الفرق بين المراجعتين لصفحة: «إمامة علي»
ط
استبدال النص - '{{متن قرآن' ب'{{نص قرآني'
(أنشأ الصفحة ب'==تمهيد== أنّ الاختلاف الأساسي بين الشيعة و أهل السنة كان في مسألة الإمامة و موقعيتها في الإسلام، والذي أدّى إلى الاختلاف في تعيين الخليفة الحقيقي للنبي{{صل}}، فيرى أهل السنة أنّ الخليفة بعد النبي{{صل}} هو أبوبكر بن أبي قحافة، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان...') |
ط (استبدال النص - '{{متن قرآن' ب'{{نص قرآني') |
||
| سطر ٥: | سطر ٥: | ||
لم يُذكر اسم الإمام علي{{ع}} بشكل مباشر في القرآن الكريم<ref>قيل في بيان الحكمة من عدم ذكر اسم علي{{ع}} في القرآن الكريم: أن ذكره يوجب سعي المخالفين لإمامته في سبيل تحريف آيات القرآن الكريم، فلم يُذكر اسمه صريحاً في القرآن الكريم لمنع هذا العمل. إنّ التحقيق في هذا الرأي خارج عن بحثنا لكن بالتأكيد هناك حكمة من عدم التصريح باسمه{{ع}} و إن لم نعرفها.</ref>، مع ذلك توجد آيات عديدة تدلّ على إمامته و خلافته بعد النبي{{صل}}، خاصة عندما نتأمّل في شأن نزول الآيات و الروايات الكثيرة التي جاءت في ذيل تلك الآيات، هنا سنذكر نموذجين منها<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٤٩٦.</ref>: | لم يُذكر اسم الإمام علي{{ع}} بشكل مباشر في القرآن الكريم<ref>قيل في بيان الحكمة من عدم ذكر اسم علي{{ع}} في القرآن الكريم: أن ذكره يوجب سعي المخالفين لإمامته في سبيل تحريف آيات القرآن الكريم، فلم يُذكر اسمه صريحاً في القرآن الكريم لمنع هذا العمل. إنّ التحقيق في هذا الرأي خارج عن بحثنا لكن بالتأكيد هناك حكمة من عدم التصريح باسمه{{ع}} و إن لم نعرفها.</ref>، مع ذلك توجد آيات عديدة تدلّ على إمامته و خلافته بعد النبي{{صل}}، خاصة عندما نتأمّل في شأن نزول الآيات و الروايات الكثيرة التي جاءت في ذيل تلك الآيات، هنا سنذكر نموذجين منها<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٤٩٦.</ref>: | ||
===آية الولاية=== | ===آية الولاية=== | ||
{{ | {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}}<ref>سورة المائدة: ۵۵.</ref>. | ||
تّتضح دلالة هذه الآية على إمامة علي{{ع}} من خلال عدّة مقدّمات: | تّتضح دلالة هذه الآية على إمامة علي{{ع}} من خلال عدّة مقدّمات: | ||
١. شأن نزول الآية: نقل كثير من المفسرين و المحدّثين عند كِلا الفريقين أنّ الآية نزلت في شأن على{{ع}} و المضمون المشترك للروايات المنقولة هو أنه دخل يوماً ما فقير إلى المسجد النبوي و طلب المساعدة، عندها قدّم له علي{{ع}} خاتمه و هو راكع أثناء الصلاة <ref>نُقل شأن النزول هذا في منابع متعددة للفريقين، و قد نقل العلامة الأميني الروايات المرتبطة بشأن نزول الآية من أكثر من عشرين منبع من منابع أهل السنة. راجع: الغدير، ج۲، ص۵٢ و۵٣، و قد أشار الشاعر المعروف في زمن النبي الأكرم، حسان بن ثابت إلى تلك الواقعة بقوله: و أنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً زكاة فدتك النفس يا خير راكع | ١. شأن نزول الآية: نقل كثير من المفسرين و المحدّثين عند كِلا الفريقين أنّ الآية نزلت في شأن على{{ع}} و المضمون المشترك للروايات المنقولة هو أنه دخل يوماً ما فقير إلى المسجد النبوي و طلب المساعدة، عندها قدّم له علي{{ع}} خاتمه و هو راكع أثناء الصلاة <ref>نُقل شأن النزول هذا في منابع متعددة للفريقين، و قد نقل العلامة الأميني الروايات المرتبطة بشأن نزول الآية من أكثر من عشرين منبع من منابع أهل السنة. راجع: الغدير، ج۲، ص۵٢ و۵٣، و قد أشار الشاعر المعروف في زمن النبي الأكرم، حسان بن ثابت إلى تلك الواقعة بقوله: و أنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً زكاة فدتك النفس يا خير راكع | ||
فأنزل فيك الله خير ولاية و بينها في محكمات الشرايع</ref>، فالمقصود من {{ | فأنزل فيك الله خير ولاية و بينها في محكمات الشرايع</ref>، فالمقصود من {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ...}} في الآية هو شخص علي بن أبي طالب{{ع}}. | ||
٢. دلالة {{ | ٢. دلالة {{نص قرآني|إِنَّمَا}} على الحصر في اللغة العربية، أي: أنّ الله وحده، و نبيه والذين يتصدقون أثناء الصلاة و هم راكعون (يعني علي{{ع}}) هم أوّلياؤكم دون سواهم<ref>ذكر الفاضل المقداد بحثاً مفصلاً في باب دلالة "إنما" على الحصر، راجع: فاضل مقداد، إرشاد الطالبين، ص٣۴٢ و ۳۴۳.</ref>. | ||
