الإيمان عند أهل السنة

التعريف

المعنى اللغوي

الإيمان مصدر الفعل الرباعي آمن وأصله أأمن، وأعلت الهمزة الثانية بالقلب ألفاً؛ لكونها ساكنة والتي قبلها متحركة بالفتح، وهو أصل يدل على معنيين:

  1. إعطاء الأمن والأمان والطمأنينة؛ الذي هو ضد الخوف، وآمنته ضد أخفته.
  2. التصديق الذي هو ضد التكذيب.

وإذا قال العبد: آمنت بالله تعالى رباً، أي: صدقت به، واطمأننت لأمره.

فالإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان [١].

ويرى ابن تيمية أن الإيمان بمعنى الإقرار؛ فيقول: ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد [٢].[٣]

المعنى الاصطلاحي

الإيمان: «التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به، والانقياد له ظاهراً وباطناً» [٤].

فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية [٥]، «ويشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله» [٦].

وهو تصديق القلب واعتقاده، المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح [٧].[٨]

الإيمان في الاستعمال القرآني

ورد الجذر (أمن) في القرآن الكريم (٨٧٩) مرة، يخص موضوع البحث منها (٨١١) مرة [٩].

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة عدد المرات المثال
الفعل الماضي ٣٤٢ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ[١٠]
الفعل المضارع ١٧٥ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[١١]
فعل الأمر ١٩ ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ[١٢]
المصدر ٤٥ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ[١٣]
اسم فاعل ٢٣٠ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ[١٤]

وجاء الإيمان في الاستعمال القرآني على وجهين [١٥]:

  1. التصديق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ[١٦].
  2. الإسلام والتوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[١٧].

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ[١٨].[١٩]

الألفاظ ذات الصلة

الإسلام

الإسلام لغة: الاستسلام، والانقياد [٢٠].

الإسلام اصطلاحاً: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله [٢١].

الصلة بين الإيمان والإسلام: لم يفرق أهل العلم بين الإيمان والإسلام حال افتراقهما، وإنما كان التفريق بينهما حال اقترانهما، فقالوا: إذا افترقا اتفقا، وإذا اقترنا اختلفا، فقالوا: إن الإسلام هو القيام بشرائع الإسلام الظاهرة، والإيمان هو التصديق الجازم بالغيب، وهذا كما جاء في حديث جبريل، حيث فسرهما النبي (ص) بذلك، ومن هذه الحيثية نجد أن الإسلام أعم من الإيمان، وحقيقة الأمر: أن العبد لا يكون مسلماً إلا إن كان مؤمناً، و لا يكون مؤمناً إلا إن كان مسلماً.[٢٢]

الإحسان

الإحسان لغة: الإحسان من أحسن يحسن إحساناً، وهو ضد الإساءة [٢٣].

الإحسان اصطلاحاً: هو إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه [٢٤].

الصلة بين الإيمان والإحسان: الإحسان أعلى درجات الدين، وإذا انفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا انفرد الإحسان دخل فيه الإسلام والإيمان.[٢٥]

اقتران الإيمان بالعمل الصالح

تكررت جملة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[٢٦] في القرآن (٥١) مرة.

وهذه الجملة هي الصيغة، وهي معظم ما اقترن به الإيمان مع العمل الصالح في صيغ الاقتران بينهما، والتي بلغت (٦٩) مرة [٢٧].

وهذا الاقتران يدل على ارتباطهما الوثيق وتلازمهما المستمر، فلا إيمان بدون عمل صالح يعبر عنه ويبرهن عليه، ولا قيمة للعمل الصالح بدون إيمان يقوم عليه ويركن إليه، فالإيمان بدون عمل كالشجر بلا ظل ولا ثمر، والعمل الصالح بدون إيمان كالجسد بلا روح [٢٨].

المقصود بالعمل الصالح: ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع المسنون.

ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً» [٢٩].

وقال ابن عاشور: «العمل الصالح: هو العمل الذي يصلح عامله في دينه ودنياه صلاحاً لا يشوبه فساد، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين» [٣٠].

«والعمل الصالح واسع الدائرة إلى حد يشمل كل شيء في الحياة تباشره باسم الله، ولقد عد الإسلام أعمالاً كثيرة صالحة لم تكن تخطر ببال الناس أن يجعلها عملاً صالحاً وقربة إلى الله تعالى، فجعل كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يهدي حائراً أو يعلم جاهلاً، أو يدفع شراً عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعاً إلى كل ذي كبد رطبة..جعل كل ذلك عملاً صالحاً ما دامت النية فيه خالصة لوجه الله الكريم» [٣١].

ومما يستنبط من اقتران الإيمان والعمل الصالح:

  1. أن الإيمان علم وأس والعمل بناء، ولا غناء للأس ما لم يكن بناء، كما لا بناء ما لم يكن له أس، فإذاً حقهما أن يتلازما لذا قرن بينهما.
  2. أن الغالب في اقتران الإيمان والعمل الصالح، الحديث بصيغة الجمع ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[٣٢] وهذه الصياغة جاءت جمعاً في المتحدث عنهم وعن أعمالهم، فهم جماعة تبنوا تصوراً واحداً، وأسسوا على هذا التصور أعمالاً صالحات في جميع مناحي الحياة، يصح أن تقوم عليها نهضة حضارية، يقود بها أهل الإيمان والعمل الصالح الأمة إلى الخير والصلاح.
  3. ترتب على الإيمان والعمل الصلاح الفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ[٣٣]. أي: الناجحين بالمطلوب، الناجين من المرهوب [٣٤]، الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين [٣٥].[٣٦]

المؤمن من أسماء الله تعالى

سمى الله تعالى نفسه الكريمة بالمؤمن، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ[٣٧].

من معاني المؤمن في حق الله تعالى:

  1. شهادته سبحانه لنفسه بالتوحيد: قال الزجاج: سمى الله نفسه مؤمناً؛ لأنه شهد بوحدانيته، فقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ[٣٨]. كما شهدنا نحن [٣٩].
  2. الذي أمن عباده من ظلمه: قال الطبري: «المؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه» [٤٠]. وقال الزجاج «ويقال إنه في وصف الله تعالى يفيد أنه الذي أمن من عذابه من لا يستحقه» [٤١].
  3. الذي صدق رسله (ع): قال السعدي: «المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدل على صدقهم وصحة ماجاؤا به» [٤٢].

معنى المؤمن في حق المخلوقين: سمى سبحانه وتعالى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ[٤٣].

ومعنى المؤمن إذا وصفنا به المخلوقين: هو الواثق بما يعتقده المستحكم الثقة [٤٤].

وبمعرفة الإنسان المؤمن لمعاني هذا الاسم في حق الله يطمئن قلبه إلى ربه سبحانه وتعالى، وما وعده من سعادة في الدنيا ونعيم في الآخرة، ويوجب عليه أن يثق بما يعتقده.[٤٥]

أركان الإيمان في القرآن

للإيمان ستة أركان، أربعة منها مذكورة في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[٤٦].

روى الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي (ص) ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قال النبي (ص): «وَ أَحَقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ» [٤٧].

قال ابن عطية: «سبب هذه الآية أنه لما نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ[٤٨].

أشفق منها النبي (ص) وأصحابه، ثم تقرر الأمر على أن قالوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم، وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى» [٤٩].

وقال ابن كثير: «أخبر سبحانه وتعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين، فقال: فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد (ص)، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين» [٥٠].

«إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين، الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق الزمان، السائرة في موكب الدعوة وموكب الرسول وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري، الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين: صف المؤمنين وصف الكافرين، حزب الله وحزب الشيطان، فليس هنالك صف ثالث على مدار الزمان» [٥١].

ويستفاد من هذه الآية: ثناء الله تعالى على رسوله وعلى المؤمنين في إيمانهم إيماناً خالصاً يتفرع عليه العمل، وأن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

والركن الخامس من أركان الإيمان هو: الإيمان باليوم الآخر، ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ[٥٢].

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً[٥٣].

والركن السادس من أركان الإيمان هو: الإيمان بالقدر خيره وشره، ذكر في الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب حين سأل جبريل النبي عن الإيمان فقال: ( ... فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت) [٥٤].

وهذه الأركان الستة هي التي بعث الله بها الرسل وأنزل بها الكتب، ولا يقبل إيمان عبد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله (ص).

وسوف نتناول هذه الأركان فيما يلي[٥٥]:

الإيمان بالله تعالى

الإيمان بالله: هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه [٥٦].

والإيمان بالله يتضمن توحيده في ثلاثة: ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته، ومعنى توحيده في هذه الأمور: اعتقاد تفرده بالربوبية والألوهية وصفات الكمال وأسماء الجلال.

وسوف نتكلم عن الإيمان بالله تعالى [٥٧] في النقاط الآتية[٥٨]:

الوجود الإلهي

فالقرآن الكريم يحدثنا عن الله تبارك وتعالى من حيث هو ذات حقيقية، وله وجود حقيقي لا يشبهه شيء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٥٩]. وهو سبحانه وتعالى الأول قبل كل شيء، وهو الآخر بعد كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٦٠].

وكما قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[٦١].

وهو سبحانه وتعالى بذاته وجود غيبي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ولكنه يعرف بآثاره في كل شيء، وتقوم كل دروب الأدلة على وجوده وتفرده، واستحقاقه لكل صفات الكمال.

ودليل وجوده سبحانه وتعالى: هو العقل والفطرة والشعور الباطني، وكل ما خلق الله.

أما دليل العقل: فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ[٦٢].

وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار أن الله خلقهم.

«وقد تقرر في العقل مع الشرع، أن الأمر لا يخلو من أحد ثلاثة أمور:

  1. إما أنهم خلقوا من غير شيء، أي: لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد، وهذا عين المحال.
  2. أم أنهم خلقوا أنفسهم، وهذا أيضاً محال، فإنه لا يتصور أن يوجدوا أنفسهم. فإذا بطل هذان الأمران، وبان استحالتهما، تعين.
  3. أن الله خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى.

وقوله: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ[٦٣].

وهذا استفهام يدل على تقرير النفي، أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمر واضح جداً. ولكن المكذبين ﴿لَا يُوقِنُونَ أي: ليس عندهم علم تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة الشرعية والعقلية» [٦٤].

فبداهة العقل عند كل إنسان تقضي أن لكل مصنوع صانعه، وأن لكل حادث موجده؛ ولذلك ذهب القرآن الكريم ودأب على حثهم على التفكر، وعلى تقليب النظر في ملكوت السماوات والأرض، وملاحظة جانب الإبداع في هذا الخلق؛ فإن ذلك يقتضي من صاحبه أن يوقن يقيناً مطلقاً، وأن يؤمن الإيمان الوثيق بهذه الذات العليا التي تقوم على هذا الخلق العظيم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ[٦٥].

ويقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ[٦٦].

أما دليل الفطرة المركوز في النفس فمقرر في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[٦٧].

يقول تعالى: «فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره»[٦٨].

«وهذه الدلائل يصل بها الإنسان إلى معرفة قوة عليا مهيمنة، لكنه لا يستطيع بنفسه الوصول إلى معناها الصحيح، ولا إلى معرفة حقوقها وأوصافها على وجه صادق، ولذلك كان الطريق الوحيد لهذه المعرفة الصحيحة، هو الوحي الإلهي، وقد علم الله تعالى- عباده ذلك منذ خلق آدم، ثم أرسل رسله تترى لمقارعة الجاهليات ولتصحيح المعتقدات، فلم يزل اسمه سبحانه وتعالى ومسماه شائعاً معروفاً بين الأمم في كل العصور حتى في أوساط المشركين، كما قص القرآن علينا ذلك عنه مراراً سبحانه وتعالى ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ[٦٩].

ولذلك كان الاعتراف بهذه الذات العليا حقيقة عالمية لم يشذ عنها إلا المكابرون، المعاندون من الطواغيت كالفراعنة، أو آحاد من الطبيعيين والدهريين» [٧٠].[٧١]

الوحدانية

هذه الصفة تعني تفرده سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس له في ذلك شريك، ولا نظير ولا مقارب، أو مثيل، وهذه الحقيقة جعلها الله سبحانه وتعالى فاتحة التكليف ومحور الدين، وعليها تتأسس كلياته وجزئياته، ولم يكن الوجود الإلهي قضية بين الوحي والأمم لشيوعه بينهم، ولتسلميهم به، ولكنهم كانوا يتخذون معه سبحانه وتعالى شركاء، تحت مختلف الدعاوى والأسماء، حتى قالوا ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ[٧٢].

