انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «إمامة علي»

أُزيل ٢٦ بايت ،  ١٩ مارس ٢٠٢٣
ط
استبدال النص - '{{متن حدیث' ب'{{نص حديث'
ط (استبدال النص - '{{متن قرآن' ب'{{نص قرآني')
ط (استبدال النص - '{{متن حدیث' ب'{{نص حديث')
سطر ٤٨: سطر ٤٨:
نقله كثير من الرواة، مع بعض الاختلافات جزئية بين الروايات المنقولة، إلا أنهم اتفقوا على المضمون التالي: بعد نزول الآية ۲۱۴ من سورة الشعراء: {{نص قرآني|وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}} جمع النبي{{صل}} أولاد عبدالمطلب (ما يقارب ۴۰ شخص) و كان بينهم أعمامه و دعاهم إلى بيته، هيأ لهم وليمة و بعد أن أكلوا و شربوا قال النبي{{صل}}: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء في قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم خير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها غير علي{{ع}} و كان أصغرهم إذ قال أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأشار له رسول الله{{صل}} و قال: إنّ هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا، فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع<ref>عُرفت هذه القصة بقصة "يوم الإنذار"، و ذُكرت في منابع متعددة عند الفريقين.</ref>. إنّ دلالة الحديث على المدعي واضحة جداً.
نقله كثير من الرواة، مع بعض الاختلافات جزئية بين الروايات المنقولة، إلا أنهم اتفقوا على المضمون التالي: بعد نزول الآية ۲۱۴ من سورة الشعراء: {{نص قرآني|وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}} جمع النبي{{صل}} أولاد عبدالمطلب (ما يقارب ۴۰ شخص) و كان بينهم أعمامه و دعاهم إلى بيته، هيأ لهم وليمة و بعد أن أكلوا و شربوا قال النبي{{صل}}: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء في قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم خير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها غير علي{{ع}} و كان أصغرهم إذ قال أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأشار له رسول الله{{صل}} و قال: إنّ هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا، فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع<ref>عُرفت هذه القصة بقصة "يوم الإنذار"، و ذُكرت في منابع متعددة عند الفريقين.</ref>. إنّ دلالة الحديث على المدعي واضحة جداً.
=== حديث المنزلة===
=== حديث المنزلة===
ذكر النبي{{صل}} هذا الحديث في مواضع مختلفة من تاريخه مع علي{{ع}}، و نُقل لنا بطرق متعدّدة بحيث لا شكّ في إسناده للنبي{{صل}}. المضمون المشترك للنقل المتعدد هو أنّ النبي{{صل}} قال لعلي{{ع}}: {{متن حدیث|أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}<ref>بالإضافة إلى المنابع الشيعة، ذُكر في عدد كبير من منابع أهل السنة منها: علاء الدين الهندي، كنزل العمال، ح۳۲۸۸۱، ۳۶۴۷۰، ۳۲۸۸۶، ۳۶۵۷۲، ۴۴۲۱۶، و ابن هشام، السيرة النبوية، ج۲، ص۵۱۹ و ۵۲۰، كما ذكره كلاً من البخاري و مسلم في صحيحهما و أحمد بن حنبل في مسنده.</ref>؛ فقد أثبت النبي{{صل}} كل شؤون هارون لعلي{{ع}} إلا النبوة، فالنبي{{صل}} هو خاتم الأنبياء. يُمكن توضيح دلالة الحديث على إمامة علي من خلال التالي:
