انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العلم الإلهي»

أُزيل ١٨٥٬١٦١ بايت ،  ٢٩ أبريل ٢٠٢٤
تحويل إلى علم الله
ط (استبدال النص - 'سيد علي الحسيني الصدر|الحسيني الصدر، سيد علي' ب'سيد علي الحسيني الصدر')
(تحويل إلى علم الله)
وسم: تحويلة جديدة
 
سطر ١: سطر ١:
==تمهيد==
#تحويل [[علم الله]]
العلم من الأوصاف الثبوتية لله في الرؤية الإسلامية، الله على علم بكل أمور العالم وكما سيأتي، العلم من الأوصاف الذاتية لله ومن الصفات الفعلية كذلك. بعبارة أخرى للعلم الإلهي مراتب مختلفة بعضها صفة ذاتية وبعضها الآخر صفة فعلية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢١.</ref>
 
==معنى العلم==
على أساس الاعتقاد الشائع فإن للعلم معنى بديهي وواضح؛ لأن كل إنسان يلمس هذه الصفة في أحواله النفسانية ويجدها في باطنه، كل منا في حياته جرب مرات هذه الحالة بحيث إنه ابتداءً كان جاهلاً بالنسبة لمسألة ما وبعد ذلك تظهر فيه حالة بحيث يصبح مطلع على تلك المسألة وهذا ما يُسمى بالعلم. ولا ينبغي الغفلة عن أن علم الإنسان في أقسامه المختلفة له نقائص ومحدوديات لا يُمكن تسريتها إلى الله، حيث إن الله منزّه عن كل تلك القيود والنقائص. كما أن قسماً أساسياً من علمنا يتحصل عن طريق الأدوات والوسائل الباطنية والخارجية؛ مثلاً: في إدراكنا للمحسوسات نستخدم أعضاءنا (العين، الأذن و...) وقد نستخدم الأدوات الخارجية كذلك. بالإضافة إلى أن علومنا إذا لم نقل كلها فإن أغلبها علوم حادثة يعني العلم الحاصل بعد الجهل ومن هنا فهو في معرض الزوال والفناء. بالإضافة إلى ذلك فإن مجموع علومنا كمجموعة ناقصة جداً ومحدودة وما نعرفه لا يُعدّ شيئاً بالقياس إلى ما لا نعرفه. ولكن العلم الإلهي مبراً من كل هذه النواقص، هو علم مطلق، لا محدود، أزلي وأبدي ولا يحتاج إلى أدوات ومقدمة وواسطة ولا يستلزم الانفعال وتأثر الذات الإلهية من الخارج.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢١-٢٢٢.</ref>
 
==العلم الحصولي والحضوري==
ألمعنا سابقاً أنه في التقسيم المشهور للعلم قسم إلى (حصولي) و(حضوري) المعلوم في العلم الحضوري هو نفس الشيء أما في العلم الحصولي هو الصورة الذهنية للشيء، والشيء يُدرك بواسطة صورته. علمنا بذاتنا وأيضاً علمنا بأحوالنا النفسانية، مثل: الخوف، الغضب، الحب و... هو علم حضوري، أما علمنا بالمحسوسات والمعقولات فإنها تدخل في دائرة الإدراك الحصولي، بالتوجه إلى هذا التقسيم يُمكن ذكر تعريف جامع للعلم والإدراك بحيث يشمل كِلا القسمين الحصولي والحضوري فنقول: إن العلم عبارة عن حضور المعلوم عند العالم، وهذا التعريف جامع لأنه في العلم الحصولي تحضر الصورة الذهنية للشيء عند العالم وفي العلم الحضوري يحضر نفس الشيء لكن في كلا الحالتين للمعلوم نحو حضور عند العالم وعلى أساس هذا الحضور للعالم نوع إحاطة علمية على المعلوم. ولأن التعريف السابق خالٍ من القيود المتعلقة بعلوم الموجودات الإمكانية ولا يتطرقها النقص، فيمكن أن يستعمل للإشارة إلى العلم الإلهي، على هذا الأساس عندما يذكر علم الله فالمقصود أن كل الأمور والأشياء حاضرة عند الله وهذا الحضور هو ملاك علم الله بذاته وبكل الموجودات. يرى بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين أن علم الله ينحصر في العلم الحضوري. ومبنى هذه النظرية أن العلم الحصولي بلحاظ أنه يحصل عند طريق حصول الصورة الذهنية للمعلوم، يستلزم أن يكون العالم محل عروض الصور الذهنية وانفعاله من غيره في حال أن الله منزه عن هذه الأمور.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٢-٢٢٣.</ref>
==مراتب العلم الإلهي==
بعد اتضاح معنى علم الله نصل إلى أقسام أو مراتب هذا العلم<ref>أكثر أبحاث هذا القسم تميل إلى الفلسفة، مع هذا نرى أنه للحصول على تصور أكثر جامعية المسألة العلم الإلهي من المفيد أن نُشير إلى رأي الحكماء.</ref>. العلم الإلهي في البداية يقسم إلى نوعين: علم بالذات وعلم بالغير والمقصود من القسم الأول علم الله بذاته والمقصود من الثاني علم الله بسائر الموجودات. ولأن سائر الموجودات مخلوقات الله، فيُمكن تقسيم القسم الآخر إلى نوعين: علم الله بالموجودات الأخرى قبل إيجادها وعلمه بها بعد إيجادها. وعلى هذا فإن للعلم الإلهي مراتب ثلاث:
#العلم بالذات
#العلم بالأشياء قبل إيجادها
#العلم بالأشياء بعد إيجادها<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٣.</ref>
 
==علم الله بذاته==
من التعريف المذكور للعلم، فالمقصود من علم الله بذاته أن الذات الإلهية حاضرة عنده وهذا الحضور هو ملاك علم الله بذاته<ref>يرى بعض المتكلمين أن علم الله بذاته، علماً حصولياً، يُمكن الرجوع إلى: السيوري، إرشاد الطالبين، ص۲۰.</ref>. قبل إثبات هذه المرتبة من مراتب العلم الإلهي يلزم تذكر أن الحقيقة الخارجية والعينية لعلم الله بذاته مجهولة لنا وغير معروفة -كما هي سائر الصفات الإلهية - فقط يُمكننا أن نُشير إلى تلك الحقيقة عن طريق المفاهيم، أي: معرفتنا بها حصولية.
==الدليل على علم الله بذاته==
زيادة على الأدلة العامة لإثبات الصفات الكمالية للباري تعالى أُقيمت أدلة خاصة على هذا المدعي، أن الله يُدرك ذاته ويعلم بها، وسنُشير إلى دليل منها، وهذا الدليل قائم على بعض القواعد الفلسفية. إنه يعتمد على مقدمتين أساسيتين: كل موجود مجرد حاضر عند ذاته فهو عالم بذاته.
 
هذه المقدمة تثبت في المباحث الفلسفية، وعلى أساس هذا الأصل فإن الموجود المادي (غيرالمجرد) غير حاضر من جهة أن له أجزاء وأبعاد ودائماً في معرض التغيير والتحول، ومن هنا لا يُمكن أن يكون حاضراً حتى عند نفسه؛ فالأشياء المادية جاهلة بذاتها ولكن المجردات بدليل البساطة والتجرد يُمكن أن تكون حاضرة لذاتها وللمجردات الأخرى، ولأن ملاك العلم هو الحضور، فكل مجرد عالم بذاته.
 
المقدمة الثانية هي أن الله موجود مجرد ومنزه من كل الشوائب وقيود المادة، هذه المادة تثبت في بحث الصفات السلبية لله حيث ثبت (عدم الجسمانية) و(عدم المادية) للذات الإلهية. وعلى أساس هاتين المقدمتين يثبت أن الحق تعالى عالم بذاته لأنه موجود مجرد وكل مجرد عالم بذاته.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٣-٢٢٤.</ref>
==علم الله بالأشياء قبل إيجادها==
بعد الفراغ من بيان علم الله بذاته، يلزم بحث المرتبة الثانية للعلم الإلهي يعني علم الله بالموجودات قبل إيجادها، والظاهر أن المقصود من هذا القسم واضح جداً مع هذا فقد طرح السؤال للفلاسفة والمتكلمين بأنه هل هذا القسم من أقسام العلم الإلهي علم إجمالي أو تفصيلي؟ المقصود من العلم الإجمالي في هذا البحث أن الله قبل إيجاد الأشياء لا علم له بها فرداً فرداً وبشكل مستقل، بل علمه بها هو علم واحد وبسيط يقبل التحليل إلى علم تفصيلي، وعادة لتوضيح العلم الإجمالي يُمثل بعلم العلماء، مثلاً: عالم الرياضيات، فعلم الرياضي بقانون رياضي علم بسيط وإجمالي مع ذلك يُمكن أن يُقال: إنه عالم بكل المسائل التي يُمكن حلها عن طريق ذلك القانون ولكن طالما أنه لم يحل أيّ مسألة فإنّ علمه يبقى في مرتبة الإجمال، ولكن علم الله التفصيلي بالأشياء قبل الإيجاد بمعنى أن الله قبل إيجاد وخلق الأشياء فهو عالم بها على وجه الأفراد والاستقلال، على كل تقدير فإن الجواب عن هذا السؤال يتطلب بحث عميق خارج عن محدودية هذا البحث ولذلك لن نبحثه. وبغض النظر عن هذه المسألة نذكر دليلين على ثبوت هذه المرتبة من العلم لله:
 
'''الدليل الأول:'''
 
هذا الدليل يعتمد على إحدى القواعد الفلسفية وهي أن العلم بالعلّة التامّة للشيء بوصفها علّة يستلزم العلم بذلك الشيء بوصفه معلول<ref>يُمكن الرجوع إلى: إبراهيمي ديناني، غلام حسين؛ القواعد الكلية الفلسفية في الفلسفة الإسلامية، ج۳، ص۳۴۵-۳۵۱.</ref>؛ فكلما علمت بالعلّة التامّة، فإن المعلول (أو المعلولات) سيكون معلوماً كذلك.
 
المقدمة الأخرى للدليل: هو أن الذات الإلهية علة تامة لكل الوجودات.
 
و المقدمة الثالثة: ثبت في البحث السابق علم الله بذاته، وعلى أساس المقدمات الثلاث، الله عالم بذاته وذاته العلة التامة لكل الموجودات والعلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، إذن: علم هذه الذات بالمخلوقات محقَّق منذ الأزل، فيثبت أن الله سبحانه من الأزل وقبل إيجاد الأشياء عالم بكل الأشياء عن طريق علمه بذاته.
 
'''الدليل الثاني:'''
 
هذا الدليل له صبغة كلامية أقوى بالقياس للدليل الأول وهو قريب من برهان النُظم الذي مرَّ في بحث أدلة إثبات الله<ref>الفرق بينهما أن نتيجة دليل النظم (إثبات خالق عليم حاكم)، ولكن هنا أخذت مسألة مخلوقية العالم وخالقية الله كمسألة مفروغ عنها، كل ما يراد هنا هو إثبات علمه سبحانه.</ref>، مفاده أنه بالتأمل في العالم من حولنا نستكشف أن أجزاء عالم الوجود كلها تظهر على أساس انتظام عجيب وتتحرك في هدف واحد، كما أن كل الظواهر الوجودية مخلوقات الله، ولأن أصل وجود المعلول والمخلوق علامة وجود العلة والخالق فإن خصوصياتها أيضاً تحكي خصوصيات العلة، من هنا فإن انتظام وهدفية عالم الوجود يشهد على أن خالقها عالم بكل الظواهر الكونية وخصوصياتها والعلاقات التي بينها قبل خلق العالم؛ لأن العقل يحكم أنه لا يُمكن لموجود خالق ظواهر منظمة ولها هدف ما أن يخلق هكذا خلق على سبيل الجهل!، يتمسك كثير من المتكلمين المسلمين لإثبات العلم الإلهي قبل الإيجاد بهذا الدليل، منهم المحقق الطوسي في التجريد يقول: (والإحكام دليل العلم).<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٤-٢٢٦.</ref>
 