ويقولون كما قال ربنا عنهم: ﴿ْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ[٧٣].

لذلك كان الأصل والأساس الذي بعثت به الرسل، ونزلت من أجله الكتب هو: تقرير وحدانية الله تعالى، وتنزيهه عن الشركاء، والأنداد، والنظراء والصاحبة، والأبناء، وصرف وجوه العباد إليه وحده سبحانه، وتفريده وحده في الاعتقاد والعمل، والعبادة والطاعة بالذكر والدعاء، وسائر ما لا يليق إلا به وحده سبحانه وتعالى، لذلك كان لصفة الوحدانية الصدارة في الصفات الإلهية جميعاً، فهي حقيقة الحقائق الواقعية من حيث الوجوب، ثم هي أصل الحقائق التشريعية من ناحية الورود، ومن ثم فقد جاءت أدلتها دالة بالطريق الأولى على الوجود الإلهي، وهي دلائل متعددة، ولهذا كله أبرزها القرآن الكريم إبرازاً، وقص علينا من أنباء الرسل ما يؤكد أمرها، وأنها كانت محور دعواتهم جميعاً ولب رسالتهم، ومدخلهم إلى استتباع الناس لدين الله تعالى، فجاء على لسان كل من نوح وهود وصالح وشعيب ألفاظ واحدة ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[٧٤].

وعلى هذا النمط جاءت دعوة الرسل (ع) جميعاً كما يذكر القرآن ذلك تفصيلاً، حتى علم خاتمهم محمداً (ص) أن يقول للناس هذه الكلمات المتفردة في الإيجاز والإعجاز، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ[٧٥].

وهذه الآيات على وجازتها شاملة لأصول الصفات الإلهية، وردت على جميع أنواع الملحدين فيها، ثم هي مقررة لأسمى العقائد اللائقة بالله عز وجل، ومصححة لضلالة أهل الكتاب، ناهيك عن المشركين والملحدين، وكفى بها دلالة على صدق النبي الأمي في نسبة هذا الدين إلى الوحي الإلهي؛ ولذلك جاء في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي الدرداء، عن النبي (ص)، قال: «قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ اَلْقُرْآنِ» [٧٦] أي: أنها تعدل ثلث القرآن، أو هي ثلث القرآن من حيث دلالتها على أهم مقاصده، وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى .

فالآية الأولى: إثبات للوحدانية بأبلغ وجه، ولذلك قالوا إن لفظ الأحد خاص بوصف الله لا يوصف به غيره، فلا يقال: رجل أحد، إنما يقال: الله أحد.

والثانية: بيان لأسباب (أحديته) سبحانه، بتقرير أنه السيد الكامل في جميع صفاته وأفعاله، المقصود في جميع الحوائج وهو الغني عن كل شيء.

والثالثة والرابعة: بيان لهذه الأسباب أيضاً بتقرير تفرد ذاته عن الأصول والفروع، لم يلد ولم يولد وما يلزمها من الصاحبة، أماً أو زوجاً؛ ولذلك تنزه عمن يكون في درجته، وإن لم يكن أصلاً ولا فرعاً، وهذا التفصيل جاء على سبيل الحصر في دعوة الرسل جميعاً على ما قرره القرآن الكريم على سبيل الإجمال والتعميم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[٧٧].

ويؤخذ من هذا:

  1. أن الوحدانية وحي إلهي لكل الرسل، لم يوكلوا فيه إلى أفهامهم وعقولهم الراجحة، حتى هذه العقول الراجحة لا توكل إليها قضية الوحدانية والتوحيد، لذلك يتولى الوحي الإلهي تقريرها.
  2. أنها رأس الوحي وأفضله وأوله، وقد جاء ذلك في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، أن النبي (ص) قال: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَ خَيْرَ مَا قُلْتُ أَنَا وَ النَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهِ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرُ» [٧٨].
  3. أن هذه الحقيقة الاعتقادية الأولى تستلزم خضوعاً كلياً لله تعالى، متمثلاً في إفراده بالعبادة والطاعة عملاً، بعد إفراده بالوحدانية اعتقاداً، ولذلك ختمت بها الآية الجامعة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، وجاء تفصيلاً على لسان كل رسول ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[٧٩]، وقررها القرآن الكريم كثيراً بالإجمال والتفصيل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ[٨٠].
  4. أن الآيات الكريمة تستعمل دائماً أسلوب النفي مع الإثبات خاصة في مجال التكليف الذي يقصد فيه الأمرين جميعاً، أعني: إثبات الوحدانية لله تعالى ونفيها عن كل شيء عداه، تأكيداً لتفرده عز وجل، وإبطالاً لدعوى المشركين والملحدين في كل زمان»[٨١].[٨٢]
أقسام الإيمان بالله تعالى

يقتضي الإيمان بالله تعالى إفراده تعالى بحقوق لا تكون لغيره، وهذا هو معنى التوحيد الذي يتحقق بامتثال العبيد لهذه العقيدة التي كلفوا بها في معناها الواسع، وفي مدلولها الشامل:

  1. ففي جانب الربوبية: يجب اعتقاد تفرد ذات الله عز وجل عن كل شبيه ونظير، وتفرده سبحانه وتعالى بكل صفات الخلق والملك، والتدبير والتأثير، وكل معاني الربوبية.
  2. وفي جانب الإلهية: يجب اعتقاد تفرده سبحانه وتعالى بحق العبادة والطاعة، والأمر والحكم، والاستعلاء، وكل ما هو داخل في معنى الألوهية. وهذا تقسيم بحسب المعاني، وإلا فهما وصفان لله الواحد الأحد المتفرد بهما، والتوحيد هو جميع هذين الأمرين معاً، فلا يقبل التجزئة ولا الانقسام، ولما كان ادعاء الخلق والتدبير لغير الله عز وجل لا يكاد يوجد إلا على سبيل المكابرة والمهاترة، وكان الذي كثر في الأمم وشاع: هو اعتقاد أن لغير الله تعالى حقاً ما في الطاعة أو العبادة؛ لذلك تركز تصحيح الرسل (ع) على هذا الجانب، وكثر النزاع بينهم وبين أقوامهم فيه؛ ولذلك كانت الدعوة إلى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» هي مفتاح الدخول في الإسلام، ومعول نقض الجاهلية؛ لأن معناها اعتقاد تفرد الله تعالى بالعبادة والطاعة وحده لا شريك له، وأول ما يترتب عملياً على ذلك هو قبول منهاجه ودينه، ورفض مناهج البشر والطواغيت من السدنة، والكهنة، وأصحاب السلطان، والتخلص من شرائعهم وقوانينهم وأعرافهم، ومن هنا كان هذا التوحيد خطراً داهماً على هؤلاء وأمثالهم، فكانت العدوات تندلع بينهم وبين الأنبياء بادئ الأمر بلا روية، وكأنها قانون يتكرر باطراد، كما قال ورقة بن نوفل للنبي (ص) في مطلع الوحي، حين جاء يسأل ورقة، فقال له: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ» [٨٣]. «ومن هنا يتضح ارتباط هذه القضية بأصل الأصول وهو التوحيد، وأن الإخلال فيها وضعاً أو اتباعاً هو إخلال بهذا الأصل، فإن كان الإخلال اعتقاداً صار شركاً يبطل التوحيد، وإن لم يصل إلى درجة الاعتقاد كان من كبائر الإثم، بل كان تطاولاً خطيراً على حق الله المتفرد في الحكم والأمر، وعلى حقه في العبادة والطاعة، يوجب على المؤمنين أن ينكروه وأن يبرؤوا منه، وأن يقاوموه بكل الطرق التي حددتها شريعة الله تعالى، حتى يفيء أصحابه إلى أمر الله عز وجل، ومن ناحية أخرى: كان الإخلال بالتوحيد في هذا الجانب الخطير هو المسئول عما تعانيه البشرية من كوارث شاملة، خلقية كانت أو اجتماعية، أو سياسية، وذلك لاحتراف الإنسان أمر التشريع وهو لا يحسنه ولا يحيط به خبراً، وقد كان الخطأ في المعرفة الصحيحة للإله الواحد، واستخدام هذه المعرفة في الحياة اليومية، أحد الأسباب الأساسية في اضطراب الحضارة المعاصرة» [٨٤].
  3. التفرد بصفات الكمال المطلق: فما من صفة من صفات الكمال المطلق الذي لا تحده نسبة ولا إضافة إلا والله تبارك وتعالى متصف بها، فوق ما تتصوره عقولنا المحدودة، يقول الله تعالى في تقرير اختصاصه بالخلق ابتداء، ثم الإعادة، وفي تقرير كونها أهون عليه، مع أنهما أمران عظيمان، تحار فيهما العقول.

يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[٨٥].

ويقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى[٨٦].

وجماع ذلك كله: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٨٧]. أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه [٨٨].

وهذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات.

ونذكر هنا ببعض الصفات التي أكد الله تعالى عليها في كتابه العزيز.

  1. العلم: فالله عز وجل يعلم الأشياء كلها علم إحاطة وانكشاف، السر عنده علانية، الغيب عنده شهادة، ولا تقف أمامه حوادث الزمان والمكان، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وقد أحصى ذلك عداً ووصفاً، وكل شيء كما قال ربنا: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ[٨٩]. وقال ربنا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ[٩٠]. وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[٩١]. وهذا الكتاب المبين: هو اللوح المحفوظ، وهو سبحانه وتعالى لا يعلم الأمور الجزئية فحسب؛ بل ما دون ذلك من الخفيات والطويات، ولقد قال للكفار حين ظنوا أنه لا يسمع تآمرهم ونجواهم، قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٩٢]. بل إن علمه سبحانه وتعالى أدق وأشمل من كشف سرهم، إذ يصل إلى ما هو أبعد من ذلك ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[٩٣]. وأي شيء أخفى من السر؟ لعلة ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، أو لعله ضمير النفس، كما يقول بعض المفسرين، وهذا ما يسمى حديثاً باللاشعور، حيث لا علم لصاحبه به ولا سيطرة له عليه، ولعله ما يمرق من الخواطر من سوانح الفكر، التي تمضي كلمع البرق أو تتتابع كلمح البصر، والقرآن الكريم فياض بذكر هذه الصفة، وبسعة مدلولها وامتدادها، ومصرح بأن من الأشياء ما استأثر الله بعلمه، ولا سبيل لخلق ما إلى معرفته. ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ[٩٤]. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ[٩٥]. وهو سبحانه وتعالى يحيط علماً وخبراً بكل خلقه، حتى الذر في أحجاره، والطير في أوكاره، والثمر في أكمامه، والأجنة في الأحشاء، وكل غائبة في الأرض وفي السماء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ[٩٦]. ويقول ربنا سبحانه ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ[٩٧]. ويقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[٩٨]. وهو في كل هذا العلم رقيب شهيد وقريب، يسمع ويرى، فعلمه ليس انطباعاً من قراءة كتاب، أو إدراكاً من خبر ملك ونحوه؛ ولذلك كان من أسمائه الحسنى: الشهيد، الذي يدل على هذا العلم الحضوري الذي تنكشف له به الأشياء، انكشافاً تاماً بلا سبق خفاء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[٩٩]. فهذا علم مطلق شامل محيط، لا يقاس بعلم غيره، وهو وحده سبحانه وتعالى المتفرد به، وهذه العقيدة إحدى الدعائم الأساسية التي يقوم عليها التشريع الإلهي، من حيث ابتداء وضعه على سلامة واستقامة، ومن حيث لزوم تطبيقه بوازع الضمير، الذي ينقدح فيه دائماً: أن الله تبارك وتعالى يعلم سره ونجواه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
  2. القدرة: بعد العلم القدرة، وهي ككل صفاته عز وجل الثبوتية مطلقة شاملة، لا تحجزها العوائق، ولا تقف دونها العقبات، ولا تحد بحدود العقل البشري، ولا بغيره من أدوات الخلائق. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٠٠]. وإن حرف تأكيد، وشيء نكرة عامة أضيف إليها أداة عموم، وهي لفظ، كل فأفادت قدرة الله تعالى المطلقة على عموم الأشياء بلا استثناء، ومهما تعاظم العقل أمراً من أمور النشأتين، فهو سهل يسير في رحاب هذه القدرة العظمى، كما قال ربنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ[١٠١]. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ[١٠٢]. ويقول ربنا: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[١٠٣]. ويقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً[١٠٤]. ويقول ربنا سبحانه وتعالى في آية عامة جامعة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[١٠٥]. ونجد غير ذلك كثيراً جداً في القرآن، فهذه إذن قدرة ذات تأثير شمولي في كل أبعاد الكون، أحياءً وأمواتاً، ما نعلمه وما لا نعلمه، والله تعالى وحده هو المتفرد فيها بالتقدير والتأثير، فتبارك الله رب العالمين.
  3. الأسماء الحسنى: وهي كلها أوصاف كمال وجلال لله رب العالمين، جرت مجرى الأسماء، وجاءتنا عن طريق الشرع إجمالاً، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَياً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ا[١٠٧]. وورد بعضها تفصيلاً كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[١٠٨]. وقد ورد في السنة أيضاً ذكرها إجمالاً، كقوله (ص) فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلَّا وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [١٠٩].