ذكر النبي{{صل}} هذا الحديث في مواضع مختلفة من تاريخه مع علي{{ع}}، و نُقل لنا بطرق متعدّدة بحيث لا شكّ في إسناده للنبي{{صل}}. المضمون المشترك للنقل المتعدد هو أنّ النبي{{صل}} قال لعلي{{ع}}: {{نص حديث|أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}<ref>بالإضافة إلى المنابع الشيعة، ذُكر في عدد كبير من منابع أهل السنة منها: علاء الدين الهندي، كنزل العمال، ح۳۲۸۸۱، ۳۶۴۷۰، ۳۲۸۸۶، ۳۶۵۷۲، ۴۴۲۱۶، و ابن هشام، السيرة النبوية، ج۲، ص۵۱۹ و ۵۲۰، كما ذكره كلاً من البخاري و مسلم في صحيحهما و أحمد بن حنبل في مسنده.</ref>؛ فقد أثبت النبي{{صل}} كل شؤون هارون لعلي{{ع}} إلا النبوة، فالنبي{{صل}} هو خاتم الأنبياء. يُمكن توضيح دلالة الحديث على إمامة علي من خلال التالي:


كلمة (منزلة) في الحديث اسم جنس، أي: أنها تتضمن كل مقامات هارون و شؤونه، إنّ الاستثناء يؤيّد هذا المعنى فلو لم يكن النبي{{صل}} يقصد كل مقامات هارون لما كان هناك وجه للاستثناء {{متن حدیث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}. لا شك أن خلافة هارون بعد موسى من مقاماته لأنه شريك موسى في أمر الرسالة ووزيره في حياته، فإطاعته واجبة بعد النبي موسى{{ع}}، و ينقل القرآن طلب موسى{{ع}} الخلافة لهارون{{ع}} {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref>سورة طه: ۲۹-۳۵.</ref> و قد استجاب له الله. وعبارة {{متن حدیث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}} شاهد آخر على أنّ النبي{{صل}} كان يقصد بيان منزلة علي{{ع}} بعد رحلته{{صل}} عن هذه الدنيا.
كلمة (منزلة) في الحديث اسم جنس، أي: أنها تتضمن كل مقامات هارون و شؤونه، إنّ الاستثناء يؤيّد هذا المعنى فلو لم يكن النبي{{صل}} يقصد كل مقامات هارون لما كان هناك وجه للاستثناء {{نص حديث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}}. لا شك أن خلافة هارون بعد موسى من مقاماته لأنه شريك موسى في أمر الرسالة ووزيره في حياته، فإطاعته واجبة بعد النبي موسى{{ع}}، و ينقل القرآن طلب موسى{{ع}} الخلافة لهارون{{ع}} {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref>سورة طه: ۲۹-۳۵.</ref> و قد استجاب له الله. وعبارة {{نص حديث|إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي}} شاهد آخر على أنّ النبي{{صل}} كان يقصد بيان منزلة علي{{ع}} بعد رحلته{{صل}} عن هذه الدنيا.
===حديث الغدير===
===حديث الغدير===
من أكثر النصوص الروائية استحكاماً و قوة على إمامة علي{{ع}} هي خطبة النبي{{صل}} التي ذكرها في حجة الوداع في مكان يُسمى غدير خم، ثمّ عرفت بحديث الغدير. لابد من أن نلقي نظرة مختصرة على واقعة الغدير، ثمّ نوضّح دلالتها على خلافة على{{ع}} للنبي{{صل}} بلا فصل.
من أكثر النصوص الروائية استحكاماً و قوة على إمامة علي{{ع}} هي خطبة النبي{{صل}} التي ذكرها في حجة الوداع في مكان يُسمى غدير خم، ثمّ عرفت بحديث الغدير. لابد من أن نلقي نظرة مختصرة على واقعة الغدير، ثمّ نوضّح دلالتها على خلافة على{{ع}} للنبي{{صل}} بلا فصل.