==علم الله التفصيلي بالموجودات بعد إيجادها==
للإثبات العقلي لهذه المرتبة من العلم يُمكن التمسك بالدليل التالي:
مقدمات هذا الدليل هي: أن الله علة العلل وكل الموجودات معلولة له، كما بُين في المباحث الفلسفية، فإن وجود المعلول عين الربط والتعلق بالعلة ولا يوجد أيّ استقلال للمعلول. لازم التعلق الوجودي للمعلول بالعلة حضور المعلول عند علته، لأن عدم حضور المعلول عند علته يعني أن المعلول مستقل في وجوده وهو خلاف المقدمة الثانية حيث ذكرنا أنه أمر غير ممكن، ولأن حقيقة العلم ليست إلا حضور المعلوم عندالعالم فكل علة عالمة بمعلولها، نتيجة المقدمات المذكورة أن كل الموجودات وظواهر الوجود معلومة لله لأنها كلها معلولة له وكل معلول معلوم لعلته.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٧.</ref>
==العلم الذاتي والعلم الفعلي==
في بداية هذا البحث ألمحنا إلى أن بعض أنحاء العلم الإلهي صفة آتية والبعض الآخر صفة فعلية وبعد الانتهاء من المراتب الثلاث لعلم الله. من المناسب أن نحدد أي المراتب منها صفة ذاتية وأيها صفة فعلية. بالتأمل في مراتب العلم الإلهي الثلاث يتضح أنه ينبغي اعتبار المرتبة (۱) و(۲) من الأوصاف الذاتية والمرتبة الثالثة من الأوصاف الفعلية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٧.</ref>
==علم الله بالجزئيات==
من الأبحاث المهمة في العلم الإلهي الإجابة عن السؤال: هل الله عالم بالأشياء والحوادث الجزئية أو أن علمه منحصر في الكليات؟ بعبارة أخرى: هل الشيء أو الشخص الخاص الموجود في زمان ومكان خاصين أو الحادثة الجزئية التي تحدث في زمان ومكان معينين كأمر جزئي وشخصي يُمكن أن تقع معلومة لله؟ بالتوجه إلى ما قيل في العلم بعد الإيجاد فإن الإجابة عن هذا السؤال هي الإثبات. لكن بعض المتكلمين أنكر علم الله بالجزئيات! واعتقد أن الله يعلم بالجزئيات يتم عن طريق الماهيات الكلية ومعقولاتها وتمسك هؤلاء لإثبات مدعاهم بأدلة مختلفة، وهي:
=== التحول الدائم للجزئيات===
أحد أدلة مخالفي العلم الإلهي بالجزئيات أن الأمور الجزئية في حال تغيير وتحول دائم، فإذا علم الله بالجزئيات وليتطابق علمه مع الواقع فإن علم الله يتغير تبعاً لتغير المعلوم (يعني الجزئيات)، ولازمه أن تكون الذات الإلهية الحاملة للعلم قابلة للتحول!، والحال أن الذات الإلهية منزّهة عن كل تغيير وتحول. فلا يُمكن أن يتعلق علم الله بالجزئيات. الظاهر أن مبنى هذا الدليل هو أنه إذا تعلق علم الله بالجزئيات فإن علمه حصولي ويحصل عن طريق حلول صور الجزئيات في الذات الإلهية، ومن هنا فإن التغيير المعلوم (الجزئيات) مستلزم تغيير صورته وفي النهاية يوجب تحول الذات الإلهية (بعنوانها محل تلك الصورة) ولكن كما ذكرنا فإن العلم الإلهي علم حضوري ولذا فعلمه بالجزئيات ليس إلا وجود وحضور تلك الجزئيات عنده. بالطبع في هذه الصورة أيضاً فإن تغيير الجزئيات يستلزم تغيير العلم وهذا لا يسبب بروز تغيير في الذات أبداً، لأنه متعلق بمقام الفعل الإلهي ومن خصوصيات الصفات الفعلية أنها تتحول بتبع تحول مخلوقات الله والتي هي بمعنى فعل الله كأحد المعاني، ولكن هذا التحول لا يسري للذات. الحاصل أن علم الله بالجزئيات بمعنى حضورها عندالله وتغيير الأمور الجزئية يقع كحد أكثر في دائرة الفعل الإلهي والصفات المنتزعة منه وهذه المسألة لا تنافي ثبات وعدم تحول الذات الإلهية كما بينا.
=== آلية العلم بالجزئيات===
الدليل الآخر لمنكري تعلق العلم الإلهي بالجزئيات أن حصول هكذا علم يحتاج إلى استعمال أدوات مادية؛ في حال أن المقام الإلهي منزه ومبرأ من ذلك. في الجواب عن هذا الدليل أيضاً يُمكن أن يُقال: إن استعمال الأدوات المادية لتحصيل العلم بالجزئيات ليست من اللوازم الذاتية لهكذا علم حتى لا تقبل الإنفكاك عنه؛ بل صرف حصول هكذا علم للموجود الذي في عالم الطبيعة كالإنسان متوقف على الإحساس واستخدام الأعضاء والجوارح الجسمانية والآلات المادية لكن في حق الله الذي هو فوق الطبيعة والعالم المادي وعلمه علم حضوري ويُحيط بكل الوجود فلا يوجد مثل هذا التوقف.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٧-٢٢٩.</ref>
==العلم الإلهي واختيار الإنسان==
من خصوصيات العلم الإلهي كما هي بقية صفات الله أنها مطلقة، بمعنى أنها شاملة لكل الحوادث أعم من الماضي والحال والمستقبل؛ إذن: الله عالم في الأزل بكل الأمور التي ستقع في المستقبل وحتى الأبد، منها أنه عالم بالناس ماذا ستفعل في المستقبل من أعمال وأي الأعمال ستجتنب؟! في هذا المورد طرح إشكال منذ القدم يبتني على أن علم الله بالأفعال الآتية للإنسان ينافي اختيار الإنسان. وسوف نبحث هذا الإشكال بالتفصيل في مبحث (الجبر والاختيار).<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٩.</ref>
==العلم الإلهي في القرآن==
ذكرت عدة آيات في القرآن الكريم في العلم الإلهي، سواء من الصيغ الفعلية مصدر (علم) مثل: عَلِم، يعلم، أو صفة عليم وفروعها مثل سميع وبصير ... حيث استعملت في القرآن عشرات المرات كصفات الله، بالإضافة إلى أنه جاء في بعض الآيات صفات أكثر خصوصية مثل (عالم الغيب) و(علام الغيوب) من البديهي أن البحث في كل الآيات ولو بالاجمال يحتاج إلى كتابة كتاب مستقل، فلا سبيل هنا إلا إلى بيان جزء منها.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٢٩-٢٣٠.</ref>
==إثبات العلم الإلهي==
يكتفي القرآن في إثبات صفة العلم بذكر الآيات التي تُبيّن ثبوت كل الصفات الإلهية الكمالية، وإن كان يُمكن الاستدلال ببعض الآيات القرآنية الأخرى، مثلاً: نقرأ في الآية ۱۴ من سورة الملك: {{نص قرآني|أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}}<ref>سورة الملك: ۱۴.</ref> هذه الآية يسأل مخاطبيه في قالب استفهام إنكاري، هل يُمكن أن يكون الله الخالق ليس عالماً؟ فالقرآن يعتبر هذا الأمر واضح، حيثُ إنّ هناك نوع تلازم بين الخلق والعلم بالمخلوقات ويلزم أن يعلم الخالق لشيء ما بخصوصيات ذلك الشيء قبل خلقته وبما أن خلق وفيض الله مستمر ودائم فإن الآية تثبت العلم الله بعد الإيجاد أيضاً، وتُبيّن أن الله في كل زمان عالم الموجودات المخلوقة له.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٠.</ref>
==علم الله المطلق غير المحدود==
عندما يصف القرآن الله بالعلم، يؤكد على عدم محدودية علمه. وهذا بيان لحقيقة أساسية في باب الصفات الإلهية، وله دور مهم في تعميق معرفة الله، وله آثار تربوية قيمة. نعم! إن الإيمان بعلم الله المطلق بكل الأمور له تأثير عميق في تقوية روح التوكل عند الإنسان والاعتقاد بأن الله مُطلع على كل الأعمال الظاهرة والباطنة، بل حتى الأغراض والنيات، إن هذا الإيمان يؤثر على اجتناب الإنسان للذنوب، فالقرآن يُصرّح أحياناً بعلم الله المطلق {{نص قرآني|وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}}<ref>سورة البقرة: ۲۸۲.</ref>، وأحياناً يُشير إلى دائرة خاصة من العلم، فتحكي مجموع هذه الآيات سعة علم الله، مثلاً: {{نص قرآني|عْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}}<ref>سورة الحديد: ۴.</ref>، التعابير التي جاءت في أول هذه الآية لها مصاديق عديدة<ref>تشمل هذه التعابير: النباتات وقطرات المطر، جذور الأشجار، المعادن والكنوز، الحيوانات التي تحت الأرض والعيون التي في أعماق التراب، الملائكة النازلة والصاعدة، السحاب، الطيور، شهب السماء ومئات من الموارد الأخرى.</ref> مما يظهر سعة علم الله، لنتأمل في تعبير {{نص قرآني|وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}}<ref>سورة الحديد: ۴.</ref> الذي يحكي أن الله بدليل معيته<ref>من البديهي أن هذه المعية، ليست معية زمانية ولا مكانية، بل كما يُعبر الحكماء عنها معية قيومية العلة ومعلولها.</ref> الدائمة للإنسان مُطلع على كل أعماله، بحيث أن كل ما يعمله الإنسان هو في محضر الله. إن اطلاع الله على نيات الإنسان جاء في آيات عديدة {{نص قرآني|قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة آل عمران: ۲۹.</ref><ref>و أيضاً سورة الأنعام: ۳، سورة التوبة: ۷۸.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٠-٢٣١.</ref>
==علم الله بالغيب==
في آيات أخرى جاء فيها علم الله بالغيب واطلاعه على أمور لاتعرفها البشرية، مثلاً: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}}<ref>سورة لقمان: ۳۴.</ref>، تُشير هذه الآية إلى بعض موارد علم الله بالغيب والتي هي عبارة عن: علم الله بزمان القيامة - علمه بزمان نزول المطر - العلم بأحوال ومستقبل الجنين الذي في رحم الأم - العلم بمستقبل الإنسان - العلم بزمان ومكان موته، وجاءت هذه العلوم الخمسة في الروايات تحت عنوان مفاتح الغيب والعلوم المختصة بالله، وينبغي الالتفات إلى أن مفهوم الغيب نسبي إضافي محدود بدائرة الموجودات التي علمها محدود، وإلا فإن كل العالم حاضر عند الله ولا يوجَد أي علم غائب عنه، فالمقصود من علمه بالغيب، أي: اطلاعه على أمور هي غائبة عن الإنسان وغيره من المخلوقات.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣١-٢٣٢.</ref>
==علم الله في الروايات==
مسألة العلم الالهي في روايات أهل بيت العصمة{{ع}} طُرحت من زوايا مختلفة، في بعض الروايات ذُكر العلم الذاتي لله وعدم توقفه على وجود المعلوم، يقول الأمير{{ع}}: {{نص حديث|عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومَ}}<ref>الكافي، ج۱، ص۱۴۱.</ref> كما أشير في روايات أخرى إلى علم الله قبل الإيجاد وبعده، ففي حديث الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ رَبَّنَا وَ الْعِلْمُ ذَاتُهُ وَ لَا مَعْلُومَ وَ السَّمْعُ ذَاتُهُ وَ لَا مَسْمُوعَ وَ الْبَصَرُ ذَاتُهُ وَ لَا مُبْصَرَ وَ الْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَ لَا مَقْدُورَ فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَ كَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۶۸.</ref>، أُكد في الروايات على سعة علم الله وعدم محدوديته، يقول أميرالمؤمنين{{ع}} في بيان سعة علم الله: {{نص حديث|يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ}}<ref>نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص۳۱۲.</ref>، كما جاء عن الإمام الصادق{{ع}} في رواية عندما أجاب على أحد أصحابه الذي قال: {{نص حديث|الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ}}، فقال{{ع}} له: {{نص حديث|لَا تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهًى}}<ref>البحار، ج۱۰، ص٢۴۶.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٢-٢٣٣.</ref>
==علم الله المختص والعام==
قسمت الروايات علمه تعالى إلى علم مختص بذاته وعلم عام مشترك بينه وبين أعلى مخلوقاته، كالأنبياء والأئمة والملائكة، في حديث عن الإمام الباقر{{ع}}: {{نص حديث|إِنَّ لِلَّهِ لَعِلْماً لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَ عِلْماً يَعْلَمُهُ مَلَائِكَتُهُ الْمُقَرَّبُونَ وَ أَنْبِيَاؤُهُ الْمُرْسَلُونَ وَ نَحْنُ نَعْلَمُهُ}}<ref>الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد{{صل}}، ج۱، ص۱۱۲.</ref> جاء في عدة روايات كذلك في باب صفتي السميع والبصير التي هي من شؤون العلم الإلهي ومن جملة ما ذُكر أن الله منزّه من أن يكون علمه بالمسموعات والمبصرات يتحقق عن طريق الآلات (السميع لا بأداتٍ والبصير لا بتفريق آلة)<ref>البحار، ج۴، ص٢٨۵.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣٣.</ref>
 
==أنه تعالى عالم، عليم، علام، جلت صفاته وعظمت أسماؤه==
فهوالعالم بمعنى أنّه عالمٌ بكل معلوم على ما هوعليه من كونه واجباً أوممكناً أوممتنعاً، وكلياً أوجزئياً، وسُمّي عالماً لأنّه لا يجهل شيئاً... كما أفاده الشيخ الطريحي في المجمع<ref>مجمع البحرين، ص۵۲۸، مادة (علم).</ref>.
 
وهو عليم معناه أنّه عليم بنفسه، عالم بالسرائر، مطلع على الضمائر، لاتخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة... عَلِمَ الأشياء قبل حدوثها وبعدما أحدثها، سرّها وعلانيتها، ظاهرها وباطنها، كما أفاده المحدث الصدوق في كتابه التوحيد<ref>التوحيد، ص۲۰۱.</ref>.
 
وهوالعلام، مبالغة في العلم، فهوالذي لا يشذ عنه معلوم، كما أفاده الشيخ الكفعمي في كتابه المصباح<ref>المصباح، ص۳۴۰.</ref>.
 
والدليل على هذه الصفة الكريمة في ذاته المقدّسة، هوالكتاب والسنّة والضرورة وحكم العقل.
فمن الكتاب آياته الكريمة مثل:
#قوله عزَّ اسمه: {{نص قرآني|لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}}<ref>سورة سبأ: ۳.</ref>.
#قوله عزَّ شأنه: {{نص قرآني|وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}}<ref>سورة البقرة: ۲۳۱.</ref>
#قوله عزَّ وجهه: {{نص قرآني|أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}}<ref>سورة التوبة: ۷۸.</ref>.
 
وهذه الصفات الكمالية، ثابتةٌ لله تعالى بالدليل القطعي:
#بنص الكتاب الكريم فيما يزيد على مئة آيةٍ كريمة، وقد تقدّم بعضها، وجمعها العلامة المجلسي في كتابه البحار <ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۷۴.</ref>.
#بصريح الأحاديث المتواترة التي سيأتي بيان جملة منها، وقد صرح السيّد الشبّر بتواترها في كتابه حق اليقين<ref>حق اليقين، ج۱، ص۲۵.</ref>.
#بضرورة المذهب القائمة على كونه تعالى عالماً، أزلاً وأبداً، بجميع الأشياء كلياتها وجزئيّاتها، من غير تغيّر في علمه، كما صرح به شيخ الإسلام المجلسي في كتابه البحار<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۷.</ref>.
#بالأدلة الاعتبارية العقلية التي توضح علم الله تعالى بالوجوه الثلاثة المقررة التالية:
##إنّه لولم يكن تعالى عالماً بجميع الأشياء لزم الجهل ولوفي البعض، وهونقص بل من أعظم النقائص، والخالق المتعال الذي هوواجب الوجود وكامل الذات ومنزه عن نقص الصفات، يستحيل أن يكون جاهلاً، بل هوعالم بجميع الأشياء بلا جهل فيه أبداً.
##إنّه تعالى منزّه عن الزمان والمكان؛ لأنه خالقها، والخالق مقدَّمٌ على مخلوقاته، والصانع سابقٌ بالنسبة إلى مصنوعاته بالبداهة العقلية، ومن المعلوم أنّ من لا يحيطه الزمان والمكان، بل كان هوالمحيط بالزمان، والموجود في كل مكان، حقّ أن يكون عالماً بجميع الأشياء، محيطاً بجميع الأمور في كل الأزمنة وفي جميع الأمكنة، بل لا معنى لأن يجهل شيئاً يقع في زمان أويحدث في مكان. وبديهيٌّ أنّ الذات المقدّسة موجودة من الأزل إلى الأبد، ومحيطة بكل معدودٍ وعدد، مشرفّة على الكون ومسلّطة على التكوين، فكيف لا تعلم الكائنات، أوتجهل الموجودات أولا تطلع على ما يحدث في الأرضين والسماوات؟!. وطبيعيٌ أنا نجد أنفسنا محدودين بالزمان والمكان، فلا يمكننا الإطلاع على غير مكاننا أومستقبل زماننا، لكنّ الله تعالى ليس بمحدود إطلاقاً، بل له الإحاطة الكاملة والسلطنة الشاملة على جميع الأزمنة والأمكنة المخلوقة له، والحادثة بإرادته ومشيئته، فلا معنى لأن يكون زمان ماضٍ أوحال أومستقبل لخالق الزمان، أويكون له هذا المكان دون ذلك المكان وهوخالق جميعها، بل من الواضح أن يطلع على جميع ما في الأزمنة والأمكنة فهوالعالم بها جميعاً والحاضر الناظر إليها محيطاً. ومُثل للاحاطة بمثال تقريبي للتوضيح، وهومثال الانسان الناظر من شاهق البناء العالي بالنسبة إلى الناظر من رَوزنة الغرفة الصغيرة فالأوّل يرى جميع ما يكون أمامه، بينما الثاني لا يرى إلا ما يمرّ أمام رَوزنته. وكيف لا يعلم الله تعالى جميع الأشياء وقد خلقها وأوجدها؟ هذا من المستحيل. قال الله تعالى: {{نص قرآني|أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}}<ref>سورة الملك: ۱۴.</ref>. وكيف يعقل أن لا يعلم الله تعالى ضمائر الناس، وقد خلق أشخاصهم وأرواحهم وقلوبهم وعقولهم ومنحهم القوّة والقدرة والتفكير والتعبير؟ قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}}<ref>سورة ق: ۱۶.</ref>. فلا يبقى شك بل يحكم العقل بكل قطع، بأنّ هذه الذات الشريفة الخالقة المحيطة ذاتٌ عالمة أحاطت بكل شيء علماً، ووسعت كل شيء خُبراً.
##إنّ النظم والتدبير، والحكمة والتقدير، والدقة المدهشة العجيبة التي نراها في جميع مجالات الكون، وفي جميع خلائق العالم من انسانها وحيوانها وسمائها وأرضها ونباتها وجميع موجوداتها من المجرة إلى الذرة، تُنبئ عن علم خالقها وعلّامية صانعها، وهذه حقيقة يستكشفها كل من تأمّل فيها وتدبَّر في خلقتها، وأعطى من نفسه الحق والإنصاف وحكَّم قضاوة الوجدان الشفّاف...
 
قال الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد: «من الدليل على أن الله تبارك وتعالى عالم أن الأفعال المختلفة التقدير، المتضادَّة التدبير، المتفاوتة الصنعة لا تقع على ما ينبغي أن يكون عليه من الحكمة ممن لا يعلمها، ولا يستمرُّ على منهاج منتظم ممن يجهلها، ألا ترى أنّه لا يصوغ قرطاً<ref>القرط: هوما يعلق في شحمة الأذن من دُرة أوجوهرة مصوغة.</ref> يحكم صنعته ويضع كلاً من دقيقه وجليله موضعه من لا يعرف الصياغة، ولا ينظّم كتابةً يتبع كل حرف منها ما قبله من لا يعلم الكتابة، والعالم ألطف صنعة وأبدع تقريراً ممّا وصفناه، فوقوعه من غير عالم بكيفيّته قبل وجوده أبعد وأشد استحالة»<ref>التوحيد، ص۱۳۷.</ref>.
 
فمن البديهي أن هذا النظام الكوني الدقيق البهيج، لا يمكن أن ينشأ من الجهل أويحدث بالصدفة.
 
بل في جميعها آيات صدق، ودلائل حق تفصح عن علم صانعها، وخبرة بارئها وحكمة فاطرها.
 
وهي تكشف بوضوح أنّ خالقها كان عليماً بأجزائها وجزئياتها، وخبيراً بربطها وارتباطها، وقادراً على صنعها وتركيبها بأحسن شكل وأبدع صورة... وبأجمل المناظر وأزهى المظاهر إلى جانب دقّة الفعل ورقّة العمل.
 
فراجع الوجدان فيما تلاحظ من البراعة العلمية، والدقة الفنية في الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة التي تلاحظها في هذا الكون العظيم.
 
قال الله جلّ جلاله: {{نص قرآني|سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}}<ref>سورة الفصلت: ۵۳.</ref>.
 
وفي الخطبة العلوية الشريفة: {{متن حدیث|دَلِيلُهُ آيَاتُهُ ووُجُودُهُ إِثْبَاتُهُ}}<ref>الاحتجاج للطبرسي، ج۱، ص۲۰۱.</ref>.
 
وفي الحديث الرضوي المبارك: {{متن حدیث|بِصُنْعِ اللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ وبِالْعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ وبِالْفِطْرَةِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ}}<ref>عيون الأخبار، ج۱، ص۱۵۱.</ref>.
 
ويكفيك - بل يغنيك - التدبر فيما أرشد إليه الإمام الناطق، أبوعبدالله الصادق{{ع}}، من آيات الله الزاهرة وعجائب خلقته الباهرة، التي تفيض النور الإيماني وتؤدي إلى القطع الوجداني بعلم الله تعالى وحكمته وقدرته.
 
وذلك في حديث التوحيد الشريف الذي رواه المفضَّل الجعفي كما تلاحظه في البحار<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۵۷-۱۵۱.</ref>، وشرحه للاستاذ الخليلي في أمالي الإمام الصادق{{ع}}، بأجزائها الأربعة، وهذا الحديث بحقٍّ من أعظم أدلة وجود الله وتوحيده وعلمه، وجدير بالإمعان والدراسة، وهذه الأدلة الجليلة تبرهن على هذه الصفة الكماليّة لله تعالى شأنه وجلت قدرته...
 