۳. معنى (وليّ): كلمة ولي مأخوذة من ولاء، يقول بعض علماء اللغة أنّ معناها في الأصل التقارب بين شيئين، واستعملت ولي لمعانٍ عدة، جميعها تناسب المعنى الأصلي لها، أشهرها ثلاثة معاني: (المدبِّر)، (الناصر)، (الحبيب)<ref>يقول راغب الأصفهاني في كتاب المفردات: "الوَلاء و التولي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما. و يُستعار ذلك للقرب من حيث المكان، و من حيث النسبة، و من حيث الدين، و من حيث الصداقة و النصرة و الاعتقاد، و الولاية النصرة، و الولاية تولي الأمر".</ref>، إنّ المعنى الأول هو الوحيد الذي ينسجم مع بيان الآية، فالحصر في الآية لا ينسجم تلك المعاني الأخرى، فنصرة المؤمنين أو محبتهم لا تختص بجماعة خاصة منهم (الذين يتصدقون وهم راكعون)!، إن الحصر في الآية و شأن نزولها قرينتان على أنّ المقصود من الولاية لا يُمكن أن يكون ولاية النصرة أو المحبة<ref>للعلامة الطباطبائي بيان مفصّل في توضيح عدم دلالة الآية مورد البحث على ولاية النصرة، راجع: الميزان، ج۶، ص۵-۸.</ref>، فهنا الولاية بمعنى المدبر و من له حق التصرف في شؤون الناس المولى عليهم. و من الملفت أنّ ولاية هؤلاء الثلاثة جاءت في سياق واحد، بل جاءت وليكم بلفظ المفرد و ليس (أولياءكم)، أي: أنّ لهم سنخ واحد من الولاية هو لله بالأصالة و للنبي{{صل}} والذين آمنوا بالعرض<ref>لو كانت سنخ الولاية المنسوبة لله في الآية تختلف عن سنخ ولاية {{ | ۳. معنى (وليّ): كلمة ولي مأخوذة من ولاء، يقول بعض علماء اللغة أنّ معناها في الأصل التقارب بين شيئين، واستعملت ولي لمعانٍ عدة، جميعها تناسب المعنى الأصلي لها، أشهرها ثلاثة معاني: (المدبِّر)، (الناصر)، (الحبيب)<ref>يقول راغب الأصفهاني في كتاب المفردات: "الوَلاء و التولي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما. و يُستعار ذلك للقرب من حيث المكان، و من حيث النسبة، و من حيث الدين، و من حيث الصداقة و النصرة و الاعتقاد، و الولاية النصرة، و الولاية تولي الأمر".</ref>، إنّ المعنى الأول هو الوحيد الذي ينسجم مع بيان الآية، فالحصر في الآية لا ينسجم تلك المعاني الأخرى، فنصرة المؤمنين أو محبتهم لا تختص بجماعة خاصة منهم (الذين يتصدقون وهم راكعون)!، إن الحصر في الآية و شأن نزولها قرينتان على أنّ المقصود من الولاية لا يُمكن أن يكون ولاية النصرة أو المحبة<ref>للعلامة الطباطبائي بيان مفصّل في توضيح عدم دلالة الآية مورد البحث على ولاية النصرة، راجع: الميزان، ج۶، ص۵-۸.</ref>، فهنا الولاية بمعنى المدبر و من له حق التصرف في شؤون الناس المولى عليهم. و من الملفت أنّ ولاية هؤلاء الثلاثة جاءت في سياق واحد، بل جاءت وليكم بلفظ المفرد و ليس (أولياءكم)، أي: أنّ لهم سنخ واحد من الولاية هو لله بالأصالة و للنبي{{صل}} والذين آمنوا بالعرض<ref>لو كانت سنخ الولاية المنسوبة لله في الآية تختلف عن سنخ ولاية {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا}} لكان من الأنسب أن تتكرر كلمة (ولي) منعاً من الوقوع في الخطأ في فهم الآية المباركة، مثل كلمة {{نص قرآني|أَطِيعُوا}} التي تكرر في الآية: {{نص قرآني|أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}}: الميزان، ج۶، ص۱۴.</ref>، و بذلك تثبت ولاية علي{{ع}} المطلقة على المؤمنين.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٤٩٦-٤٩٨.</ref> | ||
====ردّ بعض الإشكالات==== | ====ردّ بعض الإشكالات==== | ||
ذكرت عدّة إشكالات على دلالة آية الولاية على إمامة علي{{ع}}، سنذكرها باختصار: | ذكرت عدّة إشكالات على دلالة آية الولاية على إمامة علي{{ع}}، سنذكرها باختصار: | ||
١. عبارة {{ | ١. عبارة {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا}} جاءت بصيغة الجمع فلا يُمكن أن يُقصد بها شخص علي{{ع}} لأنه يلزم من ذلك أن يُراد المفرد من صيغة الجمع و هذا لا ينسجم مع قواعد اللغة العربية. في الجواب يُمكن القول أنّ ما لا ينسجم مع اللغة العربية هو استعمال لفظ الجمع في معنى مفرد، أما في مورد الآية و موارد أخرى مشابهة تختلف المسألة، حيث لدينا هنا حكماً كلياً ذكر في صيغة جمع ليطبق على مصاديقه، إلا أنه بلحاظ الواقع الخارجي ليس له أكثر من مصداق واحد، والحالة الثانية لها موارد مشابهة في القرآن الكريم و هي صحيحة، مثل آية ۸ من سورة المنافقون: {{نص قرآني|يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}}، هذه الآية تتكلم عن عبيد الله بن أبي بصيغة الجمع (يقولون). ذكر المفسرون عدة أوجه و أسباب لاستعمال صيغة الجمع بدل المفرد في الآية، يعتقد الزمخشري أن ذلك من أجل الترغيب في القيام بعمل يشابه عمل علي{{ع}} (التصدق بالخاتم للفقير) و للتنبيه على أنّ أخلاق المؤمن ينبغي أن تبتني على أساس الحرص على هي الإحسان و أن لا يؤجّل عمل الخير مطلقاً<ref>الزمخشري، الكشاف، ج۱، ص۶۴۹.</ref>، كما ذكر الطبرسي في تفسير البيان أنّ سبب استعمال صيغة الجمع هنا من باب الاحترام و التفخيم، و هذا شائع في اللغة العربية<ref>الطبرسي، مجمع البيان، ج۳-۴، ص۲۱۱.</ref>. | ||