سطر ٦٠: سطر ٦٠:


====دلالة حديث الغدير على إمامة علي{{ع}}====
====دلالة حديث الغدير على إمامة علي{{ع}}====
متن حدیث الغدير يدل دلالة قطعية على خلافة علي{{ع}} للنبي{{صل}} بلا فصل، خاصة عندما نتأمل الشروط الزمانية و المكانية التي وقع فيها ذلك الحدث، و عبارة {{متن حدیث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} تُبيّن أنّ كل من كان النبي مولاه فعليٌ كذلك، كلمة (مولى) على وزن (مَفْعَل)، مأخوذة من (وَلِي)، و قد ذكر لها أهل اللغة معانٍ عدة: مالك، عبد، مُعتِق، معتَق، صاحب، قريب، جار، حليف، ابن، عم، نزيل، شريك، ابن الأخت، ولي، رب، ناصر، مُنعِم، منعَم عليه، محب، تابع، صهر، والأولى بالتصرف<ref>الفيروز آبادي، القاموس المحيط.</ref>، و ينبغي هنا أن نتأمّل فأيّ معنى من هذه المعاني المذكورة هو المعنى المراد في حديث الغدير؟ بالالتفات إلى مجموعة القرائن الموجودة في حديث الغدير و الشواهد المرتبطة بواقعة غدير خم، المعنى الوحيد الذي يُمكن أن يكون هو المقصود، هو "الأولى بالتصرف"، و عندما يشمل ذلك التصرف كل الأمة، فإنّ معناه الإمامة، و يكفي (التأمل في النقاط التالية) لإثبات المدعى:
متن حدیث الغدير يدل دلالة قطعية على خلافة علي{{ع}} للنبي{{صل}} بلا فصل، خاصة عندما نتأمل الشروط الزمانية و المكانية التي وقع فيها ذلك الحدث، و عبارة {{نص حديث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} تُبيّن أنّ كل من كان النبي مولاه فعليٌ كذلك، كلمة (مولى) على وزن (مَفْعَل)، مأخوذة من (وَلِي)، و قد ذكر لها أهل اللغة معانٍ عدة: مالك، عبد، مُعتِق، معتَق، صاحب، قريب، جار، حليف، ابن، عم، نزيل، شريك، ابن الأخت، ولي، رب، ناصر، مُنعِم، منعَم عليه، محب، تابع، صهر، والأولى بالتصرف<ref>الفيروز آبادي، القاموس المحيط.</ref>، و ينبغي هنا أن نتأمّل فأيّ معنى من هذه المعاني المذكورة هو المعنى المراد في حديث الغدير؟ بالالتفات إلى مجموعة القرائن الموجودة في حديث الغدير و الشواهد المرتبطة بواقعة غدير خم، المعنى الوحيد الذي يُمكن أن يكون هو المقصود، هو "الأولى بالتصرف"، و عندما يشمل ذلك التصرف كل الأمة، فإنّ معناه الإمامة، و يكفي (التأمل في النقاط التالية) لإثبات المدعى:


بعض المعاني المذكورة ل (مولى) لا يُمكن أن تكون هي المُراد، فلا يُمكن مثلاً أن يُقصد من المولى (الرب) لأنّ ذلك يعني أن تُعدّ عبارة {{متن حدیث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} من الكفريات! كما أنّ إرادة بعض المعاني الأخرى ينتج عنها عدم صحة كلام النبي{{صل}}، فمن الواضح أنّ النبي{{صل}} و علي{{ع}} لم يكونا عبدين ليُعتقا!، من هنا كان المقصود من (مولى) بعيد عن هذه المفاهيم.
بعض المعاني المذكورة ل (مولى) لا يُمكن أن تكون هي المُراد، فلا يُمكن مثلاً أن يُقصد من المولى (الرب) لأنّ ذلك يعني أن تُعدّ عبارة {{نص حديث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} من الكفريات! كما أنّ إرادة بعض المعاني الأخرى ينتج عنها عدم صحة كلام النبي{{صل}}، فمن الواضح أنّ النبي{{صل}} و علي{{ع}} لم يكونا عبدين ليُعتقا!، من هنا كان المقصود من (مولى) بعيد عن هذه المفاهيم.


