انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «علم الإمام»

أُضيف ٣٥ بايت ،  ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
سطر ٤: سطر ٤:
تمثّل صفة «[[العلم]]» إحدى [[صفات الإمام]] الحائزة على [[قدر]] كبير من الأهمية. وقد اعترف بأصل وجودها قاطبة متكلّمي [[المسلمين]]، بيد أنّهم اختلفوا في كيفية تحقّقها، وسعة نطاقها؛ فقد ذهب [[القاضي]] [[أبوبكر الباقلاني]] - وهو أحد الأعلام البارزين من متكلّمي [[الأشاعرة]] - عند حديثه عن إحراز منصب [[الخلافة]] إلى [[وجوب]] تحقّق ثلاثة شروط؛ منها: أن يتحلّى بالعلم الذي يتيح له [[القدرة]] على [[القضاء]]؛ غير أنّه لم يقل بلزوم اتّصافه بالعلم بالغيب<ref>تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص ٤٧١.</ref>.
تمثّل صفة «[[العلم]]» إحدى [[صفات الإمام]] الحائزة على [[قدر]] كبير من الأهمية. وقد اعترف بأصل وجودها قاطبة متكلّمي [[المسلمين]]، بيد أنّهم اختلفوا في كيفية تحقّقها، وسعة نطاقها؛ فقد ذهب [[القاضي]] [[أبوبكر الباقلاني]] - وهو أحد الأعلام البارزين من متكلّمي [[الأشاعرة]] - عند حديثه عن إحراز منصب [[الخلافة]] إلى [[وجوب]] تحقّق ثلاثة شروط؛ منها: أن يتحلّى بالعلم الذي يتيح له [[القدرة]] على [[القضاء]]؛ غير أنّه لم يقل بلزوم اتّصافه بالعلم بالغيب<ref>تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص ٤٧١.</ref>.


أمّا القاضي [[عبد الجبار الهمداني]] - وهو أحد علماء [[المعتزلة]] - فقد قرّر ثلاثة شروط أصليّة لمنصب [[الإمام]]؛ وهي «العلم الاجتهادي»، و«[[العدالة]] والتقوى»، و«[[الشجاعة]]». فاتّصاف الإمام بالعلم بحدّ يتيح له [[الاجتهاد]]، وحلّ مشاكل [[الناس]] والتمكّن من [[تمييز]] القول الضعيف، هو من لوازم منصب الإمام <ref>شرح الأصول الخمسة،ص ٥١٠.</ref>.
أمّا القاضي [[عبد الجبار الهمداني]] - وهو أحد علماء [[المعتزلة]] - فقد قرّر ثلاثة شروط أصليّة لمنصب [[الإمام]]؛ وهي «[[العلم الاجتهادي]]»، و«[[العدالة]] والتقوى»، و«[[الشجاعة]]». فاتّصاف الإمام بالعلم بحدّ يتيح له [[الاجتهاد]]، وحلّ مشاكل [[الناس]] والتمكّن من [[تمييز]] القول الضعيف، هو من لوازم منصب الإمام <ref>شرح الأصول الخمسة،ص ٥١٠.</ref>.


وبناءً على ذلك، ترتهن [[رؤية]] علماء العامة من المسلمين - في ما يتعلّق بعلم الإمام - بما قدّموه من تبيين وشرح [[الحقيقة]] [[الإمامة]] نفسها؛ فقد أصرّوا فيها على عدم الاعتراف بأنّ الإمامة امتداد للنبوّة، واستمرار لهديها، وذهبوا إلى أنّ منصب الإمام مقام يتساوى مع منصب [[تنفيذ الأحكام]] على نحو اجتهاديّ. وبالطبع، لا يلزم الإمام - والحال هذه - سوى مرتبة متدنّية من العلم، يكفي فيها أن يكون بمستوى القاضي، والمفتي، والمجتهد.
وبناءً على ذلك، ترتهن [[رؤية]] علماء العامة من المسلمين - في ما يتعلّق بعلم الإمام - بما قدّموه من تبيين وشرح [[الحقيقة]] [[الإمامة]] نفسها؛ فقد أصرّوا فيها على عدم الاعتراف بأنّ الإمامة امتداد للنبوّة، واستمرار لهديها، وذهبوا إلى أنّ منصب الإمام مقام يتساوى مع منصب [[تنفيذ الأحكام]] على نحو اجتهاديّ. وبالطبع، لا يلزم الإمام - والحال هذه - سوى مرتبة متدنّية من العلم، يكفي فيها أن يكون بمستوى القاضي، والمفتي، والمجتهد.
سطر ١٠: سطر ١٠:
والسؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن لإمام لا يملك من العلم إلّا ما هو بحدود العلم الاجتهادي الذي يتحلّى به القاضي أن يمسك بزمام [[قيادة المجتمع]]، وأن يغدو [[أسوة]] الناس ومثلهم [[الأعلى]]؟! وكيف يمكن له - والحال هذه - أن يمهّد الطريق لضمان سعادتهم، وتحقّق هدايتهم؟
والسؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن لإمام لا يملك من العلم إلّا ما هو بحدود العلم الاجتهادي الذي يتحلّى به القاضي أن يمسك بزمام [[قيادة المجتمع]]، وأن يغدو [[أسوة]] الناس ومثلهم [[الأعلى]]؟! وكيف يمكن له - والحال هذه - أن يمهّد الطريق لضمان سعادتهم، وتحقّق هدايتهم؟


والحقّ أنّ الإمام ليس فقط يجب أن يكون واجداً للعلم بالفعل في جميع الأمور التي تتعلّق بمصالح الناس - دنيويةً كانت، أم أخروية - بل يتحتّم أيضاً أن يكون أعلم ممّن سواه. والعلم على هذا المستوى لا يتأتّى بالعلم الاجتهادي، كما أنّه لا يتحصّل بالاكتساب والتعلّم الاعتياديين. ولهذا، يلزم ههنا تحقّق [[العلم اللدني]] [[الإلهي]]<ref>للمزيد من المعلومات في هذا المجال؛ راجع: موسوعة الإمام عليّ {{ع}} [بالفارسية: دانشنامه امام عليّ {{ع}}]،ج ٣، ص ٣٤٦- ٣٥٢.</ref>.
والحقّ أنّ الإمام ليس فقط يجب أن يكون واجداً للعلم بالفعل في جميع الأمور التي تتعلّق بمصالح الناس - دنيويةً كانت، أم أخروية - بل يتحتّم أيضاً أن يكون أعلم ممّن سواه. والعلم على هذا المستوى لا يتأتّى بالعلم [[الاجتهادي]]، كما أنّه لا يتحصّل بالاكتساب والتعلّم الاعتياديين. ولهذا، يلزم ههنا تحقّق [[العلم اللدني]] [[الإلهي]]<ref>للمزيد من المعلومات في هذا المجال؛ راجع: موسوعة الإمام عليّ {{ع}} [بالفارسية: دانشنامه امام عليّ {{ع}}]،ج ٣، ص ٣٤٦- ٣٥٢.</ref>.


