنحو هذه الآية قوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ) [الحجر: ٥].
وخلاصة معنى الآية: إن لكل أمة أجلًا لا يتأخرون عنه إذا جاء، ولا يتقدمون عليه أيضًا ، فيهلكوا قبل مجيئه، وبنحو هذه الآية قوله تعالى: {{ نص قرآني |مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}}<ref>  سورة الحجر، الآية  5.</ref>.
 
ثانيًا: نهاية الأمم:


===ثانيًا: نهاية الأمم===
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم ما حل بالأمم السابقة من العذاب بسبب تكذيبهم رسلهم، وكفرانهم نعمه جل وعلا، وهذه من سنن الله الثابتة في هلاك الظالمين.
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم ما حل بالأمم السابقة من العذاب بسبب تكذيبهم رسلهم، وكفرانهم نعمه جل وعلا، وهذه من سنن الله الثابتة في هلاك الظالمين.


وقد ذكر الله جل وعلا نوعين من العذاب، حيث قال تعالى: (ئى ئى ئى ی ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بجبح بخ بم بى بي تج) [الإسراء: ٥٨].
وقد ذكر الله جل وعلا نوعين من العذاب، حيث قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}}<ref>  سورة الإسراء، الآية  58.</ref>.


فهذه الآية بينت نوعين من العذاب:
فهذه الآية بينت نوعين من العذاب:


فالنوع الأول: الهلاك، ويقصد به الفناء والاستئصال107.
فالنوع الأول: الهلاك، ويقصد به الفناء والاستئصال<ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/٤٧٥.</ref>.


والنوع الثاني: العذاب الشديد، ويقصد به القتل بالسيف أو الزلازل أو الأمراض أو الخوف أو غير ذلك108. وهذا ما يسمى بنهاية العطاء الحضاري.
والنوع الثاني: العذاب الشديد، ويقصد به القتل بالسيف أو الزلازل أو الأمراض أو الخوف أو غير ذلك<ref>انظر: تفسير السمرقندي ٢/٣١٧.</ref>. وهذا ما يسمى بنهاية العطاء الحضاري.


وسوف نبين هذين النوعين بشيء من التفصيل فيما يأتي:
وسوف نبين هذين النوعين بشيء من التفصيل فيما يأتي:


١. نهاية العطاء الحضاري.
===نهاية العطاء الحضاري===
 
وهو العذاب الذي لا يؤدي إلى زوال الأمة، كالنقص في الأموال والأنفس والشدة والقحط وغير ذلك.
وهو العذاب الذي لا يؤدي إلى زوال الأمة، كالنقص في الأموال والأنفس والشدة والقحط وغير ذلك.


قال تعالى: (ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې) [الأنعام: ٤٢].
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  42.</ref>.


قال القاسمي في تفسير هذه الآية: «(ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ) أي: رسلًا، فكذبوهم ولم يبالوا؛ لكونهم في الرخاء، (ۉ ې) أي: الشدة والقحط، (ې) أي: المرض ونقصان الأنفس والأموال (ې ې) أي: يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون إليه من كفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد»109.
قال [[القاسمي]] في تفسير هذه الآية: «{{ نص قرآني |وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ}} أي: رسلًا، فكذبوهم ولم يبالوا؛ لكونهم في الرخاء، {{نص قرآني|فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ}} أي: الشدة والقحط، {{نص قرآني|وَالضَّرَّاءِ}} أي: المرض ونقصان الأنفس والأموال {{نص قرآني|لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}} أي: يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون إليه من كفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد»<ref>محاسن التأويل، ٤/٣٥٩.</ref>.


فأخذهم بالبأساء والضراء، أخذ ابتلاء واختبار، وذلك مفيد لهم؛ لأن سنة الله قد جرت بأنهم في مثل هذه الحال يتضرعون ويجأرون بالدعاء إلى ربهم، فالشدائد تربي النفوس وتهذب الأخلاق، فترجع المغرورين عن غرورهم، وتكف الفجار عن فجورهم110.
فأخذهم بالبأساء والضراء، أخذ ابتلاء واختبار، وذلك مفيد لهم؛ لأن سنة الله قد جرت بأنهم في مثل هذه الحال يتضرعون ويجأرون بالدعاء إلى ربهم، فالشدائد تربي النفوس وتهذب الأخلاق، فترجع المغرورين عن غرورهم، وتكف الفجار عن فجورهم<ref>انظر: تفسير المراغي ٧/١٢٣-١٢٤.</ref>.