بعض المعاني الأخرى افتراضها لا يؤدّي إلى الكفر أو عدم الصدق، إلا أنّ احتمالها ينتفي بالالتفات إلى الشروط الحاكمة على واقعة الغدير. أشرنا أنّ النبي{{صل}} أمر عشرات الآلاف من الحجاج بالتوقف في غدير خم في يوم شديد الحرارة و صبر حتى يرجع من تقدّم عليهم و يلتحق بهم من تأخر عنهم، حتى يخطب في الجميع، فمن البديهي أنّ أيّ عاقل سوف يتوقع من النبي{{صل}} خبراً مصيرياً مهماً، خبر ليس من مصلحة الإسلام و الأمة الإسلامية تأجيله، و المطلوب أن يصل إلى أسماع أكبر عدد ممكن من المسلمين. ففي هذه الحالة كيف يُمكن القول أن مُراد النبي من (مولى) مفاهيم مثل المحب، الشريك المحب و الناصر، هل يُمكن التصديق بأنّ النبي{{صل}} أوقف عشرات الآلاف الناس في تلك الشروط الصعبة لكي يقول لهم فقط أنّ كل من ينصرني فلينصر على{{ع}} أو كل من يحبني فليحب علي!
بعض المعاني الأخرى افتراضها لا يؤدّي إلى الكفر أو عدم الصدق، إلا أنّ احتمالها ينتفي بالالتفات إلى الشروط الحاكمة على واقعة الغدير. أشرنا أنّ النبي{{صل}} أمر عشرات الآلاف من الحجاج بالتوقف في غدير خم في يوم شديد الحرارة و صبر حتى يرجع من تقدّم عليهم و يلتحق بهم من تأخر عنهم، حتى يخطب في الجميع، فمن البديهي أنّ أيّ عاقل سوف يتوقع من النبي{{صل}} خبراً مصيرياً مهماً، خبر ليس من مصلحة الإسلام و الأمة الإسلامية تأجيله، و المطلوب أن يصل إلى أسماع أكبر عدد ممكن من المسلمين. ففي هذه الحالة كيف يُمكن القول أن مُراد النبي من (مولى) مفاهيم مثل المحب، الشريك المحب و الناصر، هل يُمكن التصديق بأنّ النبي{{صل}} أوقف عشرات الآلاف الناس في تلك الشروط الصعبة لكي يقول لهم فقط أنّ كل من ينصرني فلينصر على{{ع}} أو كل من يحبني فليحب علي!


بالإضافة إلى ما ذُكِر، توجد عبارات في متن حدیث الغدير تُشير إلى أنّ المعنى المُراد من (مولى) هو (الأولى بالتصرف) و هي عبارة أخرى عن إمامة علي{{ع}} و خلافته، مثلاً يُمكن التأمل في عبارة {{متن حدیث|ألست أولى بكم من أنفسكم}} بالتأكيد إنّ مراد النبي{{صل}} من العبارة هو أخذ شهادة الناس على زعامته الإلهية، فالقائد الإلهي هو الوحيد الذي له الأولوية على أمور الناس، فهو الأولى و له حق التصرف المطلق في شؤونهم، ثم انظروا قول النبي{{صل}} {{متن حدیث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} استعمل الفاء للتفريع، مما يُشير إلى أنّ المقصود من (مولى) هو الأولى بالتصرف و الا لِمَ التفريع؟!، كذلك توجد مضامين دعائية في نهاية الحديث، لا يصح ذكرها إلا إذا كان لعلي{{ع}} مقام رفيع، كمقام الإمامة و هي عبارة: {{متن حدیث|اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاه}} إلى {{متن حدیث|وَاخْذُلُ مَنْ خَذَلَهُ}}. حدثت وقائع بعد خطبة النبي{{صل}} مباشرة تعتبر من القرائن القطعية على المدعى كما أُشير في نقل حديث الغدير سابقاً، بعد إتمام الخطبة نزلت آية الإكمال {{نص قرآني|الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}}، فكبر النبي{{صل}} على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الله برسالته و ولاية علي{{ع}} من بعده، و من الواضح أنّ الإتيان بولاية علي{{ع}} في سياق أمور مثل إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الله على رسالة النبي{{صل}} لا ينسجم، إلا إذا كان المقصود من ذلك الأمر هو الإمامة و القيادة. و عبارة (من بعدي) في جملة {{متن حدیث|وَ الْوَلَايَةِ لِعَلِيٍّ مِنْ بَعْدِي}} شاهد آخر على أن مقصود النبي{{صل}} هو خلافة على{{ع}} و إلا فلا وجه للقيد المذكور.