ونحن نقتطف أزاهير عاطرة من تلك الرياض الزاهرة بالإشارة إلى ما يلي:
#عجائب خلقة الإنسان من حين تكوّنه إلى حين ولادته: {{متن حدیث|نَبْتَدِئُ يَا مُفَضَّلُ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَاعْتَبِرْ بِهِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ وهُومَحْجُوبٌ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ وظُلْمَةِ الرَّحِمِ وظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ<ref>المشيمة: غشاء الجنين الذي يخرج معه عند الولادة.</ref> حَيْثُ لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ فِي طَلَبِ غِذَاءٍ ولَا دَفْعِ أَذًى ولَا اسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ ولَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ مَا يَغْذُوهُ كَمَا يَغْذُوالْمَاءُ النَّبَاتَ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ غِذَاؤَهُ حَتَّى إِذَا كَمَلَ خَلْقُهُ واسْتَحْكَمَ بَدَنُهُ وقَوِيَ أَدِيمُهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْهَوَاءِ وبَصَرُهُ عَلَى مُلَاقَاةِ الضِّيَاءِ هَاجَ الطَّلْقُ بِأُمِّهِ فَأَزْعَجَهُ أَشَدَّ إِزْعَاجٍ وأَعْنَفَهُ حَتَّى يُولَدَ وإِذَا وُلِدَ صَرَفَ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَغْذُوهُ مِنْ دَمِ أُمِّهِ إِلَى ثَدْيَيْهَا فَانْقَلَبَ الطَّعْمُ واللَّوْنُ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْغِذَاءِ وهُوأَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْمَوْلُودِ مِنَ الدَّمِ فَيُوَافِيهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَحِينَ يُولَدُ قَدْ تَلَمَّظَ وحَرَّكَ شَفَتَيْهِ طَلَباً لِلرَّضَاعِ فَهُويَجِدُ ثَدْيَيْ أُمِّهِ كَالْإِدَاوَتَيْنِ الْمُعَلَّقَتَيْنِ<ref>الإداوة بكسر الهمزة: اناء صغير من جلد يُتخذ للماء.</ref> لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَلَا يَزَالُ يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ مَا دَامَ رَطْبَ الْبَدَنِ رَقِيقَ الْأَمْعَاءِ لَيِّنَ الْأَعْضَاءِ حَتَّى إِذَا تَحَرَّكَ واحْتَاجَ إِلَى غِذَاءٍ فِيهِ صَلَابَةٌ لِيَشْتَدَّ ويَقْوَى بَدَنُهُ طَلَعَتْ لَهُ الطَّوَاحِنُ مِنَ الْأَسْنَانِ والْأَضْرَاسِ لِيَمْضَغَ بِهِ الطَّعَامَ فَيَلِينَ عَلَيْهِ ويَسْهُلَ لَهُ إِسَاغَتُهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ وكَانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الذَّكَرِ وعِزَّ الرَّجُلِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حَدِّ الصَّبَا وشِبْهِ النِّسَاءِ وإِنْ كَانَتْ أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيّاً مِنَ الشَّعْرِ لِتَبْقَى لَهَا الْبَهْجَةُ والنَّضَارَةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الرِّجَالَ لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وبَقَاؤُهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۶۲.</ref>.
#عجائب الخلقة في جهاز الصوت والتكلم في الانسان: {{متن حدیث|أَطِلِ الْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّوْتِ والْكَلَامِ وتَهْيِئَةِ آلَاتِهِ فِي الْإِنْسَانِ فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ لِخُرُوجِ الصَّوْتِ واللِّسَانُ والشَّفَتَانِ والْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ الْحُرُوفِ والنَّغْمِ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ السِّينَ ومَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ الْفَاءَ ومَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ الرَّاءَ وأَشْبَهُ شَيْءٍ بِذَلِكَ الْمِزْمَارُ الْأَعْظَمُ فَالْحَنْجَرَةُ يُشْبِهُ قَصَبَةَ الْمِزْمَارِ والرِّئَةُ يُشْبِهُ الزِّقَّ<ref>الزق بكسر الزاء: الجلد النافخ الذي يستعمل في المزمار.</ref> الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِتَدْخُلَ الرِّيحُ والْعَضَلَاتُ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الرِّئَةِ لِيَخْرُجَ الصَّوْتُ كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الزِّقِّ حَتَّى تَجْرِيَ الرِّيحُ فِي الْمِزْمَارِ والشَّفَتَانِ والْأَسْنَانُ الَّتِي تَصُوغُ الصَّوْتَ حُرُوفاً ونَغْماً كَالْأَصَابِعِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِي فَمِ الْمِزْمَارِ فَتَصُوغُ صَفِيرَهُ أَلْحَاناً غَيْرُ أَنَّهُ وإِنْ كَانَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ يُشْبِهُ الْمِزْمَارَ بِالدَّلَالَةِ والتَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمِزْمَارَ بِالْحَقِيقَةِ هُوالْمُشَبَّهُ بِمَخْرَجِ الصَّوْتِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۷۱.</ref>.
#عجيب الصنعة في العين والأجفان والأشفار لحاجة الإنسان: {{متن حدیث|تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ الْجَفْنَ عَلَى الْعَيْنِ كَيْفَ جُعِلَ كَالْغِشَاءِ والْأَشْفَارَ كَالْأَشْرَاجِ<ref>وفي نسخة الأشراح، وهي العُرى.</ref> وأَوْلَجَهَا فِي هَذَا الْغَارِ وأَظَلَّهَا بِالْحِجَابِ ومَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۷۳.</ref>.
#عجائب الصنعة الباطنية في الأنسان: {{متن حدیث|يَا مُفَضَّلُ مَنْ غَيَّبَ الْفُؤَادَ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ وكَسَاهُ الْمِدْرَعَةَ الَّتِي هِيَ غِشَاؤُهُ وحَصَّنَهُ بِالْجَوَانِحِ ومَا عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ والْعَصَبِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَنْكَؤُهُ<ref>إي ما يجرحه ويؤذيه.</ref>؟ مَنْ جَعَلَ فِي الْحَلْقِ مَنْفَذَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَخْرَجِ الصَّوْتِ وهُوالْحُلْقُومُ الْمُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ والْآخَرُ مَنْفَذُ الْغِذَاءِ وهُوالْمَرِيءُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَعِدَةِ الْمُوصِلُ الْغِذَاءِ إِلَيْهَا وجَعَلَ عَلَى الْحُلْقُومِ طَبَقاً يَمْنَعُ الطَّعَامَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرِّئَةِ فَيَقْتُلَ. مَنْ جَعَلَ الرِّئَةَ مِرْوَحَةَ الْفُؤَادِ لَا تَفْتُرُ ولَا تُخِلُّ لِكَيْلَا تَتَحَيَّزَ الْحَرَارَةُ فِي الْفُؤَادِ فَتُؤَدِّيَ إِلَى التَّلَفِ. مَنْ جَعَلَ لِمَنَافِذِ الْبَوْلِ والْغَائِطِ أَشْرَاجاً تَضْبِطُهُمَا لِئَلَّا يَجْرِيَا جَرَيَاناً دَائِماً فَيَفْسُدَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْشُهُ فَكَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا بَلِ الَّذِي لَا يُحْصَى مِنْهُ ولَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَكْثَرُ. مَنْ جَعَلَ الْمَعِدَةَ عَصَبَانِيَّةً شَدِيدَةً وقَدَّرَهَا لِهَضْمِ الطَّعَامِ الْغَلِيظِ ومَنْ جَعَلَ الْكَبِدَ رَقِيقَةً نَاعِمَةً لِقَبُولِ الصَّفْواللَّطِيفِ مِنَ الْغِذَاءِ ولِتَهْضِمَ وتَعْمَلَ مَا هُوأَلْطَفُ مِنْ عَمَلِ الْمَعِدَةِ إِلَّا اللَّهُ الْقَادِرُ؟ أَ تَرَى الْإِهْمَالَ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ كَلَّا بَلْ هُوتَدْبِيرٌ مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَلِيمٍ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهَا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۷۳.</ref>.
#عجائب الخلقة في عظام الإنسان ودمه وأظفار أصابعه وهيأة اُذنه والدقة في خلقه: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ لِمَ صَارَ الْمُخُّ الرَّقِيقُ مُحَصَّناً فِي أَنَابِيبِ الْعِظَامِ هَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِيَحْفَظَهُ ويَصُونَهُ؟ لِمَ صَارَ الدَّمُ السَّائِلُ مَحْصُوراً فِي الْعُرُوقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الظُّرُوفِ إِلَّا لِتَضْبِطَهُ فَلَا يَفِيضَ؟ لِمَ صَارَتِ الْأَظْفَارُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَّا وِقَايَةً لَهَا ومَعُونَةً عَلَى الْعَمَلِ؟ لِمَ صَارَ دَاخِلُ الْأُذُنِ مُلْتَوِياً كَهَيْئَةِ اللَّوْلَبِ<ref>وفي بعض النسخ: اللولب، وهي الآلة ذات محور له دوائر ناتئة.</ref> إِلَّا لِيَطَّرِدَ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمْعِ ولِيَكْسِرَ حُمَّةَ الرِّيحِ فَلَا يَنْكَأَ فِي السَّمْعِ؟ لِمَ حَمَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى فَخِذَيْهِ وأَلْيَتَيْهِ هَذَا اللَّحْمَ إِلَّا لِيَقِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا يَتَأَلَّمُ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا كَمَا يَأْلَمُ مَنْ نَحَلَ جِسْمُهُ وقَلَّ لَحْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الْأَرْضِ حَائِلٌ يَقِيهِ صَلَابَتُهَا...}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۷۴.</ref>.
#حسن التدبير في خلق شعر الإنسان وأظفاره عديمي الحس حتى لا يتأذيان بالقص: {{متن حدیث|تَأَمَّلْ واعْتَبِرْ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الشَّعْرِ والْأَظْفَارِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِمَّا يَطُولُ ويَكْثُرُ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى تَخْفِيفِهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا جُعِلَا عَدِيمَيِ الْحِسِّ لِئَلَّا يُؤْلِمَ الْإِنْسَانَ الْأَخْذُ مِنْهُمَا ولَوكَانَ قَصُّ الشَّعْرِ وتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ مِمَّا يُوجَدُ لَهُ مَسٌّ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَدَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَطُولَ فَيَثْقُلَ عَلَيْهِ وإِمَّا أَنْ يُخَفِّفَهُ بِوَجَعٍ وأَلَمٍ يَتَأَلَّمُ مِنْهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۷۶.</ref>.
#دقة الصنعة في إحساسات الإنسان بجوعه وعطشه وكذا قواه الباطنية من قوة الجذب والدفع: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّعْمِ والنَّوْمِ والْجِمَاعِ ومَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ ويَسْتَحِثُّ بِهِ فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطَّعْمَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ وقِوَامُهُ والْكَرَى<ref>الكرى: النعاس الذي يكون مع فتور الأعصاب وتراخي الأجفان، والإجمام هي الراحة.</ref> تَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وإِجْمَامُ قُوَاهُ والشَّبَقُ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وبَقَاؤُهُ ولَوكَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ ولَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى عَنْهُ أَحْيَاناً بِالتَّثَقُّلِ والْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَّ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِبَدَنِهِ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ والْمَوْتِ وكَذَلِكَ لَوكَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وإِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْمَغُهُ حَتَّى يَنْهَكَ بَدَنَهُ ولَوكَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَويَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ ولَا يَحْفِلُ بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وصَلَاحُهُ مُحَرِّكٌ مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ لِذَلِكَ ويَحْدُوهُ عَلَيْهِ<ref>أي يبعثه ويسوقه إليه.</ref>. واعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةٌ جَاذِبَةٌ تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وتُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وقُوَّةٌ مُمْسِكَةٌ تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وقُوَّةٌ هَاضِمَةٌ وهِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ وتَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وتَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وقُوَّةٌ دَافِعَةٌ تَدْفَعُهُ وتَحْدُرُ الثُّفْلَ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا. تَفَكَّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وأَفْعَالِهَا وتَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا والْإِرْبِ فِيهَا ومَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ والْحِكْمَةِ ولَولَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ ولَولَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ ولَولَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوالَّذِي يَغْذُوالْبَدَنَ ويَسُدُّ خُلَلَهُ ولَولَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ ويَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا؟ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ والْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وسَأُمَثِّلُ لَكَ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ ولَهُ فِيهَا حَشَمٌ وصِبْيَةٌ وقُوَّامٌ<ref>الحشم: هم الخدم والعيال، والقُوّام: جمع القيّم، وهوالمتولي على الشيء.</ref> مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِإِقْضَاءِ حَوَائِجِ الْحَشَمِ وإِيرَادِهَا عَلَيْهِمْ وآخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وخَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ ويُهَيَّأَ وآخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وتَهْيِئَتِهِ وتَفْرِيقِهِ وآخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وإِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ فِي هَذَا هُوالْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ والدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ والْحَشَمُ هِيَ الْأَعْضَاءِ والْقُوَّامُ هِيَ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ ولَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وأَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وُصِفَتْ فَضْلًا وتَزْدَاداً. ولَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ ولَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وتَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وشِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِّ كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الشَّافِي والْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ والْحِكْمَةِ فِيهَا}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۷۸.</ref>.
#قوّة الحفظ والنسيان وهما متضادتان في الجسم لكن ضروريتان للإنسان: {{متن حدیث|تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ ومَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَعْنِي الْفِكْرَ والْوَهْمَ<ref>فُسّر الوهم بالقوة النفسية التي تدرك المعاني غير المحسوسة.</ref> والْعَقْلَ والْحِفْظَ وغَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَونُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ الْحِفْظَ وَحْدَهُ كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وكَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ ومَعَاشِهِ وتَجَارِبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وعَلَيْهِ ومَا أَخَذَهُ ومَا أَعْطَى ومَا رَأَى ومَا سَمِعَ ومَا قَالَ ومَا قِيلَ لَهُ ولَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَ بِهِ ومَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوسَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى ولَا يَحْفَظُ عِلْماً ولَودَرَسَهُ عُمُرَهُ ولَا يَعْتَقِدُ دِيناً ولَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ ولَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ وكَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وأَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَولَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا<ref>سَلا عن الشيء: أي نسيه وذهل عن ذكره وطابت نفسه عنه.</ref> أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ ولَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ ولَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ ولَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ ولَا رَجَا غَفْلَةً مِنْ سُلْطَانٍ ولَا فَتْرَةً مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ والنِّسْيَانُ وهُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ وجُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ومَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايَنَةِ وقَدْ تَرَاهَا تَجْتَمِعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ والْمَنْفَعَةُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۸۰.</ref>.
#حكمة فضيلة علم الإنسان وفِي مقابله جهله بمقدار عمره، وإلّا لم يكن يتهنّا بالعيش أويستقر له قرار: {{متن حدیث|تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوعَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وكَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وتَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ<ref>في نسخة البحار هنا زيادة يكون.</ref> يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوقَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ والْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وخَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنَ إِلَى ذَلِكَ ومَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ. وإِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وانْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ والْمَعَاصِي وعَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ ولَا يَقْبَلُهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۸۳.</ref>.