وهذا رحمة من الله تعالى بهم111.
وهذا رحمة من الله تعالى بهم<ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٥٦.</ref>.
 
٢. نهاية استئصال.


===نهاية استئصال===
وهو ذهاب الأمة برمتها بحيث يهلك أفرادها بعذاب ما، ولا يبقى منهم أحد، كما حدث لقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ولكن يبقى من هؤلاء الصالحون.
وهو ذهاب الأمة برمتها بحيث يهلك أفرادها بعذاب ما، ولا يبقى منهم أحد، كما حدث لقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ولكن يبقى من هؤلاء الصالحون.


قال تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ڳ ڳ ڳڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ںڻ ڻ ڻ ڻ) [غافر: ٥].
قال تعالى: {{ نص قرآني |كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}}<ref>  سورة غافر، الآية  5.</ref>.
 
قال المراغي في تفسير هذه الآية: «كذبت قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، فحلت بهم نقمتنا بعد بلوغ أمدهم، كما هي سنتنا في أمثالهم من المكذبين، كعاد وثمود ومن بعدهم، وكانوا في جدلهم على مثل الذي عليه قومك، فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم ديارًا ولا نافخ نار، وصاروا كأمس الدابر، وإنكم لتمرون على ديارهم مصبحين وممسين، كما قال تعالى: (ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎڎ ڈ ڈ) [الصافات: ١٣٧-١٣٨]، وهكذا سأفعل بقومك إن هم أصروا على الكفر والجدل في آيات الله.


وفي الآية تسلية لرسوله على تكذيب من كذبه من قومه، وبأن له أسوة في سلفه من الأنبياء، فإن أقوامهم كذبوهم وما آمن منهم إلا قليل»112، وتهديد لمن جادل في آيات الله؛ ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق؛ ليبطلوه، وعلى الباطل؛ لينصروه113.
قال المراغي في تفسير هذه الآية: «كذبت قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، فحلت بهم نقمتنا بعد بلوغ أمدهم، كما هي سنتنا في أمثالهم من المكذبين، كعاد وثمود ومن بعدهم، وكانوا في جدلهم على مثل الذي عليه قومك، فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم ديارًا ولا نافخ نار، وصاروا كأمس الدابر، وإنكم لتمرون على ديارهم مصبحين وممسين، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الصافات، الآية  137-138.</ref>، وهكذا سأفعل بقومك إن هم أصروا على الكفر والجدل في آيات الله.


الأمم يوم القيامة
وفي الآية تسلية لرسوله على تكذيب من كذبه من قومه، وبأن له أسوة في سلفه من الأنبياء، فإن أقوامهم كذبوهم وما آمن منهم إلا قليل»<ref>انظر: تفسير المراغي ٢٤/٤٥.</ref>، وتهديد لمن جادل في آيات الله؛ ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق؛ ليبطلوه، وعلى الباطل؛ لينصروه<ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٢.</ref>.


==الأمم يوم القيامة==
جعل الله تعالى دار الدنيا دار عمل ومسابقة ومنافسة على طاعة الله تعالى، وأمهل فيها كل أمة مهلة كافية؛ لتؤمن فيها برسولها، وترى دلائل ربوبية الله تعالى وألوهيته، وصدق رسله ماثلة مبثوثة في آياته الكونية والشرعية، ثم جعل الله تعالى الحياة الآخرة دارًا يحاسب فيها كل أمة بعملها، ويقيم على كل أمة شهودًا على أن كل رسول قد أقام الحجة على أمته.
جعل الله تعالى دار الدنيا دار عمل ومسابقة ومنافسة على طاعة الله تعالى، وأمهل فيها كل أمة مهلة كافية؛ لتؤمن فيها برسولها، وترى دلائل ربوبية الله تعالى وألوهيته، وصدق رسله ماثلة مبثوثة في آياته الكونية والشرعية، ثم جعل الله تعالى الحياة الآخرة دارًا يحاسب فيها كل أمة بعملها، ويقيم على كل أمة شهودًا على أن كل رسول قد أقام الحجة على أمته.