بالإضافة إلى ما ذُكِر، توجد عبارات في متن حدیث الغدير تُشير إلى أنّ المعنى المُراد من (مولى) هو (الأولى بالتصرف) و هي عبارة أخرى عن إمامة علي{{ع}} و خلافته، مثلاً يُمكن التأمل في عبارة {{نص حديث|ألست أولى بكم من أنفسكم}} بالتأكيد إنّ مراد النبي{{صل}} من العبارة هو أخذ شهادة الناس على زعامته الإلهية، فالقائد الإلهي هو الوحيد الذي له الأولوية على أمور الناس، فهو الأولى و له حق التصرف المطلق في شؤونهم، ثم انظروا قول النبي{{صل}} {{نص حديث|مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} استعمل الفاء للتفريع، مما يُشير إلى أنّ المقصود من (مولى) هو الأولى بالتصرف و الا لِمَ التفريع؟!، كذلك توجد مضامين دعائية في نهاية الحديث، لا يصح ذكرها إلا إذا كان لعلي{{ع}} مقام رفيع، كمقام الإمامة و هي عبارة: {{نص حديث|اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاه}} إلى {{نص حديث|وَاخْذُلُ مَنْ خَذَلَهُ}}. حدثت وقائع بعد خطبة النبي{{صل}} مباشرة تعتبر من القرائن القطعية على المدعى كما أُشير في نقل حديث الغدير سابقاً، بعد إتمام الخطبة نزلت آية الإكمال {{نص قرآني|الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}}، فكبر النبي{{صل}} على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الله برسالته و ولاية علي{{ع}} من بعده، و من الواضح أنّ الإتيان بولاية علي{{ع}} في سياق أمور مثل إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الله على رسالة النبي{{صل}} لا ينسجم، إلا إذا كان المقصود من ذلك الأمر هو الإمامة و القيادة. و عبارة (من بعدي) في جملة {{نص حديث|وَ الْوَلَايَةِ لِعَلِيٍّ مِنْ بَعْدِي}} شاهد آخر على أن مقصود النبي{{صل}} هو خلافة على{{ع}} و إلا فلا وجه للقيد المذكور.


تهنئة الأصحاب لعليا{{ع}} و فرحهم بعد إتمام الخطبة في عبارة {{متن حدیث|قَدْ أَصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ}} و الأشعار التي ذُكرت بعد واقعة الغدير في شأن تلك الحادثة الكبرى، كلها شواهد على أنّ أصحاب النبي{{صل}} تلقوا حديث الغدير بعنوانه إعلاناً رسمياً لإمامة علي{{ع}} و خلافته.
تهنئة الأصحاب لعليا{{ع}} و فرحهم بعد إتمام الخطبة في عبارة {{نص حديث|قَدْ أَصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ}} و الأشعار التي ذُكرت بعد واقعة الغدير في شأن تلك الحادثة الكبرى، كلها شواهد على أنّ أصحاب النبي{{صل}} تلقوا حديث الغدير بعنوانه إعلاناً رسمياً لإمامة علي{{ع}} و خلافته.