#عجيب الحكمة في عدم تشابه الناس بعضهم ببعض لأنّهم يحتاجون إلى الإمتياز وحفظ الأنساب بخلاف الوحوش والطير، فإنها لم تحتج إلى ذلك فجعلت متشابهه، مع عجائب اُخرى في التدبير: {{متن حدیث|اعْتَبِرْ لِمَ لَا يَتَشَابَهُ النَّاسُ وَاحِدٌ بِآخَرَ كَمَا يَتَشَابَهُ الْوُحُوشُ والطَّيْرُ وغَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى السِّرْبَ مِنَ الظِّبَاءِ والْقَطَا<ref>السِّرب بكسر السين هو: القطيع والمجموعة، والقطا واحده القطاة: ضرب من الحمام ذي طوق معروف، والظباء جمع ظبية وهي: أنثى الغزال.</ref> تَتَشَابَهُ حَتَّى لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهَا وبَيْنَ الْأُخْرَى وتَرَى النَّاسَ مُخْتَلِفَةً صُوَرُهُمْ وخَلْقُهُمْ حَتَّى لَا يَكَادَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَجْتَمِعَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ والْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَتَعَارَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ وحُلَاهُمْ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ ولَيْسَ يَجْرِي بَيْنَ الْبَهَائِمِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ وحِلْيَتِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الطَّيْرِ والْوَحْشِ لَا يَضُرُّهُمَا شَيْئاً ولَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَشَابَهَ التَوْأَمَانِ تَشَابُهاً شَدِيداً فَتَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلَتِهِمَا حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ويُؤْخَذُ أَحَدُهُمَا بِذَنْبِ الْآخَرِ وقَدْ يُحْدَثُ مِثْلُ هَذَا فِي تَشَابُهِ الْأَشْيَاءِ فَضْلًا عَنْ تَشَابُهِ الصُّورَةِ فَمَنْ لَطُفَ لِعِبَادِهِ بِهَذِهِ الدَّقَائِقِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَخْطُرُ بِالْبَالِ حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى الصَّوَابِ إِلَّا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لَورَأَيْتَ تِمْثَالَ الْإِنْسَانِ مُصَوَّراً عَلَى حَائِطٍ فَقَالَ لَكَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا ظَهَرَ هَاهُنَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لَمْ يَصْنَعْهُ صَانِعٌ أَ كُنْتَ تَقْبَلُ ذَلِكَ بَلْ كُنْتَ تَسْتَهْزِئُ بِهِ فَكَيْفَ تُنْكِرُ هَذَا فِي تِمْثَالٍ مُصَوَّرٍ جَمَادٍ ولَا تُنْكِرُ فِي الْإِنْسَانِ الْحَيِّ النَّاطِقِ لِمَ صَارَتْ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وهِيَ تَغْتَذِي أَبَداً لَا تَنْمِي بَلْ تَنْتَهِي إِلَى غَايَةٍ مِنَ النُّمُوثُمَّ تَقِفُ ولَا تَتَجَاوَزُهَا لَولَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ أَبْدَانُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ فِي الْكَبِيرِ والصَّغِيرِ وصَارَتْ تَنْمِي حَتَّى تَصِلَ إِلَى غَايَتِهَا ثُمَّ يَقِفُ ثُمَّ لَا يَزِيدُ والْغِذَاءُ مَعَ ذَلِكَ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ ولَوكَانَتْ تَنْمِي نُمُوّاً دَائِماً لَعَظُمَتْ أَبْدَانُهَا واشْتَبَهَتْ مَقَادِيرُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ لِشَيْءٍ مِنْهَا حَدٌّ يُعْرَفُ لِمَ صَارَتْ أَجْسَامُ الْإِنْسِ خَاصَّةً تُثْقِلُ عَنِ الْحَرَكَةِ والْمَشْيِ<ref>أي المشي الكثير والحركة المجهدة.</ref> ويَجْفُوعَنِ الصِّنَاعَاتِ اللَّطِيفَةِ<ref>أي الدقيقة المُتعبة... فهذا مما يدعوإلى المساعدة والمعاضدة بين أفراد الإنسان.</ref> إِلَّا لِتَعْظِيمِ الْمَئُونَةِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِلْمَلْبَسِ والْمَضْجَعِ والتَّكْفِينِ وغَيْرِ ذَلِكَ. لَوكَانَ الْإِنْسَانُ لَا يُصِيبُهُ أَلَمٌ ولَا وَجَعٌ بِمَ كَانَ يَرْتَدِعُ عَنِ الْفَوَاحِشِ ويَتَوَاضَعُ لِلَّهِ ويَتَعَطَّفُ عَلَى النَّاسِ أَ مَا تَرَى الْإِنْسَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ وَجَعٌ خَضَعَ واسْتَكَانَ ورَغِبَ إِلَى رَبِّهِ فِي الْعَافِيَةِ وبَسَطَ يَدَيْهِ بِالصَّدَقَةِ ولَوكَانَ لَا يَأْلَمُ مِنَ الضَّرْبِ بِمَ كَانَ السُّلْطَانُ يُعَاقِبُ الدُّعَّارَ<ref>الدعار: جمع داعر وهوالشخص الخبيث.</ref> ويُذِلُّ الْعُصَاةَ الْمَرَدَةَ وبِمَ كَانَ الصِّبْيَانُ يَتَعَلَّمُونَ الْعُلُومَ والصِّنَاعَاتِ وبِمَ كَانَ الْعَبِيدُ يَذِلُّونَ لِأَرْبَابِهِمْ ويُذْعِنُونَ لِطَاعَتِهِمْ أَ فَلَيْسَ هَذَا تَوْبِيخٌ لِابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ وذَوِيِّهِ الَّذِينَ جَحَدُوا التَّدْبِيرَ والْمَانَوِيَّةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْأَلَمَ والْوَجَعَ لَولَمْ يُولَدْ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا ذَكَرٌ فَقَطْ أَوإِنَاثٌ فَقَطْ أَ لَمْ يَكُنِ النَّسْلُ مُنْقَطِعاً وبَادَ مَعَ ذَلِكَ أَجْنَاسُ الْحَيَوَانِ فَصَارَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ يَأْتِي ذُكُوراً وبَعْضُهَا يَأْتِي إِنَاثاً لِيَدُومَ التَّنَاسُلُ ولَا يَنْقَطِعُ. لِمَ صَارَ الرَّجُلُ والْمَرْأَةُ إِذَا أَدْرَكَا نَبَتَتْ لَهُمَا الْعَانَةُ ثُمَّ نَبَتَتِ اللِّحْيَةُ لِلرَّجُلِ وتَخَلَّفَتْ عَنِ الْمَرْأَةِ لَولَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى الرَّجُلَ قَيِّماً ورَقِيباً عَلَى الْمَرْأَةِ وجَعَلَ الْمَرْأَةَ عِرْساً وخَوَلًا لِلرَّجُلِ<ref>يقال: خوّله الله تعالى نعمةً أي أعطاه.</ref> أَعْطَى الرَّجُلَ اللِّحْيَةَ لِمَا لَهُ مِنَ الْعِزَّةِ والْجَلَالَةِ والْهَيْبَةِ ومَنَعَهَا الْمَرْأَةَ لِتَبْقَى لَهَا نِظَارَةُ الْوَجْهِ والْبَهْجَةُ الَّتِي تُشَاكِلُ الْمُفَاكَهَةَ والْمُضَاجَعَةَ أَ فَلَا تَرَى الْخِلْقَةَ كَيْفَ يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي الْأَشْيَاءِ وتَتَخَلَّلُ مَوَاضِعَ الْخَطَإِ فَتُعْطَى وتَمْنَعُ عَلَى قَدْرِ الْإِرْبِ والْمَصْلَحَةِ بِتَدْبِيرِ الْحَكِيمِ عَزَّ وجَلَّ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۸۷.</ref>.
#عجائب الحكمة في خلقة الحيوانات، وتربيتها منذ ولادتها وانفقاس البيضة عنها إلى أحيان تربيتها وتغذيتها إلى أن تكمل: {{متن حدیث|انْظُرِ الْآنَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَيْفَ تَرَاهَا تَتْبَعُ أُمَّاتِهَا<ref>اُمّات جمع أم، قيل: إنها تستعمل في البهائم وأما في الناس فهي أمهات.</ref> مُسْتَقِلَّةً بِأَنْفُسِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحَمْلِ والتَّرْبِيَةِ كَمَا تَحْتَاجُ أَوْلَادُ الْإِنْسِ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أُمَّهَاتِهَا مَا عِنْدَ أُمَّهَاتِ الْبَشَرِ مِنَ الرِّفْقِ والْعِلْمِ بِالتَّرْبِيَةِ والْقُوَّةِ عَلَيْهَا بِالْأَكُفِّ والْأَصَابِعِ الْمُهَيَّأَةِ لِذَلِكَ أُعْطِيَتِ النُّهُوضَ والِاسْتِقْلَالَ بِأَنْفُسِهَا وكَذَلِكَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الطَّيْرِ كَمِثْلِ الدَّجَاجِ والدُّرَّاجِ<ref>الدُرّاج بضم الدال وتشديد الراء: ضرب من الطير، أرقط بسواد وبياض أوانقط.</ref> والْقَبْجِ<ref>القَبّج بفتح القاف وسكون الباء وقيل: بفتحهما وهو: الحجل أونوع منه، معرّب (كبك).</ref> تَدْرُجُ وتَلْقُطُ حِينَ يَنْقَابُ عَنْهَا الْبَيْضُ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفاً لَا نُهُوضَ فِيهِ كَمِثْلِ فِرَاخِ الْحَمَامِ والْيَمَامِ والْحُمَّرِ فَقَدْ جُعِلَ فِي الْأُمَّهَاتِ فَضْلُ عَطْفٍ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تَمُجُّ الطَّعَامَ فِي أَفْوَاهِهَا بَعْدَ مَا تُوعِيهِ حَوَاصِلُهَا فَلَا تَزَالُ تَغْذُوهَا حَتَّى تَسْتَقِلَّ بِأَنْفُسِهَا ولِذَلِكَ لَمْ تُرْزَقِ الْحَمَامُ فِرَاخاً كَثِيرَةً مِثْلَ مَا تُرْزَقُ الدَّجَاجُ لِتَقْوَى الْأُمُّ عَلَى تَرْبِيَةِ فِرَاخِهَا فَلَا تَفْسُدَ ولَا تَمُوتَ فَكُلٌّ أُعْطِيَ بِقِسْطٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۹۷.</ref>.
#حكمة التدبير في خلق الحيوانات التي تحمل وتسخّر كالحمار والثور والفرس والإبل والغنم ونحوذلك. ثم حالة العطوفة التي جُعلت لمحافظتها وحراستها في الكلب: {{متن حدیث|أَ مَا تَرَى الْحِمَارَ كَيْفَ يَذِلُّ لِلطَّحْنِ والْحَمُولَةِ وهُويَرَى الْفَرَسَ مُودَعاً مُنَعَّماً والْبَعِيرَ لَا يُطِيقُهُ عِدَّةُ رِجَالٍ لَواسْتَعْصَى كَيْفَ كَانَ يَنْقَادُ لِلصَّبِيِّ والثَّوْرَ الشَّدِيدَ كَيْفَ كَانَ يُذْعِنُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَضَعَ النِّيرَ<ref>النير بكسر النون هي: الخشبة المعترضة في عنق الثورين باداة الحرث.</ref> عَلَى عُنُقِهِ ويَحْرِثَ بِهِ والْفَرَسَ الْكَرِيمَ يَرْكَبُ السُّيُوفَ والْأَسِنَّةَ بِالْمُؤَاتَاةِ لِفَارِسِهِ والْقَطِيعَ مِنَ الْغَنَمِ يَرْعَاهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ ولَوتَفَرَّقَتِ الْغَنَمُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نَاحِيَةٍ لَمْ يَلْحَقْهَا وكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ مُسَخَّرَةٌ لِلْإِنْسَانِ فَبِمَ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنَّهَا عُدِمَتِ الْعَقْلَ والرَّوِيَّةَ فَإِنَّهَا لَوكَانَتْ تَعْقِلُ وتُرَوِّي فِي الْأُمُورِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَلْتَوِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ الْجَمَلُ عَلَى قَائِدِهِ والثَّوْرُ عَلَى صَاحِبِهِ وتَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ عَنْ رَاعِيهَا وأَشْبَاهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ وكَذَلِكَ هَذِهِ السِّبَاعُ لَوكَانَتْ ذَاتَ عَقْلٍ ورَوِيَّةٍ فَتَوَازَرَتْ عَلَى النَّاسِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَجْتَاحَهُمْ<ref>أي تستأصلهم وتهلكهم.</ref> فَمَنْ كَانَ يَقُومُ لِلْأُسْدِ والذِّئَابِ والنُّمُورَةِ والدِّبَبَةِ لَوتَعَاوَنَتْ وتَظَاهَرَتْ عَلَى النَّاسِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ حُجِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وصَارَتْ مَكَانَ مَا كَانَ يُخَافُ مِنْ إِقْدَامِهَا ونِكَايَتِهَا تَهَابُ مَسَاكِنَ النَّاسِ وتُحْجِمُ عَنْهَا ثُمَّ لَا تَظْهُرُ ولَا تَنْشُرُ لِطَلَبِ قُوتِهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ؟ فَهِيَ مَعَ صَوْلَتِهَا كَالْخَائِفِ لِلْإِنْسِ بَلْ مَقْمُوعَةٍ مَمْنُوعَةٍ مِنْهُمْ ولَولَا ذَلِكَ لَسَاوَرَتْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وضَيَّعَتْ عَلَيْهِمْ<ref>في نسخة: وضيّقت عليهم.</ref>. ثُمَّ جُعِلَ فِي الْكَلْبِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ السِّبَاعِ عَطْفٌ عَلَى مَالِكِهِ ومُحَامَاةٌ عَنْهُ وحِفَاظٌ لَهُ فَهُويَنْتَقِلُ عَلَى الْحِيطَانِ والسُّطُوحِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِحِرَاسَةِ مَنْزِلِ صَاحِبِهِ وذَبِّ الدَّغَّارِ عَنْهُ<ref>الدغار بتخفيف الغين هو: الاختلاس، وفي بعض النسخ: الذعار.</ref> ويَبْلُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ دُونَهُ ودُونَ مَاشِيَتِهِ ومَالِهِ ويَأْلَفُهُ غَايَةَ الْإِلْفِ حَتَّى يَصْبِرَ مَعَهُ عَلَى الْجُوعِ والْجَفْوَةِ فَلِمَ طُبِعَ الْكَلْبُ عَلَى هَذَا الْإِلْفِ إِلَّا لِيَكُونَ حَارِساً لِلْإِنْسَانِ لَهُ عَيْنٌ بِأَنْيَابٍ ومَخَالِبَ ونُبَاحٌ هَائِلٌ لِيُذْعَرَ مِنْهُ السَّارِقُ ويَتَجَنَّبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحْمِيهَا ويَخْفِرُهَا}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۹۴.</ref>.
#التدبير اللطيف في خلق الفيل وتناوله بمشفره وخرطومه، حيث لم يتمكن من الوصول إلى الطعام برأسه: {{متن حدیث|تَأَمَّلْ مِشْفَرَ الْفِيلِ ومَا فِيهِ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ فِي تَنَاوُلِ الْعَلَفِ والْمَاءِ وازْدِرَادِهِمَا إِلَى جَوْفِهِ ولَولَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَمُدُّهَا كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ فَلَمَّا عَدِمَ الْعُنُقَ أُعِينَ مَكَانَ ذَلِكَ بِالْخُرْطُومِ الطَّوِيلِ لِيَسْدُلَهُ فَيَتَنَاوَلَ بِهِ حَاجَتَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي عَوَّضَهُ مَكَانَ الْعُضْوالَّذِي عَدِمَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَّا الرَّءُوفُ بِخَلْقِهِ وكَيْفَ يَكُونُ هَذَا بِالْإِهْمَالِ كَمَا قَالَتِ الظَّلَمَةُ؟}}<ref>المشفر بكسر الميم هي شفة الحيوان، وفي الفيل هوالخرطوم.</ref>.
#الفطرة العجيبة في الوحوش والسباع في دفن موتاها وستر جيفها: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ وإِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَذِهِ الْوُحُوشِ والسِّبَاعِ وغَيْرِهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ ولَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْفَى لِقِلَّتِهَا بَلْ لَوقَالَ قَائِلٌ إِنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تَرَاهُ فِي الصَّحَارِي والْجِبَالِ مِنْ أَسْرَابِ الظِّبَاءِ والْمَهَا<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۹۶.</ref> والْحَمِيرِ والْوُعُولِ<ref>المها جمع مهاة، وهي: البقرة الوحشية.</ref> والْأَيَائِلِ<ref>الوعول جمع وعل، وهو: المعز الجبلي.</ref> وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ وأَصْنَافِ السِّبَاعِ مِنَ الْأُسْدِ والضِّبَاعِ والذِّئَابِ والنُّمُورِ وغَيْرِهَا وضُرُوبِ الْهَوَامِّ والْحَشَرَاتِ ودَوَابِّ الْأَرْضِ وكَذَلِكَ أَسْرَابُ الطَّيْرِ مِنَ الْغِرْبَانِ والْقَطَا والْإِوَزِّ والْكَرَاكِي<ref>الأيائل جمع أيّل، نوع من الوعول يمتاز بقرون متشعبة يسمى بالفارسية: گوَزن.</ref> والْحَمَامِ وسِبَاعِ الطَّيْرِ جَمِيعاً وكُلُّهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ يَصِيدُهُ قَانِصٌ أَويَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا ولَولَا ذَلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّى تَفْسُدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ ويُحْدَثُ الْأَمْرَاضُ والْوَبَاءُ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ وعَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وادِّكَاراً فِي الْبَهَائِمِ وغَيْرِهَا لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا يُحْدَثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ والْفَسَادِ}}<ref>الكراكي جمع كركي بضم الكاف الأولى: طائر كبير أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، يأوي إلى الماء.</ref>.
#عجيب التفكير والتدبير في الحيوانات كالغزال الذي يأكل الحيّات ولا يشرب الماء حتى ينتشر السمّ في بدنه، وكذلك الدلفين يحتال لصيد الطير والثعلب يدبر غذاءه في صيده: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْفَطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ والْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ لِئَلَّا يَخْلُومِنْ نِعَمِهِ جَلَّ وعَزَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ ورَوِيَّةٍ فَإِنَّ الْأُيَّلَ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ فَيَعْطَشُ عَطَشاً شَدِيداً فَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَدِبَّ السَّمُّ فِي جِسْمِهِ فَيَقْتُلَهُ ويَقِفُ عَلَى الْغَدِيرِ وهُومَجْهُودٌ عَطَشاً فَيَعِجُّ عَجِيجاً عَالِياً ولَا يَشْرَبُ مِنْهُ ولَوشَرِبَ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَانْظُرْ إِلَى مَا جُعِلَ مِنْ طِبَاعِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الظَّمَاءِ الْغَالِبِ خَوْفاً مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الشُّرْبِ وذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ يَضْبِطُهُ مِنْ نَفْسِهِ. والثَّعْلَبَ إِذَا أَعْوَزَهُ الطُّعْمُ تَمَاوَتَ ونَفَخَ بَطْنَهُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الطَّيْرُ مَيِّتاً فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِتَنْهَشَهُ وَثَبَ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا فَمَنْ أَعَانَ الثَّعْلَبَ الْعَدِيمَ النُّطْقِ والرَّوِيَّةِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَوْجِيهِ الرِّزْقِ لَهُ مِنْ هَذَا وشِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّعْلَبُ يَضْعُفُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَقْوَى عَلَيْهِ السِّبَاعُ مِنْ مُسَاوَرَةِ الصَّيْدِ أُعِينَ بِالدَّهَاءِ والْفِطْنَةِ والِاحْتِيَالِ لِمَعَاشِهِ. والدُّلْفِينَ<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۹۹.</ref> يَلْتَمِسُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَيَكُونُ حِيلَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ السَّمَكَ فَيَقْتُلَهُ ويَشْرَحَهُ حَتَّى يَطْفُوعَلَى الْمَاءِ يَكْمُنُ تَحْتَهُ ويُثَوِّرُ الْمَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ شَخْصُهُ فَإِذَا وَقَعَ الطَّيْرُ عَلَى السَّمَكِ الطَّافِي وَثَبَ إِلَيْهَا فَاصْطَادَهَا فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ كَيْفَ جُعِلَتْ طَبْعاً فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لِبَعْضِ الْمَصْلَحَةِ؟}}<ref>الدُلفين بضم الدال وسكون اللام: من الحيتان البحرية الكبيرة تسمى في العربية الدخس.</ref>.