لقد قطع علماء [[الإمامية]] بضرورة [[ثبوت]] [[العلم اللدني]] والأعلميّة المطلقة للإمام؛ من أجل أن تتوافر أسباب [[السعادة]] والهداية [[الدينية]] والدنيويّة، وقد عملوا على تبيين مختلف مجالاته، وأكّدوا ويؤكّدون على ثبوت هذا النوع من [[العلم]] للإمام، وعلى تحقّق الأعلمية له .غاية الأمر، أنّ بعضهم تطرّقوا إلى شرط الأعلمية في مبحث أفضليّة [[الإمام]]<ref>نهج المسترشدين،العلّامة الحلي، ص ٦٣ .أنوار الملكوت، ص ٢٠٦ .نهج الحق وكشف الصدق، ص ١٦٨ .اللوامع الإلهية، ص ٣٣٣ .المسلك في أصول الدين ص ٢٠٥ و٢٠٦. تجريد الاعتقاد ص ٢٦٦- ٢٦٣ .كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص .٣٨٣</ref>.
لقد قطع علماء [[الإمامية]] بضرورة [[ثبوت]] [[العلم اللدني]] والأعلميّة المطلقة للإمام؛ من أجل أن تتوافر أسباب [[السعادة]] والهداية [[الدينية]] والدنيويّة، وقد عملوا على تبيين مختلف مجالاته، وأكّدوا ويؤكّدون على ثبوت هذا النوع من [[العلم]] للإمام، وعلى تحقّق [[الأعلمية]] له .غاية الأمر، أنّ بعضهم تطرّقوا إلى شرط الأعلمية في مبحث أفضليّة [[الإمام]]<ref>نهج المسترشدين،العلّامة الحلي، ص ٦٣ .أنوار الملكوت، ص ٢٠٦ .نهج الحق وكشف الصدق، ص ١٦٨ .اللوامع الإلهية، ص ٣٣٣ .المسلك في أصول الدين ص ٢٠٥ و٢٠٦. تجريد الاعتقاد ص ٢٦٦- ٢٦٣ .كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص .٣٨٣</ref>.


يرى [[السيد المرتضى]] أنّ [[صفات الإمام]] تنقسم إلى طائفتين؛ الأولى: تثبت للإمام من خلال [[العقل]]، والأخرى: تثبت له بحكم [[الشرع]]. فالعقل يثبت أعلميّة الإمام في جميع مسائل [[الشريعة]] وأحكامها، وفي الأبعاد [[السياسية]]، وتدبير الأمور؛ ذلك من خلال «[[قبح]] [[تقديم المفضول]] على [[الفاضل]]»<ref>الذخيرة في علم الكلام،ص ٤٢٩. شرح جمل العلم والعمل، ص ١٩٤ و١٩٥.</ref>. وقد تناول أيضاً [[إثبات]] الأعلمية في [[الأحكام الشرعية]] على أنّه أمر تعبّدي؛ لا عقليّ<ref>الذخيرة في علم الكلام،ص ٤٢٩ و٤٣٠.</ref>.
يرى [[السيد المرتضى]] أنّ [[صفات الإمام]] تنقسم إلى طائفتين؛ الأولى: تثبت للإمام من خلال [[العقل]]، والأخرى: تثبت له بحكم [[الشرع]]. فالعقل يثبت أعلميّة الإمام في جميع مسائل [[الشريعة]] وأحكامها، وفي الأبعاد [[السياسية]]، وتدبير الأمور؛ ذلك من خلال «[[قبح]] [[تقديم المفضول]] على [[الفاضل]]»<ref>الذخيرة في علم الكلام،ص ٤٢٩. شرح جمل العلم والعمل، ص ١٩٤ و١٩٥.</ref>. وقد تناول أيضاً [[إثبات]] الأعلمية في [[الأحكام الشرعية]] على أنّه أمر تعبّدي؛ لا عقليّ<ref>الذخيرة في علم الكلام،ص ٤٢٩ و٤٣٠.</ref>.
سطر ١٨: سطر ١٨:
أمّا [[الشيخ الطوسي]] فقد استعرض [[علم الإمام]] على أنّه واحد من سبعة شروط لازمة لتحقّق [[مقام الإمامة]]؛ فقال: ويجب أن يكون الإمام عالماً بتدبير ما هو [[إمام]] فيه من [[سياسة]] رعيته والنظر في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل ويجب أن يكون أيضاً بعد الشرع عالماً بجميع الشريعة؛ لكونه حاكماً في جميعها<ref>الاقتصاد إلى طريق الرشاد،الشيخ الطوسي، ص١٩٢. ويُراجع: تلخيص الشافي، ج ١ ص ٢٤٥.</ref>.
أمّا [[الشيخ الطوسي]] فقد استعرض [[علم الإمام]] على أنّه واحد من سبعة شروط لازمة لتحقّق [[مقام الإمامة]]؛ فقال: ويجب أن يكون الإمام عالماً بتدبير ما هو [[إمام]] فيه من [[سياسة]] رعيته والنظر في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل ويجب أن يكون أيضاً بعد الشرع عالماً بجميع الشريعة؛ لكونه حاكماً في جميعها<ref>الاقتصاد إلى طريق الرشاد،الشيخ الطوسي، ص١٩٢. ويُراجع: تلخيص الشافي، ج ١ ص ٢٤٥.</ref>.


وقد اشترط [[المحقق الطوسي]] في تلخيص المحصل» أعلميّة الإمام أيضاً<ref>تلخيص المحصل، ص ٤١٧.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩١-٩٤. </ref>
وقد اشترط [[المحقق الطوسي]] في [[تلخيص المحصل]]» أعلميّة الإمام أيضاً<ref>تلخيص المحصل، ص ٤١٧.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩١-٩٤. </ref>


==براهين علم الإمام {{ع}}==
==براهين علم الإمام {{ع}}==
سطر ٤٦: سطر ٤٦:
ومن هنا نقول: طالما أنّ [[القرآن الكريم]] قد بيّن [[الأحكام]] وقوانين [[الشرع]] [[الإسلامي]] على نحو كلّي، وطالما أنّ [[رسول الإسلام]] {{صل}} الذي لم يعمِّر طويلاً - لم يبيّين جميع تفاصيل [[الدين]] للناس، وطالما أنّ [[الناس]] متماثلون في قدرتهم على اكتشاف [[أحكام الدين]] ومعارفه واستشفافها من مصادرها، ولا يمكن ترجيح أحدهم على الآخر؛ لأنّهم كلّهم عاجزون عن [[التمييز]] بين [[الناسخ والمنسوخ]]، والتأويل والتشبيه، والعامّ والخاصّ والمجمل والمبيّن من الدين فإنّ [[الحكمة الإلهية]] تقتضي وجود [[أئمّة]] عالمين؛ بل وأعلم من غيرهم وتقتضي أن يقوم [[الله سبحانه وتعالى]] بتعيينهم؛ ليصون بذلك الناس من [[الضلال]]، ويضمن تحقّق [[الهداية]] لهم. فلو لم يكن [[الإمام]] أعلم من غيره للزم رجوعه في فهم بعض المسائل إلى [[إمام]] آخر، ولو لم يكن الإمام الآخر هو الأعلم، فإنّ وجود إمام أعلم من غيره [[ضروري]]، وعدمه يستلزم [[التسلسل]]، أو الدور، أو تقدّم المفضول على [[الفاضل]].
ومن هنا نقول: طالما أنّ [[القرآن الكريم]] قد بيّن [[الأحكام]] وقوانين [[الشرع]] [[الإسلامي]] على نحو كلّي، وطالما أنّ [[رسول الإسلام]] {{صل}} الذي لم يعمِّر طويلاً - لم يبيّين جميع تفاصيل [[الدين]] للناس، وطالما أنّ [[الناس]] متماثلون في قدرتهم على اكتشاف [[أحكام الدين]] ومعارفه واستشفافها من مصادرها، ولا يمكن ترجيح أحدهم على الآخر؛ لأنّهم كلّهم عاجزون عن [[التمييز]] بين [[الناسخ والمنسوخ]]، والتأويل والتشبيه، والعامّ والخاصّ والمجمل والمبيّن من الدين فإنّ [[الحكمة الإلهية]] تقتضي وجود [[أئمّة]] عالمين؛ بل وأعلم من غيرهم وتقتضي أن يقوم [[الله سبحانه وتعالى]] بتعيينهم؛ ليصون بذلك الناس من [[الضلال]]، ويضمن تحقّق [[الهداية]] لهم. فلو لم يكن [[الإمام]] أعلم من غيره للزم رجوعه في فهم بعض المسائل إلى [[إمام]] آخر، ولو لم يكن الإمام الآخر هو الأعلم، فإنّ وجود إمام أعلم من غيره [[ضروري]]، وعدمه يستلزم [[التسلسل]]، أو الدور، أو تقدّم المفضول على [[الفاضل]].