كما ذكرنا في بحث آية التبليغ، أنها نزلت يوم الغدير، حيث أُمر النبي{{صل}} بإبلاغ رسالة ما كان عدم إبلاغها يستلزم عدم تبليغ الرسالة كلها، فهل يُمكن تصور أن تكون تلك الرسالة المُراد إبلاغها هي صحبة علي{{ع}} و نصرته، و هل لذلك أهمية بحيث أن عدم إبلاغها يساوي نقصان رسالة النبي{{صل}}؟ هل يُمكن افتراض مسألة أخرى غير الإمامة التي تدلّ عليها معنى {{متن حدیث|فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} من جهة، و من جهة أخرى عدم إعلانها يؤدّي إلى ضياع جهود النبي الأكرم طوال ٢٣ سنة؟
كما ذكرنا في بحث آية التبليغ، أنها نزلت يوم الغدير، حيث أُمر النبي{{صل}} بإبلاغ رسالة ما كان عدم إبلاغها يستلزم عدم تبليغ الرسالة كلها، فهل يُمكن تصور أن تكون تلك الرسالة المُراد إبلاغها هي صحبة علي{{ع}} و نصرته، و هل لذلك أهمية بحيث أن عدم إبلاغها يساوي نقصان رسالة النبي{{صل}}؟ هل يُمكن افتراض مسألة أخرى غير الإمامة التي تدلّ عليها معنى {{نص حديث|فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ}} من جهة، و من جهة أخرى عدم إعلانها يؤدّي إلى ضياع جهود النبي الأكرم طوال ٢٣ سنة؟


بالتوجه لما ذُكر لا يبقى مجال للشك من أنّ المقصود من (مولى) في حديث الغدير هو الأولى بالتصرف في شؤون الناس، و تنصيب علي{{ع}} في هذا المقام، بمعنى إمامته و خلافته <ref>إن شدة وضوح دلالة حديث الغدير على إمامة علي{{ع}} أدت باعتراف بعض علماء أهل السنة بذلك أمثال التفتازاني، الذي بعد أنّ بحث في معاني كلمة "مولى" قال أن المعنى الوحيد الذي يُمكن أن يكون هو المُراد منه في الحديث هو "أولى بالتصرف" ثم يستنتج قائلاً: "و لا خفاء في أنّ الولاية بالناس و التولي و المالكية لتدبير أمرهم و التصرف فيهم بمنزلة النبي و هو معنى الإمامة": التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص٢٧۴.</ref>، و من النماذج التي ذكرناها<ref>ينقل العلامة الحلي ٢٨ رواية عن النبي الأكرم{{صل}}، جميعها تدلّ على إمامة علي{{ع}}، راجع: العلامة الحلي، نهج الحق و كشف الصدق، ص۲۱۲ – ۲۳۰.</ref> يتضح أنّ القرآن الكريم و السنة النبوية تتضمن مضامين دالة على إمامة علي{{ع}} و خلافته للنبي و أنّ إمامته منصوص عليها من الله و رسوله.
بالتوجه لما ذُكر لا يبقى مجال للشك من أنّ المقصود من (مولى) في حديث الغدير هو الأولى بالتصرف في شؤون الناس، و تنصيب علي{{ع}} في هذا المقام، بمعنى إمامته و خلافته <ref>إن شدة وضوح دلالة حديث الغدير على إمامة علي{{ع}} أدت باعتراف بعض علماء أهل السنة بذلك أمثال التفتازاني، الذي بعد أنّ بحث في معاني كلمة "مولى" قال أن المعنى الوحيد الذي يُمكن أن يكون هو المُراد منه في الحديث هو "أولى بالتصرف" ثم يستنتج قائلاً: "و لا خفاء في أنّ الولاية بالناس و التولي و المالكية لتدبير أمرهم و التصرف فيهم بمنزلة النبي و هو معنى الإمامة": التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص٢٧۴.</ref>، و من النماذج التي ذكرناها<ref>ينقل العلامة الحلي ٢٨ رواية عن النبي الأكرم{{صل}}، جميعها تدلّ على إمامة علي{{ع}}، راجع: العلامة الحلي، نهج الحق و كشف الصدق، ص۲۱۲ – ۲۳۰.</ref> يتضح أنّ القرآن الكريم و السنة النبوية تتضمن مضامين دالة على إمامة علي{{ع}} و خلافته للنبي و أنّ إمامته منصوص عليها من الله و رسوله.