٢. بناء على التفسير المذكور، يجب أن يكون الفعل المذكور في الآية (التصدق بالخاتم) زكاة، في حين أنه لم يعنون بذلك. | ٢. بناء على التفسير المذكور، يجب أن يكون الفعل المذكور في الآية (التصدق بالخاتم) زكاة، في حين أنه لم يعنون بذلك. | ||
| سطر ٣٠: | سطر ٣٠: | ||
=== آية التبليغ=== | === آية التبليغ=== | ||
الآية الأخرى التي تدلّ بصراحة على إمامة علي{{ع}} بعد النبي{{صل}} المعروفة بآية التبليغ: {{ | الآية الأخرى التي تدلّ بصراحة على إمامة علي{{ع}} بعد النبي{{صل}} المعروفة بآية التبليغ: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}}<ref>سورة المائدة: ۶۷.</ref>. | ||
بالتأمل في ما يلي، تتضح دلالة الآية على المطلوب: | بالتأمل في ما يلي، تتضح دلالة الآية على المطلوب: | ||
#بناءً على روايات متعددة مذكورة في منابع الفريقين، إنّ هذه الآية نزلت في إعلان النبي{{صل}} ولاية علي{{ع}} يوم الغدير. | #بناءً على روايات متعددة مذكورة في منابع الفريقين، إنّ هذه الآية نزلت في إعلان النبي{{صل}} ولاية علي{{ع}} يوم الغدير. | ||
#الآية تُشير إلى نزول رسالة على النبي{{صل}} و كان خائفاً من إبلاغها للناس و لو لم يكن كذلك لما نزلت الآية بلحن التهديد {{ | #الآية تُشير إلى نزول رسالة على النبي{{صل}} و كان خائفاً من إبلاغها للناس و لو لم يكن كذلك لما نزلت الآية بلحن التهديد {{نص قرآني|وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}}. | ||
#لاشك في أنّ خوف النبي{{صل}} من إبلاغ الرسالة المذكورة لم يكن له بُعد شخصي، لأنه{{صل}} أكبر من أن يخاف من التضحية في سبيل الله بروحه، بل إنّ أنبياء الله لا يخافون مما سوى الله. | #لاشك في أنّ خوف النبي{{صل}} من إبلاغ الرسالة المذكورة لم يكن له بُعد شخصي، لأنه{{صل}} أكبر من أن يخاف من التضحية في سبيل الله بروحه، بل إنّ أنبياء الله لا يخافون مما سوى الله. | ||
#الاحتمال الوحيد الذي ينسجم مع شأن النبي{{صل}} أنه كان خائفاً من أن يتهمه الناس بما يخدش أصل دعوته و رسالته بسبب تلك الرسالة التي لابدّ من إبلاغها لهم، لذلك كان يرى تأخيرها حتى تتهيأ المقدمات اللازمة. | #الاحتمال الوحيد الذي ينسجم مع شأن النبي{{صل}} أنه كان خائفاً من أن يتهمه الناس بما يخدش أصل دعوته و رسالته بسبب تلك الرسالة التي لابدّ من إبلاغها لهم، لذلك كان يرى تأخيرها حتى تتهيأ المقدمات اللازمة. | ||
| سطر ٤١: | سطر ٤١: | ||
#الظاهر أنّ المقصود من (القوم الكافرين) في الآية هم جماعة من المسلمين سيخالفون النبي في ذلك الأمر المأمور بإبلاغه، و هذا ليس غريباً بالالتفات إلى حضور المنافقين بين المسلمين<ref>بعبارة أخرى: "ال" في "القوم" هي للعهد (لا للجنس).</ref>، والمقصود من عدم الهداية في هذه الموارد أن الله سيزيل آثار حِيَلهم و خططهم. | #الظاهر أنّ المقصود من (القوم الكافرين) في الآية هم جماعة من المسلمين سيخالفون النبي في ذلك الأمر المأمور بإبلاغه، و هذا ليس غريباً بالالتفات إلى حضور المنافقين بين المسلمين<ref>بعبارة أخرى: "ال" في "القوم" هي للعهد (لا للجنس).</ref>، والمقصود من عدم الهداية في هذه الموارد أن الله سيزيل آثار حِيَلهم و خططهم. | ||
بملاحظة كل ما ذُكر نجد أنّ آية التبليغ تريد بيان أنّ حكماً نزل على النبي{{صل}}، لو بلغه النبي{{صل}} لاتهم أنه يريد تأمين منافعه الشخصية، لذلك قام بتأخيره خوفاً من هذا الاتهام الذي سيشعل نار الشك في إلهية رسالته. بالتوجه إلى شأن نزول الآية يُمكن القول أن هذا الحكم هو عبارة عن خلافة علي{{ع}}. إن خوف النبي{{صل}} كان من إعلان هذا الأمر حيث سيُتهم بأنه رجّح العلاقات النسَبية والأُسرية على مصالح الأمة<ref>كالاتهام الذي ورد من الحارث بن نعمان الفهري، الذي سأل النبي الأكرم{{صل}} معترضاً: هل هذا التنصيب منك أو من الله؟ فقال له النبي{{صل}} من الله، فسأل الله أن يسقط حجراً من السماء إن كان كلام النبي حق!