وليس خفيّاً أنّ [[العقل]] [[البشري]] غير [[قادر]] على اكتشاف القضايا [[الدينية]] كشفاً قطعيّاً يقينيّاً. ولهذا، فإنّ عدم وجود إمام يتحلّى بصفة الأعلمية في [[المجتمع]]، ليقوم بمهمّة الكشف عن أحكام الدين ومعارفه على نحو قطعيّ، والعمل على تبيينها من بعد ذلك، سوف يستلزم [[اعتماد]] الأساليب الظنية في الوصول إلى أحكام الدين والمعارف [[الإسلامية]]؛ وهو ما لا يُقرّه صاحب [[الشريعة]]؛ فالأحكام والمعارف التي تحصل بهذه [[الطريقة]] ليست لا تحمل الصفة الدينية وحسب، بل هي فاقدة لأيّ حجيّة إلهيّة أو شرعيّة أيضاً.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩٤-٩٩. </ref>
وليس خفيّاً أنّ [[العقل]] [[البشري]] غير [[قادر]] على اكتشاف القضايا [[الدينية]] كشفاً قطعيّاً يقينيّاً. ولهذا، فإنّ عدم وجود إمام يتحلّى بصفة [[الأعلمية]] في [[المجتمع]]، ليقوم بمهمّة الكشف عن أحكام الدين ومعارفه على نحو قطعيّ، والعمل على تبيينها من بعد ذلك، سوف يستلزم [[اعتماد]] الأساليب الظنية في الوصول إلى أحكام الدين والمعارف [[الإسلامية]]؛ وهو ما لا يُقرّه صاحب [[الشريعة]]؛ فالأحكام والمعارف التي تحصل بهذه [[الطريقة]] ليست لا تحمل الصفة الدينية وحسب، بل هي فاقدة لأيّ حجيّة إلهيّة أو شرعيّة أيضاً.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩٤-٩٩. </ref>


==سعة نطاق علم الإمام {{ع}}==
==سعة نطاق علم الإمام {{ع}}==
سطر ٧١: سطر ٧١:
يقول العلامة [[الطباطبائي]] في تفسير قوله عز وجل: {{نص قرآني|عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً}}<ref> سورة الجن، الآية ٢٦.</ref>: والمعنى هو [[عالم]] كلّ غيب علماً يختصّ به؛ فلا يطّلع على الغيب - وهو مختصّ به أحداً من [[الناس]]. فالمفاد سلب كلّي؛ وإن أصرّ بعضهم على كونه سلباً جزئياًّ محصّل معناه: لا يُظهر على كلّ غيبه أحداً . ويؤيّد ما قلنا ظاهر ما سيأتي من الآيات. قوله تعالى: {{نص قرآني|إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}}<ref> سورة الجن، الآية ٢٧.</ref> استثناء من قوله: {{نص قرآني|أَحَداً}}، و{{نص قرآني|مِنْ رَسُولٍ}} بيان لقوله: {{نص قرآني|مَنِ ارْتَضَى}}، فيُفيد أنّ [[الله تعالى]] يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به؛ فالآية إذا انضمّت إلى الآيات التي تخصّ [[علم الغيب]] به تعالى؛ كقوله: {{نص قرآني|وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٥٩.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}}<ref> سورة هود، الآية ١٢٣.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ}}<ref> سورة النمل، الآية ٦٥.</ref>، أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعيّة؛ فهو تعالى يعلم الغيب لذاته، وغيره يعلمه بتعليم من [[الله]]»<ref>تفسير الميزان،ج ٢٠،ص٥٢- ٥٣.</ref>.
يقول العلامة [[الطباطبائي]] في تفسير قوله عز وجل: {{نص قرآني|عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً}}<ref> سورة الجن، الآية ٢٦.</ref>: والمعنى هو [[عالم]] كلّ غيب علماً يختصّ به؛ فلا يطّلع على الغيب - وهو مختصّ به أحداً من [[الناس]]. فالمفاد سلب كلّي؛ وإن أصرّ بعضهم على كونه سلباً جزئياًّ محصّل معناه: لا يُظهر على كلّ غيبه أحداً . ويؤيّد ما قلنا ظاهر ما سيأتي من الآيات. قوله تعالى: {{نص قرآني|إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}}<ref> سورة الجن، الآية ٢٧.</ref> استثناء من قوله: {{نص قرآني|أَحَداً}}، و{{نص قرآني|مِنْ رَسُولٍ}} بيان لقوله: {{نص قرآني|مَنِ ارْتَضَى}}، فيُفيد أنّ [[الله تعالى]] يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به؛ فالآية إذا انضمّت إلى الآيات التي تخصّ [[علم الغيب]] به تعالى؛ كقوله: {{نص قرآني|وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٥٩.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}}<ref> سورة هود، الآية ١٢٣.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ}}<ref> سورة النمل، الآية ٦٥.</ref>، أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعيّة؛ فهو تعالى يعلم الغيب لذاته، وغيره يعلمه بتعليم من [[الله]]»<ref>تفسير الميزان،ج ٢٠،ص٥٢- ٥٣.</ref>.


وهناك عدد من [[الروايات]] التي تؤيّد هذا [[التفسير]]<ref>الكافي، ج ١، ص ٢٥٦ .بحار الانوار، ج ٢٦، ص ١٠١ -٩٩ وص ١٦٥ .بصائر الدرجات، ص ١١٣.</ref>؛ فأمير المؤمنين {{ع}} ومن خلال سيره في العوالم الملكوتية كان باستطاعته نيل [[الحقائق]] الغيبية؛ ولهذا قال: {{نص حديث|لَوْ كُشِفَ الغطاء مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً}}<ref>بحار الأنوار، ج ٦٥، ص ٣٨٢؛ ارشاد القلوب الديلمي، ج ١، ص ١٢٤.</ref>.
وهناك عدد من [[الروايات]] التي تؤيّد هذا [[التفسير]]<ref>الكافي، ج ١، ص ٢٥٦ .بحار الانوار، ج ٢٦، ص ١٠١ -٩٩ وص ١٦٥ .بصائر الدرجات، ص ١١٣.</ref>؛ فأمير المؤمنين {{ع}} ومن خلال سيره في [[العوالم]] الملكوتية كان باستطاعته نيل [[الحقائق]] الغيبية؛ ولهذا قال: {{نص حديث|لَوْ كُشِفَ الغطاء مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً}}<ref>بحار الأنوار، ج ٦٥، ص ٣٨٢؛ ارشاد القلوب الديلمي، ج ١، ص ١٢٤.</ref>.