وتفصيلاً وردت في عدة روايات، وذكر معظمها في القرآن الكريم نثراً في مواضع كثيرةً، وهذه الأسماء قد لوحظ فيها المعاني العظيمة التي تدل عليها، وهي تعطي المعنى الحقيقي الكامل للعقيدة الإلهية، ويتم بها الوصف الشامل للإله الحق المطلق الخير والقوة جميعاً، كما أراد أن يعلم عباده وأن يعرفهم نفسه على ما هو عليه من كمال وجلال وسمو وتفرد، وشدة واقتدار.

الله تعالى حاكماً وشارعاً: يقول الشيخ محمد المدني: «القرآن الكريم فرغ من قضية التوحيد، ومن محاجة المشركين، وفرغ من إقامة الدليل على بطلان زعمهم في أن لله شركاء يعبدون، كما يعبد، ويرجون كما يرجى، فرغ القرآن الكريم من هذه القضية، حين كان ينزل في مكة ويقرع المشركين، أما وقد صار المسلمون مجتمعاً جديداً مؤمناً في المدينة، فإن القرآن الكريم لا يتناول أمر الوحدانية كقضية يناضل عنها على الوجه الذي كان في البيئة المكية المشركة، ولكنه يتحدث عنها على نحو آخر، نرى في سورة النساء مظهراً له (التوحيد عملاً بعد التوحيد علماً)، فهو يتحدث عن وحدانية الله، كما يجب أن يستقر في المجتمع عملاً بعد أن قامت الأدلة عليه حجة ونظراً، فبينما هو يقول في إيجاز: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً[١١٠]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[١١١].

فلا يعدو أن يكون مذكراً بقضية استقرت، وقام الدليل من قبل على صحتها، نراه يتحدث عن الله تعالى مشرعاً، يجب على الناس أن يتلقوا أحكامهم عنه، وأن يؤمنوا إيماناً خالصاً بأنه هو وحده صاحب الحق المطلق في ذلك، من جهة أنه هو الخالق، ومن جهة أنه هو المتصف بالصفات التي لا بد منها فيمن يشرع، ومن جهة أنه رقيب لا يغيب» [١١٢].

ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز: «نتحدث عن المقصد الثالث من مقاصد سورة البقرة، والخطوات التي مهدت له في السورة الكريمة، ثم يقول:

الخطوة الأولى: تقرير وحدة الخالق المعبود.

الخطوة الثانية: تقرير وحدة الآمر المطاع، وهي ركن من عقيدة التوحيد في الإسلام، فكما أن من أصل التوحيد ألا تتخذ في عبادتك إلهاً من دون الرحمن الذي بيده الخلق والرزق والضر والنفع، كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغيره حكماً في سائر تصرفاتك، بل تعتقد أنه لا حكم إلا له، وأن بيده وحده الأمر والنهي، والحلال ما أحله والحرام ما حرمه، ومن استحل حرامه أو حرم حلاله فقد كفر، وكما أنه لا يليق أن يكون هو الخالق ويعبد غيره، والرازق ويشكر سواه، كذلك لا يليق أن يكون هو الحاكم ويطاع غيره.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[١١٣]، ولقد سلك في تقرير هذه الوحدة التشريعية نحواً من مسلكه في تقرير الوحدة الإلهية» [١١٤]

ويقول الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد حفظه الله: «أن قبول شريعة الله عز وجل ليست أمراً من أمور التكليفات الفرعية، وإنما هي أمر ملزم واجب بمقتضى عقد التوحيد، وشهادة التوحيد، فإذا قال العبد: «لا إله إلا الله» معناها: أنني لا أعبد ولا أطيع إلا الله، وعلى أي وجه يطيع الله؟ لا يعبد الله إلا بما شرع، والله عز وجل ما شرع إلا ما علمه وبعث به محمداً (ص)، ومن هنا جاءت شهادة التوحيد مقترنة بشهادة محمد رسول الله، فيتلخص من ذلك: أن العبد المؤمن يقول: أشهد أني لا أطيع ولا أعبد أحداً إلا الله على الوجه الذي جاءنا به محمد (ص)؛ والمقرر في كتاب الله وفي سنة رسول الله (ص) ولذلك إذا انفصل المجتمع عن هذا فهذا الانفصال الهائل الذي وقع في أرجاء العالم الإسلامي دل على أن هناك انفصاماً هائلاً في عقيدة التوحيد.

لابد أن نعي هذه القضية وأن نفهمها جيداً، هنا ارتباط كامل بتقرير شريعة الله وقبول هذه الشريعة في واقع الحياة، ربما يخطأ الإنسان، أو ربما يقع في معصية فيستغفر ويعود، لكن أن يرفض شريعة الله في واقعه، وأن تستبدل القوانين الوضعية بشريعة الله سبحانه وتعالى أو توضع فوقها أو تقدم عليها، فهذا أمر في غاية الخطورة، وينبغي أن ينتبه إليه العلماء والدارسون والباحثون، وعليهم المسئولية في أن يعلموا أمتهم وشعوبهم ومؤسساتهم في كل أرجاء العالم الإسلامي، هذا الارتباط الذي لا يقبل الانفصام بين قبول شريعة الله عز وجل وبين عقيدة التوحيد» [١١٥].[١١٦]

الإيمان بالملائكة

قال ابن تيمية: «الملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة» [١١٧].

الملائكة في الاصطلاح: «أجسام نورانية لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السموات، وأبطل من قال: أنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرة التي فارقت أجسادها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها» [١١٨].

والإيمان بالملائكة: هو اعتقادهم عباداً لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم [١١٩].

والإيمان بالملائكة من أركان الإيمان، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[١٢٠].

ومن ينكر وجودهم فقد كفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً[١٢١].

قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهاباً وجوراً بعيداً؛ لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده [١٢٢].

ويستفاد من الآية: أن الكفر بشيء من هذه الأركان كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض. وتقديم الملائكة على الرسل؛ لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله.

و سوف نتناول الإيمان بالملائكة في النقاط الآتية:

  1. خلقهم: أخبر سبحانه وتعالى أنه قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض قوماً يخلف بعضهم بعضاً لعمارتها. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[١٢٣]. ويفهم من الآية: أن الملائكة خلقت قبل آدم (ع) [١٢٤].
  2. المادة التي خلقوا منها: وعن المادة التي خلقوا منها روى مسلم بسنده عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص): «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ» [١٢٥].
  3. الصفات الخلقية:
    1. قدرتهم على تمثلهم بالبشر: أخبر سبحانه وتعالى أن أرسل إلى مريم الملك جبريل، فتمثل لها في صورة إنسان تام الخلق. قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً[١٢٦]. أي: تمثل جبريل لها بشراً مستوي الخلق، لم يفقد من نعوت بني آدم شيئاً، قيل: ووجه تمثل الملك لها بشرا؛ أنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته [١٢٧]. وقد جاء الملائكة إبراهيم في صورة بشر، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ[١٢٨]. قوله: ﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ، وذلك أن الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شُبَان حسان، عليهم مهابة عظيمة [١٢٩].
    2. لهم أجنحة: أخبر سبحانه وتعالى أنَ من عظيم قدرته أنَ جعل الملائكة أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع تطير بها؛ لتبلغ ما أمرت به سريعاً. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٣٠]. قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة [١٣١]. روى مسلم بسنده عن عبد الله، قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[١٣٢]. قال: (رأى جبريل (ع) له ستمائة جناحٍ) [١٣٣].
  4. علاقة الملائكة بالله تعالى: علاقة الملائكة بالله هي علاقة العبودية الخالصة له، وفعل ما يأمرهم به، قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[١٣٤]. وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[١٣٥]. أي: ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات [١٣٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ[١٣٧]. وصف تعالى حالهم من تواضعهم وإدمانهم للعبادة والتسبيح والسجود [١٣٨]. ويستفاد من الآية: الاقتداء بالملائكة في كثرة طاعتهم وعبادتهم، وقوله: «عِنْدَ رَبِّكَ» إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان.
  5. علاقة الملائكة بالكون: أخبر سبحانه أن الملائكة تنفذ أمره فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون، قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً[١٣٩]. قال قتادة: هي الملائكة [١٤٠]، و زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها عز وجل [١٤١].
  6. علاقة الملائكة بالإنسان:
    1. حفظ الإنسان: قال تعالى: ﴿ِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً[١٤٢]. ومما يحفظونه: بدن الإنسان، بقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ[١٤٣]. و مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ[١٤٤].
    2. الدعاء للمؤمنين: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[١٤٥]. يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك: الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم [١٤٦].
    3. تثبيت المؤمنين في مواقع الجهاد: أخبر سبحانه وتعالى أنه أوحى إلى الملائكة أن يقووا عزائم المؤمنين . قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا[١٤٧]. قال ابن إسحاق: وازروهم. وقال غيره: قاتلوا معهم، وقيل: كثروا سوادهم، وقيل: كان ذلك بأن الملك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي (ص) فيقول سمعت هؤلاء القوم، يعني: المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم بعضاً بذلك، فتقوى أنفسهم [١٤٨]. قال ابن القيم عن علاقة الملائكة بالإنسان في معنى جامع: «والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر؛ فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب، وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة. وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكراً. وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر، ويحذرونه منه. فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له. وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسى، وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته» [١٤٩].
  7. عدد الملائكة: عدد الملائكة لا يحصيه إلا الله، ومنهم خزنة النار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ[١٥٠]. والمعنى: ما جعلنا عددهم هذا العدد المذكور في القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم، حتى قالوا ما قالوا ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله عليهم [١٥١]. فيجب الإيمان بالملائكة الذين ذكروا في القرآن الكريم وفي السنة النبوية و بالأعمال التي أوكلوا بها.[١٥٢]

الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب: هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد (ص)، أو ما أخبر هو به [١٥٣].

فالواجب على المؤمن: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله، ما سمى الله منها وما لم يسم.

أما الذي يؤمن بكتابٍ ويكفر بالكتب الأخرى فهذا كافرٌ بالجميع.

ومن هذه الكتب: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً[١٥٤]. يعني بذلك جل ثناؤه: «صدقوا بالله، وبمحمد رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم، وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن، وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد (ص) وهو التوراة والإنجيل» [١٥٥]. وقيل: المراد بالكتاب الثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية» [١٥٦].

فالإيمان بالقرآن والكتب السابقة له ركن، «لا يكون العبد مؤمناً إلا به، إجمالاً فيما لم يصل إليه تفصيله وتفصيلاً فيما علم من ذلك بالتفصيل»[١٥٧].[١٥٨]

الكتب المذكورة في القرآن

التوراة التي نزلت على موسى (ع)، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ[١٥٩].

الإنجيل الذي نزل على عيسى (ع)، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ[١٦٠].

الزبور الذي نزل على داوود (ع)، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً[١٦١].

الصحف التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم وموسى-(ع) -، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى[١٦٢].

أما الكتب الأخرى التي أنزلها الله على سائر الرسل والتي لم يخبرنا بها فيجب الإيمان بها؛ لأنه سبحانه أخبرنا أنه ما من رسول إلا وجاء برسالة إلى قومه.

قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[١٦٣].

كما يجب أن يؤمن العبد بأن جميع الكتب جاءت بالدعوة إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى، وإفراده بالعبادة، وأن ما حدث في الكتب من تحريف فهو من صنع العباد.

أما القرآن فهو الكتاب المهيمن على الكتب السابقة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ[١٦٤].

ومن الهيمنة التي للقرآن على الكتب السماوية التي بين يديه: أنه هو المصدق لها، الشاهد الذي ترى فى أضوائه وفى أحكامه، وأخباره وآدابه- آيات صدقها، وأنها من مورد هذا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذ ليس بعد شهادة القرآن شهادة، ولا وراء الحق الذي يقوله حق، وإنه سيظل قائماً هكذا إلى يوم القيامة [١٦٥].

ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياه كله هو هذا الكتاب، ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير [١٦٦].

وقد تكفل سبحانه وتعالى بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[١٦٧].

«وقد شمل حفظه: الحفظ من التلاشي، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه، بأن يسر تواتره وأسباب ذلك، وسلمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمة عن ظهور قلوبها من حياة النبي (ص)، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبي (ص)، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر» [١٦٨].

ولذلك يجب علينا الإيمان بالقرآن وأن ما جاء به هو الحق، وأن كل لفظ فيه محفوظ من التبديل والتحريف، كما يجب اتباع أمره واجتناب نهيه، وتصديق ما أخبر به، ورفض ما يخالفه.[١٦٩]

الإيمان بالرسل والأنبياء

وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه وتعالى بعث في كل أمة رسولاً منهم، يدلهم على الخير ويحذرهم من الشر رحمة بهم [١٧٠].

أخبر سبحانه وتعالى ما من أمة إلا وأرسل فيها رسول، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ[١٧١]. وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ[١٧٢]. أي: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله [١٧٣]. ولا يعلم عدد الرسل إلا الله، قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً[١٧٤]. وإنما لم يذكر الله تعالى قصص كثير من الرسل؛ اكتفاءً بالمذكورين، فالمقصود أخذ العبرة، لا ذكر الأسماء والقصص [١٧٥].

وسوف نتناول الإيمان بالرسل في النقاط الآتية:

  1. الرسل المذكورون في القرآن. المذكورون في القرآن من الرسل والأنبياء: خمسة وعشرون، منهم: ثمانية عشر في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ[١٧٦]. وورد ذكر بقية الأنبياء في مواضع من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً[١٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً[١٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً[١٧٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً[١٨٠]. فهؤلاء الأنبياء والرسل يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم تفصيلاً، فمن أنكر نبوة واحد منهم أو أنكر رسالة من بعث منهم برسالة كفر، غير أن العامي لا يحكم عليه بالكفر، وأما الأنبياء والرسل الذين لم يقصهم القرآن علينا فقد أمرنا أن نؤمن بهم إجمالاً.
  2. أولو العزم من الرسل: ذكر الله تعالى أولي العزم من الرسل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً[١٨١]. وهؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفاً خاصاً له [١٨٢]. ويستفاد من ذكرهم (ع) الاقتداء بهم في أعمالهم.
  3. حقيقة رسالة الرسل والأنبياء: ما من رسول إلا جاء بكلمة واحدة، هي قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[١٨٣]، هذه الكلمة قالها نوح (ع)، وهي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين [١٨٤]. وقد بين الله الحكمة من إرسال الرسل، فقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[١٨٥]. أي: معذرة يعتذرون بها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى[١٨٦]. وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة؛ تنبيهاً على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلاً منه ورحمة» [١٨٧]. وهذا من كمال عزته تعالى وحكمته أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وذلك أيضاً من فضله وإحسانه؛ حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة، تقدر فأزال هذا الاضطرار» [١٨٨].
  4. واجبنا نحو الرسل والأنبياء:
    1. يجب علينا الإيمان بأن الرسل والأنبياء (ع) قاموا بتبليغ الرسالة حق القيام.
    2. يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل، و لا نفرق بين أحد منهم. قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[١٨٩]. ومن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض كان من الكافرين بنص الكتاب الكريم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً[١٩٠].
  5. يجب علينا أن نؤمن بأن رسل الله كانوا بشراً من الرجال. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ[١٩١]. ولم يخصهم الله بطبائع غير الطبائع البشرية، فهم يأكلون و يشربون ويمشون في الأسواق. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ[١٩٢]. ولهم (ع) أزواجاً وذرية. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ[١٩٣]. ويتعرضون للأذى من الظلمة والمجرمين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ[١٩٤]. كما أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَراً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[١٩٥].
  6. يجب علينا أن نؤمن أن الله فضل بعضهم على بعض بحسب ما من الله به عليهم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ[١٩٦]. «يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا (ص) الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين»[١٩٧].
  7. ونؤمن بأن الرسول الكريم أرسل للناس جميعاً. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً[١٩٨].
  8. ونؤمن أنه أرسل إلى الجن. قال الله على لسان الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ[١٩٩].

ومما سبق ذكره يتضح أن الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:

  1. الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع.
  2. الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل: محمد وإبراهيم وموسى ونوح (ع)، وغيرهم بمن ذكر اسمه في الكتاب أو السنة على وجه التعيين، أما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً؛ حيث نعتقد أن الله بعث في كل أمة نذيراً.
  3. تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
  4. العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد (ص).[٢٠٠]

الإيمان باليوم الآخر

تعريف الإيمان باليوم الآخر: قال الشيخ السعدي: «وهو الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله به بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه، وعذابه وأحوال يوم القيامة وما يكون فيه، ومن صفات الجنة والنار وصفات أهليهما، فالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بذلك جملة وتفصيلاً» [٢٠١].[٢٠٢]

مظاهر اهتمام القرآن باليوم الآخر

  1. ذكر الله الإيمان باليوم الآخر مقترناً بالإيمان بالله في تسعة عشرة موضعاً في كتاب الله. منها: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[٢٠٣]. وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[٢٠٤]. «أي: واستيقنوا أن هناك حياة آخرة، وأن فيها حساباً وجزاء، وجنة وناراً.. فعملوا لهذا اليوم العظيم بما ينجيهم من هوله، ويدنيهم من رحمة الله ورضوانه» [٢٠٥]، «وإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة» [٢٠٦]. ولما كان هذا الأصل شديد الإيغال في طيات الغيب، كان أكثر الأصول إنكاراً واستبعاداً من الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ[٢٠٧]. وبالتالي كان أكثر الأصول جميعاً تناولاً في القرآن.
  2. كثرة أسماء اليوم الآخر، وكل اسم يدل على ما سيقع فيه من الأهوال. فمن أسمائه في القرآن: «القيامة والساعة والآخرة ويوم الدين ويوم الحساب ويوم الفتح ويوم التلاق ويوم الجمع ويوم التغابن ويوم الخلود ويوم الخروج ويوم الحسرة ويوم التناد والآزفة والطامة والصاخة والحاقة والغاشية والواقعة وغيرها» [٢٠٨].
  3. تسمية سور القرآن بأسماء وصفات اليوم الآخر. فتارة تسمى السور باسم من أسمائها: القيامة، الواقعة، الحاقة، الغاشية، القارعة، النبأ. وتارة تسمى السور باسم من الأحداث الكونية التي تمهد لهذا اليوم: الدخان، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة. وتارة باسم ما يقع فيها، مثل سور: الأعراف، الزمر، الجاثية، الحشر، التغابن، المعارج. فهذه أسماء (سبع عشرة) سورة تتعلق بالآخرة، ولم يقع مثل هذا قط لأي أصل من أصول الإيمان في القرآن الكريم.
  4. التأكيد على وقوع الساعة. وكثيراً ما عبر القرآن عن أن وقوع الساعة لا ريب فيه، من ذلك مثلاً: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ[٢٠٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ[٢١٠].

ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو «إن»، وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر؛ وذلك يدل على أمرين:

  1. إتيان الساعة لا محالة.
  2. أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني» [٢١١].

ومن مظاهر اهتمام القرآن باليوم الآخر: الترابط بين الخلق والحق والساعة، فقد بين القرآن أن الآخرة هي الأصل الذي يحقق حكمة الخلق ومعنى الوجود؛ لأنها غاية جزاء ومصير الخلائق، تصون وجودهم عن العبث واللعب، وتحفظ مصيرهم عن البطلان والضياع، وتجعله خالصاً، وحكمة تامة. قال تعال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ[٢١٢].

وقال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ[٢١٣].

يجمع السياق بين الإيمان بوحدة الله والإيمان بالآخرة، بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد بعقيدة البعث والجزاء، فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء.

«فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة، ولا يؤمنون بالآخرة- وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله- هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين، إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم. إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات، وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول، فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب!» [٢١٤].

«فعدم الإيمان بالآخرة جعل قلوبهم مفعمة بالإنكار والاستكبار، وقد حذف المفعولان للتعميم، فهم ينكرون الحق ويستكبرون عليه، وهم ينكرون حق الأمم والشعوب في عقيدتها وحريتها، ويستكبرون عن الاعتراف به، وهكذا يكون دائماً الكفار والطواغيت و لايزالون» [٢١٥].

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[٢١٦]. أي: «تمرد وعتا، وآثر الحياة الدنيا، أي: قدمها على أمر دينه وأخراه، فإن الجحيم هي المأوى، أي: فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حكم الله، فيه ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها، فإن الجنة هي المأوى، أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء» [٢١٧].

«والطغيان هنا أشمل من معناه القريب، فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى. ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة، فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حساباً. واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره. فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده، واختلت كل القيم في تقديره، واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعد طاغياً وباغياً ومتجاوزاً للمدى» [٢١٨]. و من هداية الآية: «قدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا؛ لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا» [٢١٩].[٢٢٠]

من مشاهد الآخرة في القرآن

تبدأ المشاهد بمقدمات اليوم الآخر، ثم الفصل بين الخلائق، ثم النعيم الأبدي أو العذاب الأبدي، من هذه المشاهد:

  1. نفخة الصعق: قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ[٢٢١]. «وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا خالقه، ومن أطلعه الله على علمه من خلقه، فينفخ فيه إسرافيل (ع)، أحد الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن. ﴿فَصَعِقَ أي: غشي أو مات، على اختلاف القولين: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها مقدمة له. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ممن ثبته الله عند النفخة، فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم، وهذه النفخة الأولى: نفخة الصعق، ونفخة الفزع» [٢٢٢].
  2. نفخة البعث: وهي النفخة الثانية؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ[٢٢٣]. أي: «قد قاموا من قبورهم لبعثهم وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم ينظرون ماذا يفعل الله بهم» [٢٢٤].
  3. تصدع الكون وتبديله: يرى الخلائق بعد بعثهم مشاهد أهوال القيامة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ[٢٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ[٢٢٦]. وهذا يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله عز وجل الأرض من غير الأرض ويغير هيئاتها، ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئات الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً[٢٢٧]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[٢٢٨]. «فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل (ع) وبروز الخلق لله سبحانه لا يكون إلا بعد البعث قطعاً» [٢٢٩].
  4. حساب الله للخلائق: يحدثنا الوحي الإلهي طويلاً عن حساب الله تعالى للخلائق في هذا اليوم الشديد، والذي يتسم بالعدل.
  5. تطاير صحف الأعمال: صحائف الأعمال التي سجل فيها عمل كل فرد على حدة. قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً[٢٣٠]. قال الحسن: «قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك» [٢٣١]. ويبلغ الوحي الإلهي غاية من التفصيل حيث يبين كيفيات تسليم الكتب، وأحوال الناس عندها، يقول ربنا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ[٢٣٢]. يعني: خذوا اقرءوا كتابيه ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ[٢٣٣]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً[٢٣٤] يعني: في الدنيا.
  6. الشهود: وهذا من تمام إظهار العدل الإلهي في هذا الموقف العظيم، فإن الله عز وجل يستشهد على المذنبين قبل إدانتهم مع علمه عز وجل القاطع بما عملوا، لكنه لا يريد أن يعاملهم بعلمه، لكن يعاملهم بالشهود حتى يتأكد كل إنسان من ذنبه وعمله.
    1. والأنبياء هم أول الشهود (ع)، يشهدون على أممهم بالبلاغ، وإقامة الحجة. قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً[٢٣٥].
    2. والملائكة، وهم أيضاً يشهدون؛ لأنهم سجلوا الأعمال، وشهدوا الطاعات والمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ[٢٣٦].
    3. والأرض أيضاً تشهد، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا[٢٣٧]. وقد فسر النبي أخبارها في الحديث الذي رواه أحمد عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله (ص) هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا[٢٣٨]. قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على ظهرها، أن تقول: عملت علي كذا وكذا يوم كذا وكذا)، قال: (فهو أخبارها) [٢٣٩]
    4. أيضاً من الشهود: جوارح الإنسان، أي: خاصة عندما يماري، ولا يرضى إلا شاهداً من نفسه. يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ[٢٤٠] يعني: فلا تنطق ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[٢٤١]. ويقول جل شأنه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٢٤٢]. ويقول: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٢٤٣].
  7. السؤال الشخصي: ليدافع كل إنسان عن نفسه، وليبين أعذاره إن كانت له أعذار، والله تعالى مع ذلك أعلم بالمرء من نفسه، قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ[٢٤٤]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ[٢٤٥].
  8. وضع الميزان: ليوفي كل إنسان جزاءه في دقة كاملة بالغة حتى مقادير ومثاقيل الذر والخردل، كما قال ربنا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ[٢٤٦] جل شأن الله. ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[٢٤٧]. وعلى نتيجة هذا الميزان العدل يقضي الله تعالى بالحق بين عباده: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ[٢٤٨]. يعني: ثقلت بالحسنات، والطيبات ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ[٢٤٩].