، فسقط عليه حجراً من السماء فقتله.</ref>. و بالإضافة إلى الآيتين السابقتين فقد ذكرت آيات أخرى مثل: آية أولوا الأمر<ref>{{ | بملاحظة كل ما ذُكر نجد أنّ آية التبليغ تريد بيان أنّ حكماً نزل على النبي{{صل}}، لو بلغه النبي{{صل}} لاتهم أنه يريد تأمين منافعه الشخصية، لذلك قام بتأخيره خوفاً من هذا الاتهام الذي سيشعل نار الشك في إلهية رسالته. بالتوجه إلى شأن نزول الآية يُمكن القول أن هذا الحكم هو عبارة عن خلافة علي{{ع}}. إن خوف النبي{{صل}} كان من إعلان هذا الأمر حيث سيُتهم بأنه رجّح العلاقات النسَبية والأُسرية على مصالح الأمة<ref>كالاتهام الذي ورد من الحارث بن نعمان الفهري، الذي سأل النبي الأكرم{{صل}} معترضاً: هل هذا التنصيب منك أو من الله؟ فقال له النبي{{صل}} من الله، فسأل الله أن يسقط حجراً من السماء إن كان كلام النبي حق!، فسقط عليه حجراً من السماء فقتله.</ref>. و بالإضافة إلى الآيتين السابقتين فقد ذكرت آيات أخرى مثل: آية أولوا الأمر<ref>{{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}} سورة النساء: ۵۹.</ref>، آية القربى<ref>{{نص قرآني|قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}} سورة الشورى: ۲۳.</ref> و آية الصادقين<ref>{{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}} سورة التوبة: ۱۱۹.</ref> التي يُتمسك بها لإثبات إمامة على{{ع}} إلا أننا لم نُبيّن الاستدلال بها رعايةً للاختصار، كما توجد عشرات الآيات تُبيّن فضائل علي{{ع}} على غيره من الصحابة<ref>راجع على سبيل المثال: آية المباهلة، سورة آل عمران: ۶۱، و آية خير البرية، سورة البينة: ۷، و آية ليلة المبيت، سورة البقرة: ٢٠٧، و آية الحكمة، سورة البقرة: ٢۶٩، و الآيات من ۷ إلى ۱۰ من سورة الإنسان، آية أهل البيت، سورة الأحزاب: ۳۳.</ref>، هذه الآيات في مجموعها تُثبت أفضليته على غيره ممن ادّعى خلافة النبي{{صل}}، بالتوجه إلى بحث لزوم أفضلية الإمام{{ع}} على غيره، يُمكن عدّ الآيات المذكورة دليلاً قاطعاً على إمامة علي{{ع}} و خلافته بلا فصل للنبي{{صل}}.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٠٠-٥٠٢.</ref> | ||
==إمامة علي{{ع}} في السنة النبوية== | ==إمامة علي{{ع}} في السنة النبوية== | ||
تضمّنت الروايات نصوصاً للنبي{{صل}} ولاية على{{ع}}، فقد كان النبي{{صل}} طوال حياته يؤكد على وصاية علي{{ع}} و خلافته بطرق مختلفة، بحيث لا يبقى شكّ عند كل منصف باحث عن الحقيقة، كما نؤكّد على أنّ تبيين النبي{{صل}} لمقام علي{{ع}} لم يكن من باب رأيه الشخصي، بل كان إبلاغاً للرسالة التي أمره الله بإبلاغها، و هنا نذكر بعض الروايات<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٠٢.</ref>: | تضمّنت الروايات نصوصاً للنبي{{صل}} ولاية على{{ع}}، فقد كان النبي{{صل}} طوال حياته يؤكد على وصاية علي{{ع}} و خلافته بطرق مختلفة، بحيث لا يبقى شكّ عند كل منصف باحث عن الحقيقة، كما نؤكّد على أنّ تبيين النبي{{صل}} لمقام علي{{ع}} لم يكن من باب رأيه الشخصي، بل كان إبلاغاً للرسالة التي أمره الله بإبلاغها، و هنا نذكر بعض الروايات<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥٠٢.</ref>: | ||
===حديث الوزارة=== | ===حديث الوزارة=== | ||
نقله كثير من الرواة، مع بعض الاختلافات جزئية بين الروايات المنقولة، إلا أنهم اتفقوا على المضمون التالي: بعد نزول الآية ۲۱۴ من سورة الشعراء: {{ | نقله كثير من الرواة، مع بعض الاختلافات جزئية بين الروايات المنقولة، إلا أنهم اتفقوا على المضمون التالي: بعد نزول الآية ۲۱۴ من سورة الشعراء: {{نص قرآني|وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}} جمع النبي{{صل}} أولاد عبدالمطلب (ما يقارب ۴۰ شخص) و كان بينهم أعمامه و دعاهم إلى بيته، هيأ لهم وليمة و بعد أن أكلوا و شربوا قال النبي{{صل}}: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء في قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم خير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها غير علي{{ع}} و كان أصغرهم إذ قال أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأشار له رسول الله{{صل}} و قال: إنّ هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا، فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع<ref>عُرفت هذه القصة بقصة "يوم الإنذار"، و ذُكرت في منابع متعددة عند الفريقين.</ref>. إنّ دلالة الحديث على المدعي واضحة جداً. | ||