#دقيق الصنع في الطائر بجعل خلقته خفيفةً مساعدة على الطيران مع إحكام في بدنه وريشه ومآكله: {{متن حدیث|تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ جِسْمَ الطَّائِرِ وخِلْقَتَهُ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طَائِراً فِي الْجَوخُفِّفَ جِسْمُهُ وأُدْمِجَ خَلْقُهُ فَاقْتَصَرَ بِهِ مِنَ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ عَلَى اثْنَتَيْنِ ومِنَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ عَلَى أَرْبَعٍ ومِنْ مَنْفَذَيْنِ لِلزِّبْلِ والْبَوْلِ عَلَى وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَا ثُمَّ خُلِقَ ذَا جُؤْجُؤٍ<ref>الجؤجؤ من الطائر هو: الصدر، والجمع جآجئ.</ref> مُحَدَّدٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرِقَ الْهَوَاءَ كَيْفَ مَا أَخَذَ فِيهِ كَمَا جُعِلَ السَّفِينَةُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِتَشُقَّ الْمَاءَ وتَنْفُذَ فِيهِ وجُعِلَ فِي جَنَاحَيْهِ وذَنَبِهِ رِيشَاتٌ طِوَالٌ مِتَانٌ لِيَنْهَضَ بِهَا لِلطَّيَرَانِ وكُسِيَ كُلُّهُ الرِّيشَ لِيُدَاخِلَهُ الْهَوَاءُ فَيُقِلَّهُ<ref>أي يحمله ويرفعه.</ref> ولَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهُ الْحَبَّ واللَّحْمَ يَبْلَعُهُ بَلْعاً بِلَا مَضْغٍ نُقِصَ مِنْ خَلْقِهِ الْأَسْنَانُ وخُلِقَ لَهُ مِنْقَارٌ صُلْبٌ جَاسٍ<ref>الجاسي هو: الصلب، وعدم الانسجاح هو: عدم الليونة، ولا يتقصّف، أي لا ينكسر.</ref> يَتَنَاوَلُ بِهِ طُعْمَهُ فَلَا ينسجح [يَنْسَحِجُ] مِنْ لَقْطِ الْحَبِّ ولَا يَتَقَصَّفُ مِنْ نَهْشِ اللَّحْمِ ولَمَّا عَدِمَ الْأَسْنَانَ وصَارَ يَزْدَرِدُ الْحَبَّ صَحِيحاً واللَّحْمَ غَرِيضاً<ref>الغريض هو: الطريّ.</ref> أُعِينَ بِفَضْلِ حَرَارَةٍ فِي الْجَوْفِ تَطْحَنُ لَهُ الطُّعْمَ طَحْناً يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الْمَضْغِ واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَجَمَ الْعِنَبِ<ref>عُجم العنب هو: نواه الصغير.</ref> وغَيْرِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِ الْإِنْسِ صَحِيحاً ويُطْحَنُ فِي أَجْوَافِ الطَّيْرِ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ ثُمَّ جُعِلَ مِمَّا يَبِيضُ بَيْضاً ولَا يَلِدُ وِلَادَةً لِكَيْلَا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرَانِ فَإِنَّهُ لَوكَانَتِ الْفِرَاخُ فِي جَوْفِهِ تَمْكُثُ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ لَأَثْقَلَتْهُ وعَاقَتْهُ عَنِ النُّهُوضِ والطَّيَرَانِ فَجُعِلَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ مُشَاكِلًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ صَارَ الطَّائِرُ السَّائِحُ فِي هَذَا الْجَويَقْعُدُ عَلَى بَيْضِهِ فَيَحْضُنُهُ أُسْبُوعاً وبَعْضُهَا أُسْبُوعَيْنِ وبَعْضُهَا ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ حَتَّى يَخْرُجَ الْفَرْخُ مِنَ الْبَيْضَةِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَزُقُّهُ الرِّيحَ لِتَتَّسِعَ حَوْصَلَتُهُ لِلْغِذَاءِ ثُمَّ يُرَبِّيهِ ويُغَذِّيهِ بِمَا يَعِيشُ بِهِ فَمَنْ كَلَّفَهُ أَنْ يَلْقُطَ الطُّعْمَ ويَسْتَخْرِجَهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي حَوْصَلَتِهِ ويَغْذُوبِهِ فِرَاخَهُ ولِأَيِّ مَعْنًى يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَشَقَّةَ ولَيْسَ بِذِي رَوِيَّةٍ ولَا تَفَكُّرٍ ولَا يَأْمُلُ فِي فِرَاخِهِ مَا يَأْمُلُ الْإِنْسَانُ فِي وَلَدِهِ مِنَ الْعِزِّ والرَّفْدِ<ref>الرفد بكسر الراء هي: المعونة والعطاء.</ref> وبَقَاءِ الذِّكْرِ؟ فَهَذَا هُوفِعْلٌ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى فِرَاخِهِ لِعِلَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا ولَا يُفَكِّرُ فِيهَا وهِيَ دَوَامُ النَّسْلِ وبَقَاؤُهُ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ. انْظُرْ إِلَى الدَّجَاجَةِ كَيْفَ تُهَيَّجُ لِحِضْنِ الْبَيْضِ والتَّفْرِيخِ ولَيْسَ لَهَا بَيْضٌ مُجْتَمَعٌ ولَا وَكْرٌ<ref>الوكر بفتح الواوهو: عش الطائر.</ref> مُوَطَّأٌ بَلْ تَنْبَعِثُ وتَنْتَفِخُ وتُقَوْقِي<ref>أي تصيح.</ref> وتَمْتَنِعُ مِنَ الطُّعْمِ حَتَّى يُجْمَعَ لَهَا الْبَيْضُ فَتَحْضُنُهُ وتُفْرِخُ فَلِمَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا لِإِقَامَةِ النَّسْلِ ومَنْ أَخَذَهَا بِإِقَامَةِ النَّسْلِ ولَا رَوِيَّةَ ولَا تَفَكُّرَ لَولَا أَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ؟. اعْتَبِرْ بِخَلْقِ الْبَيْضَةِ ومَا فِيهَا مِنَ الْمُحِّ الْأَصْفَرِ الْخَاثِرِ<ref>المُحّ بضم الميم هي: صُفرة البيض، والخاثر هو: الثخين.</ref> والْمَاءِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ فَبَعْضُهُ لِيَنْتَشِرَ مِنْهُ الْفَرْخُ وبَعْضُهُ لِيُغَذَّى بِهِ<ref>في نسخة: ليغتذي به.</ref>، إِلَى أَنْ تَنْقَابَ عَنْهُ الْبَيْضَةُ ومَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ لَوكَانَ نُشُوءُ الْفَرْخِ فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْصَنَةِ الَّتِي لَا مَسَاغَ لِشَيْءٍ إِلَيْهَا لَجُعِلَ مَعَهُ فِي جَوْفِهَا مِنَ الْغِذَاءِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهَا كَمَنْ يُحْبَسُ فِي حَبْسٍ حَصِينٍ لَا يُوصَلُ إِلَى مَنْ فِيهِ فَيُجْعَلُ مَعَهُ مِنَ الْقُوتِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهُ. فَكِّرْ فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ ومَا قُدِّرَ لَهُ فَإِنَّ مَسْلَكَ الطُّعْمِ إِلَى الْقَانِصَةِ<ref>القانصة للطير كالمعدة للإنسان.</ref> ضَيِّقٌ لَا يَنْفُذُ فِيهِ الطَّعَامُ إِلَّا قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَوكَانَ الطَّائِرُ لَا يَلْقُطُ حَبَّةً ثَانِيَةً حَتَّى تَصِلَ الْأُولَى إِلَى الْقَانِصَةِ لَطَالَ عَلَيْهِ ومَتَى كَانَ يَسْتَوْفِي طُعْمَهُ فَإِنَّمَا يَخْتَلِسُهُ اخْتِلَاساً لِشِدَّةِ الْحَذَرِ فَجُعِلَتِ الْحَوْصَلَةُ كَالْمِخْلَاةِ الْمُعَلَّقَةِ أَمَامَهُ لِيُوعِيَ فِيهَا مَا أَدْرَكَ مِنَ الطُّعْمِ بِسُرْعَةٍ ثُمَّ تُنْفِذُهُ إِلَى الْقَانِصَةِ عَلَى مَهْلٍ وفِي الْحَوْصَلَةِ أَيْضاً خَلَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ مِنَ الطَّائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَزُقَّ فِرَاخَهُ فَيَكُونُ رَدُّهُ لِلطُّعْمِ مِنْ قُرْبٍ أَسْهَلَ عَلَيْهِ. وتَأَمَّلْ رِيشَ الطَّيْرِ كَيْفَ هُوَ؟ فَإِنَّكَ تَرَاهُ مَنْسُوجاً كَنَسْجِ الثَّوْبِ مِنْ سُلُوكٍ<ref>سلوك جمع سلك وهو: الخيط.</ref> دِقَاقٍ قَدْ أُلِّفَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَتَأْلِيفِ الْخَيْطِ إِلَى الْخَيْطِ والشَّعْرَةِ إِلَى الشَّعْرَةِ ثُمَّ تَرَى ذَلِكَ النَّسْجَ إِذَا مَدَدْتَهُ يَنْفَتِحُ قَلِيلًا ولَا يَنْشَقُّ لِتُدَاخِلَهُ الرِّيحُ فَيَقِلَّ الطَّائِرُ إِذَا طَارَ وتَرَى فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ عَمُوداً غَلِيظاً مَتِيناً قَدْ نُسِجَ عَلَيْهِ الَّذِي هُومِثْلُ الشَّعْرِ لِيُمْسِكَهُ بِصَلَابَتِهِ وهُوالْقَصَبَةُ الَّتِي هُوفِي وَسَطِ الرِّيشَةِ وهُومَعَ ذَلِكَ أَجْوَفُ لِيَخِفَّ عَلَى الطَّائِرِ ولَا يَعُوقَهُ عَنِ الطَّيَرَانِ. هَلْ رَأَيْتَ يَا مُفَضَّلُ! هَذَا الطَّائِرَ الطَّوِيلَ السَّاقَيْنِ<ref>تنطبق هذه الأوصاف على الطائر المائي المعروف بالأنيس.</ref> وعَرَفْتَ مَا لَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي طُولِ سَاقَيْهِ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ الْمَاءِ فَتَرَاهُ بِسَاقَيْنِ طَوِيلَيْنِ كَأَنَّهُ رَبِيئَةٌ<ref>الربيئة: العين التي ترقب.</ref> فَوْقَ مَرْقَبٍ وهُويَتَأَمَّلُ مَا يَدِبُّ فِي الْمَاءِ فَإِذَا رَأَى شَيْئاً مِمَّا يَتَقَوَّتُ بِهِ خَطَا خُطُوَاتٍ رَقِيقاً حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ ولَوكَانَ قَصِيرَ السَّاقَيْنِ وكَانَ يَخْطُونَحْوالصَّيْدِ لِيَأْخُذَهُ يُصِيبُ بَطْنُهُ الْمَاءَ فَيَثُورُ ويُذْعَرُ مِنْهُ فَيَتَفَرَّقُ عَنْهُ فَخُلِقَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمُودَانِ لِيُدْرِكَ بِهِمَا حَاجَتَهُ ولَا يَفْسُدَ عَلَيْهِ مَطْلَبُهُ. تَأَمَّلْ ضُرُوبَ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الطَّائِرِ فَإِنَّكَ تَجِدُ كُلَّ طَائِرٍ طَوِيلِ السَّاقَيْنِ طَوِيلَ الْعُنُقِ وذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِ طُعْمِهِ مِنَ الْأَرْضِ ولَوكَانَ طَوِيلَ السَّاقَيْنِ قَصِيرَ الْعُنُقِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ ورُبَّمَا أُعِينَ مَعَ طُولِ الْعُنُقِ بِطُولِ الْمَنَاقِيرِ لِيَزْدَادَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ سُهُولَةً لَهُ وإِمْكَاناً أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تُفَتِّشُ شَيْئاً مِنَ الْخِلْقَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ والْحِكْمَةِ. انْظُرْ إِلَى الْعَصَافِيرِ كَيْفَ تَطْلُبُ أُكُلَهَا بِالنَّهَارِ؟ فَهِيَ لَا تَفْقِدُهُ ولَا هِيَ تَجِدُهُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً بَلْ تَنَالُهُ بِالْحَرَكَةِ والطَّلَبِ وكَذَلِكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ الرِّزْقَ كَيْفَ قَوَّتَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إِذْ جَعَلَ لِلْخَلْقِ حَاجَةً إِلَيْهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَبْذُولًا ويُنَالُ بِالْهُوَيْنَا<ref>الهوينا: الرفق والتؤدة.</ref> إِذْ كَانَ لَا صَلَاحَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوكَانَ يُوجَدُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً كَانَتِ الْبَهَائِمُ تَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ ولَا تَنْقَلِعُ حَتَّى تَبْشَمَ<ref>البشم: الاتخام من الطعام.</ref> فَتَهْلِكَ وكَانَ النَّاسُ أَيْضاً يَصِيرُونَ بِالْفَرَاغِ إِلَى غَايَةِ الْأَشَرِ والْبَطَرِ حَتَّى يَكْثُرَ الْفَسَادُ ويَظْهَرَ الْفَوَاحِشُ. أَ عَلِمْتَ مَا طُعْمُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ كَمِثْلِ الْبُومِ والْهَامِ<ref>الهام جمع هامة: نوع من البوم الصغير.</ref> والْخُفَّاشِ؟ قُلْتُ لَا يَا مَوْلَايَ. قَالَ إِنَّ مَعَاشَهَا مِنْ ضُرُوبٍ تَنْتَشِرُ فِي هَذَا الْجَومِنَ الْبَعُوضِ والْفَرَاشِ وأَشْبَاهِ الْجَرَادِ والْيَعَاسِيبِ<ref>اليعاسيب جمع يعسوب، هو: ذكر النحل وأميرها.</ref> وذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مَبْثُوثَةٌ فِي الْجَولَا يَخْلُومِنْهَا مَوْضِعٌ. واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ إِذَا وَضَعْتَ سِرَاجاً بِاللَّيْلِ فِي سَطْحٍ أَوعَرْصَةِ دَارٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ كَثِيرٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنَ الْقُرْبِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ يَأْتِي مِنَ الصَّحَارِي والْبَرَارِي. قِيلَ لَهُ كَيْفَ يُوَافِي تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ؟ وكَيْفَ يُبْصِرُ مِنْ ذَلِكَ الْبُعْدِ سِرَاجاً فِي دَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِالدُّورِ فَيَقْصِدُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ عِيَاناً تَتَهَافَتُ عَلَى السِّرَاجِ مِنْ قُرْبٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجَوفَهَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الطَّيْرِ تَلْتَمِسُهَا إِذَا خَرَجَتْ فَتَتَقَوَّتُ بِهَا. فَانْظُرْ كَيْفَ وُجِّهَ الرِّزْقُ لِهَذِهِ الطُّيُورِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ مِنْ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي الْجَوواعْرِفْ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي خَلْقِ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي عَسَى أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهَا فَضْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ. خُلِقَ الْخُفَّاشُ خِلْقَةً عَجِيبَةً بَيْنَ خِلْقَةِ الطَّيْرِ وذَوَاتِ الْأَرْبَعِ [بَلْ هُوإِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ] أَقْرَبُ وذَلِكَ أَنَّهُ ذُوأُذُنَيْنِ نَاشِزَتَيْنِ<ref>من النشوز بمعنى الارتفاع عن المكان.</ref> وأَسْنَانٍ ووَبَرٍ وهُويَلِدُ وِلَاداً ويَرْضِعُ ويَبُولُ ويَمْشِي إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ وكُلُّ هَذَا خِلَافُ صِفَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ هُوأَيْضاً مِمَّا يَخْرُجُ بِاللَّيْلِ ويَتَقَوَّتُ مِمَّا يَسْرِي فِي الْجَومِنَ الْفَرَاشِ ومَا أَشْبَهَهُ وقَدْ قَالَ قَائِلُونَ إِنَّهُ لَا طُعْمَ لِلْخُفَّاشِ وإِنَّ غِذَاءَهُ مِنَ النَّسِيمِ وَحْدَهُ وذَلِكَ يَفْسُدُ ويَبْطُلُ مِنْ جِهَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا خُرُوجُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الثُّفْلِ والْبَوْلِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ طُعْمٍ والْأُخْرَى أَنَّهُ ذُوأَسْنَانٍ ولَوكَانَ لَا يَطْعَمُ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ لِلْأَسْنَانِ فِيهِ مَعْنًى ولَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لَهُ وأَمَّا الْمَآرِبُ فِيهِ فَمَعْرُوفَةٌ حَتَّى إِنَّ زِبْلَهُ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ ومِنْ أَعْظَمِ الْإِرْبِ فِيهِ خِلْقَتُهُ الْعَجِيبَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَصَرُّفِهَا فِيمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَأَمَّا الطَّائِرُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «ابْنُ تُمَّرَةَ»<ref>ابن تمرة: طائر أصغر من العصفور جميل المنظر له منقار دقيق يمتص به التمر والزهر.</ref> فَقَدْ عَشَّشَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي بَعْضِ الشَّجَرِ فَنَظَرَ إِلَى حَيَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوعُشِّهِ فَاغِرَةً فَاهَا لِتَبْلَعَهُ فَبَيْنَمَا هُويَتَقَلَّبُ ويَضْطَرِبُ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ مِنْهَا إِذَا وَجَدَ حَسَكَةً فَحَمَلَهَا فَأَلْقَاهَا فِي فَمِ الْحَيَّةِ فَلَمْ تَزَلِ الْحَيَّةُ تَلْتَوِي وتَتَقَلَّبُ حَتَّى مَاتَتْ أَ فَرَأَيْتَ لَولَمْ أُخْبِرْكَ بِذَلِكَ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَوبِبَالِ غَيْرِكَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ حَسَكَةٍ مِثْلُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْعَظِيمَةِ أَويَكُونُ مِنْ طَائِرٍ صَغِيرٍ أَوكَبِيرٍ مِثْلُ هَذِهِ الْحِيلَةِ اعْتَبِرْ بِهَذَا وكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ فِيهَا مَنَافِعُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِحَادِثٍ يُحْدَثُ بِهِ أَوخَبَرٍ يُسْمَعُ بِهِ. انْظُرْ إِلَى النَّحْلِ واحْتِشَادِهِ فِي صَنْعَةِ الْعَسَلِ وتَهْيِئَةِ الْبُيُوتِ الْمُسَدَّسَةِ ومَا تَرَى فِي ذَلِكَ اجْتِمَاعَهُ مِنْ دَقَائِقِ الْفِطْنَةِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَمَلَ رَأَيْتَهُ عَجِيباً لَطِيفاً وإِذَا رَأَيْتَ الْمَعْمُولَ وَجَدْتَهُ عَظِيماً شَرِيفاً مَوْقِعُهُ مِنَ النَّاسِ وإِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْفَاعِلِ أَلْفَيْتَهُ غَبِيّاً جَاهِلًا بِنَفْسِهِ فَضْلًا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ فَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ والْحِكْمَةَ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ لَيْسَ لِلنَّحْلِ بَلْ هِيَ لِلَّذِي طَبَعَهُ عَلَيْهَا وسَخَّرَهُ فِيهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۰۳.</ref>.
#القوَّة المودعة في الجراد على ضعفه بحيث يعجز الملوك عن إزالته: {{متن حدیث|انْظُرْ إِلَى هَذَا الْجَرَادِ مَا أَضْعَفَهُ وأَقْوَاهُ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ خَلْقَهُ رَأَيْتَهُ كَأَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ وإِنْ دَلَفَتْ عَسَاكِرُهُ نَحْوبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَحْمِيَهُ مِنْهُ. أَ لَا تَرَى أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ لَوجَمَعَ خَيْلَهُ ورَجِلَهُ لِيَحْمِيَ بِلَادَهُ مِنَ الْجَرَادِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَ فَلَيْسَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ أَنْ يَبْعَثَ أَضْعَفَ خَلْقِهِ إِلَى أَقْوَى خَلْقِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ انْظُرْ إِلَيْهِ كَيْفَ يَنْسَابُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ السَّيْلِ فَيُغْشِي السَّهْلَ والْجَبَلَ والْبَدْووالْحَضَرَ حَتَّى يَسْتُرَ نُورَ الشَّمْسِ بِكَثْرَتِهِ فَلَوكَانَ هَذَا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي مَتَى كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ هَذِهِ الْكَثْرَةُ وفِي كَمْ مِنْ سَنَةٍ كَانَ يَرْتَفِعُ فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي لَا يَئُودُهَا شَيْءٌ ويُكْثِرُ عَلَيْهَا}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۰۸.</ref>
#عجيب الخلقة في الأسماك حيث هي مستغنيةٌ بالسباحة، وغير محتاجة إلى الرئة ومكسوة بالقشور والأَفلاس لتقيها من الآفات مع كثرة نسلها لكثرة الاحتياج إليها: {{متن حدیث|تَأَمَّلْ خَلْقَ السَّمَكِ ومُشَاكَلَتَهُ لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خُلِقَ غَيْرَ ذِي قَوَائِمَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ الْمَاءَ وخُلِقَ غَيْرَ ذِي رِيَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَنَفَّسَ وهُومُنْغَمِسٌ فِي اللُّجَّةِ وجُعِلَتْ لَهُ مَكَانَ الْقَوَائِمَ أَجْنِحَةٌ شِدَادٌ يَضْرِبُ بِهَا فِي جَانِبَيْهِ كَمَا يَضْرِبُ الْمَلَّاحُ بِالْمَجَاذِيفِ مِنْ جَانِبَيِ السَّفِينَةِ وكُسِيَ جِسْمُهُ قُشُوراً مِتَاناً مُتَدَاخِلَةً كَتَدَاخُلِ الدُّرُوعِ والْجَوَاشِنِ<ref>الجواشن جمع جوشن، وهو: الدرع.</ref> لِتَقِيَهُ مِنَ الْآفَاتِ فَأُعِينَ بِفَضْلِ حِسٍّ فِي الشَّمِّ لِأَنَّ بَصَرَهُ ضَعِيفٌ والْمَاءُ يَحْجُبُهُ فَصَارَ يَشَمُّ الطُّعْمَ مِنَ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ فَيَنْتَجِعُهُ<ref>أي يطلبه في موضعه.</ref> وإِلَّا فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِهِ وبِمَوْضِعِهِ واعْلَمْ أَنَّ مِنْ فِيهِ إِلَى صِمَاخَيْهِ مَنَافِذَ فَهُويَعُبُّ الْمَاءَ بِفِيهِ ويُرْسِلُهُ مِنْ صِمَاخَيْهِ<ref>الصماخ بكسر الصاد: خرق الاُذن الباطن الذي ينفذ إلى الرأس، وعبّ الماء بمعنى شربه بمصّ من غير تنفّس.</ref> فَتَرَوَّحَ إِلَى ذَلِكَ كَمَا يَتَرَوَّحُ غَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى تَنَسُّمِ هَذَا النَّسِيمِ. فَكِّرِ الْآنَ فِي كَثْرَةِ نَسْلِهِ ومَا خُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى فِي جَوْفِ السَّمَكَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْبَيْضِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً والْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَّسِعَ لِمَا يَغْتَذِي بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا يَأْكُلُ السَّمَكَ حَتَّى إِنَّ السِّبَاعَ أَيْضاً فِي حَافَاتِ الْآجَامِ<ref>جمع الجمع للأجمة بمعنى الشجر الكثير الملتف، وقيل: الآجمة تكون من القصب.</ref> عَاكِفَةٌ عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً كَيْ تُرْصِدَ السَّمَكَ فَإِذَا مَرَّ بِهَا خَطِفَتْهُ فَلَمَّا كَانَتِ السِّبَاعُ تَأْكُلُ السَّمَكَ والطَّيْرُ يَأْكُلُ السَّمَكَ والنَّاسُ يَأْكُلُونَ السَّمَكَ والسَّمَكُ يَأْكُلُ السَّمَكَ كَانَ مِنَ التَّدْبِيرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا هُوعَلَيْهِ مِنَ الْكَثْرَةِ. فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ وقِصَرَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَى مَا فِي الْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ السَّمَكِ ودَوَابِّ الْمَاءِ والْأَصْدَافِ والْأَصْنَافِ الَّتِي لَا تُحْصَى ولَا تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلَّا الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِأَسْبَابٍ تُحْدَثُ مِثْلُ الْقِرْمِزِ<ref>القرمز هو: الصبغ الأحمر.</ref> فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَرَفَ النَّاسُ صِبْغَهُ بِأَنَّ كَلْبَةً تَجُولُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَوَجَدَتْ شَيْئاً مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُسَمَّى الْحَلَزُونَ<ref>الحلزون: دويبة صغيرة تكون في صدف وهي المعروفة بالبُزاق.</ref> فَأَكَلَتْهُ فَاخْتَضَبَ خَطْمُهَا بِدَمِهِ فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى حُسْنِهِ فَاتَّخَذُوهُ صِبْغاً وأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يَقِفُ النَّاسُ عَلَيْهِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وزَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۰۹.</ref>.