سطر ٧٧: سطر ٧٧:


==عصمة على{{ع}}==
==عصمة على{{ع}}==
الشيعة تعتقد بعصمة علي{{ع}}، على خلاف أهل السنة الذين لا يشترطون العصمة في الإمام و لا يعتقدون بعصمة الخلفاء الثلاثة بعد النبي{{صل}}، و أدلة عصمة أميرالمؤمنين علي{{ع}} تثبت عصمة سائر الأئمة، فمن الآيات الدالة على عصمة علي{{ع}} - بما أنه أحد أهل بيت النبي{{صل}} - آية التطهير {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}}<ref>سورة الأحزاب: ۳۳.</ref>. يتضح من الآية أنّ الله عزّوجلّ أراد أن يطهّر أهل البيت من كل قبيح، و بالالتفات إلى أنّ إرادة الله للتطهير خاصّة بأهل البيت في الآية، يتضح أنّ المقصود من الإرادة هنا الإرادة الإلهية التكوينية و ليس الإرادة الإلهية التشريعية، و يلزم من إرادة الله التكوينية تحقّق المُراد، حيث لا يُتصور مانع من تحقق إرادته التكوينية، فالآية تدلّ على أنّ أهل البيت منزّهون من كل قبيح. من جهة أخرى، للرجس معاني كثيرة تشمل كل قبيح مادي و معنوي و بما أنّ ارتكاب الذنب و المعصية من أبرز مصاديق القبح المعنوية و الروحية، فالآية تدلّ على عصمة أهل البيت من الخطأ و الذنب، و قد نُقلت روايات متعددة عن النبي{{صل}} على أنّ المقصود من أهل البيت في الآية هم أميرالمؤمنين علي، فاطمة الزهراء، وابناهما الإمام الحسن و الإمام الحسين، و نذكر كنموذج ما جاء في الحديث أنه عندما نزلت الآية على النبي{{صل}} أنه لم يكن في بيت رسول الله غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين فقال النبي {{متن حدیث|اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي}}.<ref>[[محمد سعيدي‌مهر|سعيدي‌مهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٠-٥١١.</ref>
الشيعة تعتقد بعصمة علي{{ع}}، على خلاف أهل السنة الذين لا يشترطون العصمة في الإمام و لا يعتقدون بعصمة الخلفاء الثلاثة بعد النبي{{صل}}، و أدلة عصمة أميرالمؤمنين علي{{ع}} تثبت عصمة سائر الأئمة، فمن الآيات الدالة على عصمة علي{{ع}} - بما أنه أحد أهل بيت النبي{{صل}} - آية التطهير {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}}<ref>سورة الأحزاب: ۳۳.</ref>. يتضح من الآية أنّ الله عزّوجلّ أراد أن يطهّر أهل البيت من كل قبيح، و بالالتفات إلى أنّ إرادة الله للتطهير خاصّة بأهل البيت في الآية، يتضح أنّ المقصود من الإرادة هنا الإرادة الإلهية التكوينية و ليس الإرادة الإلهية التشريعية، و يلزم من إرادة الله التكوينية تحقّق المُراد، حيث لا يُتصور مانع من تحقق إرادته التكوينية، فالآية تدلّ على أنّ أهل البيت منزّهون من كل قبيح. من جهة أخرى، للرجس معاني كثيرة تشمل كل قبيح مادي و معنوي و بما أنّ ارتكاب الذنب و المعصية من أبرز مصاديق القبح المعنوية و الروحية، فالآية تدلّ على عصمة أهل البيت من الخطأ و الذنب، و قد نُقلت روايات متعددة عن النبي{{صل}} على أنّ المقصود من أهل البيت في الآية هم أميرالمؤمنين علي، فاطمة الزهراء، وابناهما الإمام الحسن و الإمام الحسين، و نذكر كنموذج ما جاء في الحديث أنه عندما نزلت الآية على النبي{{صل}} أنه لم يكن في بيت رسول الله غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين فقال النبي {{نص حديث|اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي}}.<ref>[[محمد سعيدي‌مهر|سعيدي‌مهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٠-٥١١.</ref>