من الحسنات والطيبات، وامتلأت بالسيئات، يقول ربنا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ[٢٥٠]. نعوذ بالله منها.[٢٥١]

وصف الجنة والنار

فأما المؤمنون الصالحون فيبلغون سعادة الأبد، ويظفرون بنعيم الخلد، قال تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً[٢٥٢] يعني: جماعات جماعات ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثْنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[٢٥٣].

الأرض هي: أرض الجنة، ويصف الوحي الإلهي أحوال أهل الجنة، وما فيها من نعيم وصفاً تفصيلياً، في دار لم يبلغها علمنا المحدود، ولم تشاهدها حواسنا، ولكنها أعدت للمتقين، وأخبرنا بها رب العالمين، وينبغي أن نوقن بوجودها أكثر مما نوقن بحاضرنا المشاهد؛ لأنها وعد الله الحق، وجزاؤه الصدق، كما قال ربنا: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ[٢٥٤].

فهذا وعد سجله في كتبه الثلاثة الأساسية التي أنزلها من السماء إلى أهل الأرض، على موسى، وعلى عيسى، وعلى محمد صلى الله عليهم جميعاً يقول: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ[٢٥٥].

وأما الكافرون فيساقون إلى جهنم زمراً، حيث يذوقون العذاب الأبدي، وحيث يذوقون شقاء الخلد بشؤم ذنوبهم، واستكبارهم على ربهم، وقد بلغ الوصف القرآني للنار وأحوالها ودركاتها وبلاء أهلها حداً يخلع القلوب خلعاً، وفي القرآن الكريم آيات تفرد وصف الجنة، وآيات تفرد وصف النار، وفيه آيات تجمع ذكرهما معاً؛ ليوازن العاقل، ويقارن بين الصورتين، كما قال تعالى عقب الكلام عن النار والجنة، وهلاك المكذبين: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[٢٥٦].

ومنها على سبيل المثال: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ[٢٥٧]. ثم تأتي الصورة الأخرى المزعجة: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ[٢٥٨]. لا يستويان أبداً، يقول ربنا أيضاً: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ[٢٥٩].

يصهر: يصير صهاراً مذاباً ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ[٢٦٠]. والمقصود من هذه الأخبار والأوصاف: تشويق الناس إلى الجنة؛ ليعملوا بعمل أهلها هنا في الدنيا، ولتحذير الناس من النار؛ ليجتنبوا عملها وسوء حالها.[٢٦١]

الخلود الأبدي

أكد القرآن الكريم تأكيداً قاطعاً أن الجنة والنار خالدتين أبداً، لا فناء لهما، ولا انقطاع فيهما، ولا موت لأهلهما، وإنما هي حياة الأبد والخلود السرمدي، وقد ورد هذا في القرآن الكريم بأساليب كثيرة، أشهرها: أسلوب (الخلود الأبدي)؛ ذلك لأن معنى الخلود هو المكث الطويل، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي [٢٦٢]: خوالد؛ وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها؛ ولذلك أكد الله تعالى خلود الجنة والنار بالأبدية، ليخرجه من المكث الطويل إلى البقاء الدائم؛ لأن معنى الأبد كما قال الراغب الأصفهاني: هو مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان [٢٦٣].

وقد ورد تأكيد الجنة بالخلود الأبدي في ثماني آيات، والتاسعة بالمعنى في أول سورة الكهف: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً[٢٦٤]. والمكث هو الخلود؛ فلذلك تكون تسع آيات، قيد الخلود فيها بالأبدية، مثلاً يقول: أصحاب الجنة خالدين فيها أبداً، وورد تأكيد خلود النار بالأبدية ثلاث مرات في القرآن: في آخر سورة النساء الآية ١٦٩، وفي آخر سورة الأحزاب الآية ١٦٥، وفي آخر سورة الجن الآية ٢٣، فهذه الآيات تقيد أيضاً أصحاب النار بكونهم خالدين فيها أبداً، والمراد بأصحاب النار: أهلها الذين هم أهلها، يعني: الكفار والمشركين، الذين ماتوا ولم يتوبوا توبة نصوحاً، أما المسلمون العصاة من المؤمنين فهؤلاء إن دخلوا النار وعذبوا فالله يغفر لهم بعد ذلك، ويخرجون مآلاً إلى الجنة إن شاء الله.

فالمراد بالخلود الأبدي لأهل الجنة جميعاً من يدخل الجنة، فلا يموت أبداً، ولا تفنى الجنة والنار، الخلود الأبدي لأهلها الذين هم أهلها كما جاء في الصحيح، هذا عدا الآيات الأخرى بغير هذا الأسلوب التي تؤكد أن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وأن أهل النار لا يخرجون منها أبداً مثل، قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ[٢٦٥]. ففي الآية الكريمة نفي للخروج منها، وإثبات للعذاب الدائم، ويقول تعالى عن أهل الجنة: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ[٢٦٦].

وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله (ص): (يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت) [٢٦٧].

ولعل أجمع ما يبين نعيم الجنة: هو الحديث القدسي الشريف الذي رواه البخاري بسنده، عن أبي هريرة: عن رسول الله (ص) قال: (قال الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر)،ٍ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٢٦٨]. [٢٦٩].[٢٧٠]

الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر: «هو الاعتقاد الجازم بأن الله سبق في علمه مقادير الخلائق -ويشمل ذلك ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، ومن هو من أهل الجنة، ومن من أهل النار- وقد كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

كما كتب لهم وعليهم ما تقتضيه حكمته من المقادير والأحوال التي يستحقونها على أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها، وأراد إرادة كونية أن يقع ما علمه وكتبه لأجله الذي قدر له، وهو الذي يخلقه إذا حان الأجل، فهو الخالق لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وغيرها» [٢٧١]

وسوف أتناول الإيمان بالقدر في النقاط الآتية[٢٧٢]:

أدلة القرآن على القدر

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[٢٧٣]. «أي: كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه» [٢٧٤].

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً[٢٧٥].

وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[٢٧٦]. أي: خلقنا كل شيء مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح معلوماً قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه [٢٧٧].[٢٧٨]

مراتب القدر

للقدر أربع مراتب دلت عليها النصوص [٢٧٩]، وهي:

  1. علم الله بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، وإحاطته بذلك علماً، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً[٢٨٠].
  2. كتابة الله تعالى لكل شيء مما هو كائن إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[٢٨١]. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ[٢٨٢].
  3. المشيئة فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[٢٨٤].
  4. خلق الله تعالى للأشياء وإيجادها وقدرته الكاملة على ذلك، فهو سبحانه خالق لكل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[٢٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ[٢٨٦].

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين عن النبي (ص): (كان الله ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيءٍ، وخلق السموات والأرض) [٢٨٧].

فيجب الإيمان بهذه المراتب الأربع لتحقيق الإيمان بالقدر، ومن أنكر شيئاً منها لم يحقق الإيمان بالقدر.[٢٨٨]

أنواع القدر

القدر بمعناه العام نوعان: قدر تصريفي وقدر تكليفي، أو تكوين وتشريع، والقدر التكويني التصريفي لا خيار لأحد فيه، والخلائق جميعاً لا تملك معه إلا أن تصدع بأمر ربها وخالقها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢٨٩]، ويقول ربنا: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢٩٠].

أما القدر التشريعي التكليفي ففيه الخيار، وقد عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين استصغاراً لا استكباراً.

وحمله الإنسان اختياراً حين خير؛ ليتم بذلك ما اقتضت حكمة الله تعالى من إيجاد جنسٍ من الخلائق يكلف اختياراً، ويترتب على سلوكه نوعية الجزاء، ولو شاء الله عز وجل لكان الأمران جميعاً على سواء، فينقاد الإنسان له في التوحيد والشعائر، وسائر الشرائع كما ينقاد له في قوانين الوجود الأخرى التكوينية، كالحياة والموت، والأكل والشرب والتنفس وغير ذلك، ولكن الله تبارك وتعالى ترك للإرادة الإنسانية جزءاً من الاختيار، ليصح تعلق الثواب والعقاب بالفعل الإنساني.

ومن بديهيات العقيدة القرآنية: الإيمان بأن قدر الله كله مبني على غاية الحكمة والعلم المحيط، فكله حق ونعمة ورحمة، كما قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ[٢٩١]، وذلك في القدر التكويني، وكما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي[٢٩٢].

وذلك في القدر التكليفي التشريعي، والإنسان حين يخضع الأمور لمقياسه المحدود، يقول: هذا خير وهذا شر، وما هذا إلا قياس بالمصلحة الشخصية، أو العلم المحدود الذي لا ينفذ وراء الأشياء ولا يستطيع، ومن هنا كان التسليم بالقدر الإلهي تسليماً مطلقاً، هو من لب الاعتقاد وصريح الإيمان، يقيناً بالله تعالى، وثقة فيه، واتهاماً للنفس والرأي، ومعرفة بحدود الإنسان وضآلة علمه، وهذا ما ربى عليه القرآن المسلمين، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[٢٩٣].

وقال تعالى في عشرة الأزواج: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً[٢٩٤].

والآيتان الكريمتان تشملان القدر بنوعيه، بل هما واردتان أصلاً لبيان أحكام تشريعية: وهي فرضية القتال وعشرة الزوجات، والمنازعة في القدر التشريعي أكثر من المنازعة في القدر التصريفي؛ لأن القدر التصريفي ظاهر القهر والنفاذ، والقدر التشريعي جعله الله مجالاً للاختيار والاختبار، ومن ثم كثرت الوصية بالتسليم فيه لله تعالى، بل جعل الله تعالى تحكيم شرعه ورسوله والتسليم المطلق بهذا التحكيم التشريعي شرطاً للإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[٢٩٥].

فقد أقسم الله تعالى أن إيمان الناس لا يتحقق أو لا يكتمل إلا بالتحاكم إلى رسول الله (ص)، وبالرضا والتسليم بقضائه المبني على شرع الله تعالى، كما جاء ذلك صريحاً في نفس السورة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً[٢٩٦].[٢٩٧]

الاحتجاج بالقدر

الاحتجاج بالقدر كان يثيره الكفار فيقولون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ[٢٩٨].

وغير ذلك من ألوان الاحتجاج بالباطل الذي رد عليه القرآن في مواضع كثيرة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ[٢٩٩].

والآية الكريمة إخبار بالغيب عن دعواهم الباطلة في الاحتجاج بالقدر، وهذا من دلائل صدق النبي (ص)؛ لأنه أخبرهم بما سيقولون مما علمه الله، فوقع الأمر كما قال تماماً.