هذا، ولم نعثر بين مصنّفات [[المحقق الطوسي]] في [[علم الكلام]] على بحث موسّع يتناول [[علم الغيب]]. نعم؛ تطرّق في كتاب تجريد [[الاعتقاد]] إلى [[أفضلية]] [[الإمام عليّ]] {{ع}} على جميع [[الخلفاء]]؛ لما ظهر منه من تنبّوءات وإخبارات غيبيّة<ref>تجريد الاعتقاد، ص ٢٨٢؛ كشف المراد، ص ٣٩٠.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩٩-١٠٤. </ref>
هذا، ولم نعثر بين مصنّفات [[المحقق الطوسي]] في [[علم الكلام]] على بحث موسّع يتناول [[علم الغيب]]. نعم؛ تطرّق في كتاب تجريد [[الاعتقاد]] إلى [[أفضلية]] [[الإمام عليّ]] {{ع}} على جميع [[الخلفاء]]؛ لما ظهر منه من تنبّوءات وإخبارات غيبيّة<ref>تجريد الاعتقاد، ص ٢٨٢؛ كشف المراد، ص ٣٩٠.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩٩-١٠٤. </ref>
سطر ٩٧: سطر ٩٧:


===[[علم الأئمة]] {{عم}} بكيفيّة موتهم===
===[[علم الأئمة]] {{عم}} بكيفيّة موتهم===
من الأسئلة المهمة التي تُطرح في نطاق مبحث [[علم الإمام بالغيب]] [[السؤال]] عن علمه بكيفيّة موته، واطّلاعه على توقيت ذلك؛ فهل إنّ [[الأئمة]] [[المعصومين]] - كالإمام عليّ، و [[الإمام الحسن]]، و [[الإمام الحسين]] {{عم}}، كانوا محيطين بأحداث المستقبل؛ ومنها مكان استشهادهم، ووقته، والكيفيّة التي يكون عليها ذلك؟ وهل كانوا يعرفون قاتليهم؟ وفي معرض الرد على هذا السؤال، ذهب علماء [[الإمامية]] إلى رأيين مختلفين؛ هما:  
من الأسئلة المهمة التي تُطرح في نطاق مبحث [[علم الإمام بالغيب]] [[السؤال]] عن علمه بكيفيّة موته، واطّلاعه على توقيت ذلك؛ فهل إنّ [[الأئمة]] [[المعصومين]] - كالإمام عليّ، و[[الإمام الحسن]]، و[[الإمام الحسين]] {{عم}}، كانوا محيطين بأحداث المستقبل؛ ومنها مكان استشهادهم، ووقته، والكيفيّة التي يكون عليها ذلك؟ وهل كانوا يعرفون قاتليهم؟ وفي معرض الرد على هذا السؤال، ذهب علماء [[الإمامية]] إلى رأيين مختلفين؛ هما:  


*أولاً: ما أجاب به [[الشيخ المفيد]] حينما قال: وما أجمعت [[الشيعة]] قطّ على هذا القول؛ وإنّما إجماعهم [[ثابت]] على أنّ [[الإمام]] يعلم [[الحكم]] في كلّ ما يكون؛ من دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون، على التفصيل والتمييز. وهذا يُسقِط [[الأصل]] الذي بنيت عليه الأسئلة بأجمعها. ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث تكون بإعلام [[الله تعالى]] له ذلك. فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون، فلسنا نطلقه ولا نصوّب قائله؛ لدعواه فيه من غير [[حجّة]]، ولا بيان والقول بأنّ [[أمير المؤمنين]] {{ع}} كان يعلم قاتله، والوقت الذي يقتل فيه، فقد جاء [[الخبر]] متظاهراً أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول. وجاء أيضاً بأنّه كان يعلم قاتله على التفصيل؛ فأمّا علمه في وقت قتله، فلم يأتِ فيه أثر على التفصيل، ولو جاء فيه أثر، لم يلزم ما ظنّه المستضعفون؛ إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده [[الله]] بالصبر على [[الشهادة]] والاستلام للقتل؛ ليبلّغه الله بذلك من علوّ الدرجة ما لا يبلّغه إلّا به، ولعلمه تعالى بأنّه يطيعه في ذلك طاعةً لو كُلّفها سواه لم يؤدّها، ويكون في المعلوم من [[اللطف]] بهذا [[التكليف]] لخلق من [[الناس]] ما لا يقوم مقامه غيره؛ فلا يكون بذلك أمير المؤمنين {{ع}} ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا مُعيناً على نفسه [[معونة]] مستقبحة في [[العقول]]<ref>المسائل العكبرية،المسألة ٢٠، ص ٧٠.</ref>.
*أولاً: ما أجاب به [[الشيخ المفيد]] حينما قال: وما أجمعت [[الشيعة]] قطّ على هذا القول؛ وإنّما إجماعهم [[ثابت]] على أنّ [[الإمام]] يعلم [[الحكم]] في كلّ ما يكون؛ من دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون، على التفصيل والتمييز. وهذا يُسقِط [[الأصل]] الذي بنيت عليه الأسئلة بأجمعها. ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث تكون بإعلام [[الله تعالى]] له ذلك. فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون، فلسنا نطلقه ولا نصوّب قائله؛ لدعواه فيه من غير [[حجّة]]، ولا بيان والقول بأنّ [[أمير المؤمنين]] {{ع}} كان يعلم قاتله، والوقت الذي يقتل فيه، فقد جاء [[الخبر]] متظاهراً أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول. وجاء أيضاً بأنّه كان يعلم قاتله على التفصيل؛ فأمّا علمه في وقت قتله، فلم يأتِ فيه أثر على التفصيل، ولو جاء فيه أثر، لم يلزم ما ظنّه المستضعفون؛ إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده [[الله]] بالصبر على [[الشهادة]] والاستلام للقتل؛ ليبلّغه الله بذلك من علوّ الدرجة ما لا يبلّغه إلّا به، ولعلمه تعالى بأنّه يطيعه في ذلك طاعةً لو كُلّفها سواه لم يؤدّها، ويكون في المعلوم من [[اللطف]] بهذا [[التكليف]] لخلق من [[الناس]] ما لا يقوم مقامه غيره؛ فلا يكون بذلك أمير المؤمنين {{ع}} ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا مُعيناً على نفسه [[معونة]] مستقبحة في [[العقول]]<ref>المسائل العكبرية،المسألة ٢٠، ص ٧٠.</ref>.
سطر ١١١: سطر ١١١:
لكنّ [[العلامة الطباطبائي]] ردّ ناقداً هذه [[الرؤية]] بالقول: كلّ موجود ما لم يجب لم يوجد ومن ثَمَّ: ليس كلّ فعل واجباً بالنسبة لفاعله، بل يجب بالنسبة إلى علّته التامة (وإرادة [[الله]] منها). تحقّق [[الفعل]] وانضواؤه تحت راية [[التكليف]] لا يتنافى مع كونه واجباً؛ فإنّ [[أفعال الإنسان]] [[الإرادية]] من هذا النوع؛ أي إنّ أفعاله واجبة [[الوجود]] مع أنّه [[مكلّف]] بفعلها.
لكنّ [[العلامة الطباطبائي]] ردّ ناقداً هذه [[الرؤية]] بالقول: كلّ موجود ما لم يجب لم يوجد ومن ثَمَّ: ليس كلّ فعل واجباً بالنسبة لفاعله، بل يجب بالنسبة إلى علّته التامة (وإرادة [[الله]] منها). تحقّق [[الفعل]] وانضواؤه تحت راية [[التكليف]] لا يتنافى مع كونه واجباً؛ فإنّ [[أفعال الإنسان]] [[الإرادية]] من هذا النوع؛ أي إنّ أفعاله واجبة [[الوجود]] مع أنّه [[مكلّف]] بفعلها.