قال تعالى: (ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈڈ ژ ژڑ ڑ) [النساء: ١٦٥].
قال تعالى: {{ نص قرآني |رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  165.</ref>.
 
أولًا: لكل أمة شهيد:


=== لكل أمة شهيد===
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن للأمم شهداء عليهم يوم القيامة، وشهداء الأمم أنبياؤهم، وسوف يشهدون عليهم بما عملوا.
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن للأمم شهداء عليهم يوم القيامة، وشهداء الأمم أنبياؤهم، وسوف يشهدون عليهم بما عملوا.


قال تعالى: (ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ) [النساء: ٤١].
قال تعالى: {{ نص قرآني |فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  41.</ref>.


قال البغوي: «وقوله تعالى: (ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ)، أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيها يشهد عليهم بما عملوا، (ک ک ک ک گ) شاهدًا يشهد على جميع الأمة على من رآه ومن لم يره»114.
قال [[البغوي]]: «وقوله تعالى: {{ نص قرآني |فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ}}، أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيها يشهد عليهم بما عملوا، (ک ک ک ک گ) شاهدًا يشهد على جميع الأمة على من رآه ومن لم يره»<ref>معالم التنزيل، ١/٦٢٤.</ref>.


وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم، لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ومقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم، فمن شهد لهم نبيهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به فهم ناجون ومن تبرأ منهم أنبياؤهم؛ لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاءوا به فأولئك هم الخاسرون، وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم115.
وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم، لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ومقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم، فمن شهد لهم نبيهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به فهم ناجون ومن تبرأ منهم أنبياؤهم؛ لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاءوا به فأولئك هم الخاسرون، وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم<ref>تفسير المراغي ٥/٤٣.</ref>.


فجعل الله شهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق؛ لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتبكيت له أعظم، وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول، وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيدًا للكفار الذين قال الله فيهم: (ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ) [النساء: ٤٠]، ووعدًا للمطيعين الذين قال الله فيهم (چ ڇ ڇ ڇ) [النساء: ٤٠]116.
فجعل الله شهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق؛ لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتبكيت له أعظم، وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول، وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيدًا للكفار الذين قال الله فيهم: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}}، ووعدًا للمطيعين الذين قال الله فيهم {{ نص قرآني |وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}}<ref>  سورة النساء، الآية  40.</ref>.<ref>مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/٨٣.</ref>.


وجاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: (ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ) قال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان117.
وجاء في الحديث الصحيح عن [[ابن مسعود]] قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: {{ نص قرآني |فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  41.</ref> قال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، ٦/١٩٦، رقم ٥٠٥٠.</ref>.


وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيدًا118.
وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيدًا<ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/١٩٧.</ref>.


قال ابن عاشور: «لا فعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه دلالة على شعور مجتمع فيه دلائل عظيمة: وهي المسرة بتشريف الله إياه في ذلك المشهد العظيم، وتصديق المؤمنين إياه في التبليغ، ورؤية الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته، والأسف على ما لحق بقية أمته من العذاب على تكذيبه، ومشاهدة ندمهم على معصيته، والبكاء ترجمان رحمة ومسرة وأسف وبهجة»119.
قال [[ابن عاشور]]: «لا فعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه دلالة على شعور مجتمع فيه دلائل عظيمة: وهي المسرة بتشريف الله إياه في ذلك المشهد العظيم، وتصديق المؤمنين إياه في التبليغ، ورؤية الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته، والأسف على ما لحق بقية أمته من العذاب على تكذيبه، ومشاهدة ندمهم على معصيته، والبكاء ترجمان رحمة ومسرة وأسف وبهجة»<ref>التحرير والتنوير، ٥/٥٨.</ref>.


والخلاصة في معنى الآية: أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بما عملوا، ويؤتى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا على أمته.
والخلاصة في معنى الآية: أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بما عملوا، ويؤتى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا على أمته.