==أفضلية علي{{ع}}==
==أفضلية علي{{ع}}==
إنّ أفضليته على كل أصحاب النبي{{صل}} واضحة جداً، حتى اعترف بذلك كثير من علماء أهل السنة، بناءً على بعض الروايات النبوية فإن فضائل علي{{ع}} كثيرة إلى درجة يصعب عدّها. و لا شك أنّ مجرد ذكر فهرسة إلى تلك الفضائل يحتاج إلى كتابة مؤلفات طويلة. و يُمكن القول أنّ علي{{ع}} كان مركزاً لكل الفضائل، بل كان عصارة الأخلاق و الإنسانية بشهادة التاريخ القطعية، فقد كان الأتقي، الأزهد، الأشجع، الأسخي، الأعلم في أصحاب رسول الله{{صل}} فأفضليته واضحة جداً إلى درجة أن أعدائه لم ينكروها<ref>كثير من علماء أهل السنة اعترفوا بأفضلية على{{ع}} حتى على الخلفاء الثلاثة، لكنهم حيث أنهم لا يرون أنّ الأفضلية شرطاً في الإمامة، عدوا علياً الخليفة الرابع لرسول الله{{صل}}، من النماذج المعروفة: ابن أبي الحديد المعتزلي، يقول في مقدمة شرح نهج البلاغة: "و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحةٍ اقتضاها التكليف".</ref>. بالإضافة إلى أنّ هناك الكثير من الروايات المعتبرة والشواهد التاريخية التي تدلّ على أن علي{{ع}} كان يتميّز بعلمه الواسع. فإمامة علي{{ع}} ثابتة سواء بواسطة النصوص التي دلت عليها من القرآن و السنة النبوية أو لأنه قد توفرت فيه شروط الإمامة كالعصمة، الأفضلية و العلم اللدني، بل لقد تفرد بهذه الأوصاف جميعاً، لذلك عُدّ الشخص الوحيد المؤهل لخلافة رسول الله{{صل}} بلا فصل.<ref>[[محمد سعيدي‌مهر|سعيدي‌مهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٢.</ref>
إنّ أفضليته على كل أصحاب النبي{{صل}} واضحة جداً، حتى اعترف بذلك كثير من علماء أهل السنة، بناءً على بعض الروايات النبوية فإن فضائل علي{{ع}} كثيرة إلى درجة يصعب عدّها. و لا شك أنّ مجرد ذكر فهرسة إلى تلك الفضائل يحتاج إلى كتابة مؤلفات طويلة. و يُمكن القول أنّ علي{{ع}} كان مركزاً لكل الفضائل، بل كان عصارة الأخلاق و الإنسانية بشهادة التاريخ القطعية، فقد كان الأتقي، الأزهد، الأشجع، الأسخي، الأعلم في أصحاب رسول الله{{صل}} فأفضليته واضحة جداً إلى درجة أن أعدائه لم ينكروها<ref>كثير من علماء أهل السنة اعترفوا بأفضلية على{{ع}} حتى على الخلفاء الثلاثة، لكنهم حيث أنهم لا يرون أنّ الأفضلية شرطاً في الإمامة، عدوا علياً الخليفة الرابع لرسول الله{{صل}}، من النماذج المعروفة: ابن أبي الحديد المعتزلي، يقول في مقدمة شرح نهج البلاغة: "و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحةٍ اقتضاها التكليف".</ref>. بالإضافة إلى أنّ هناك الكثير من الروايات المعتبرة والشواهد التاريخية التي تدلّ على أن علي{{ع}} كان يتميّز بعلمه الواسع. فإمامة علي{{ع}} ثابتة سواء بواسطة النصوص التي دلت عليها من القرآن و السنة النبوية أو لأنه قد توفرت فيه شروط الإمامة كالعصمة، الأفضلية و العلم اللدني، بل لقد تفرد بهذه الأوصاف جميعاً، لذلك عُدّ الشخص الوحيد المؤهل لخلافة رسول الله{{صل}} بلا فصل.<ref>[[محمد سعيدي‌مهر|سعيدي‌مهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٥١٢.</ref>
٧٤٢

تعديل