وعلى هذا الأساس، كان [[الأئمة]] {{عم}} يقدمون على [[العمل]] رغم معرفتهم بأنّه سوف يستشهد. يذهب [[أمير المؤمنين]] {{ع}} إلى [[المحراب]]، ويتناول [[الإمام الحسن]] و [[الإمام الرضا]] شراب الرمان أو العنب المسموم، ويدخل [[سيّد الشهداء]] {{ع}} أرض [[كربلاء]]. قد يعلم [[الإنسان]] أحياناً علماً قطعيّاً أنّه بفعله الاختياري سوف يشرب [[السم]] في الساعة الحادية عشر، وسوف يذهب صريع [[حادث]] مروريّ في ساحة كذا وشارع كذا، كما أنّه قد يعلم بالعلم القطعي أنّه بفعله الاختياري والإراديّ سوف يحصل له - مثلاً - حادث مروريّ في الساعة الحادية عشر في ساحة كذا، وشارع كذا، أو أنّه سوف يصاب بطلق ناريّ؛ لكنّ هذه [[الواقعة]] مشروطة بوقوع شرط أو شروط. وفي موضوعنا الأمر مشروط بالذهاب؛ بحيث إذا ذهب المرؤ قُتل، وإذا لم يذهب لم يُقتل.  
وعلى هذا الأساس، كان [[الأئمة]] {{عم}} يقدمون على [[العمل]] رغم معرفتهم بأنّه سوف يستشهد. يذهب [[أمير المؤمنين]] {{ع}} إلى [[المحراب]]، ويتناول [[الإمام الحسن]] و[[الإمام الرضا]] شراب الرمان أو العنب المسموم، ويدخل [[سيّد الشهداء]] {{ع}} أرض [[كربلاء]]. قد يعلم [[الإنسان]] أحياناً علماً قطعيّاً أنّه بفعله الاختياري سوف يشرب [[السم]] في الساعة الحادية عشر، وسوف يذهب صريع [[حادث]] مروريّ في ساحة كذا وشارع كذا، كما أنّه قد يعلم بالعلم القطعي أنّه بفعله الاختياري والإراديّ سوف يحصل له - مثلاً - [[حادث]] مروريّ في الساعة الحادية عشر في ساحة كذا، وشارع كذا، أو أنّه سوف يصاب بطلق ناريّ؛ لكنّ هذه [[الواقعة]] مشروطة بوقوع شرط أو شروط. وفي موضوعنا الأمر مشروط بالذهاب؛ بحيث إذا ذهب المرؤ قُتل، وإذا لم يذهب لم يُقتل.  


ففي [[الصورة]] الأولى لا معنى للعثور على مخرج وحلّ؛ لأنّ [[الإنسان]] يرى نفسه واقعاً في [[الهلاك]]؛ وليس أنّه يوقع نفسه فيه، فيصدق أنّه ألقى بنفسه في التهلكة. ولهذا، لا يتوجّه إليه [[الخطاب]] القائل: {{نص قرآني|وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٩٥.</ref>، ولا يُعدّ أنّه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة لكن في الصورة الثانية هنالك معنى للتشبّث والتمسّك بالأسباب، والعثور على مخرج وحلّ، والامتناع عن الذهاب صوب الهلاك، ويتوجّه للمرء [[خطاب]] {{نص قرآني|وَلَا تُلْقُوا}}. وإنّ حركة [[الأئمة]] {{عم}} كان من قبيل الأول؛ فهم كانوا يعلمون أنّ [[الفعل]] واقع بالحتم لا محالة - شاؤوا أم أبوا -؛ فانتفى بذلك أيّ معنى للبحث عن طريق خلاص أو للامتناع عن الفعل؛ فكلّ هذا يخالف [[العلم]] القطعي المفترض. وفي واقع الأمر، فإنّ [[الآية الشريفة]] تنهى عن «الإلقاء» في التهلكة؛ لكنّ قضايا الأئمة {{عم}} «وقوع» في التهلكة؛ وليس «إيقاعاً» ولا «إلقاءاً» فيها<ref>في حضرة العلامة الطباطائي [بالفارسية در محضر علامه طباطبايي]، ص ٢٠٥ و٢٠٦.</ref>.
ففي [[الصورة]] الأولى لا معنى للعثور على مخرج وحلّ؛ لأنّ [[الإنسان]] يرى نفسه واقعاً في [[الهلاك]]؛ وليس أنّه يوقع نفسه فيه، فيصدق أنّه ألقى بنفسه في التهلكة. ولهذا، لا يتوجّه إليه [[الخطاب]] القائل: {{نص قرآني|وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٩٥.</ref>، ولا يُعدّ أنّه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة لكن في الصورة الثانية هنالك معنى للتشبّث والتمسّك بالأسباب، والعثور على مخرج وحلّ، والامتناع عن الذهاب صوب الهلاك، ويتوجّه للمرء [[خطاب]] {{نص قرآني|وَلَا تُلْقُوا}}. وإنّ حركة [[الأئمة]] {{عم}} كان من قبيل الأول؛ فهم كانوا يعلمون أنّ [[الفعل]] واقع بالحتم لا محالة - شاؤوا أم أبوا -؛ فانتفى بذلك أيّ معنى للبحث عن طريق خلاص أو للامتناع عن الفعل؛ فكلّ هذا يخالف [[العلم]] القطعي المفترض. وفي واقع الأمر، فإنّ [[الآية الشريفة]] تنهى عن «الإلقاء» في التهلكة؛ لكنّ قضايا الأئمة {{عم}} «وقوع» في التهلكة؛ وليس «إيقاعاً» ولا «إلقاءاً» فيها<ref>في حضرة العلامة الطباطائي [بالفارسية در محضر علامه طباطبايي]، ص ٢٠٥ و٢٠٦.</ref>.
سطر ١٥٧: سطر ١٥٧:


ورووا في كتبهم أيضاً:  
ورووا في كتبهم أيضاً:  
{{نص حديث|عَن أبِي صَالِحٍ في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٤٣.</ref> قَالَ: عَلِيُّ بنِ أَبِي طَالِب كَانَ عَالِماً بِالتَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ وَالنَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ وَالحَلَالِ وَالحَرَامِ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: سَمِعتُ ابنَ عَبَّاسِ ... يَقُولُ: لَا - والله - مَا هُوَ إِلَّا عَلِيُّ بن أبي طالب}}<ref>شواهد التنزيل،الحسكانيّ، ج ١، ص ٤٠٥، ح ٤٢٧. ولاحظ أيضاً: ينابيع المودة،القندوزي، ج ١، باب ٣٠، ح ١١، والأحاديث، ١، من ١ إلى ١٣ .</ref>.
{{نص حديث|عَن أبِي صَالِحٍ في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٤٣.</ref> قَالَ: عَلِيُّ بنِ أَبِي طَالِب كَانَ عَالِماً بِالتَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ وَالنَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ وَالحَلَالِ وَالحَرَامِ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: سَمِعتُ ابنَ عَبَّاسِ ... يَقُولُ: لَا - والله - مَا هُوَ إِلَّا عَلِيُّ بن [[أبي طالب]]}}<ref>شواهد التنزيل،الحسكانيّ، ج ١، ص ٤٠٥، ح ٤٢٧. ولاحظ أيضاً: ينابيع المودة،القندوزي، ج ١، باب ٣٠، ح ١١، والأحاديث، ١، من ١ إلى ١٣ .</ref>.