وقد رد الله تعالى عليهم بدليل التاريخ الذي وقع للسابقين ممن قالوا مثل دعواهم، ثم تحداهم أن يكون لديهم علم يثبت دعواهم؛ وأكد ذلك بكشف حقيقة دعواهم القائمة على الظن والتخمين، والمجردة من التثبت واليقين.

أمران هامان يجب مراعاتهما في الإيمان بالقدر:

  1. يجب اليقين باستحالة الإحاطة بسر القدر الإلهي إحاطة كاملة؛ لأن هذا من خصائص العلم الإلهي الخالصة، والله تعالى يطلع من شاء من عباده على ما شاء من أسرار خلقه وغيبه، وهذا الاطلاع مهما عظم وامتد فهو ضئيل جداً بجانب علم الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ[٣٠٠]. ولقد كان موسى (ع) هو كليم الله، وعلمه الله تعالى ما شاء، ثم لقي الخضر وهو كما وصفه الله ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً[٣٠١]. (فلما ركبا في السفينة جاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرةً أو نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) [٣٠٢]. وفي ذلك دلالة على حكمة الله تعالى البالغة وراء الحوادث، وأن القدر الإلهي ليس عشوائياً، وإنما يمضي على نظام وإتقان، وإن بدا للناس أحياناً تحت وطأة النوازل أمراً غريباً مستنكراً؛ لأنهم لم يحيطوا به خبراً.
  2. لا سبيل في الأعمال الاختيارية إلى الاحتجاج بالقدر؛ لأن رب القدر هو الذي ترك لنا فيها الخيار ابتلاءً واختباراً، وكلفنا بناء على هذا، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، ولهذا أعد الآخرة ثواباً وعقاباً، جزاء وفاقاً لهذا الجهد الإنساني الاختياري في طاعته، أو معصيته.

والاحتجاج بالقدر يبطل ذلك كله، فعلمنا يقيناً أن الإنسان حر مختار في هذا الباب، وأن الله عز شأنه لم يجبر أحداً على الطاعة، وإنما أمر بها وشرع للناس سبيلها، ولم يرغم أحداً على المعصية، وإنما نهى عنها وبين حدودها؛ ولذلك أبطل الله تبارك وتعالى حجة المشركين حين تذرعوا بالقدر، واحتجوا لضلالهم بمشيئة الاقتضاء أو الارتضاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا[٣٠٣]. [٣٠٤]

لهذا لا يصح للمسلم أن يحتج في ارتكاب المعصية، يقول هذا كتبه الله علي، أو الله قدر علي ذلك، أو أنا مرغم على ذلك، كل هذا باطل؛ لأن الله سبحانه بين لنا الطريق، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيماً.

يقول ابن تيمية: «إن القدر نؤمن به ولا نحتج به، فمن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولاً، لقبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد؛ لم يعذب الله أحداً من الخلق، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولو كان القدر حجة لم يقطع سارق، ولا قتل قاتل، ولا أقيم حد على جريمة، ولا جوهد في سبيل الله، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر» [٣٠٥].[٣٠٦]

زيادة الإيمان ونقصانه وقلته

ورد في كتاب الله تعالى آيات استنبط منها العلماء أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بفعل الطاعات وينقص بارتكاب المحرمات.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ[٣٠٧]. يقول تعالى ذكره: وأما الذين وفقهم الله لاتباع الحق، وشرح صدورهم للإيمان به وبرسوله من الذين استمعوا إليك يا محمد، فإن ما تلوته عليهم، وسمعوه منك زادهم الله بذلك إيماناً إلى إيمانهم، وبياناً لحقيقة ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان عندهم [٣٠٨].

وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى[٣٠٩]. أي: أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع، والعمل الصالح، فكل من سلك طريقاً في العلم والإيمان والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه ويسره له، ووهب له أموراً أخر، لا تدخل تحت كسبه، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً[٣١٠]. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً[٣١١].

ويدل عليه أيضاً الواقع، فإن الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت [٣١٢].

وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً[٣١٣]. أي صبراً على البلاء، وتسليماً للقضاء، وتصديقاً بتحقيق ما كان الله وعدهم ورسوله [٣١٤].

وفي الآية «دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص» [٣١٥].

وقال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[٣١٦]، بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين، وأظهرنا لهم مكنونات محاسنه [٣١٧].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً[٣١٨]. في هذه الآية: دليل على أن الإيمان، يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها، وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه [٣١٩].

وقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً[٣٢٠].

وفي الآية دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت زيادةً ونقصاناً، قال: ابن عمرا قلنا: يا رسول الله: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: (نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار) [٣٢١].

قال ابن كثير: «هذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك» [٣٢٢].

ومن أقوال العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه:

قيل لسفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرأون: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً[٣٢٣]. ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[٣٢٤]. في غير موضع، قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص [٣٢٥].

وقال ابن بطال: «مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص،.. ثم قال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص» [٣٢٦].

وخلاصة القول: أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

وتجدر الإشارة إلى أن نقصان الإيمان غير الإيمان القليل التي ذكره القرآن وصفاً لليهود، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً[٣٢٧]. «أي: إلا إيماناً قليلاً، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض» [٣٢٨].

«قيل: أي: إلا إيماناً قليلاً لا يعبأ به، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل، أو إلا زماناً قليلاً وهو زمان الاحتضار فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمان» [٣٢٩].

وقال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً فيه قولان:

  1. فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ابن عباس.
  2. فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، قاله قتادة، والزجاج. قال مقاتل: وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم» [٣٣٠].

والمعنى يسع هذه الأقوال؛ لأنها من باب التفسير بالمثال.[٣٣١]

أثر الإيمان في النفوس

للإيمان تأثير بليغ في النفوس، فيحدث فيها تغيراً كبيراً. وفي القرآن الكريم بعض النماذج التي تظهر تأثر النفس وتغييرها بعد الإيمان. ومن تلك النماذج: سحرة فرعون. فقد أخبرنا الله في القرآن الكريم عن قصة إيمان سحرة فرعون وأثر هذا الإيمان في ثباتهم واسترخاص أنفسهم في سبيل الله تعالى.

ويظهر هذا التأثير في النقاط الآتية:

  1. سحرة فرعون وتعلقهم بعطايا فرعون: قال تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ[٣٣٢]. أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني، وسألوا استحقاق الأجر إدلال بخبرتهم وبالحاجة إليهم، إذ علموا أن فرعون شديد الحرص على أن يكونوا غالبين، وخافوا أن يسخرهم فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل الشروع في العمل ليقيدوه بوعده» [٣٣٣]. وهذا دأب المستبدين، تسخير العباد بمختلف طاقاتهم ومهاراتهم لحساب ذواتهم، دون أن يعطوهم من الأجر ما يستحقونه.
  2. سحرة فرعون وتعلقهم بعظمة فرعون: قال تعالى ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ[٣٣٤].
  3. أثر الإيمان في نفوسهم: وعندما من الله عليهم بالإيمان واليقين قالوا: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا[٣٣٥].

قال ابن عاشور: «أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرفت عليهم أنوار الرسالة، فسرعان ما يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته» [٣٣٦].

وتعليقاً على هذا التحول العجيب: قال ابن عباسا: «أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء» [٣٣٧].[٣٣٨]

ثمرات الإيمان في الدنيا والآخرة

جعل الله تعالى للإيمان ثمرات في الدنيا والآخرة؛ لتحفيز العباد على الثبات عليه، وتجديده باستمرار وزيادته بالطاعات، وسوف نتناول هذه الثمرات في المطالب الآتية[٣٣٩]:

