نقاش:الإيمان عند أهل السنة
الإيمان في الموسوعة الفقهية
التعريف
الإيمان مصدر " آمن " " وآمن " أصله من الأمن ضد الخوف.
يقال: آمن فلان العدو يؤمنه إيمانا، فهو مؤمن، ومن هنا يأتي الإيمان بمعنى: جعل الإنسان في مأمن مما يخاف. جاء في اللسان: قرئ في سورة براءة ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ﴾[١] من قرأه بكسر الألف معناه: أنهم إن أجاروا وأمنوا المسلمين لم يفوا وغدروا، والإيمان هنا: الإجارة.
والغالب أن يكون الإيمان لغة بمعنى التصديق ضد التكذيب[٢]. يقال: آمن بالشيء إذا صدق به، وآمن لفلان إذا صدقه فيما يقول. ففي التنزيل ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾[٣] وفيه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾[٤].
والإيمان في الاصطلاح مختلف فيه:
فقيل: هو تصديق الرسول صلى الله عليه وآله فيما جاء به من عند الله، مع إظهار الخضوع والقبول لما أتى به. فهو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
والمراد بالاعتقاد: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، على ما ورد في حديث جبريل عليه السلام.
والمراد بقول اللسان: النطق بالشهادتين.
والمراد بالعمل بالجوارح: فعلها وكفها تبعا للأمر والنهي.
قال ابن حجر العسقلاني: هذا قول السلف، وهو أيضا قول المعتزلة، إلا أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطا في صحة الإيمان، والسلف جعلوها شرطا في كماله.
وقيل: الإيمان هو: التصديق بالقلب واللسان فقط، وهو قول بعض الفقهاء بناء على أن هذا هو الوضع اللغوي للفظ (الإيمان) وأن الأصل عدم النقل. وليست الأعمال عندهم داخلة في مسمى الإيمان. فإذا وجد لدى الإنسان الإيمان وجد كاملا، وإن زال زال دفعة واحدة.
أما على قول السلف المتقدم، فإن الإيمان درجات بحسب قوة التصديق لوضوح الأدلة وجودة الفهم. ويزيد الإيمان بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ويفاضل الناس فيه.
واستشهد لهم بقول الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾[٥] وقول النبي صلى الله عليه وآله في حديث الشفاعة يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان[٦].[٧]
الفرق بين الإسلام والإيمان
الإسلام لغة: الاستسلام، وشرعا: النطق بالشهادتين والعمل بالفرائض، فالإيمان أخص من الإسلام، إذ يؤخذ في معنى الإيمان - مع النطق والعمل - التصديق، والإحسان أخص من الإيمان. فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، ولا عكس.
قال الأزهري في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[٨] قال: الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وبه يحقن الدم. فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك هو الإيمان، الذي يقال للموصوف به هو مؤمن مسلم.
فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم؛ لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، فذلك الذي يقول: أسلمت. وحكمه في الظاهر حكم المسلمين[٩].
وفي العقائد النسفية وشرحها أن الإيمان والإسلام شيء واحد، أو أن أحدهما لا ينفك عن الآخر[١٠].
ويرى بعض العلماء أن الإيمان والإسلام إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده. وإن قرن بينهما تغايرا، على وزان ما قالوه في (الفقير) (والمسكين)[١١]
الحكم الإجمالي
الإيمان واجب، بل هو أعظم الفرائض. ولا يعتبر التصديق إلا مع التلفظ بالشهادتين من القادر[١٢]. والامتناع من التلفظ - مع القدرة عليه - مناف للإذعان.
وقد اختلف في جواز التقليد في الإيمان، على قولين[١٣].
والإيمان شرط في قبول العبادات؛ لقول الله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[١٤] وقوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾[١٥] ونحوهما من الآيات.
أَمَّا صِحَّةُ الأَْعْمَال ظَاهِرًا وَجَرَيَانُ الأَْحْكَامِ عَلَى الشَّخْصِ، كَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُشْتَرَطُ لَهَا الإِْسْلاَمُ فَقَطْ، إِذِ التَّصْدِيقُ وَالاِعْتِقَادُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الأَْحْكَامُ الظَّاهِرَةُ.