ومن المواضع التي استنبط فيها [[الأئمة الأطهار]] {{عم}}أحكاماً من [[القرآن]]: استنباط [[الإمام الجواد]]{{ع}}؛ وهو ما رووه عن [[زرقان]] صاحب [[ابن أبي دواد]] وصديقه الحميم قال: «رجع ابن أبي دواد ذات يوم من عند [[المعتصم]] وهو مغتمّ فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم أنّي قدمت منذ عشرين سنة، قال قلت له: ولم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر [[محمد]] بن عليّ بن [[موسى]] اليوم بين يدي [[أمير المؤمنين]]، قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل [[الخليفة]] تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك [[الفقهاء]] في مجلسه؛ وقد أحضر محمد بن عليّ فسألنا عن القطع في أيّ موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت من الكرسوع. قال: وما [[الحجة]] في ذلك؟ قال: قلت لأنّ اليد هي الأصابع والكفّ إلى الكرسوع، لقول [[الله]] في [[التيمم]]: {{نص قرآني|فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية ٤٣.</ref> واتّفق معي في ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق قال: وما [[الدليل]] على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله لما قال: {{نص قرآني|وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦.</ref> في [[الغسل]] دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المرفق. قال: فالتفت إلى محمّد بن عليّ فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلّم [[القوم]] فيه يا أمير المؤمنين، قال: دعني ممّا تكلّموا به! أيّ شيء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا [[أمير المؤمنين]]، قال: أقسمت عليك بالله ما أخبرت بما عندك فيه . فقال: أما إذ أقسمت عليّ بالله، إنّي أقول إنّهم أخطأوا فيه [[السنة]]، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل [[أصول]] الأصابع، فيترك الكف، قال: وما [[الحجة]] في ذلك؟ قال: [[قول رسول الله]] {{صل}} «[[السجود]] على سبعة أعضاء؛ الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها؛ وقال [[الله تبارك وتعالى]]: {{نص قرآني|وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}}<ref> سورة الجن، الآية ١٨.</ref>؛ يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها: {{نص قرآني|فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً}}<ref> سورة الجن، الآية ١٨.</ref>، وما كان [[الله]] لم يقطع. قال: فأعجب [[المعتصم]] ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف. قال ابن أبي دواد قامت قيامتي وتمنّيت أنّي لم أك حياً»<ref>تفسير العياشي، ج ١، ص ٣١٩، ح ١٠٩.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ١١٦-١١٩. </ref>
ومن المواضع التي استنبط فيها [[الأئمة الأطهار]] {{عم}}أحكاماً من [[القرآن]]: استنباط [[الإمام الجواد]]{{ع}}؛ وهو ما رووه عن [[زرقان]] صاحب [[ابن أبي دواد]] وصديقه الحميم قال: «رجع ابن أبي دواد ذات يوم من عند [[المعتصم]] وهو مغتمّ فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم أنّي قدمت منذ عشرين سنة، قال قلت له: ولم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر [[محمد]] بن عليّ بن [[موسى]] اليوم بين يدي [[أمير المؤمنين]]، قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل [[الخليفة]] تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك [[الفقهاء]] في مجلسه؛ وقد أحضر محمد بن عليّ فسألنا عن القطع في أيّ موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت من الكرسوع. قال: وما [[الحجة]] في ذلك؟ قال: قلت لأنّ اليد هي الأصابع والكفّ إلى الكرسوع، لقول [[الله]] في [[التيمم]]: {{نص قرآني|فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية ٤٣.</ref> واتّفق معي في ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق قال: وما [[الدليل]] على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله لما قال: {{نص قرآني|وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦.</ref> في [[الغسل]] دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المرفق. قال: فالتفت إلى محمّد بن عليّ فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلّم [[القوم]] فيه يا أمير المؤمنين، قال: دعني ممّا تكلّموا به! أيّ شيء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله ما أخبرت بما عندك فيه . فقال: أما إذ أقسمت عليّ بالله، إنّي أقول إنّهم أخطأوا فيه [[السنة]]، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل [[أصول]] الأصابع، فيترك الكف، قال: وما [[الحجة]] في ذلك؟ قال: [[قول رسول الله]] {{صل}} «[[السجود]] على سبعة أعضاء؛ الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها؛ وقال [[الله تبارك وتعالى]]: {{نص قرآني|وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}}<ref> سورة الجن، الآية ١٨.</ref>؛ يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها: {{نص قرآني|فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً}}<ref> سورة الجن، الآية ١٨.</ref>، وما كان [[الله]] لم يقطع. قال: فأعجب [[المعتصم]] ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف. قال ابن أبي دواد قامت قيامتي وتمنّيت أنّي لم أك حياً»<ref>تفسير العياشي، ج ١، ص ٣١٩، ح ١٠٩.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ١١٦-١١٩. </ref>


===[[العلم النبوي]]===
===[[العلم النبوي]]===
المصدر الثاني من مصادر [[علم الأئمة]] {{عم}} هو: تعلّمهم [[السنة النبوية]] من [[النبي الأكرم]] {{صل}}، ووصاياه، وما أورثه لهم؛ فقد أودع [[النبي]] {{صل}} أوّل أوصيائه [[الإمام]] عليّاً {{ع}} جميع معارفه وعلومه، كما علّم [[الإمام عليّ]] {{ع}} أبناءه تلك [[العلوم]] والمعارف، وتوارثوها إماماً عن [[إمام]] إلى أن وصلت إلى [[الإمام المهدي]] {{ع}}.
المصدر الثاني من مصادر [[علم الأئمة]] {{عم}} هو: تعلّمهم [[السنة النبوية]] من [[النبي الأكرم]] {{صل}}، ووصاياه، وما أورثه لهم؛ فقد أودع [[النبي]] {{صل}} أوّل أوصيائه [[الإمام]] عليّاً {{ع}} جميع معارفه وعلومه، كما علّم [[الإمام عليّ]] {{ع}} أبناءه تلك [[العلوم]] والمعارف، وتوارثوها إماماً عن [[إمام]] إلى أن وصلت إلى [[الإمام المهدي]] {{ع}}.


وقد رويت كثير من [[الأحاديث]] من طرق العامة والخاصّة تدلّ على أنّ الإمام عليّاً {{ع}}، قد تعلّم علوم النبي {{صل}} مباشرةً من ذاته [[المقدسة]]؛ من دون واسطة؛ منها: {{نص حديث|عَنْ مَكْحُولٍ فِي قَوْلِهِ: {{نص قرآني|وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ١٢.</ref>، قَالَ: قَالَ: رسول الله سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَلِيٍّ}}<ref>ينابيع المودة،القندوزي، ج ١، باب ٣٩، ص ٣٦٠، ح ٢٤٠؛مناقب آل أبي طالب،ابن شهر آشوب، ج ٢، ص ٦١. تأويل الآيات، شرف الدين الحسيني، ص ٧١٥.</ref>.
وقد رويت كثير من [[الأحاديث]] من طرق العامة والخاصّة تدلّ على أنّ الإمام عليّاً {{ع}}، قد تعلّم علوم النبي {{صل}} مباشرةً من ذاته [[المقدسة]]؛ من دون واسطة؛ منها: {{نص حديث|عَنْ مَكْحُولٍ فِي قَوْلِهِ: {{نص قرآني|وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ١٢.</ref>، قَالَ: قَالَ: [[رسول الله]] سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَلِيٍّ}}<ref>ينابيع المودة،القندوزي، ج ١، باب ٣٩، ص ٣٦٠، ح ٢٤٠؛مناقب آل أبي طالب،ابن شهر آشوب، ج ٢، ص ٦١. تأويل الآيات، شرف الدين الحسيني، ص ٧١٥.</ref>.


وروي في «الدرّ المنثور» بشأن هذه [[الآية]]: {{نص حديث|أخرج أبو نَعِيم في الحلية عَن عَلي؛ قَالَ: قَالَ رسول الله : يَا عَلىّ إِنَّ الله أَمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وأَعَلَّمَكَ لِتَعِيَ، فَأَنزَلَتْ هَذِهِ [[الآية]]: : {{نص قرآني|وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ١٢.</ref>، فَأَنْتَ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ لعلمي}}<ref>الدر المنثور،عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، ج ٦، ص ٢٦٠ .</ref>.
وروي في «الدرّ المنثور» بشأن هذه [[الآية]]: {{نص حديث|أخرج أبو نَعِيم في الحلية عَن عَلي؛ قَالَ: قَالَ رسول الله: يَا عَلىّ إِنَّ الله أَمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وأَعَلَّمَكَ لِتَعِيَ، فَأَنزَلَتْ هَذِهِ الآية: : {{نص قرآني|وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ١٢.</ref>، فَأَنْتَ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ لعلمي}}<ref>الدر المنثور،عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، ج ٦، ص ٢٦٠ .</ref>.