#حكمة التقدير في الألوان التي خلقها الله في هذه الموجودات، كما ترى لون السماء أنسب لون مع عين الإنسان: {{متن حدیث|فَكِّرْ فِي لَوْنِ السَّمَاءِ ومَا فِيهِ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ هَذَا اللَّوْنَ أَشَدُّ الْأَلْوَانِ مُوَافَقَةً لِلْبَصَرِ وتَقْوِيَةً حَتَّى إِنَّ مِنْ صِفَاتِ الْأَطِبَّاءِ لِمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَضَرَّ بِبَصَرِهِ إِدْمَانَ النَّظَرِ إِلَى الْخُضْرَةِ ومَا قَرُبَ مِنْهَا إِلَى السَّوَادِ وقَدْ وَصَفَ الْحُذَّاقُ مِنْهُمْ لِمَنْ كَلَّ بَصَرُهُ الْإِطْلَاعَ فِي إِجَّانَةٍ<ref>الإجانة بكسر الهمزة وتشديد الجيم: إناء تُغسل فيه الثياب.</ref> خَضْرَاءَ مَمْلُوَّةٍ مَاءً فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وتَعَالَى أَدِيمَ السَّمَاءِ بِهَذَا اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ إِلَى السَّوَادِ لِيُمْسِكَ الْأَبْصَارَ الْمُنْقَلِبَةَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْكِيَ فِيهَا بِطُولِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ فَصَارَ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ النَّاسُ بِالْفِكْرِ والرَّوِيَّةِ والتَّجَارِبِ يُوجَدُ مَفْرُوغاً مِنْهُ فِي الْخِلْقَةِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ لِيَعْتَبِرَ بِهَا الْمُعْتَبِرُونَ ويُفَكِّرَ فِيهَا الْمُلْحِدُونَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۱۱.</ref>.
#عجائب الصنعة، وعلمية الخلقة في جميع الموجودات في هذا الكون في سماوات والأرضين بكواكبها وأشجارها وأعشابها والحر والبرد والصيف والشتاء وجميع الموجودات حيث فيها عبرةٌ لمن فكّر، ودلالة على من دَبَّر، وآية العلم الخالق الحكيم: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَقَادِيرِ النَّهَارِ واللَّيْلِ كَيْفَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ هَذَا الْخَلْقِ فَصَارَ مُنْتَهَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا امْتَدَّ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوكَانَ النَّهَارُ يَكُونُ مِقْدَارُهُ مِائَةَ سَاعَةٍ أَومِائَتَيْ سَاعَةٍ أَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَوَارُ<ref>البوار هو: الهلاك والكساد والبطلان.</ref> كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ ونَبَاتٍ؟ أَمَّا الْحَيَوَانُ فَكَانَ لَا يَهْدَأُ ولَا يَقِرُّ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ ولَا الْبَهَائِمُ كَانَتْ تُمْسِكُ عَنِ الرَّعْيِ لَودَامَ لَهَا ضَوْءُ النَّهَارِ ولَا الْإِنْسَانُ كَانَ يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ والْحَرَكَةِ وكَانَ ذَلِكَ سَيُهْلِكُهَا أَجْمَعَ ويُؤَدِّيهَا إِلَى التَّلَفِ. وأَمَّا النَّبَاتُ فَكَانَ يَطُولُ عَلَيْهِ حَرُّ النَّهَارِ ووَهْجُ الشَّمْسِ حَتَّى يَجِفَّ ويَحْتَرِقَ وكَذَلِكَ اللَّيْلُ لَوامْتَدَّ مِقْدَارُ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ يَعُوقُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ عَنِ الْحَرَكَةِ والتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ حَتَّى تَمُوتَ جُوعاً وتَخْمُدُ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ مِنَ النَّبَاتِ حَتَّى يَعْفَنَ ويَفْسُدَ كَالَّذِي تَرَاهُ يَحْدُثُ عَلَى النَّبَاتِ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. اعْتَبِرْ بِهَذِهِ الْحَرِّ والْبَرْدِ كَيْفَ يَتَعَاوَرَانِ<ref>يتعاوران بمعنى يتداولان.</ref> الْعَالَمَ ويَتَصَرَّفَانِ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ والِاعْتِدَالِ لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ ومَا فِيهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ دِبَاغِ الْأَبْدَانِ الَّتِي عَلَيْهَا بَقَاؤُهُا وفِيهَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ لَولَا الْحَرُّ والْبَرْدُ وتَدَاوُلُهُمَا الْأَبْدَانَ لَفَسَدَتْ وأَخْوَتْ وانْتَكَثَتْ<ref>أَخْوَت أي جاعت، وانتكثت بمعنى انتقضت.</ref>. فَكِّرْ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهَذَا التَّدْرِيجِ والتَّرَسُّلِ فَإِنَّكَ تَرَى أَحَدَهُمَا يَنْقُصُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ والْآخَرَ يَزِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَهَاهُ فِي الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ ولَوكَانَ دُخُولُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مُفَاجَأَةً لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْأَبْدَانِ وأَسْقَمَهَا كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَوخَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ حَارٍّ إِلَى مَوْضِعِ الْبُرُودَةِ لَضَرَّهُ ذَلِكَ وأَسْقَمَ بَدَنَهُ فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي الْحَرِّ والْبَرْدِ إِلَّا لِلسَّلَامَةِ مِنْ ضَرَرِ الْمُفَاجَأَةِ ولِمَ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرِّ الْمُفَاجَأَةِ لَولَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ؟ فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي دُخُولِ الْحَرِّ والْبَرْدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِإِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي الِارْتِفَاعِ والِانْحِطَاطِ سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي إِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي ارْتِفَاعِهَا وانْحِطَاطِهَا فَإِنِ اعْتَلَّ فِي الْإِبْطَاءِ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقَيْنِ<ref>أي المشرق والمغرب.</ref> سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرْقَى مَعَهُ إِلَى حَيْثُ رَقِيَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَمْدِ والتَّدْبِيرِ لَولَا الْحَرُّ لَمَا كَانَتِ الثِّمَارُ الْجَاسِيَةُ الْمُرَّةُ تَنْضَجُ فَتَلِينُ وتَعْذُبُ حَتَّى يُتَفَكَّهَ بِهَا رَطْبَةً ويَابِسَةً ولَولَا الْبَرْدُ لَمَا كَانَ الزَّرْعُ يُفْرِخُ هَكَذَا ويَرِيعُ الرَّيْعَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْقُوتِ ومَا يُرَدُّ فِي الْأَرْضِ لِلْبَذْرِ أَ فَلَا تَرَى مَا فِي الْحَرِّ والْبَرْدِ مِنْ عَظِيمِ الْغِنَاءِ والْمَنْفَعَةِ وكِلَاهُمَا مَعَ غِنَائِهِ والْمَنْفَعَةِ فِيهِ يُؤْلِمُ الْأَبْدَانَ ويَمَضُّهَا. وفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِمَنْ فَكَّرَ ودَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ ومَا فِيهِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۱۸.</ref>.
#عجائب الصنع في المعادن وما يستخرج منها: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْمَعَادِنِ ومَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُخْتَلِفَةِ مِثْلِ الْجِصِّ والْكِلْسِ<ref>الكِلس بكسر الكاف: حجر معروف يستخدم في البناء والطلاء يسمى بالساروج.</ref> والْجِبْسِ<ref>الجبس: حجر الجص الذي يبنى به.</ref> والزَّرَانِيخِ<ref>جمع الزرنيخ، وهو: عنصر سنجابي اللون لمّاع صلب وسمٌ معدني.</ref> والْمَرْتَكِ<ref>المرتك هو: اكسيد الرصاص يسمى (مرداسنج).</ref> والقونيا<ref>وفي نسخة التوتيا وهو: معدن صلب أبيض ويسمى بالخارصين وأكسيد الزنك.</ref> [التُّوتِيَاءِ] والزِّئْبَقِ<ref>الزيبق هو: الفلز المعروف السائل الكثيف اللمّاع. والمعادن الباقية معروفة.</ref> والنُّحَاسِ والرَّصَاصِ والْفِضَّةِ والذَّهَبِ والزَّبَرْجَدِ والْيَاقُوتِ والزُّمُرُّدِ وضُرُوبِ الْحِجَارَةِ وكَذَلِكَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْقَارِ والْمُومِيَا والْكِبْرِيتِ والنِّفْطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ فِي مَآرِبِهِمْ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا ذَخَائِرُ ذُخِرَتْ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِيَسْتَخْرِجَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ثُمَّ قَصُرَتْ حِيلَةُ النَّاسِ عَمَّا حَاوَلُوا مِنْ صَنْعَتِهَا عَلَى حِرْصِهِمْ واجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَوظَفِرُوا بِمَا حَاوَلُوا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيَظْهَرُ ويَسْتَفِيضُ فِي الْعَالَمِ حَتَّى تَكْثُرَ الذَّهَبُ والْفِضَّةُ ويَسْقُطَا عِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَكُونَ لَهُمَا قِيمَةٌ ويَبْطُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الشِّرَاءِ والْبَيْعِ والْمُعَامَلَاتِ ولَا كَانَ يَجْبِي السُّلْطَانُ الْأَمْوَالَ ولَا يَدَّخِرُهُمَا أَحَدٌ لِلْأَعْقَابِ وقَدْ أُعْطِيَ النَّاسُ مَعَ هَذَا صَنْعَةَ الشَّبَهِ<ref>الشبه بكسر الشين هو: النحاس الأصفر.</ref> مِنَ النُّحَاسِ والزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ والْفِضَّةِ مِنَ الرَّصَاصِ والذَّهَبِ مِنَ الْفِضَّةِ وأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ. فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطُوا إِرَادَتَهُمْ فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ومُنِعُوا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ ضَارّاً لَهُمْ لَونَالُوهُ ومَنْ أَوْغَلَ فِي الْمَعَادِنِ انْتَهَى إِلَى وَادٍ عَظِيمٍ يَجْرِي مُنْصَلِتاً بِمَاءٍ غَزِيرٍ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ ولَا حِيلَةَ فِي عُبُورِهِ ومِنْ وَرَائِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ. تَفَكَّرِ الْآنَ فِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُرِيَ الْعِبَادَ قُدْرَتَهُ وسَعَةَ خَزَائِنِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوشَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَالْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ لَفَعَلَ لَكِنْ لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوكَانَ فَيَكُونُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سُقُوطُ هَذَا الْجَوْهَرِ عِنْدَ النَّاسِ وقِلَّةُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الشَّيْءُ الطَّرِيفُ مِمَّا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَوَانِي والْأَمْتِعَةِ فَمَا دَامَ عَزِيزاً قَلِيلًا فَهُونَفِيسٌ جَلِيلٌ آخِذُ الثَّمَنِ فَإِذَا فَشَا وكَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ سَقَطَ عِنْدَهُمْ وخَسَتْ قِيمَتُهُ ونَفَاسَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عِزَّتِهَا}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۲۸.</ref>.
#عجائب الخلقة في تركيب النخلة: {{متن حدیث|فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النَّخْلِ فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ فِيهِ إِنَاثٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّلْقِيحِ<ref>التلقيح في النخل يحصل في أعذاق النخيل التي هي على هيأة السنابل المغلّفه بقشرة سميكه تشبه في هيكلها السمكة، فتُجعل سنابل من الذكور وسط سنابل الأناث أويجعل طحين زهر الفحل الجاف عوض السنبلة الطريّة فيحصل التلقيح.</ref> جُعِلَتْ فِيهِ ذُكُورَةٌ لِلِّقَاحِ مِنْ غَيْرِ غِرَاسٍ فَصَارَ الذَّكَرُ مِنَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُلْقِحُ الْإِنَاثَ لِتَحْمِلَ وهُولَا يَحْمِلُ. تَأَمَّلْ خِلْقَةَ الْجِذْعِ<ref>الجذع: ساق النخلة، والقنوان جمع قنا والقنوبكسر القاف: العذق وهومن النخل كالعنقود من العنب.</ref> كَيْفَ هُوفَإِنَّكَ تَرَاهُ كَالْمَنْسُوجِ نَسْجاً مِنْ غَيْرِ خُيُوطٍ مَمْدُودَةٍ كَالسَّدَى وأُخْرَى مَعَهُ مُعْتَرِضَةٌ كَاللُّحْمَةِ كَنَحْومَا يُنْسَجُ بِالْأَيْدِي وذَلِكَ لِيَشْتَدَّ ويَصْلُبَ ولَا يَنْقَصِفَ مِنْ حَمْلِ الْقِنْوَانِ الثَّقِيلَةِ وهَزِّ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِبِ إِذَا صَارَ نَخْلَةً ولِيَتَهَيَّأَ لِلسُّقُوفِ والْجُسُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ إِذَا صَارَ جِذْعاً. وكَذَلِكَ تَرَى الْخَشَبَ مِثْلَ النَّسْجِ فَإِنَّكَ تَرَى بَعْضَهُ مُدَاخِلًا بَعْضاً طُولًا وعَرْضاً كَتَدَاخُلِ أَجْزَاءِ اللُّحَمِ وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ مَتَانَةٌ لِيَصْلُحَ لِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنَ الْآلَاتِ فَإِنَّهُ لَوكَانَ مُسْتَحْصَفاً<ref> المستحصف هو: الشديد المستحكم.</ref>كَالْحِجَارَةِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي السُّقُوفِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْخَشَبَةُ كَالْأَبْوَابِ والْأَسِرَّةِ والتَّوَابِيتِ<ref>التوابيت جمع تابوت بمعنى الصندوق.</ref> ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ومِنْ جَسِيمِ الْمَصَالِحِ فِي الْخَشَبِ أَنَّهُ يَطْفُوعَلَى الْمَاءِ فَكُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا مِنْهُ ولَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ جَلَالَةَ الْأَمْرِ فِيهِ فَلَولَا هَذِهِ الْخَلَّةُ كَيْفَ كَانَتْ هَذِهِ السُّفُنُ والْأَظْرَافُ<ref>الأظراف جمع ظريف لعله جاء بمعنى الأشياء الظريفة، أوجمع ظرف بمعنى الوعاء.</ref> تَحْمِلُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ مِنَ الْحَمُولَةِ وأَنَّى كَانَ يَنَالُ النَّاسُ هَذَا الْوَفْقَ وخِفَّةَ الْمَئُونَةِ فِي حَمْلِ التِّجَارَاتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وكَانَتْ تَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَيْهِمْ فِي حَمْلِهَا حَتَّى يُلْقَى كَثِيرٌ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مَفْقُوداً أَصْلًا أَوعُسْراً وُجُودُهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۳۴.</ref>.
#عجائب الخلقة في العقاقير وما خصّ بها كلّ واحد منها من دواء في رفع داء: {{متن حدیث|فَكِّرْ فِي هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ<ref>العقاقير جمع عَقّار بالفتح ثم التشديد: ما يتداوى به من النبات والشجر في أصول الأدوية.</ref> ومَا خُصَّ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْعَمَلِ فِي بَعْضِ الْأَدْوَاءِ فَهَذَا يَغُورُ فِي الْمَفَاصِلِ فَيَسْتَخْرِجُ الْفُضُولَ الْغَلِيظَةَ مِثْلَ الشَّيْطَرَجِ<ref> الشيطرج: نبات ينبت غالباً في المقابر والجدران القديمة، له ورق عريض دقيق وزهر أحمر إلى بياض يسمى بمسواك الراعي.</ref> وهَذَا يَنْزِفُ الْمِرَّةَ السَّوْدَاءَ مِثْلَ الْأَفْتِيمُونِ<ref>الأفتيمون: نبات أحمر إلى غُبره ذوعروق دقائق وأوراق صغار وبذره أصغر من حب الخشخاش يلتّف بما يليه وهومسهلٌ للسوداء</ref> وهَذَا يَنْفِي الرِّيَاحَ مِثْلَ السَّكْبِينَجِ<ref> السكبينج أوالسكنبيج: صمغ النبات يشبه الخيار يُجلب من اصفهان.</ref> وهَذَا يُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ وأَشْبَاهِ هَذَا مِنْ أَفْعَالِهَا فَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْقُوَى فِيهَا إِلَّا مَنْ خَلَقَهَا لِلْمَنْفَعَةِ؟ ومَنْ فَطَّنَ النَّاسَ بِهَا إِلَّا مَنْ جَعَلَ هَذَا فِيهَا؟ ومَتَى كَانَ يُوقَفُ عَلَى هَذَا مِنْهَا بِالْعَرَضِ والِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَ قَائِلُونَ وهَبِ الْإِنْسَانُ فَطَنَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِذِهْنِهِ ولَطِيفِ رَوِيَّتِهِ وتَجَارِبِهِ فَالْبَهَائِمُ كَيْفَ فَطَنَتْ لَهَا حَتَّى صَارَ بَعْضُ السِّبَاعِ يَتَدَاوَى مِنْ جِرَاحَةٍ إِنْ أَصَابَتْهُ بِبَعْضِ الْعَقَاقِيرِ فَيَبْرَأُ وبَعْضُ الطَّيْرِ يَحْتَقِنُ مِنَ الْحُصْرِ يُصِيبُهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَيَسْلَمُ وأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ. ولَعَلَّكَ تُشَكِّكُ فِي هَذَا النَّبَاتِ النَّابِتِ فِي الصَّحَارِي والْبَرَارِي حَيْثُ لَا أُنْسَ ولَا أَنِيسَ فَتَظُنُّ أَنَّهُ فَضْلٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوطُعْمٌ لِهَذِهِ الْوُحُوشِ وحَبُّهُ عَلَفٌ لِلطَّيْرِ وعُودُهُ وأَفْنَانُهُ حَطَبٌ فَيَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ وفِيهِ بَعْدُ أَشْيَاءُ تُعَالَجُ بِهِ الْأَبْدَانُ وأُخْرَى تُدْبَغُ بِهِ الْجُلُودُ وأُخْرَى تُصْبَغُ بِهِ الْأَمْتِعَةُ وأَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ. أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَخَسَّ النَّبَاتِ وأَحْقَرَهُ هَذَا الْبَرْدِيُّ<ref>البردي: نبات كالقصب ينبت في المستنقعات والشواطئ، في أصول سيقانه زغب ناعم كالقطن ذوحلاوة قليلة.</ref> ومَا أَشْبَهَهَا فَفِيهَا مَعَ هَذَا مِنْ ضُرُوبِ الْمَنَافِعِ فَقَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الْبَرْدِيِّ الْقَرَاطِيسُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُلُوكُ والسُّوقَةُ والْحُصُرُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ ولَيُعْمَلُ مِنْهُ الْغُلُفُ الَّتِي يُوقَى بِهَا الْأَوَانِي ويُجْعَلُ حَشْواً بَيْنَ الظُّرُوفِ فِي الْأَسْفَاطِ لِكَيْلَا تَعِيبَ وتَنْكَسِرَ وأَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۳، ص۱۳۵.</ref>.
 