=== حديث المنزلة=== | === حديث المنزلة=== | ||
ذكر النبي{{صل}} هذا الحديث في مواضع مختلفة من تاريخه مع علي{{ع}}، و نُقل لنا بطرق متعدّدة بحيث لا شكّ في إسناده للنبي{{صل}}. المضمون المشترك للنقل المتعدد هو أنّ النبي{{صل}} قال لعلي{{ع}}: {{متن حدیث|أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}<ref>بالإضافة إلى المنابع الشيعة، ذُكر في عدد كبير من منابع أهل السنة منها: علاء الدين الهندي، كنزل العمال، ح۳۲۸۸۱، ۳۶۴۷۰، ۳۲۸۸۶، ۳۶۵۷۲، ۴۴۲۱۶، و ابن هشام، السيرة النبوية، ج۲، ص۵۱۹ و ۵۲۰، كما ذكره كلاً من البخاري و مسلم في صحيحهما و أحمد بن حنبل في مسنده.</ref>؛ فقد أثبت النبي{{صل}} كل شؤون هارون لعلي{{ع}} إلا النبوة، فالنبي{{صل}} هو خاتم الأنبياء. يُمكن توضيح دلالة الحديث على إمامة علي من خلال التالي: | ذكر النبي{{صل}} هذا الحديث في مواضع مختلفة من تاريخه مع علي{{ع}}، و نُقل لنا بطرق متعدّدة بحيث لا شكّ في إسناده للنبي{{صل}}. المضمون المشترك للنقل المتعدد هو أنّ النبي{{صل}} قال لعلي{{ع}}: {{متن حدیث|أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}<ref>بالإضافة إلى المنابع الشيعة، ذُكر في عدد كبير من منابع أهل السنة منها: علاء الدين الهندي، كنزل العمال، ح۳۲۸۸۱، ۳۶۴۷۰، ۳۲۸۸۶، ۳۶۵۷۲، ۴۴۲۱۶، و ابن هشام، السيرة النبوية، ج۲، ص۵۱۹ و ۵۲۰، كما ذكره كلاً من البخاري و مسلم في صحيحهما و أحمد بن حنبل في مسنده.</ref>؛ فقد أثبت النبي{{صل}} كل شؤون هارون لعلي{{ع}} إلا النبوة، فالنبي{{صل}} هو خاتم الأنبياء. يُمكن توضيح دلالة الحديث على إمامة علي من خلال التالي: | ||
كلمة (منزلة) في الحديث اسم جنس، أي: أنها تتضمن كل مقامات هارون و شؤونه، إنّ الاستثناء يؤيّد هذا المعنى فلو لم يكن النبي{{صل}} يقصد كل مقامات هارون لما كان هناك وجه للاستثناء {{متن حدیث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}. لا شك أن خلافة هارون بعد موسى من مقاماته لأنه شريك موسى في أمر الرسالة ووزيره في حياته، فإطاعته واجبة بعد النبي موسى{{ع}}، و ينقل القرآن طلب موسى{{ع}} الخلافة لهارون{{ع}} {{ | كلمة (منزلة) في الحديث اسم جنس، أي: أنها تتضمن كل مقامات هارون و شؤونه، إنّ الاستثناء يؤيّد هذا المعنى فلو لم يكن النبي{{صل}} يقصد كل مقامات هارون لما كان هناك وجه للاستثناء {{متن حدیث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}. لا شك أن خلافة هارون بعد موسى من مقاماته لأنه شريك موسى في أمر الرسالة ووزيره في حياته، فإطاعته واجبة بعد النبي موسى{{ع}}، و ينقل القرآن طلب موسى{{ع}} الخلافة لهارون{{ع}} {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref>سورة طه: ۲۹-۳۵.</ref> و قد استجاب له الله. وعبارة {{متن حدیث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}} شاهد آخر على أنّ النبي{{صل}} كان يقصد بيان منزلة علي{{ع}} بعد رحلته{{صل}} عن هذه الدنيا. | ||
===حديث الغدير=== | ===حديث الغدير=== | ||
من أكثر النصوص الروائية استحكاماً و قوة على إمامة علي{{ع}} هي خطبة النبي{{صل}} التي ذكرها في حجة الوداع في مكان يُسمى غدير خم، ثمّ عرفت بحديث الغدير. لابد من أن نلقي نظرة مختصرة على واقعة الغدير، ثمّ نوضّح دلالتها على خلافة على{{ع}} للنبي{{صل}} بلا فصل. | من أكثر النصوص الروائية استحكاماً و قوة على إمامة علي{{ع}} هي خطبة النبي{{صل}} التي ذكرها في حجة الوداع في مكان يُسمى غدير خم، ثمّ عرفت بحديث الغدير. لابد من أن نلقي نظرة مختصرة على واقعة الغدير، ثمّ نوضّح دلالتها على خلافة على{{ع}} للنبي{{صل}} بلا فصل. | ||
في السنة العاشرة للهجرة توجه النبي{{صل}} إلى مكة لأداء مناسك الحج و دعا الناس للخروج معه، فخرج معه آلاف الناس، و هذه كانت آخر حجة للرسول{{صل}} و من هنا عرفت بحجة الوداع، و في طريق العودة من المدينة يوم الخميس الموافق ۱۸ من ذي الحجة نزلت آية التبليغ {{ | في السنة العاشرة للهجرة توجه النبي{{صل}} إلى مكة لأداء مناسك الحج و دعا الناس للخروج معه، فخرج معه آلاف الناس، و هذه كانت آخر حجة للرسول{{صل}} و من هنا عرفت بحجة الوداع، و في طريق العودة من المدينة يوم الخميس الموافق ۱۸ من ذي الحجة نزلت آية التبليغ {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ...}}<ref>سورة المائدة: ۶۷.