ثانيًا: شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة:
=== شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة===
 
لقد بينا فيما سبق، أن الله سبحانه وتعالى شرف هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم، وذكرنا كلام المفسرين في معنى هذه الوسطية، وسوف نذكر -فيما يأتي- العلة من ذلك، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه.
لقد بينا فيما سبق، أن الله سبحانه وتعالى شرف هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم، وذكرنا كلام المفسرين في معنى هذه الوسطية، وسوف نذكر -فيما يأتي- العلة من ذلك، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه.


قال تعالى: (ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ) [البقرة: ١٤٣].
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}}<ref>  سورة البقرة، الآية  143.</ref>.


قال السعدي: «فإن شك شاك في فضل هذه الأمة، وطلب مزكيًا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فلهذا قال تعالى: (ڄ ڄ ڄ ڄ) ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها»120.
قال [[السعدي]]: «فإن شك شاك في فضل هذه الأمة، وطلب مزكيًا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فلهذا قال تعالى: {{نص قرآني|وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}} ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها»<ref>تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٠-٧١ بتصرف يسير.</ref>.


وقال ابن عاشور: «وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربهم»121.
وقال [[ابن عاشور]]: «وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربهم»<ref>التحرير والتنوير، ٢٩/٢٧٣.</ref>.


ومما يؤكد على شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة، ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: (ڄ ڄ ڄ ڄ) [البقرة: ١٤٣]، فذلك قوله جل ذكره: (ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ) [البقرة: ١٤٣])122.
ومما يؤكد على شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة، ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: {{نص قرآني|وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}}، فذلك قوله جل ذكره: {{ نص قرآني |وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}}}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا)، رقم ٤٤٨٧.</ref>.


وفي الآية (ڦ ڦ ڦ ڦ) دليل على قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، لكان فيه تناقض، فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا. والله أعلم123.
وفي الآية {{نص قرآني|لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}} دليل على قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، لكان فيه تناقض، فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا. والله أعلم<ref>انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١/٥٨٤.</ref>.


والخلاصة في القول: أن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة بتزكيته وتصديقه لأمته بما شهدت للأنبياء على أممهم بتبليغ الرسالة. والله أعلم.
والخلاصة في القول: أن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة بتزكيته وتصديقه لأمته بما شهدت للأنبياء على أممهم بتبليغ الرسالة. والله أعلم.
سطر ٤٥٦: سطر ٤٤٧:
وفي هذه الآية دلالة واضحة على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمة على غيرها من الأمم.
وفي هذه الآية دلالة واضحة على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمة على غيرها من الأمم.


ثالثًا: لا تحاسب أمة بذنب غيرها:
=== لا تحاسب أمة بذنب غيرها===
 
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن كل أمة مؤاخذة بعملها، ولا تحاسب أمة بذنب غيرها.
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن كل أمة مؤاخذة بعملها، ولا تحاسب أمة بذنب غيرها.


قال تعالى: (ئۈ ئۈ ئې ئېئې ئى ئى ئى ی ی یی ئج ئح ئم ئى ئي) [البقرة: ١٣٤].
قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  134.</ref>.


قال السعدي: «(ئۈ ئۈ ئې ئې) أي: مضت (ئى ئى ئى ی ی ی) أي: كل له عمله، وكل سيجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، فاشتغالكم بهم وادعاؤكم، أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم، أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل تصلح للنجاة أم لا؟»124.
قال [[السعدي]]: «{{ نص قرآني |تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ}} أي: مضت {{نص قرآني|لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ}} أي: كل له عمله، وكل سيجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، فاشتغالكم بهم وادعاؤكم، أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم، أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل تصلح للنجاة أم لا؟»<ref>تيسير الكريم الرحمن، ص ٦٧.</ref>.