وهذه الآيات الجليلة تنبئ بصدقٍ وتدل بحق على أنّ الله تعالى الذي خلقها وصنعها عليم حكيم أحكم وأتقن جزئياتها وكلياتها ودقائق صنعتها وخلقتها.
 
وعليه فلا يمكن المساعدة مع قول الحكماء بنفي العلم بالجزئيات عن الله تعالى، بناءاً منهم على أنّ علم الله تعالى حصوليٌّ، كما تلاحظ نقله عنهم في البحار<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۷.</ref>.
 
فانّه يردّهم العموميّة الوضعيّة المفيدة علم الله تعالى بكل شيء في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}}<ref>سورة البقرة: ۲۳۱.</ref>.
 
فقد أخبر تعالى وهوالصادق المصدق، والحق المطلق، بأنّه عالم بجميع الأشياء، فعلمه إحاطيٌ حضوريّ يعلم جميع الأشياء، كليها وجزئيّها.
 
كما لا يمكن أيضاً قبول قول الشيخ الرئيس ابن سينا، باستحالة تعلّق علمه تعالى بالمفاهيم، تمسكاً بأنّه لابدّ للمفاهيم من وجود خارجيّ أوذهنيّ والكل محال كما نقله عنه في مجمع البحرين<ref>مجمع البحرين ص۵۲۸.</ref>.
 
فإنّه يردّه أنّ هذه اللابدية إنما تكون في المخلوقين حيث يكون علمهم محدوداً وعارضاً عليهم، فلا يتقوم إلا بأن تكون المفاهيم موجودةً حتى يتعلّق العلم بها بوجود خارجي أوذهني. لا في الخالق العليم الذي يكون علمه عين ذاته، وعلمه بجميع الأشياء قبل حدوثها كعلمه بها بعد حدوثها، كما يوضّحه الحديث التالي الذي رواه ثقة الأسلام الكليني بسنده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله{{ع}} يقول: {{متن حدیث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَبَّنَا والْعِلْمُ ذَاتُهُ ولَا مَعْلُومَ والسَّمْعُ ذَاتُهُ ولَا مَسْمُوعَ والْبَصَرُ ذَاتُهُ ولَا مُبْصَرَ والْقُدْرَةُ ذَاتُهُ ولَا مَقْدُورَ فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وكَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ والسَّمْعُ عَلَى الْمَسْمُوعِ والْبَصَرُ عَلَى الْمُبْصَرِ والْقُدْرَةُ عَلَى الْمَقْدُورِ...}}<ref>أصول الكافي، ج۱، ص۱۰۷، باب صفات الذات ح۱.</ref>.
 
كما لا يمكن أصلاً قبول قول الجبرية بأن العلم بالمعصية يصير سبباً لوقوعها بدعوى عدم تخلّف معصية عن ذلك العلم، لأنّه لوتخلَّفت لتبدل العلم جهلاً، كما في البيت الشعري المنسوب إلى الخيام.
 
فإنّه يردّه أنّ العلم ليس علةً أوسبباً للمعلوم، والثابت في علم الله تعالى هومعصية العبد لكن باختيار نفس العبد، وبسبب إرادته وبسوء اختياره.
 
فلا يكون العصيان بسبب علم الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإنّما يكون العصيان باختيار نفس العبد العاصي.
 
فالله تعالى يعلم أنّ العبد سيختار المعصية، ويعلم أيضاً تبدّل عزمه من المعصية إلى الطاعة إذا انصرف عن العصيان.
فعدم عصيان العبد لا يوجب تبدّل العلم إلى الجهل، كما توهّمه الخيّامي؛ لأنّ الله الذي أحاط بكلّ شيء علماً، يعلم جميع حالات العبد، طاعاته ومعصياته وعزماته وانصرافاته في جميع حركاته وسكناته، والله كارهٌ لعصيان عبده ولا بحبّ السوء لعبيده، فكيف يسبِّب عصيانهم أويجبرهم على المعصية؟!
 
الشرع والعقل يخالف هذا ويحكم بأن العلم من الله لا يسبب عصيان العبد، بل أنّ عصيان العبد بخيرة نفسه واختياره كما يستفاد من مثل قوله تعالى: {{نص قرآني|مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}}<ref>سورة يونس: ۱۰۸.</ref> وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ}}<ref>سورة النساء: ۱۱۱.</ref>.
 
وكما تلاحظ بيانه في أحاديث نفي الجبر والتفويض مثل:
#ما رواه يونس بن عبدالرحمن عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله، قالا: {{متن حدیث|إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا واللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُونَ قَالَ فَسُئِلَا: هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ والْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ؟ قَالا نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ}}<ref>توحيد الصدوق ص۳۶۰، باب نفي الجبر والتفويض، ح۳.</ref>.
#حديث المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله{{ع}}، قال: {{متن حدیث|لَا جَبْرَ ولَا تَفْوِيضَ ولَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ قُلْتُ ومَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ}}<ref>توحيد الصدوق ص۳۶۲، باب نفي الجبر والتفويض، ح۸.</ref>.
#حديث الحسن بن علي الوشاء، عن أبي الحسن الرضا{{ع}}، قال: سألته فقلت له: {{متن حدیث|اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ؟
قَالَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي؟ قَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ وأَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ}}<ref>توحيد الصدوق ص۳۶۲، باب نفي الجبر والتفويض، ح۱۰.</ref>.
 
فالإنسان مختار في أفعاله، ولم يفوض إليه الأمر تفويضاً، ولم يكن عليه مجبوراً بل يصدر عنه اختياراً. وهذا أمرٌ واضحٌ نحسّه فيما نراه من المساوي التي قد يعلمها الخبير المحسن في فردٍ مسيء، مع بُغض ذلك الخبير لتلك المساوي، وردعه لصاحبها ونهيه عنها ومنعه عن فعلها.
 