وروي فيه أيضاً عن [[سعيد بن منصور]]، و[[ابن جرير]]، و[[ابن المنذر]]، و[[ابن أبي حاتم]]، و[[ابن مردويه]] عن مكحولٍ؛ قال: {{نص حديث|لَمّا نَزَلَتْ: {{نص قرآني|وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ١٢.</ref>، قَالَ [[رسول الله]]: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَليٍّ. قَالَ مَكحُولٌ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رسول الله شَيْئاً فَنَسِيتُهُ}}<ref>الجامع لأحكام القرآن،القرطبي، ج ١٩، ص: ٢٦٤ .يُراجع: سعد السعود، ابن طاووس، ص ١٠٨ ينابيع المودة، القندوزي، ج ١، باب ٣٩،ص ٣٦٠، ح ٢٤.</ref>.
وروي فيه أيضاً عن [[سعيد بن منصور]]، و[[ابن جرير]]، و[[ابن المنذر]]، و[[ابن أبي حاتم]]، و[[ابن مردويه]] عن مكحولٍ؛ قال: {{نص حديث|لَمّا نَزَلَتْ: {{نص قرآني|وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ١٢.</ref>، قَالَ [[رسول الله]]: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَليٍّ. قَالَ مَكحُولٌ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رسول الله شَيْئاً فَنَسِيتُهُ}}<ref>الجامع لأحكام القرآن،القرطبي، ج ١٩، ص: ٢٦٤ .يُراجع: سعد السعود، ابن طاووس، ص ١٠٨ ينابيع المودة، القندوزي، ج ١، باب ٣٩،ص ٣٦٠، ح ٢٤.</ref>.


ومن المرويات في هذا [[الباب]] أيضاً: {{نص حديث|عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ؛ قَالَ: قَالَ رسول الله : أَتَانِي جَبْرَئِيلَ بِدُرْنُوكِ مِنَ الجنة، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي، كَلَّمَنِي، وَنَاجَانِي، فَمَا عُلِّمْتُ شَيْئًا إِلَّا عَلَّمْتُهُ عَلِيّاً، فَهُوَ بَابُ مَدِينَةِ عِلْمِي}}<ref>بحار الانوار، المجلسي، ج ٣، ص ١٤٩ وج ٤٠، ص ١٩٠. الصراط المستقيم،عليّ بن يونس، ج ٢، ص ٢٠. مستدرك سفينة البحار،علي النمازي، ج ٨،ص ٤٨ .ينابيع المودة،القندوزي، ج ١، ص ٢١٧ .</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ١١٩-١٢١. </ref>
ومن المرويات في هذا [[الباب]] أيضاً: {{نص حديث|عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ؛ قَالَ: قَالَ رسول الله: أَتَانِي جَبْرَئِيلَ بِدُرْنُوكِ مِنَ الجنة، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي، كَلَّمَنِي، وَنَاجَانِي، فَمَا عُلِّمْتُ شَيْئًا إِلَّا عَلَّمْتُهُ عَلِيّاً، فَهُوَ بَابُ مَدِينَةِ عِلْمِي}}<ref>بحار الانوار، المجلسي، ج ٣، ص ١٤٩ وج ٤٠، ص ١٩٠. الصراط المستقيم،عليّ بن يونس، ج ٢، ص ٢٠. مستدرك سفينة البحار،علي النمازي، ج ٨،ص ٤٨ .ينابيع المودة،القندوزي، ج ١، ص ٢١٧ .</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ١١٩-١٢١. </ref>


===الصحيفة [[الجامعة]] للإمام عليّ {{ع}}===
===الصحيفة [[الجامعة]] للإمام عليّ {{ع}}===
سطر ١٧٩: سطر ١٧٩:
وعن [[الإمام الباقر]] {{ع}} أنّه قال: {{نص حديث|في كِتاب علىّ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَمُوتُ صَاحِبُهُنَّ أَبَداً حَتَّى يَرَى وَبَالَهُنَّ البغي وقَطِيعَةُ الرحم والْيَمِينُ الكاذبة يُبَارِزُ الله بِهَا}}<ref>الخصال، الصدوق، ص ١٢٤ . معالم المدرستين،العسكريّ، ج ٢، ص ٣٤٦.</ref>.
وعن [[الإمام الباقر]] {{ع}} أنّه قال: {{نص حديث|في كِتاب علىّ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَمُوتُ صَاحِبُهُنَّ أَبَداً حَتَّى يَرَى وَبَالَهُنَّ البغي وقَطِيعَةُ الرحم والْيَمِينُ الكاذبة يُبَارِزُ الله بِهَا}}<ref>الخصال، الصدوق، ص ١٢٤ . معالم المدرستين،العسكريّ، ج ٢، ص ٣٤٦.</ref>.


ويقول [[الشريف الجرجاني]] في «شرح المواقف» عن الجفر والجامعة: «وهما كتابان لعليّ رضي [[الله تعالى]] عنه»<ref>شرح المواقف،الجرجاني، ص ٢٧٦ .الذريعة، الطهراني، ج ٥، ص ١١٩ .أعيان الشيعة، الأمين، ج ١، ص ٨١.</ref>.
ويقول [[الشريف الجرجاني]] في «[[شرح المواقف]]» عن [[الجفر]] والجامعة: «وهما كتابان لعليّ رضي [[الله تعالى]] عنه»<ref>شرح المواقف،الجرجاني، ص ٢٧٦ .الذريعة، الطهراني، ج ٥، ص ١١٩ .أعيان الشيعة، الأمين، ج ١، ص ٨١.</ref>.


وعن [[معلّى بن خنيس]] أنّه قال: {{نص حديث|كُنْتُ عِنْدَ أَبي عَبْدِ الله إِذْ أَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله فَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَرَقَّ لَهُ أَبُو عَبْدِ الله، ودَمَعَتْ عَيْنَاهُ. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ بِهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُ! فَقَالَ: رَفَقْتُ لَهُ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ، لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابٍ عليّ مِنْ خُلَفَاءِ هَذِهِ الأمة، وَلَا مِنْ مُلُوكِهَا}}<ref>الكافي، الكليني، ج٨، ص٣٩٥. بصائر الدرجات، الصفار، ج ٤،ص ٢٢٩، ح ١.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ١٢١. </ref>
وعن [[معلّى بن خنيس]] أنّه قال: {{نص حديث|كُنْتُ عِنْدَ أَبي عَبْدِ الله إِذْ أَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله فَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَرَقَّ لَهُ أَبُو عَبْدِ الله، ودَمَعَتْ عَيْنَاهُ. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ بِهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُ! فَقَالَ: رَفَقْتُ لَهُ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ، لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابٍ عليّ مِنْ خُلَفَاءِ هَذِهِ الأمة، وَلَا مِنْ مُلُوكِهَا}}<ref>الكافي، الكليني، ج٨، ص٣٩٥. بصائر الدرجات، الصفار، ج ٤،ص ٢٢٩، ح ١.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ١٢١. </ref>
سطر ١٩٢: سطر ١٩٢:
وقد قرّر [[الإمام الرضا]] {{ع}} أنّ من جمله [[شروط الإمام]] والقائد أن يكون كلّ من كتابي الجفر الأكبر والأصغر (الأصفر) بحوزته<ref>كشف الغمة، الأربلي، ج ٣، ص ١٢١ .الاحتجاج، الطبرسي، ج ٢،ص ٤٤٨ .الخصال،الصدوق، أبواب الثلاثين، ص ٥٢٧، ح ١. بحار الأنوار،المجلسيّ، ج ٢٥، ص ١١٧ [ وردت في كتاب بحار الأنوار كلمة «الأصفر» بدلاً من «الأصغر»].</ref>.
وقد قرّر [[الإمام الرضا]] {{ع}} أنّ من جمله [[شروط الإمام]] والقائد أن يكون كلّ من كتابي الجفر الأكبر والأصغر (الأصفر) بحوزته<ref>كشف الغمة، الأربلي، ج ٣، ص ١٢١ .الاحتجاج، الطبرسي، ج ٢،ص ٤٤٨ .الخصال،الصدوق، أبواب الثلاثين، ص ٥٢٧، ح ١. بحار الأنوار،المجلسيّ، ج ٢٥، ص ١١٧ [ وردت في كتاب بحار الأنوار كلمة «الأصفر» بدلاً من «الأصغر»].</ref>.