و(ئۈ ئۈ) إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون125، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: نحن على دينهم، فقال لهم تبارك وتعالى: (ئۈ ئۈ ئې ئې) ، أي: لا تقدرون عليهم فيشهدوا لكم، فلهم ما عملوا وإنما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ينفعكم من أعمالهم شيء126.
و {{ نص قرآني |تِلْكَ أُمَّةٌ}} إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون<ref>مدارك التنزيل، النسفي ١/١٣٣.</ref>، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: نحن على دينهم، فقال لهم تبارك وتعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ}}، أي: لا تقدرون عليهم فيشهدوا لكم، فلهم ما عملوا وإنما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ينفعكم من أعمالهم شيء<ref>انظر: تفسير السمرقندي ١/٩٦.</ref>.


وقد ذكرت هذه الآية في موضع آخر في السورة نفسها.
وقد ذكرت هذه الآية في موضع آخر في السورة نفسها.


قال تعالى: (ئى ئى ئى یی ی ی ئج ئح ئم ئىئي بج بح بخ بم بى) [البقرة: ١٤١].
قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  134.</ref>.


وتكرارها كما قال القرطبي: «لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها»127.
وتكرارها كما قال [[القرطبي]]: «لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها»<ref>الجامع لأحكام القرآن، ٢/١٤٧.</ref>.


وقال البيضاوي: «وتكريرها؛ للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم، وفي الآية تحذيرٌ لنا عن الاقتداء بهم»128.
وقال [[البيضاوي]]: «وتكريرها؛ للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم، وفي الآية تحذيرٌ لنا عن الاقتداء بهم»<ref>انظر: أنوار التنزيل، ١/١١٠.</ref>.


وفي الآية سواء كانت الأولى أو الثانية دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، فالعبد مكتسب لأفعاله، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، فإن كان خيرًا فبفضله وإن كان شرًا فبعدله، وهذا مذهب أهل السنة129.
وفي الآية سواء كانت الأولى أو الثانية دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، فالعبد مكتسب لأفعاله، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، فإن كان خيرًا فبفضله وإن كان شرًا فبعدله، وهذا مذهب أهل السنة<ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/١٣٩.</ref>.


والخلاصة في القول: إن كل أمة تسأل عن عملها لا عن عمل غيرها، وكل يجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، وأن الاعتماد على أعمال الآباء، والافتخار بهم، والاتكال عليهم لا يجدي شيئًا.
والخلاصة في القول: إن كل أمة تسأل عن عملها لا عن عمل غيرها، وكل يجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، وأن الاعتماد على أعمال الآباء، والافتخار بهم، والاتكال عليهم لا يجدي شيئًا.


رابعًا: دعوة الأمم لأخذ كتب أعمالها:
=== دعوة الأمم لأخذ كتب أعمالها===
ذكر الله سبحانه وتعالى حال الأمم وهي تدعى إلى كتب أعمالها، حيث قال تعالى: {{ نص قرآني |وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة الجاثية، الآية  28.</ref>.


ذكر الله سبحانه وتعالى حال الأمم وهي تدعى إلى كتب أعمالها، حيث قال تعالى: (ڭ ڭ ڭ ۇۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ) [الجاثية: ٢٨].
قال [[ابن كثير]]: «{{ نص قرآني |وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}} أي: على ركبها من الشدة والعظمة {{نص قرآني|كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا}} يعني: كتاب أعمالها، كقوله: {{ نص قرآني |وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ }}<ref>  سورة الزمر، الآية  69.</ref>؛ ولهذا قال: {{نص قرآني|الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}} أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: {{ نص قرآني |يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}}<ref>  سورة القيامة، الآية  13-15.</ref>«<ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/٢٧١ باختصار.</ref>.