</ref> على الرسول الأكرم{{صل}}، فاستجاب لأوامر الله و قام بإبلاغ الرسالة في منطقة تُسمى غدير خمّ، و هي محل افتراق طرق المدينة و مصر و العراق، فدعا القافلة إلى التوقف، و كان الحر شديداً جداً إلى درجة أن الرجل يضع بعض ردائه على رأسه و بعضه تحت قدميه، وانتظر النبي{{صل}} حتى يرجع من تقدّم القافلة و يصل من تأخر عنها، ثم صلى بهم صلاة الظهر جماعة، ثمّ ارتقى منبراً صنع له من أقتاب الإبل و تحدث بصوت عالٍ، فحمد الله و أثنى عليه و ذكر شهادة التوحيد و الرسالة، ثم قال: أيها الناس إني أوشكتُ أن أدعى فأجبت و إني مسؤول و أنتم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت و نصحت، وجهدت، فجزاك الله خيراً، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، و أنّ محمداً عبده و رسوله، و أن جنته حق و أن الساعة آتية لا ريب فيها و أن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك....، - بعد أن أشهد الناس على التوحيد و النبوة و المعاد - قال: فإني فرطٌ على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين، فنادى مناد: و ما الثقلان يا رسول الله؟، قال: الثقل الأكبر: كتاب الله، و الآخر الأصغر: عترتي، و أنّ اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تقدَّموهما فتهلكوا، ثم أخذ بيد علي{{ع}} فرفعها، حتى رؤيا بياض آباطهما، و عرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟، قالوا: الله و رسوله أعلم، قال: إنّ الله مولاي و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات، ثم قال: اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحب من أحبه و أبغض من أبغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب، ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: {{نص قرآني|الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}}<ref>سورة المائدة: ۳.</ref>، فقال رسول الله{{صل}}: الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الرب برسالتي و الولاية لعلي من بعدي، ثم أخذ الناس يهنئون علياً، و ممن هنّأه في مقدم الصحابة عمر الذي كان يقول: بخّ بخّ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، فاستأذن حسان الشاعر من رسول الله{{صل}} أن يقول في الغدير شعراً<ref>راجع: العلامة الأميني، الغدير، ج۲، ص٣۴ - ۴٢.</ref>. و بالتأمل في واقعة الغدير و كلام النبي{{صل}} يتضح أن النبي{{صل}} بالرغم من إعلانه في مناسبات متعددة عن خلافة علي للناس إلا أنّ الإعلان الرسمي و العام لها كان يوم الغدير بحيث تمت الحجة على الجميع و لم يبقَ أيّ عذر للإنكار. من هنا فإنّ دلالة حديث الغدير على خلافة علي{{ع}} واضحة جداً و لا تحتاج إلى توضيح، لكن مع ذلك سنُشير إلى بعض النقاط و ذلك لإغلاق باب الشك و الترديد: | ||
====سند حديث الغدير==== | ====سند حديث الغدير==== | ||
| سطر ٦٦: | سطر ٦٦: | ||
بعض المعاني الأخرى افتراضها لا يؤدّي إلى الكفر أو عدم الصدق، إلا أنّ احتمالها ينتفي بالالتفات إلى الشروط الحاكمة على واقعة الغدير. أشرنا أنّ النبي{{صل}} أمر عشرات الآلاف من الحجاج بالتوقف في غدير خم في يوم شديد الحرارة و صبر حتى يرجع من تقدّم عليهم و يلتحق بهم من تأخر عنهم، حتى يخطب في الجميع، فمن البديهي أنّ أيّ عاقل سوف يتوقع من النبي{{صل}} خبراً مصيرياً مهماً، خبر ليس من مصلحة الإسلام و الأمة الإسلامية تأجيله، و المطلوب أن يصل إلى أسماع أكبر عدد ممكن من المسلمين. ففي هذه الحالة كيف يُمكن القول أن مُراد النبي من (مولى) مفاهيم مثل المحب، الشريك المحب و الناصر، هل يُمكن التصديق بأنّ النبي{{صل}} أوقف عشرات الآلاف الناس في تلك الشروط الصعبة لكي يقول لهم فقط أنّ كل من ينصرني فلينصر على{{ع}} أو كل من يحبني فليحب علي! | بعض المعاني الأخرى افتراضها لا يؤدّي إلى الكفر أو عدم الصدق، إلا أنّ احتمالها ينتفي بالالتفات إلى الشروط الحاكمة على واقعة الغدير. أشرنا أنّ النبي{{صل}} أمر عشرات الآلاف من الحجاج بالتوقف في غدير خم في يوم شديد الحرارة و صبر حتى يرجع من تقدّم عليهم و يلتحق بهم من تأخر عنهم، حتى يخطب في الجميع، فمن البديهي أنّ أيّ عاقل سوف يتوقع من النبي{{صل}} خبراً مصيرياً مهماً، خبر ليس من مصلحة الإسلام و الأمة الإسلامية تأجيله، و المطلوب أن يصل إلى أسماع أكبر عدد ممكن من المسلمين. ففي هذه الحالة كيف يُمكن القول أن مُراد النبي من (مولى) مفاهيم مثل المحب، الشريك المحب و الناصر، هل يُمكن التصديق بأنّ النبي{{صل}} أوقف عشرات الآلاف الناس في تلك الشروط الصعبة لكي يقول لهم فقط أنّ كل من ينصرني فلينصر على{{ع}} أو كل من يحبني فليحب علي! | ||