جزاء الإيمان في الدنيا

  1. الاستخلاف والتمكين في الأرض: أخبر سبحانه وتعالى أنه وعد بالنصر الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة، بأن يورثهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء فيها. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[٣٤٠]. عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله (ص) وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نكون آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً إلى ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ يعني بالنعمة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [٣٤١]. هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى، وله الحمد والمنة [٣٤٢]، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح [٣٤٣]. قال سيد قطب: «أن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض-كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم-ليحققوا النهج الذي أراده الله، ويقرروا العدل الذي أراده الله، ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان.. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض؛ إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.. وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها» [٣٤٤]. «وإن الله تعالى إذا نبه عباده إلى أن الأرض يرثها عباده الصالحون، فإن معنى ذلك الصلاح أوسع من ركعات تؤدى، أو أيام تصام، إنه علم رحب الآفاق بكل شيء في مقدور البشر، وعدل محدود الرواق، لا يشقى معه ضعيف، ولا يقهر معه مظلوم، وأمان ضد الجوع والقلق، وطوارق اليوم والغد، وكفالة لحرية العقل والضمير، تنمو فيها المواهب وتتضح الملكات، وتكمل الشخصية، وتصان المرافق العامة والخاصة» [٣٤٥].
  2. الخيرية بين البشرية: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ[٣٤٦]. يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى، يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية [٣٤٧]، حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال، ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال: إنه الإيمان، لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام، أو في بيت يقول: إنه من المسلمين، ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان! إنه الإيمان الذي ينشيء آثاره في واقع الحياة، وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل. وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله، فمن كانوا كذلك فهم خير البرية [٣٤٨].
  3. البركات من السماء و الأرض: قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[٣٤٩]. «أي: لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب» [٣٥٠]. وفي هذا دلالة على أن الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش. «والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها، وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان، بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان، فهي البركات بكل أنواعها وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال. والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة، وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله سبحانه وكفى بالله شهيداً، ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس [٣٥١]. وهنا يثار تساؤل: لماذا نرى أمماً مسلمة مضيق عليهم في الرزق، ونرى أمماً لا يؤمنون موسعاً عليهم في الرزق والقوة والنفوذ ؟ قال سيد قطب: إن أولئك الذين يقولون: إنهم مسلمون، لا مؤمنون ولا متقون، إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله، إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم - سواء القوانين أو القيم والتقاليد - وما أولئك بالمؤمنين، فالمؤمن لا يدع عبداً من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبداً من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره، ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقاً. دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله، فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي السنة: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ[٣٥٢]. فهو الابتلاء بالنعمة، وهو أخطر من الابتلاء بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون، فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح، وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال، فهي قوة بلا أمن، وهو متاع بلا رضى، وهي وفرة بلا صلاح، وهو حاضر زاه يترقبه مستقبل نكد، وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال. إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النفوس وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة، بركات تنمي الحياة وترفعها في آن وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال» [٣٥٣].
  4. الحياة الطيبة: أخبر سبحانه وتعالى أنه من عمل عملاً صالحاً ذكراً كان أم أنثى، وهو مؤمن بالله ورسوله، فلنحيينه في الدنيا حياة سعيدة مطمئنة، ولو كان قليل المال، ولنجزينهم في الآخرة ثوابهم بأحسن ما عملوا في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٣٥٤]. هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) من ذكر أو أنثى، من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها هي السعادة. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضاً: هي العمل بالطاعة والانشراح بها، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله [٣٥٥]. فالعمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة.. وليس المال إلا عنصراً واحداً يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله [٣٥٦]. وقال ابن القيم: «وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار» [٣٥٧]. وفي الآية دليل على أن الجنسين: الذكر والأنثى متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله، و أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور والنساء عدا ما خصصه الدين بأحد الصنفين.
  5. عدم الحرمان من ثواب العمل: أخبر سبحانه وتعالى أنه يجازي أهل الإيمان والعمل الصالح بالأجر الجزيل غير المقطوع، وهذا الأجر يكون بأحسن ما عملوا، ويكون وافياً تاماً. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ[٣٥٨]. «هذا هو قانون العمل والجزاء، لا جحود ولا كفران للعمل الصالح متى قام على قاعدة الإيمان، وهو مكتوب عند الله لا يضيع منه شيء ولا يغيب» [٣٥٩]. ووعد الله أهل الإيمان والعمل الصلاح بالثواب غير المقطوع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ[٣٦٠]. قال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى، إذا عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون [٣٦١]. بل وعدهم سبحانه بتوفية أجورهم والزيادة من فضله، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ[٣٦٢]. يعني جل ثناؤه بذلك: فأما المؤمنون المقرون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذللون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك أن يردوا على ربهم، قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافياً تاماً، ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده، غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حد مبلغه من العشر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حد لقدره يوقف عليه [٣٦٣]. ويستفاد من الآية: أن أجر أهل الإيمان والعمل الصالح مستمر مدى الأوقات، متزايد على الساعات، مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات، ودخل في ذلك كل ما في الجنة من المآكل والمشارب، والمناكح، والمناظر والسرور، ونعيم القلب والروح، ونعيم البدن، بل يدخل في ذلك كل خير ديني ودنيوي رتب على الإيمان والعمل الصالح.
  6. الأمن من الخوف والحزن: أخبر سبحانه وتعالى أن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، وأدوا الصلاة كما أمر الله ورسوله، وأخرجوا زكاة أموالهم، لهم ثواب عظيم خاص بهم عند ربهم ورازقهم، ولا يلحقهم خوف في آخرتهم، ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٣٦٤]. وعد سبحانه- الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع الأكبر.. ذلك لأنهم استقاموا على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون [٣٦٥]. من هدايات الآية: أنه سبحانه وتعالى خص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنهما عمل الصالحات تشريفاً لهما، وتنبيهاً على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال، الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.
  7. الأمان من الظلم: وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً[٣٦٦]. لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته، ولا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره، ولا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل، ولا ينتقص من عمله الصالح، ولا يخاف أن لا يجزى بعمله، ولا أن ينقص من حقه [٣٦٧].
  8. المحبة في قلوب العباد: قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُداً[٣٦٨]. أي سيحدث لهم في القلوب مودةً من غير تعرضٍ منهم لأسبابها سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح [٣٦٩]. روى مسلم بسنده عن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) [٣٧٠].
  9. الهداية إلى الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ[٣٧١]، أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم؛ ولهذا قال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ[٣٧٢].
  10. صلاح البال: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ[٣٧٣]. يقول تعالى ذكره: والذين صدقوا الله وعملوا بطاعته، واتبعوا أمره ونهيه، وصدقوا بالكتاب الذي أنزل الله على محمد، محا الله عنهم بفعلهم ذلك سيئ ما عملوا من الأعمال، فلم يؤاخذهم به، ولم يعاقبهم عليه، وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه، وفي الآخرة بأن أورثهم نعيم الأبد والخلود الدائم في جنانه [٣٧٤]. «وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر. والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام، ومتى صلح البال، استقام الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير، وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام» [٣٧٥]. ويستفاد من الآية: أن الإيمان والعمل الصالح أصل صلاح بال المؤمن، فلا يفكر إلا صالحاً، ولا يتدبر إلا ناجحاً، و لا يعمل إلا نافعاً.
  11. النجاة من الخسران: قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[٣٧٦]. إن الإنسان لفي خسارة وهلاك إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران: الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم وتواصوا بالحق: وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات وتواصوا بالصبر، أي: على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر [٣٧٧]. والخسار مراتب متعددة متفاوتة: «قد يكون خساراً مطلقاً، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم. وقد يكون خاسراً من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به. والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة. والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضاً بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه. والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم» [٣٧٨]. ويستفاد من الآية: أن الإنسان لا ينفك عن نوع خسران، وتفسيره: «أن كل ساعة تمر بالإنسان فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضاً حاصل؛ لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكناً من أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره دائماً، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك؛ لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران» [٣٧٩]. ويستفاد أيضاً: أن الأمة إذا قامت بالصفات الأربع-الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر-قادت العالم الإنساني إلى الخيرية التي أخرجت من أجل تحقيقها كما كانت في سابق عهدها؛ لأنه لما ضعف في الأمة تحقيق هذه الصفات الأربع أصبحت في ذيل الأمم وتحقق الخسار للعالم أجمع، وكثرت رايات الباطل ومن يحملها، وقلت رايات الحق ومن يحملها. ونحن على موعد لإرهاصات عهد جديد للأمة ترفع فيه رايات الحق وينضوي تحتها المحبون له المناضلون من أجله؛ لإسعاد الخلق به، وقيادتهم إلى الخير والهدى والصلاح والفلاح.
  12. الإخراج من الظلمات إلى النور: أخبر سبحانه وتعالى أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[٣٨٠]. يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير[٣٨١]. ويستفاد من الآية: أن الله يدفع عن المؤمنين كل مكروه بسبب إيمانهم، ويعينهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم، في دينهم ودنياهم.
  13. مجازاة المؤمنين بأحسن ما كان يعملون: قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٣٨٢]. قيل: وإنما خص أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل: المعنى: ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، كقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[٣٨٣]. أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم، على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن [٣٨٤]. ويستفاد من الآية: أن الله يجزي أهل الإيمان والعمل الصالح الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
  14. الامتناع عن الظلم: أثنى الله على أهل الإيمان والعمل الصالح بأنهم لا يبغي بعضهم على بعض، بل ينتصفون من أنفسهم للحق، وهم قليل. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ[٣٨٥]. أي: وإن كثيراً من الشركاء في المال ليتعدى بعضهم على بعض، ويظلمه غير مراع لحقه إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم يتحامون ذلك، ولا يظلمون خليطاً ولا غيره، وقليل هم» [٣٨٦]. ويستفاد من الآية: أن الإيمان والعمل الصالح يمنع صاحبه من الظلم.[٣٨٧]

جزاء الإيمان في الآخرة

أخبر سبحانه وتعالى أن لأهل الإيمان والعمل الصالح الثواب العظيم في الآخرة و الذي منه:

  1. تكفير السيئات وتبديلها حسنات: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ[٣٨٨]. قال القرطبي: «أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم. ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام، ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام» [٣٨٩]. وقال تعالى في تبديل السيئات حسنات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[٣٩٠]. في معنى قوله: يبدل الله سيئاتهم حسنات قولان:
    1. أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات، وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة ثم يبدله الله بها خيراً. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصري: «أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصاً، وأبدلهم بالفجور إحصانا، وبالكفر إسلاماً»، وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين.
    2. أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوباً عليه، فإنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته [٣٩١]، وقد روى مسلم بسنده عن عبد الله قال: قال: رسول الله (ص) (إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، رجلٌ يخرج منها زحفاً فيقال له: انطلق فادخل الجنة - قال - فيذهب فيدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيقال له: أتذكر الزمان الذى كنت فيه، فيقول: نعم. فيقال له تمن. فيتمنى: فيقال له: لك الذى تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا - قال - فيقول أتسخر بى وأنت الملك؟!) قال: فلقد رأيت رسول الله (ص) ضحك حتى بدت نواجذه [٣٩٢].
  2. المغفرة: وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثيبهم على ذلك الجنة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ[٣٩٣]. هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم، وبالجنة فهي الأجر العظيم [٣٩٤]. ووعدهم سبحانه وتعالى بالرزق الحسن الذي لا ينقطع وهو الجنة، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[٣٩٥].
  3. الجنة و نعيمها: وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح أن لهم أعلى الجنة وأفضلها منزلاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً[٣٩٦]. وفي وصف الفردوس روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فقالوا: يا رسول الله: أفلا نبشر الناس ؟قال: (إن في الجنة مائة درجةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة)[٣٩٧]. وقد بشر الله أهل الإيمان والعمل الصالح بالجنة وما فيها من أنواع النعيم، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٣٩٨].

«فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه» [٣٩٩].

وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً عن ابن عباسما: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء [٤٠٠].

وأخبر سبحانه وتعالى أن من نعيم أهل الجنة: الأزواج المطهرة، وقد فسر مجاهد قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ[٤٠١].

قال: «طهورٌ من الحيض، والغائط، والبول، والبزاق، والنخامة، والمني، والولد» [٤٠٢].

وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً[٤٠٣]، هذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام [٤٠٤].

وقال سبحانه في موضع آخر: أنه سبحانه يدخل أهل الإيمان و العمل الصالح ظلاً كثيفاً ممتداً في الجنة.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاً ظَلِيلاً[٤٠٥].

الظل الظليل: الكثيف الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك، وقيل: هو مجموع ظل الأشجار والقصور، وقيل: الظل الظليل: هو الدائم الذي لا يزول [٤٠٦].

وقد وصف النبي ظل الشجرة فيما رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله (ص) أنه قال: (إن فى الجنة لشجرةً يسير الراكب فى ظلها مائة سنةٍ) [٤٠٧].

وأخبر سبحانه أنه عند دخول أهل الإيمان والعمل الصالح الجنة يُحَيَوْنَ بالسلام.

قال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ[٤٠٨].

قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ مصدر مضاف إلى الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول أي تحييهم الملائكة، وجائز أن يكون الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضاً [٤٠٩].

وأخبر سبحانه وتعالى عن زينة أهل الإيمان والعمل الصالح في الجنة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ[٤١٠].

«يحلون فيها من الحلية من أساور من ذهب ولؤلؤاً أي: في أيديهم.

كما قاله النبي (ص) في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي مالكٍ الأشجعي عن أبي حازمٍ قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ، إبطه فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي (ص) يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)» [٤١١].

وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكاً لو شئت أن أسميه لسميته: يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قلب منها-أي سوار منها-لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر.

وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ[٤١٢] في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً[٤١٣]. [٤١٤]

وقد روى مسلم بسنده عن خليفة بن كعبٍ أبى ذبيان قال سمعت عبد الله بن الزبير يخطب، يقول: ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإنى سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله (ص): (لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة) [٤١٥].

وأخبر سبحانه وتعالى أنه: أعد لأهل الإيمان والعمل الصالح غرف وصفها سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[٤١٦].

«أي: لنسكننهم منازل عالية في الجنة، تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا، ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً، نعمت هذه الغرف أجراً على أعمال المؤمنين الذين صبروا أي على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده، وتصديق موعوده» [٤١٧].

وأخبر سبحانه وتعالى أن أهل الإيمان والعمل الصالح، يكرمون ويسرون وينعمون في الجنة.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ[٤١٨].

الحبر، والحبور: السرور والغبطة، والرضوان.. والروضة: الجنة. أي أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لا يحزنهم هذا اليوم، ولا يضرهم التفرق، إذ كان مع كل مؤمن عمله، الذي يؤنسه، ويذهب وحشته، ويملأ قلبه طمأنينة وأمناً، بما يرى من بشريات الإيمان والأعمال الصالحة، التي بين يديه [٤١٩].

وذكر تعالى (الروضة)؛ لأنها من أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن، وما كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن [٤٢٠].

والخلاصة: أن نعيم الجنة المعد لأهل الإيمان والعمل الصالح: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.[٤٢١]