قال ابن كثير: «(ڭ ڭ ڭ ۇ) أي: على ركبها من الشدة والعظمة (ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) يعني: كتاب أعمالها، كقوله: (ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ) [الزمر: ٦٩]؛ ولهذا قال: (ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ) أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: (ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې) [القيامة: ١٣-١٥]»130.
وقال [[المراغي]]: «بين الله تعالى حال الأمم في ذلك اليوم، وما تلاقيه من الشدائد؛ انتظارا لفصل القضاء، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}} على ركبها؛ لشدة الهول والرعب، واستعدادًا لما تؤمر بها حين فصل القضاء {{نص قرآني|كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا}} الذي أنزل عليها لتعبد ربها بهديه، وكتابها الذي نسخته الحفظة من أعمالها؛ ليطبق أحدهما على الآخر، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا، ومن خالفه هلك وكان من الأخسرين أعمالًا، ثم ذكر أنهم ينذرون ويبشرون بما سيبنى عليه حكم القضاء، فقال تعالى: {{نص قرآني|الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}} أي: ويقال لهم حال دعائهم: اليوم تجازون بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا خيرها وشرها»<ref>تفسير المراغي ٢٥/١٦٢-١٦٣ باختصار.</ref>.


وقال المراغي: «بين الله تعالى حال الأمم في ذلك اليوم، وما تلاقيه من الشدائد؛ انتظارا لفصل القضاء، فقال تعالى: (ڭ ڭ ڭ ۇ) على ركبها؛ لشدة الهول والرعب، واستعدادًا لما تؤمر بها حين فصل القضاء (ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) الذي أنزل عليها لتعبد ربها بهديه، وكتابها الذي نسخته الحفظة من أعمالها؛ ليطبق أحدهما على الآخر، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا، ومن خالفه هلك وكان من الأخسرين أعمالًا، ثم ذكر أنهم ينذرون ويبشرون بما سيبنى عليه حكم القضاء، فقال تعالى: (ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ) أي: ويقال لهم حال دعائهم: اليوم تجازون بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا خيرها وشرها»131.
فكل أمة مدعوة إلى كتابها، الذي تحاسب به، على حسب شريعتها التي دعيت إليها، فلكل أمة شريعة، ولكل أمة حسابها على هذه الشريعة من حيث اتباعها والاستقامة عليها، أو تضييعها والخروج عنها<ref>انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٣/٢٥٢-٢٥٣.</ref>.
 
فكل أمة مدعوة إلى كتابها، الذي تحاسب به، على حسب شريعتها التي دعيت إليها، فلكل أمة شريعة، ولكل أمة حسابها على هذه الشريعة من حيث اتباعها والاستقامة عليها، أو تضييعها والخروج عنها132.


والخلاصة في المعنى: إن كل أمة تدعى؛ لتعرض أعمالها على ما أمرت به في كتابها المنزل عليها من ربها، فإن وافق عملها كتاب ربها نجت، وإن خالف عملها كتاب ربها هلكت. والله أعلم.
والخلاصة في المعنى: إن كل أمة تدعى؛ لتعرض أعمالها على ما أمرت به في كتابها المنزل عليها من ربها، فإن وافق عملها كتاب ربها نجت، وإن خالف عملها كتاب ربها هلكت. والله أعلم.


خامسًا: تلاعن الأمم في النار:
=== تلاعن الأمم في النار===
 
أخبر الله جل ثناؤه عن تلاعن الأمم من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة.
أخبر الله جل ثناؤه عن تلاعن الأمم من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة.


قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ) [الأعراف: ٣٨].
قال تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  38.</ref>.
 
قال البغوي: «يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: (ٻ ٻ ٻ) أي: مع جماعات (ٻ پ) أي: مضت (پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ) يعني: كفار الأمم الخالية، ( ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ) يريد: أختها في الدين لا في النسب، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن أختها، ويلعن الأتباع القادة، ولم يقل: أخاها؛ لأنه عنى الأمة والجماعة، (ٿ ٹ ٹ ٹ) أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، (ٹ ڤ ڤ) أي: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع (ڤ) ، أي: لأولاهم دخولًا وهم القادة؛ لأن القادة يدخلون النار أولًا، (ڤ ڦ ڦ) عن الهدى، يعني: القادة (ڦ ڦ ڄ ڄ ڄڄ) أي: ضعف عليهم العذاب.
 
قال الله تعالى: (ڃ ڃ)، يعني: القادة والأتباع ضعف من العذاب (ڃ چ چ) ما لكل فريق منكم من العذاب»133.