فإنّه إذا ارتكب ذلك الفرد المسيء تلك المساوي بالرغم من نهيه وردعه، لا يشك العقل والعرف أن المقصر هوذلك الفرد العاصي الذي أساء العمل، لا الخبير الناهي الذي أراد الخير، فاختيار العاصي هوالسبب للعصيان دون علم العالم به، بل العالم منزَّه عنه.
 
وعلى الجملة فعلم الله تعالى محيط بكل الأشياء قاطبة، الكليات والجزئيات، الظواهر والخفيّات حتى خطرات النفس والمطويات، وهوكمالٌ وجمالٌ لذاته المتعالية المقدسة، فهوعالم بجميع الأشياء بدون لزوم محذورٍ أوشبهةٍ.
 
ولمعرفة علمه تعالى لاحظ بعد الآيات المباركات المائة التي أشرنا إلى بعضها في أول هذا البحث، أحاديث حججه وبيانات معادن حكمته الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.
 
وإليك نبذةٌ منها، وأريجة من شذاها، رزقنا الله زيادة المعرفة بنورها، فلاحظ الأحاديث التالية:
#ما حدّث به أبوعلى القصاب، قال: كنت عند أبي عبد الله{{ع}}، فقلت: {{متن حدیث|الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ فَقَالَ لَا تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهًى}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۴، الباب ۱۰، ح۱.</ref>.
#حديث هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله{{ع}} قال: {{متن حدیث|الْعِلْمُ هُومِنْ كَمَالِهِ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۴، الباب ۱۰، ح۳.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ مَا كَانَ ومَا هُوكَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ لَيْسَ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: بَلَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۵، الباب ۱۰، ح۵.</ref>.
#{{متن حدیث|الحديث الآخر لِمَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ يَعْنِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: هَلْ يَكُونُ الْيَوْمَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ قَالَ: لَا بَلْ كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۵، الباب ۱۰، ح۶.</ref>.
#حديث جابر، قال: قال أبوجعفر الباقر{{ع}}: {{متن حدیث|إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ وتَعَالَى فِي عُلُوكُنْهِهِ أَحَدٌ تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي تَوْحِيدِهِ ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى خَلْقِهِ فَهُوأَحَدٌ صَمَدٌ مَلِكٌ قُدُّوسٌ يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْءٍ ويَصْمِدُ إِلَيْهِ وفَوْقَ الَّذِي عَسَيْنَا أَنْ نَبْلُغَ رَبَّنَا- وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۶، الباب ۱۰، ح۷.</ref>.
#{{متن حدیث|حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا{{ع}} قَالَ: سَأَلْتُهُ أَ يَعْلَمُ اللَّهُ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوكَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ أَولَا يَعْلَمُ إِلَّا مَا يَكُونُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوالْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِ الْأَشْيَاءِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {{نص قرآني|إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref>سورة الجاثية: ۲۹.</ref> وقَالَ لِأَهْلِ النَّارِ- {{نص قرآني|وَلَورُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}}<ref>سورة الأنعام: ۲۸.</ref> فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَنَّهُ لَورَدَّهُمْ لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ لَمَّا قَالُوا: {{نص قرآني|أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}}<ref>سورة البقرة: ۳۰.</ref> فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِلْمُهُ سَابِقاً لِلْأَشْيَاءِ قَدِيماً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا فَتَبَارَكَ رَبُّنَا تَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وعِلْمُهُ بِهَا سَابِقٌ لَهَا كَمَا شَاءَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا عَلِيماً سَمِيعاً بَصِيراً}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۶، الباب ۱۰، ح۸.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى: أَ كَانَ يَعْلَمُ الْمَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَكَانَ أَمْ عَلِمَهُ عِنْدَ مَا خَلَقَهُ وبَعْدَ مَا خَلَقَهُ؟ فَقَالَ: تَعَالَى اللَّهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِالْمَكَانِ قَبْلَ تَكْوِينِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ مَا كَوَّنَهُ وكَذَلِكَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كَعِلْمِهِ بِالْمَكَانِ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۷، الباب ۱۰، ح۹.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ حَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۷، الباب ۱۰، ح۱۱.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|ابْنِ سِنَانٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْماً خَاصّاً وعِلْماً عَامّاً فَأَمَّا الْعِلْمُ الْخَاصُ فَالْعِلْمُ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ وأَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ وأَمَّا عِلْمُهُ الْعَامُّ فَإِنَّهُ عِلْمُهُ الَّذِي أَطْلَعَ عَلَيْهِ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ وأَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ وقَدْ وَقَعَ إِلَيْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ{{صل}}}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۸، الباب ۱۰، ح۱۴.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ{{ع}}، قَالَ: عِلْمُ اللَّهِ لَا يُوصَفُ مِنْهُ بِأَيْنٍ ولَا يُوصَفُ الْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ بِكَيْفٍ ولَا يُفْرَدُ الْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ ولَا يُبَانُ اللَّهُ مِنْهُ ولَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِلْمِهِ حَدٌّ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۳۸، الباب ۱۰، ح۱۶.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|هَارُونَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سُئِلَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوعَزَّ وجَلَّ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ لَا مُبْطَلٌ ولَا مَعْدُودٌ ولَا فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ ولَهُ عَزَّ وجَلَّ نُعُوتٌ وصِفَاتٌ فَالصِّفَاتُ لَهُ وأَسْمَاؤُهَا جَارِيَةٌ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ مِثْلُ السَّمِيعِ والْبَصِيرِ والرَّءُوفِ والرَّحِيمِ وأَشْبَاهِ ذَلِكَ والنُّعُوتُ نُعُوتُ الذَّاتِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى واللَّهُ نُورٌ لَا ظَلَامَ فِيهِ وحَيٌّ لَا مَوْتَ لَهُ وعَالِمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وصَمَدٌ لَا مَدْخَلَ فِيهِ رَبُّنَا نُورِيُّ الذَّاتِ حَيُّ الذَّاتِ عَالِمُ الذَّاتِ صَمَدِيُّ الذَّاتِ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۰، الباب ۱۱، ح۴.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ{{ع}}: أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَزَلْ سَمِيعاً بَصِيراً عَلِيماً قَادِراً؟ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ رَجُلًا يَنْتَحِلُ مُوَالاتَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَزَلْ سَمِيعاً بِسَمْعٍ وبَصِيراً بِبَصَرٍ وعَلِيماً بِعِلْمٍ وقَادِراً بِقُدْرَةٍ فَغَضِبَ{{ع}} ثُمَّ قَالَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ودَانَ بِهِ فَهُومُشْرِكٌ ولَيْسَ مِنْ وَلَايَتِنَا عَلَى شَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى ذَاتٌ عَلَّامَةٌ سَمِيعَةٌ بَصِيرَةٌ قَادِرَةٌ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۴، الباب ۱۱، ح۸.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ{{ع}} أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الْمَخْلُوقِ؟ قَالَ: فَقَالَ: الْإِرَادَةُ مِنَ الْمَخْلُوقِ الضَّمِيرُ ومَا يَبْدُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وأَمَّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي ولَا يَهُمُّ ولَا يَتَفَكَّرُ وهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ هِيَ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ- يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ ولَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ ولَا هِمَّةٍ ولَا تَفَكُّرٍ ولَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ بِلَا كَيْفٍ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۷، الباب ۱۱، ح۱۷.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَ تَقُولُ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ فَقَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: هُوسَمِيعٌ بَصِيرٌ سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ وبَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ ويُبْصِرُ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ قَوْلِي إِنَّهُ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْءٌ والنَّفْسُ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنِّي أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي إِذْ كُنْتُ مَسْئُولًا وإِفْهَاماً لَكَ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا فَأَقُولُ: يَسْمَعُ بِكُلِّهِ لَا أَنَّ كُلَّهُ لَهُ بَعْضٌ ولَكِنِّي أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ والتَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي ولَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذَلِكَ إِلَّا إِلَى أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَالِمُ الْخَبِيرُ بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ ولَا اخْتِلَافِ الْمَعْنَى}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۴، الباب ۱۱، ح۱۰.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ{{ع}}، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ اللَّهُ ولَا شَيْءَ غَيْرُهُ ولَمْ يَزَلْ عَالِماً بِمَا كَوَّنَ فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ مَا كَوَّنَهُ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۵، الباب ۱۱، ح۱۲.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ{{ع}} يَسْأَلُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أَ كَانَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وكَوَّنَهَا أَولَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى خَلَقَهَا وأَرَادَ خَلْقَهَا وتَكْوِينَهَا فَعَلِمَ مَا خَلَقَ عِنْدَ مَا خَلَقَ ومَا كَوَّنَ عِنْدَ مَا كَوَّنَ فَوَقَّعَ{{ع}} بِخَطِّهِ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۵، الباب ۱۱، ح۱۳.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} فَقَالَ لِي: أَ تَنْعَتُ اللَّهَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: هَاتِ. فَقُلْتُ هُوالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ. قَالَ هَذِهِ صِفَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَخْلُوقُونَ<ref>أي من حيث المفهوم لا من حيث الحقيقة.</ref>. قُلْتُ فَكَيْفَ تَنْعَتُهُ؟ فَقَالَ: هُونُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ وحَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ وعِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وحَقٌّ لَا بَاطِلَ فِيهِ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالتَّوْحِيدِ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶، الباب ۱۱، ح۱۴.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: عِلْمُ اللَّهِ ومَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَمْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوالْمَشِيَّةُ أَ لَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ولَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وعِلْمُ اللَّهِ سَابِقٌ لِلْمَشِيَّةِ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶، الباب ۱۱، ح۱۶.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {{نص قرآني|يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}}<ref>سورة طه: ۷.</ref> قَالَ: السِّرُّ مَا كَتَمْتَهُ فِي نَفْسِكَ وأَخْفَى مَا خَطَرَ بِبَالِكَ ثُمَّ أُنْسِيتَهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۷۹، الباب ۲، ح۲.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرِيرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: {{نص قرآني|يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ}}<ref>سورة الغافر: ۱۹.</ref> فَقَالَ: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ وكَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَذَلِكَ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۰، الباب ۲، ح۴.</ref>.
#حديث تفسير القمي في قوله: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}}<ref>سورة لقمان: ۳۴.</ref>. {{متن حدیث|قَالَ الصَّادِقُ{{ع}}: هَذِهِ الْخَمْسَةُ أَشْيَاءَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وهِيَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۲، الباب ۲، ح۹.</ref>.
#في نهج البلاغة: {{متن حدیث|مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ{{ع}}: يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ ومَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ واخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وتَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۹۲، الباب ۲، ح۴۴ والنينان جمع نون وهوالحوت.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ {{نص قرآني|عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}}<ref>سورة الأنعام: ۷۳.</ref> فَقَالَ: الْغَيْبُ مَا لَمْ يَكُنْ والشَّهَادَةُ مَا قَدْ كَانَ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۷۹، الباب ۲، ح۳.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|الْهَرَوِيِّ قَالَ: قَالَ الْمَأْمُونُ الرِّضَا{{ع}} فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {{نص قرآني|لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}}<ref>سورة هود: ۷.</ref>. فَقَالَ{{ع}}: إِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ لِيَبْلُوَهُمْ بِتَكْلِيفِ طَاعَتِهِ وعِبَادَتِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِامْتِحَانِ والتَّجْرِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلِيماً بِكُلِّ شَيْءٍ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۰، الباب ۲، ح۵.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ{{ع}} فِي قَوْلِهِ: {{نص قرآني|سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}}<ref>سورة الرعد: ۱۰.</ref> السِّرُّ والْعَلَانِيَةُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وقَوْلُهُ {{نص قرآني|وَمَنْ هُومُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ}}<ref>سورة الرعد: ۱۰.</ref> أَيْ مُسْتَخْفٍ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ. وقَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ {{نص قرآني|وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}}<ref>سورة الرعد: ۱۰.</ref> يَعْنِي تَحْتَ الْأَرْضِ فَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وَاحِدٌ يَعْلَمُهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۲، الباب ۲، ح۸.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا{{ع}}: هَلْ كَانَ اللَّهُ عَارِفاً بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ يَرَاهَا ويَسْمَعُهَا؟ قَالَ مَا كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهَا ولَا يَطْلُبُ مِنْهَا هُونَفْسُهُ ونَفْسُهُ هُوقُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ ولَكِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ بِاسْمِهِ لَمْ يُعْرَفْ. فَأَوَّلُ مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لِأَنَّهُ أَعْلَى الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا فَمَعْنَاهُ اللَّهُ واسْمُهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ هُوأَوَّلُ أَسْمَائِهِ لِأَنَّهُ عَلِيٌّ عَلَا كُلَّ شَيْءٍ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۸، الباب ۲، ح۲۶.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|حَفْصٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ {{نص قرآني|وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}}<ref>سورة البقرة: ۲۵۵.</ref>. قَالَ: عِلْمُهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۹، الباب ۲، ح۲۷.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|الْبَرْقِيِّ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَيْنِ عِلْمٌ تَعْلَمُهُ مَلَائِكَتُهُ ورُسُلُهُ وعِلْمٌ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ فَمَا كَانَ مِمَّا يَعْلَمُهُ مَلَائِكَتُهُ ورُسُلُهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ ومَا خَرَجَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ فَإِلَيْنَا يَخْرُجُ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۸۹، الباب ۲، ح۳۲.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنْ قَوْلِ اللَّهِ {{نص قرآني|أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ}}<ref>سورة آل عمران: ۱۴۲.</ref>. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوأَعْلَمُ بِمَا هُومُكَوِّنُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهُ وهُمْ ذَرٌّ وعَلِمَ مَنْ يُجَاهِدُ مِمَّنْ لَا يُجَاهِدُ كَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يُمِيتُ خَلْقَهُ قَبْلَ أَنْ يُمِيتَهُمْ ولَمْ يُرِهِمْ مَوْتَى وهُمْ أَحْيَاءٌ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۹۰، الباب ۲، ح۳۵.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} عَنْ قَوْلِ اللَّهِ {{نص قرآني|وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}}<ref>سورة الأنعام: ۵۹.</ref>. فَقَالَ: الْوَرَقُ السِّقْطُ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهِلَّ الْوَلَدُ<ref>يقال: أهلَّ الصبي أي رفع صوته بالبكاء حين الولادة.</ref>. قَالَ فَقُلْتُ وقَوْلُهُ {{نص قرآني|وَلَا حَبَّةٍ}}؟ قَالَ يَعْنِي الْوَلَدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا أَهَلَّ ويَسْقُطُ مِنْ قَبْلِ الْوِلَادَةِ. قَالَ: قُلْتُ قَوْلُهُ {{نص قرآني|وَلَا رَطْبٍ}}؟قَالَ: يَعْنِي الْمُضْغَةَ إِذَا اسْتَكَنَّتْ فِي الرَّحِمِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ خَلْقُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ. قَالَ قَوْلُهُ {{نص قرآني|وَلَا يَابِسٍ}}؟ قَالَ: الْوَلَدُ التَّامُّ. قَالَ: قُلْتُ: {{نص قرآني|فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}}؟ قَالَ: فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۹۰، الباب ۲، ح۳۶.</ref>.
#حديث {{متن حدیث|أَبِي مَعْمَرٍ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ{{ع}} فِي قَوْلِ اللَّهِ: {{نص قرآني|نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}}<ref>سورة التوبة: ۶۷.</ref>. فَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُمْ نَسُوا اللَّهَ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَعْمَلُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ فَنَسِيَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِي ثَوَابِهِ نَصِيباً فَصَارُوا مَنْسِيِّينَ مِنَ الْخَيْرِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۹۱، الباب ۲، ح۳۸.</ref>.
#{{متن حدیث|حَرِيزٍ رَفَعَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا أي الإمامين الباقر والصادق فِي قَوْلِ اللَّهِ: {{نص قرآني|اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}}<ref>سورة الرعد: ۸.</ref> قَالَ: الْغَيْضُ كُلُّ حَمْلٍ دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وما تَزْدادُ كُلُّ شَيْءٍ يَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وكُلَّمَا رَأَتِ الدَّمَ فِي حَمْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ يَزْدَادُ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي رَأَتْ فِي حَمْلِهَا مِنَ الدَّمِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۹۱، الباب ۲، ح۳۹.</ref>.
 
وهذه الأحاديث المباركة المتضافرة تكشف بوضوح عن علمه تعالى بكل الأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها، وتبيّن إحاطته بجميع المخلوقات، ومعرفته لجميع الظواهر والخفيات، وعرفانه جميع الأسرار والمطويّات.
 
وعلمه نورٌ لا يدرك ولا يُحدّ، وليس له نهايةٌ وأمد.<ref>[[سيد علي الحسيني الصدر]]، [[العقائد الحقة (كتاب)|العقائد الحقة]]، ص: 67-123.</ref>
 
== المراجع ==
# [[صورة:IM010535.jpg|22px]] [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]
# [[صورة:IM010410.jpg|22px]] [[سيد علي الحسيني الصدر]]، [[العقائد الحقة (كتاب)|'''العقائد الحقة''']]
 
== الهوامش ==
{{مراجع}}
٢٦٬٨٦٢

تعديل