بالإضافة إلى ما ذُكِر، توجد عبارات في متن حدیث الغدير تُشير إلى أنّ المعنى المُراد من (مولى) هو (الأولى بالتصرف) و هي عبارة أخرى عن إمامة علي{{ع}} و خلافته، مثلاً يُمكن التأمل في عبارة {{متن حدیث|ألست أولى بكم من أنفسكم}} بالتأكيد إنّ مراد النبي{{صل}} من العبارة هو أخذ شهادة الناس على زعامته الإلهية، فالقائد الإلهي هو الوحيد الذي له الأولوية على أمور الناس، فهو الأولى و له حق التصرف المطلق في شؤونهم، ثم انظروا قول النبي{{صل}} {{متن حدیث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} استعمل الفاء للتفريع، مما يُشير إلى أنّ المقصود من (مولى) هو الأولى بالتصرف و الا لِمَ التفريع؟!، كذلك توجد مضامين دعائية في نهاية الحديث، لا يصح ذكرها إلا إذا كان لعلي{{ع}} مقام رفيع، كمقام الإمامة و هي عبارة: {{متن حدیث|اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاه}} إلى {{متن حدیث|وَاخْذُلُ مَنْ خَذَلَهُ}}. حدثت وقائع بعد خطبة النبي{{صل}} مباشرة تعتبر من القرائن القطعية على المدعى كما أُشير في نقل حديث الغدير سابقاً، بعد إتمام الخطبة نزلت آية الإكمال {{ | بالإضافة إلى ما ذُكِر، توجد عبارات في متن حدیث الغدير تُشير إلى أنّ المعنى المُراد من (مولى) هو (الأولى بالتصرف) و هي عبارة أخرى عن إمامة علي{{ع}} و خلافته، مثلاً يُمكن التأمل في عبارة {{متن حدیث|ألست أولى بكم من أنفسكم}} بالتأكيد إنّ مراد النبي{{صل}} من العبارة هو أخذ شهادة الناس على زعامته الإلهية، فالقائد الإلهي هو الوحيد الذي له الأولوية على أمور الناس، فهو الأولى و له حق التصرف المطلق في شؤونهم، ثم انظروا قول النبي{{صل}} {{متن حدیث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} استعمل الفاء للتفريع، مما يُشير إلى أنّ المقصود من (مولى) هو الأولى بالتصرف و الا لِمَ التفريع؟!، كذلك توجد مضامين دعائية في نهاية الحديث، لا يصح ذكرها إلا إذا كان لعلي{{ع}} مقام رفيع، كمقام الإمامة و هي عبارة: {{متن حدیث|اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاه}} إلى {{متن حدیث|وَاخْذُلُ مَنْ خَذَلَهُ}}. حدثت وقائع بعد خطبة النبي{{صل}} مباشرة تعتبر من القرائن القطعية على المدعى كما أُشير في نقل حديث الغدير سابقاً، بعد إتمام الخطبة نزلت آية الإكمال {{نص قرآني|الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}}، فكبر النبي{{صل}} على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الله برسالته و ولاية علي{{ع}} من بعده، و من الواضح أنّ الإتيان بولاية علي{{ع}} في سياق أمور مثل إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الله على رسالة النبي{{صل}} لا ينسجم، إلا إذا كان المقصود من ذلك الأمر هو الإمامة و القيادة. و عبارة (من بعدي) في جملة {{متن حدیث|وَ الْوَلَايَةِ لِعَلِيٍّ مِنْ بَعْدِي}} شاهد آخر على أن مقصود النبي{{صل}} هو خلافة على{{ع}} و إلا فلا وجه للقيد المذكور. | ||
تهنئة الأصحاب لعليا{{ع}} و فرحهم بعد إتمام الخطبة في عبارة {{متن حدیث|قَدْ أَصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ}} و الأشعار التي ذُكرت بعد واقعة الغدير في شأن تلك الحادثة الكبرى، كلها شواهد على أنّ أصحاب النبي{{صل}} تلقوا حديث الغدير بعنوانه إعلاناً رسمياً لإمامة علي{{ع}} و خلافته. | تهنئة الأصحاب لعليا{{ع}} و فرحهم بعد إتمام الخطبة في عبارة {{متن حدیث|قَدْ أَصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ}} و الأشعار التي ذُكرت بعد واقعة الغدير في شأن تلك الحادثة الكبرى، كلها شواهد على أنّ أصحاب النبي{{صل}} تلقوا حديث الغدير بعنوانه إعلاناً رسمياً لإمامة علي{{ع}} و خلافته. | ||
| سطر ٧٧: | سطر ٧٧: | ||
==عصمة على{{ع}}== | ==عصمة على{{ع}}== | ||