وفي قوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ) دليل أن الكفار من الجن يعذبون، كما يعذب الكفار من الإنس134.
قال [[البغوي]]: «يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: {{ نص قرآني |ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ}} أي: مع جماعات {{نص قرآني|قَدْ خَلَتْ}} أي: مضت {{نص قرآني|مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ}} يعني: كفار الأمم الخالية، {{نص قرآني|كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}} يريد: أختها في الدين لا في النسب، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن أختها، ويلعن الأتباع القادة، ولم يقل: أخاها؛ لأنه عنى الأمة والجماعة، {{نص قرآني|حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا}} أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، {{نص قرآني|جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ}} أي: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع {{نص قرآني|لِأُولَاهُمْ}} ، أي: لأولاهم دخولًا وهم القادة؛ لأن القادة يدخلون النار أولًا، {{نص قرآني|رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا}} عن الهدى، يعني: القادة {{نص قرآني|فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ}} أي: ضعف عليهم العذاب.


وفيها كذلك إيماء إلى أنه تعالى لا يسوق الكفار بأجمعهم إلى النار دفعة واحدة، بل يدخلهم أفواجًا، فيكون منهم سابق ومسبوق، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقه135.
قال الله تعالى: {{نص قرآني|لِكُلٍّ ضِعْفٌ}}، يعني: القادة والأتباع ضعف من العذاب {{نص قرآني|وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}} ما لكل فريق منكم من العذاب»<ref>انظر: معالم التنزيل، ٢/١٩١.</ref>.


وفي قوله تعالى: (ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ) يقول الماتريدي: «وسبب لعن الأتباع للمتبوعين؛ لما دعوهم إليه وصرفوهم عن دين الله، كقولهم: (ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ) ، ولعن المتبوعين للأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضًا، وفيها دليل على أن أهل الكفر -وإن اختلفوا في مذاهبهم- فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين بعضهم إخوة وأخوات لبعض»136.
وفي قوله تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ}} دليل أن الكفار من الجن يعذبون، كما يعذب الكفار من الإنس<ref>انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤/٤١٨.</ref>.


وقال ابن عاشور في قوله تعالى: (ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ) مبينًا السبب في مطالبة الأتباع مضاعفة العذاب للمتبوعين: «لأنهم علموا أن الضلال سبب العذاب، فعلموا أن الذين شرعوا الضلال هم أولى بعقوبةٍ أشد من عقوبة الذين تقلدوه واتبعوهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: (ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح) [سبأ: ٣١]»137.
وفيها كذلك إيماء إلى أنه تعالى لا يسوق الكفار بأجمعهم إلى النار دفعة واحدة، بل يدخلهم أفواجًا، فيكون منهم سابق ومسبوق، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقه<ref>انظر: تفسير المراغي ٨/١٤٨.</ref>.


والخلاصة في القول: أن الأمم الكافرة من أهل النار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضًا؛ لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض.
وفي قوله تعالى: {{نص قرآني|كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}} يقول [[الماتريدي]]: «وسبب لعن الأتباع للمتبوعين؛ لما دعوهم إليه وصرفوهم عن دين الله، كقولهم: {{ نص قرآني |إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا}}<ref>  سورة سبأ، الآية  33.</ref>، ولعن المتبوعين للأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضًا، وفيها دليل على أن أهل الكفر -وإن اختلفوا في مذاهبهم- فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين بعضهم إخوة وأخوات لبعض»<ref>تأويلات أهل السنة، ٤/٤١٨.</ref>.


وقال [[ابن عاشور]] في قوله تعالى: {{ نص قرآني |رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  38.</ref> مبينًا السبب في مطالبة الأتباع مضاعفة العذاب للمتبوعين: «لأنهم علموا أن الضلال سبب العذاب، فعلموا أن الذين شرعوا الضلال هم أولى بعقوبةٍ أشد من عقوبة الذين تقلدوه واتبعوهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {{ نص قرآني |يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}}<ref>  سورة سبأ، الآية  31.</ref>»<ref>التحرير والتنوير، ٨/١٢٢-١٢٣.</ref>.


.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]].</ref>
والخلاصة في القول: أن الأمم الكافرة من أهل النار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضًا؛ لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]].</ref>


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٦٢

تعديل