نظرية الكسب في علم الكلام
مقدمة
مع وجود القرائن والشواهد القطعية على اختيار الإنسان، فإن الاعتقاد بالجبر المحض يُعدّ إنكاراً لبديهة من البديهيات، من هنا سعى الأشاعرة في عين التحفظ على أصولهم ومبانيهم أن يصوروا بنحوٍ ما تأثير ودور الإنسان في إيجاد أفعاله، ومن هنا طُرحت نظرية الكسب. ويفهم بمراجعة أقوال علماء الشاعرة أن هناك تفاسير مختلفة للكسب، أهمها:
الكسب عبارة عن تأثير القدرة الحادثة في القيام بالفعل. وعلى أساس هذا التفسير، عندما يُريد الإنسان الاتيان بفعل غير اضطراري يحدث الله قدرة فيه وهذه القدرة الحادثة تؤثّر في وقوع الفعل المذكور.
في الجواب عن هذا التفسير يُمكن أن يقال: إذا كانت قدرة الإنسان الحادثة في عرض قدرة الله تستلزم اجتماع قدرتين على مقدور واحد وهو مُحال وإذا كانت قدرة الإنسان في طول قدرة الله، فإن الإنسان مؤثّر في وقوع فعله وهو القول بالاختيار. لكل فعل جنبتان: وجود الفعل والعنوان الزائد على وجوده، وقدرة الإنسان تؤثّر فقط في الجنبة الثانية، وبلحاظ هذا التأثير يستحق الثواب والعقاب. فوجود الأفعال مخلوق الله، ولكن عناوينها، كالصلاة أو الأكل أو الكذب أو... تنشأ من قدرة حادثة فيه، فالمقصود من الكسب أن قدرة الإنسان تؤثّر فقط في تحقق عناوين أفعاله.
في نقد هذا التفسير يُمكن القول: إذا كانت عناوين الأفعال أمور وجودية، فطبق تفسير الأشاعرة للتوحيد في الخالقية هي مخلوقة لله، وبقية الناس لا تأثير لها في الفعل، وإذا كانت العناوين أمور ذهنية واعتبارية، سوف تكون نظرية الكسب أمراً وهميّاً وغير واقعي.
قد يُقال: إن المقصود من الكسب هو أن الله يوجد الفعل المذكور في نفس وقت حدوث إرادة وقدرة الإنسان على القيام بالفعل، بدون أن تؤثّر فيه إرادة وقدرة الإنسان. في هذا التفسير يُمكن أن يُقال: إنّ صرف المقارنة بين إرادة الإنسان وتحقق الفعل الذي هو مخلوق الله، لا يصحح استناد الفعل للإنسان وتحمل مسؤوليته له، بالإضافة إلى أن إرادة الإنسان في الفرض مورد البحث، إرادة ظاهرية غير واقعية، لأن إرادته الواقعية هي التي تتعلق حقيقةً بالمراد وتقع في سلسلة علل تحقّقه. من مجموع ما قيل يُمكن استنتاج أن الأشاعرة بهدف حفظ الاعتقاد بتوحيد الله وقدرته وعلمه ومالكيته المطلقة وللتصور السطحي وغير الصحيح للصفات المذكورة، اختاروا مسلك الجبر وحتى لا يتعارض تصورهم مع الوجدان الإنساني بشكل صريح أبدعوا نظرية الكسب بتفاسيرها المختلفة والمبهمة، ولكن ينبغي القول أن نظريتهم ليس لها نصيب من الصواب وكما سوف نرى فإنها أيضاً لا تنسجم مع الآيات القرآنية.[١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٤٩-٣٥٠.