الشيعة تعتقد بعصمة علي{{ع}}، على خلاف أهل السنة الذين لا يشترطون العصمة في الإمام و لا يعتقدون بعصمة الخلفاء الثلاثة بعد النبي{{صل}}، و أدلة عصمة أميرالمؤمنين علي{{ع}} تثبت عصمة سائر الأئمة، فمن الآيات الدالة على عصمة علي{{ع}} - بما أنه أحد أهل بيت النبي{{صل}} - آية التطهير {{ | الشيعة تعتقد بعصمة علي{{ع}}، على خلاف أهل السنة الذين لا يشترطون العصمة في الإمام و لا يعتقدون بعصمة الخلفاء الثلاثة بعد النبي{{صل}}، و أدلة عصمة أميرالمؤمنين علي{{ع}} تثبت عصمة سائر الأئمة، فمن الآيات الدالة على عصمة علي{{ع}} - بما أنه أحد أهل بيت النبي{{صل}} - آية التطهير {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}}<ref>سورة الأحزاب: ۳۳.</ref>. يتضح من الآية أنّ الله عزّوجلّ أراد أن يطهّر أهل البيت من كل قبيح، و بالالتفات إلى أنّ إرادة الله للتطهير خاصّة بأهل البيت في الآية، يتضح أنّ المقصود من الإرادة هنا الإرادة الإلهية التكوينية و ليس الإرادة الإلهية التشريعية، و يلزم من إرادة الله التكوينية تحقّق المُراد، حيث لا يُتصور مانع من تحقق إرادته التكوينية، فالآية تدلّ على أنّ أهل البيت منزّهون من كل قبيح. من جهة أخرى، للرجس معاني كثيرة تشمل كل قبيح مادي و معنوي و بما أنّ ارتكاب الذنب و المعصية من أبرز مصاديق القبح المعنوية و الروحية، فالآية تدلّ على عصمة أهل البيت من الخطأ و الذنب، و قد نُقلت روايات متعددة عن النبي{{صل}} على أنّ المقصود من أهل البيت في الآية هم أميرالمؤمنين علي، فاطمة الزهراء، وابناهما الإمام الحسن و الإمام الحسين، و نذكر كنموذج ما جاء في الحديث أنه عندما نزلت الآية على النبي{{صل}} أنه لم يكن في بيت رسول الله غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين فقال النبي {{متن حدیث|اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي}}.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٠-٥١١.</ref> | ||
==أفضلية علي{{ع}}== | ==أفضلية علي{{ع}}== | ||
إنّ أفضليته على كل أصحاب النبي{{صل}} واضحة جداً، حتى اعترف بذلك كثير من علماء أهل السنة، بناءً على بعض الروايات النبوية فإن فضائل علي{{ع}} كثيرة إلى درجة يصعب عدّها. و لا شك أنّ مجرد ذكر فهرسة إلى تلك الفضائل يحتاج إلى كتابة مؤلفات طويلة. و يُمكن القول أنّ علي{{ع}} كان مركزاً لكل الفضائل، بل كان عصارة الأخلاق و الإنسانية بشهادة التاريخ القطعية، فقد كان الأتقي، الأزهد، الأشجع، الأسخي، الأعلم في أصحاب رسول الله{{صل}} فأفضليته واضحة جداً إلى درجة أن أعدائه لم ينكروها<ref>كثير من علماء أهل السنة اعترفوا بأفضلية على{{ع}} حتى على الخلفاء الثلاثة، لكنهم حيث أنهم لا يرون أنّ الأفضلية شرطاً في الإمامة، عدوا علياً الخليفة الرابع لرسول الله{{صل}}، من النماذج المعروفة: ابن أبي الحديد المعتزلي، يقول في مقدمة شرح نهج البلاغة: "و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحةٍ اقتضاها التكليف".</ref>. بالإضافة إلى أنّ هناك الكثير من الروايات المعتبرة والشواهد التاريخية التي تدلّ على أن علي{{ع}} كان يتميّز بعلمه الواسع. فإمامة علي{{ع}} ثابتة سواء بواسطة النصوص التي دلت عليها من القرآن و السنة النبوية أو لأنه قد توفرت فيه شروط الإمامة كالعصمة، الأفضلية و العلم اللدني، بل لقد تفرد بهذه الأوصاف جميعاً، لذلك عُدّ الشخص الوحيد المؤهل لخلافة رسول الله{{صل}} بلا فصل.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٢.</ref> | إنّ أفضليته على كل أصحاب النبي{{صل}} واضحة جداً، حتى اعترف بذلك كثير من علماء أهل السنة، بناءً على بعض الروايات النبوية فإن فضائل علي{{ع}} كثيرة إلى درجة يصعب عدّها. و لا شك أنّ مجرد ذكر فهرسة إلى تلك الفضائل يحتاج إلى كتابة مؤلفات طويلة. و يُمكن القول أنّ علي{{ع}} كان مركزاً لكل الفضائل، بل كان عصارة الأخلاق و الإنسانية بشهادة التاريخ القطعية، فقد كان الأتقي، الأزهد، الأشجع، الأسخي، الأعلم في أصحاب رسول الله{{صل}} فأفضليته واضحة جداً إلى درجة أن أعدائه لم ينكروها<ref>كثير من علماء أهل السنة اعترفوا بأفضلية على{{ع}} حتى على الخلفاء الثلاثة، لكنهم حيث أنهم لا يرون أنّ الأفضلية شرطاً في الإمامة، عدوا علياً الخليفة الرابع لرسول الله{{صل}}، من النماذج المعروفة: ابن أبي الحديد المعتزلي، يقول في مقدمة شرح نهج البلاغة: "و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحةٍ اقتضاها التكليف".</ref>. بالإضافة إلى أنّ هناك الكثير من الروايات المعتبرة والشواهد التاريخية التي تدلّ على أن علي{{ع}} كان يتميّز بعلمه الواسع. فإمامة علي{{ع}} ثابتة سواء بواسطة النصوص التي دلت عليها من القرآن و السنة النبوية أو لأنه قد توفرت فيه شروط الإمامة كالعصمة، الأفضلية و العلم اللدني، بل لقد تفرد بهذه الأوصاف جميعاً، لذلك عُدّ الشخص الوحيد المؤهل لخلافة رسول الله{{صل}} بلا فصل.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٢.</ref> | ||