وقد يكون الإسلام شرط وجوب، كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والجهاد حيث وجبت، فإنما تجب ظاهرا على المسلمين.
من أجل ذلك، وأن مباحث الفقه منصبة على الأمور الظاهرة، فإن الفقهاء يستعملون غالبا في بيانهم للأحكام الشرعية لفظ (الإسلام) ، ويجعلونه متعلق الأحكام، دون لفظ (الإيمان) ولذلك ينظر ما يتعلق بذلك في موضعه.
وإذا وجدت الردة - بارتكاب أحد المكفرات اختيارا - أبطلت الإسلام والإيمان ظاهرا. وخرج صاحبه منه إلى الكفر اتفاقا.
أما الفسق والمعاصي فلا يخرج بهما المؤمن من الإيمان على قول أهل السنة. وعند الخوارج يخرج بهما من الإيمان ويدخل في الكفر. وعند المعتزلة يخرج من الإيمان، ولا يدخل الكفر، بل هو في منزلة بين المنزلتين[١٦].
وفي حكم الاستثناء في الإيمان، بأن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله اختلاف، والحقيقة أنه خلاف لفظي؛ لأنه لو قصد حقيقة التعليق لا يكون مؤمنا بالإجماع، ولو قصد التبرك والتأدب، بإسناد الأمر والتفويض إلى الله سبحانه وتعالى تبركا، فلا يمكن القول بأنه غير مؤمن [١٧].
شُعَب الإيمان
الإيمان أصل تنشأ عنه الأعمال الصالحة وتنبني عليه، كما تنبني فروع الشجرة على أصلها وتتغذى منه، وقد جاء في الحديث الصحيح الإيمان بضع وستون، أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان[١٨]. وقد ذكر الله تعالى منها جملة في أول سورة (المؤمنون) . وتتبع بعض العلماء باقي العدد من الكتاب والسنة[١٩].
وإتماما لهذا المصطلح تراجع كتب العقائد والتوحيد[٢٠].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة التوبة، الآية 12.
- ↑ لسان العرب، وشرح العقائد النسفية ص ١٥١ دار الطباعة العامرة باستنبول ١٣٠٢ هـ.
- ↑ سورة يوسف، الآية 17.
- ↑ سورة الدخان، الآية 21.
- ↑ سورة التوبة، الآية 124.
- ↑ وانظر لما مضى من هذه المسألة: فتح الباري (١ / ٤٦، ٤٧، ٧٣ ط السلفية) ، وكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص ٥٤، ٧٢ ط المطبعة العمومية، بدمشق) مع كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٢٤١ - ٢٦٠) ، وشرح العقائد النسفية (ص ١٥٦ وما بعدها) . وحديث: " يخرج من النار من كان. . . " أخرجه البخاري ضمن حديث الشفاعة (الفتح ٣ / ٤٧٣ - ٤٧٤ ط السلفية) ، ومسلم (٤ / ١٨٣١ ط الحلبي) .
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج7، ص 314.
- ↑ سورة الحجرات، الآية 14.
- ↑ لسان العرب مادة " أمن ".
- ↑ شرح العقائد النسفية ص ١٦٠.
- ↑ كشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٩٧.
- ↑ شرح جمع الجوامع ٢ / ٤١٧.
- ↑ شرح جمع الجوامع ٢ / ٤٠٣.
- ↑ سورة النحل، الآية 97.
- ↑ سورة النور، الآية 39.
- ↑ كتاب الإيمان لابن تيمية ص ٢٨٠، وجمع الجوامع وشرحه وحاشية البناني ٢ / ٤١٨، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص ١٤١.
- ↑ الإيمان لأبي عبيد ص ٦٧، وشرح العقائد النسفية ص ١٦٢.
- ↑ حديث: " الإيمان بضع وستون شعبة. . . " أخرجه مسلم (١ / ٦٣ ط الحلبي) .
- ↑ انظر فتح الباري في شرح كتاب (الإيمان) من صحيح البخاري ١ / ٥٣، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي ط الدار السلفية في بومبي بالهند، ومختصر شعب الإيمان للبيهقي اختصره أبو جعفر القزويني ط المنيرية ١٣٥٥ هـ، والجامع في شعب الإيمان للحليمي. بيروت دار الفكر.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج7، ص 316.