وروي عن أبي [[مريم]] أنّه قال: {{نص حديث|قَالَ لِي أَبُو جَعْفَر{{ع}} .... وعِنْدَنَا الجفر؛ وهُوَ أَدِيمٌ عُكَاظِيٌّ، قَدْ كُتِبَ فِيهِ حَتَّى مُلِئَتْ أَكَارِعُهُ، فِيهِ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ [[القيامة]]}}<ref>بصائر الدرجات،الصفّار، ج ٣، ص ٢١٨، ح ٣ .بحار الأنوار،المجلسيّ، ج ٢٦، ص ٤٨، ح ٩٠.</ref>.
وروي عن أبي [[مريم]] أنّه قال: {{نص حديث|قَالَ لِي أَبُو جَعْفَر{{ع}} .... وعِنْدَنَا [[الجفر]]؛ وهُوَ أَدِيمٌ عُكَاظِيٌّ، قَدْ كُتِبَ فِيهِ حَتَّى مُلِئَتْ أَكَارِعُهُ، فِيهِ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ [[القيامة]]}}<ref>بصائر الدرجات،الصفّار، ج ٣، ص ٢١٨، ح ٣ .بحار الأنوار،المجلسيّ، ج ٢٦، ص ٤٨، ح ٩٠.</ref>.


وقد تمسّك [[الأئمة الأطهار]] {{عم}} في موارد عديدة بكتاب الجفر، واستشهدوا بما جاء فيه؛ فحينما كتب [[المأمون]] كتاباً إلى [[الإمام الرضا]]،{{ع}}، وأوكل [[ولاية]] عهده إليه؛ كتب [[الإمام]] {{ع}} في ظهر ذلك الكتاب: {{نص حديث|وَالْجامِعَةُ وَالجُفْرُ يَدُلَّانِ عَلَى ضِدَّ ذَلِكَ ... لَكِنِّي امْتَثَلْتُ أَمْرَ أَمِيرِ المؤمنين، وَآثَرْتُ رضاه}}<ref>كشف الغمة، الأربلي، ج ٣، ص ١٧٢-١٧٩. معالم المدرستين، العسكريّ، ج ٢، ص ٤٢٧.</ref>.
وقد تمسّك [[الأئمة الأطهار]] {{عم}} في موارد عديدة بكتاب الجفر، واستشهدوا بما جاء فيه؛ فحينما كتب [[المأمون]] كتاباً إلى [[الإمام الرضا]]،{{ع}}، وأوكل [[ولاية]] عهده إليه؛ كتب [[الإمام]] {{ع}} في ظهر ذلك الكتاب: {{نص حديث|وَالْجامِعَةُ وَالجُفْرُ يَدُلَّانِ عَلَى ضِدَّ ذَلِكَ ... لَكِنِّي امْتَثَلْتُ أَمْرَ أَمِيرِ المؤمنين، وَآثَرْتُ رضاه}}<ref>كشف الغمة، الأربلي، ج ٣، ص ١٧٢-١٧٩. معالم المدرستين، العسكريّ، ج ٢، ص ٤٢٧.</ref>.
سطر ٢١٦: سطر ٢١٦:


===التحديث ===
===التحديث ===
تحديث [[الملائكة]] لأئمة [[أهل البيت]] {{عم}} ممّا يجعلهم من «المحدّثين» هو أحد مصادر علومهم؛ فإنّ بعض تلك [[العلوم]] انتقل إليهم من خلال التحديث وإلقاء الملائكة عليهم. و«المحدَّث» هو من تتحدّث الملائكة معه من غير أن يكون نبيّاً؛ أو الذي يرى [[الملائكة]]، أو الذي يحضر لديه [[العلم]] بأمور من خلال [[الإلهام]] والمكاشفة، أو تُلقى في روعه [[حقائق]] تخفى على الآخرين<ref> الكافي، الكليني، ج ١، ص ٢٧١، ح ٤. الغدير، الأميني، ج ٥، ص ٤٢.</ref>.
تحديث [[الملائكة]] لأئمة [[أهل البيت]] {{عم}} ممّا يجعلهم من «المحدّثين» هو أحد مصادر علومهم؛ فإنّ بعض تلك [[العلوم]] انتقل إليهم من خلال التحديث وإلقاء الملائكة عليهم. و«المحدَّث» هو من تتحدّث الملائكة معه من غير أن يكون نبيّاً؛ أو الذي يرى الملائكة، أو الذي يحضر لديه [[العلم]] بأمور من خلال [[الإلهام]] والمكاشفة، أو تُلقى في روعه [[حقائق]] تخفى على الآخرين<ref> الكافي، الكليني، ج ١، ص ٢٧١، ح ٤. الغدير، الأميني، ج ٥، ص ٤٢.</ref>.


وهناك عدد من أمثلة تحديث الملائكة لبعض [[البشر]] من غير أن يكونوا من [[الأنبياء]]؛ فقد تحدّثت الملائكة مع [[السيدة مريم]]{{ع}}<ref>سورة آل عمران الآيات: ٤٢-٤٥.</ref>، كما تحدّثت مع سارة زوج نبيّ [[الله]] [[إبراهيم]] {{ع}}<ref>سورة هود: ٧١.</ref>. وتحدّثت مع [[الزهراء]]{{ع}} ابنة [[النبي]] {{صل}}<ref>علل الشرايع،الصدوق، ج ١، ص ٢١٦، باب ١٤٦، ح ١. بحار الأنوار،المجلسيّ، ج ٤٣، ص ٧٨، ح ٦٥. دلائل الإمامة، محمّد بن جرير بن رستم الطبري، ص ٢٨ .</ref>.
وهناك عدد من أمثلة تحديث [[الملائكة]] لبعض [[البشر]] من غير أن يكونوا من [[الأنبياء]]؛ فقد تحدّثت الملائكة مع [[السيدة مريم]]{{ع}}<ref>سورة آل عمران الآيات: ٤٢-٤٥.</ref>، كما تحدّثت مع سارة زوج نبيّ [[الله]] [[إبراهيم]] {{ع}}<ref>سورة هود: ٧١.</ref>. وتحدّثت مع [[الزهراء]]{{ع}} ابنة [[النبي]] {{صل}}<ref>علل الشرايع،الصدوق، ج ١، ص ٢١٦، باب ١٤٦، ح ١. بحار الأنوار،المجلسيّ، ج ٤٣، ص ٧٨، ح ٦٥. دلائل الإمامة، محمّد بن جرير بن رستم الطبري، ص ٢٨ .</ref>.


ويرى علماء العامة أنّ [[عمر]] كان محدّثاً<ref>فتح الباري بشرح صحيح البخاري،ابن حجر العسقلاني، كتاب فضائل الصحابة،باب مناقب عمر، ج ٧، ص ٥٢، ح ٣٦٨٩ .غريب الحديث،عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ج ١، ص ٩ ش ٣٤ .لسان العرب، ابن منظور،ج ٢، ص ١٣٤.</ref>.
ويرى علماء العامة أنّ [[عمر]] كان محدّثاً<ref>فتح الباري بشرح صحيح البخاري،ابن حجر العسقلاني، كتاب فضائل الصحابة،باب مناقب عمر، ج ٧، ص ٥٢، ح ٣٦٨٩ .غريب الحديث،عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ج ١، ص ٩ ش ٣٤ .لسان العرب، ابن منظور،ج ٢، ص ١٣٤.</ref>.
٢٦٬٨٦٢

تعديل