المراجع والمصادر

  1.   موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الهوامش

  1. انظر: الصحاح، الجوهري، ٥/٢٠٧١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص١٥١٨، لسان العرب، ابن منظور، ١٣/٢١، المفردات، الأصفهاني، ص ٩٠.
  2. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٧/٢٩١، الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه، عند أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عبد الحميد، ص١٩، ٢١.
  3. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  4. التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص٤١.
  5. انظر: العقيدة الواسطية، ابن تيمية ص١٦١.
  6. التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص٤١.
  7. انظر: الإيمان، ابن تيمية، ص١٣٧.
  8. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  9. انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٨١، ٩٣.
  10. سورة البقرة، الآية ٩.
  11. سورة يونس، الآية ١٠٠.
  12. سورة الأحقاف، الآية ١٧.
  13. سورة المجادلة، الآية ٢٢.
  14. سورة البقرة، الآية ٢٢١.
  15. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٩١، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص١١٠.
  16. سورة يوسف، الآية ١٧.
  17. سورة البقرة، الآية ٦٢.
  18. سورة المائدة، الآية ٥.
  19. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  20. انظر: الصحاح، الجوهري، ٥/ ١٩٥٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٩٠.
  21. انظر: ثلاثة الأصول، محمد بن عبد الوهاب ص١٤.
  22. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  23. انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٣/١١٧.
  24. التفسير المنير، الزحيلي، ١٤/ ٢١٢.
  25. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  26. سورة البقرة، الآية ٢٥.
  27. انظر: المعجم المفهرس، عبد الله جلغوم ١/ ١٨٢- ١٨٧.
  28. يتيمة الدهر في تفسير سورة العصر، الشرقاوي ص ٣٦.
  29. مجموع الفتاوى ١/ ١٩٤.
  30. تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور، ص ٣٨١٨.
  31. العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي ص ٥٧ بتصرف يسير.
  32. سورة البقرة، الآية ٢٥.
  33. سورة القصص، الآية ٦٧.
  34. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٦٢٢.
  35. فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٢١١.
  36. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  37. سورة الحشر، الآية ٢٣.
  38. سورة آل عمران، الآية ١٨.
  39. انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٣٢.
  40. جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٥٢.
  41. انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٣٢.
  42. تفسير أسماء الله الحسنى، السعدي ٢٣٩.
  43. سورة السجدة، الآية ١٨.
  44. انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٣٢.
  45. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  46. سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
  47. أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، باب سورة البقرة، رقم ٣١٣٤. قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: منقطع.
  48. سورة البقرة، الآية ٢٨٤.
  49. المحرر الوجيز ١/ ٣٩١.
  50. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٧٢.
  51. في ظلال القرآن ١/ ٣٤١.
  52. سورة البقرة، الآية ١٧٧.
  53. سورة النساء، الآية ١٣٦.
  54. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان والإيمان بالقدر، رقم١٠٢.
  55. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  56. المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/ ٣٩١.
  57. انظر: محاضرات في التفسير الموضوعي، عبدالستار فتح السعيد ص ٧٥، والمدخل في التفسير الموضوعي، له ص٩٩ .
  58. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  59. سورة الشورى، الآية ١١.
  60. سورة الحديد، الآية ٣.
  61. سورة القصص، الآية ٨٨.
  62. سورة الطور، الآية ٣٥.
  63. سورة الطور، الآية ٣٦.
  64. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٨١٦.
  65. سورة الأعراف، الآية ١٨٥.
  66. سورة ق، الآية ٦-٨.
  67. سورة الروم، الآية ٣٠.
  68. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٨٢.
  69. سورة الزخرف، الآية ٩.
  70. المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبد الستار سعيد ٩٩/١٠٠.
  71. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  72. سورة الزمر، الآية ٣.
  73. سورة يونس، الآية ١٨.
  74. سورة الأعراف، الآية ٥٩.
  75. سورة الإخلاص، الآية ١- ٤.
  76. أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحدٌ، رقم ٨١١.
  77. سورة الأنبياء، الآية ٢٥.
  78. أخرجه الترمذي في سننه، ٥/ ٤٦٤، رقم ٣٥٨٥. قال الألباني: صحيح. انظر: مشكاة المصابيح ٢٥٩٨.
  79. سورة الأعراف، الآية ٥٩.
  80. سورة الأنبياء، الآية ٤٥.
  81. محاضرات في التفسير الموضوعي، عبد الستار سعيد، ص ٨.
  82. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  83. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، رقم٤.
  84. المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار سعيد ص٣٣٠- ٣٣٣.
  85. سورة الروم، الآية ٢٧.
  86. سورة النحل، الآية ٦٠.
  87. سورة الشورى، الآية ١١.
  88. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٥٤.
  89. سورة يس، الآية ١٢.
  90. سورة القمر، الآية ٥٣.
  91. سورة سبأ، الآية ٣.
  92. سورة الملك، الآية ١٣-١٤.
  93. سورة طه، الآية ٧.
  94. سورة المدثر، الآية ٣١.
  95. سورة الأنعام، الآية ٥٩.
  96. سورة الرعد، الآية ٨-٩.
  97. سورة فصلت، الآية ٤٧.
  98. سورة هود، الآية ٦.
  99. سورة يونس، الآية ٦١.
  100. سورة البقرة، الآية ٢٠.
  101. سورة الروم، الآية ٢٧.
  102. سورة ق، الآية ٤٤.
  103. سورة النحل، الآية ٤٠.
  104. سورة فاطر، الآية ٤٤.
  105. سورة لقمان، الآية ٢٨.
  106. سورة الأعراف، الآية ١٨٠.
  107. سورة الإسراء، الآية ١١٠.
  108. سورة الحشر، الآية ٢٢-٢٤.
  109. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، بابٌ: إن لله مائة اسمٍ إلا واحداً، رقم ٧٣٩٢.
  110. سورة النساء، الآية ٣٦.
  111. سورة النساء، الآية ٤٨.
  112. انظر: المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء، محمد المدني ص ٣٣ .
  113. سورة البقرة، الآية ١٦٨.
  114. انظر: كتاب النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز ص ٢١٧ ..
  115. محاضرات في التفسير الموضوعي، عبدالستار فتح الله سعيد ٦٨.
  116. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  117. النبوات ص٢٥٧.
  118. فتح الباري ٦/٣٠٦ .
  119. المحرر الوجيز ١/ ٣٩١.
  120. سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
  121. سورة النساء، الآية ١٣٦.
  122. جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٩٦.
  123. سورة البقرة، الآية ٣٠.
  124. انظر: فتح الباري، ٦/ ٢٣٤.
  125. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقةٍ، رقم ٥٣١٤.
  126. سورة مريم، الآية ١٧.
  127. فتح القدير، ٣/ ٣٨٧.
  128. سورة الذاريات، الآية ٢٤ - ٢٥.
  129. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٩٢.
  130. سورة فاطر، الآية ١.
  131. جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٢٦.
  132. سورة النجم، الآية ١١.
  133. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ولقد رآه نزلةً أخرى، رقم ١٧٤.
  134. سورة النحل، الآية ٥٠.
  135. سورة التحريم، الآية ٦.
  136. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ١١٩.
  137. سورة الأعراف، الآية ٢٠٦.
  138. المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٩٥.
  139. سورة النازعات، الآية ٥.
  140. جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٦٥.
  141. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٣١٥.
  142. سورة الأنعام، الآية ٦١.
  143. سورة الرعد، الآية ١١.
  144. سورة الإنفطار، الآية ١٠ - ١١.
  145. سورة غافر، الآية ٧-٩.
  146. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٢.
  147. سورة الأنفال، الآية ١٢.
  148. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢٢.
  149. إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢/ ١٣٠.
  150. سورة المدثر، الآية ٣١.
  151. فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٣٩٦.
  152. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  153. المحرر الوجيز ١/ ٣٩١.
  154. سورة النساء، الآية ١٣٦.
  155. جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٩٤.
  156. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٢٤٢.
  157. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢٠٩.
  158. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  159. سورة المائدة، الآية ٤٤.
  160. سورة المائدة، الآية ٤٦.
  161. سورة النساء، الآية ١٦٣.
  162. سورة الأعلى، الآية ١٨-١٩.
  163. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
  164. سورة المائدة، الآية ٤٨.
  165. التفسير القرآني للقرآن ٢/ ٣٩٦.
  166. في ظلال القرآن ٢/ ٩٠٢.
  167. سورة الحجر، الآية ٩.
  168. التحرير والتنوير ١٤/ ٢١.
  169. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  170. منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، علي بن ناصر فقيهي ص٣٠ .
  171. سورة يونس، الآية ٤٧.
  172. سورة فاطر، الآية ٢٤.
  173. جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٦١.
  174. سورة النساء، الآية ١٦٤.
  175. التحرير والتنوير ٦/ ٣٥.
  176. سورة الأنعام، الآية ٨٣-٨٦.
  177. سورة الأعراف، الآية ٦٥.
  178. سورة الأعراف، الآية ٧٣.
  179. سورة الأعراف، الآية ٨٥.
  180. سورة آل عمران، الآية ٣٣.
  181. سورة الأحزاب، الآية ٧.
  182. المحرر الوجيز ٤/ ٣٧١.
  183. سورة الأعراف، الآية ٥٩.
  184. في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٦٤.
  185. سورة النساء، الآية ١٦٥.
  186. سورة طه، الآية ١٣٤.
  187. فتح القدير، الشوكاني ١/ ٦٢١.
  188. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢١٤.
  189. سورة آل عمران، الآية ٨٤.
  190. سورة النساء، الآية ١٥٠.
  191. سورة يوسف، الآية ١٠٩.
  192. سورة الفرقان، الآية ٢٠.
  193. سورة الرعد، الآية ٣٨.
  194. سورة الأنعام، الآية ٣٤.
  195. سورة الأعراف، الآية ١٨٨.
  196. سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
  197. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٩.
  198. سورة الأعراف، الآية ١٥٨.
  199. سورة الأحقاف، الآية ٣١.
  200. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  201. انظر: الفتاوى السعدية ص ١٦.
  202. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  203. سورة البقرة، الآية ١٧٧.
  204. سورة النمل، الآية ٣.
  205. التفسير القرآني للقرآن ١٠/ ٢٠٨.
  206. في ظلال القرآن ٥/ ٢٦٢٧.
  207. سورة النمل، الآية ٤.
  208. العقائد الإسلامية، سيد سابق ص٢٦١- ٢٦٤.
  209. سورة الحج، الآية ٧.
  210. سورة غافر، الآية ٥٩.
  211. أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٣١٣.
  212. سورة الدخان، الآية ٣٨-٤٠.
  213. سورة النحل، الآية ٢٢.
  214. في ظلال القرآن ٤/ ٢١٦٧.
  215. المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبد الستار فتح الله سعيد ص ٢٣٩.
  216. سورة النازعات، الآية ٣٧-٤١.
  217. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٣١٩.
  218. في ظلال القرآن ٦/ ٣٨١٨.
  219. التحرير والتنوير ٣٠/ ٨١.
  220. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  221. سورة الزمر، الآية ٦٨.
  222. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٧٢٩.
  223. سورة الزمر، الآية ٦٨.
  224. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٧٢٩.
  225. سورة هود، الآية ١٠٣.
  226. سورة النمل، الآية ٨٨.
  227. سورة طه، الآية ١٠٥-١٠٨.
  228. سورة إبراهيم، الآية ٤٨.
  229. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩/ ١٩٣.
  230. سورة الإسراء، الآية ١٣-١٤.
  231. انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٥٢٣.
  232. سورة الحاقة، الآية ١٩.
  233. سورة الحاقة، الآية ٢٥-٢٩.
  234. سورة الانشقاق، الآية ٧-١٣.
  235. سورة النساء، الآية ٤١.
  236. سورة ق، الآية ٢١.
  237. سورة الزلزلة، الآية ٤.
  238. سورة الزلزلة، الآية ٤.
  239. أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة (إذا زلزلت الأرض)، رقم ٢٤٢٩. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الشيخ الألباني: ضعيف الإسناد. انظر: ضعيف الترمذي ١/ ٢٧٥..
  240. سورة يس، الآية ٦٥.
  241. سورة يس، الآية ٦٥.
  242. سورة النور، الآية ٢٤.
  243. سورة فصلت، الآية ٢٠-٢١.
  244. سورة الصافات، الآية ٢٢-٢٤.
  245. سورة الصافات، الآية ٢٢-٢٤.
  246. سورة الأنبياء، الآية ٤٧.
  247. سورة النساء، الآية ٤٠.
  248. سورة القارعة، الآية ٦-٧.
  249. سورة القارعة، الآية ٨.
  250. سورة القارعة، الآية ٨-١١.
  251. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  252. سورة الزمر، الآية ٧٣.
  253. سورة الزمر، الآية ٧٣-٧٤.
  254. سورة التوبة، الآية ١١١.
  255. سورة التوبة، الآية ١١١.
  256. سورة ق، الآية ٣٧.
  257. سورة محمد، الآية ١٥.
  258. سورة محمد، الآية ١٥.
  259. سورة الحج، الآية ١٩-٢٠.
  260. سورة الحج، الآية ٢١-٢٤.
  261. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  262. الأثافي: هي جمع أثفية، وقد تخفف الياء في الجمع، وهي الحجارة التي تنصب وتجعل القدر عليها: انظر النهاية في غريب الأثر: ص٢٣.
  263. المفردات، الراغب ص ٥٩.
  264. سورة الكهف، الآية ٣.
  265. سورة المائدة، الآية ٣٧.
  266. سورة الحجر، الآية ٤٨.
  267. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة)، ٤٧٣٠.
  268. سورة السجدة، الآية ١٧.
  269. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعينٍ)، رقم ٤٤٠٦.
  270. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  271. رسائل العقيدة، ابن عثيمين ص٣٧، ٤٠.
  272. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  273. سورة القمر، الآية ٤٩.
  274. فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٨٢.
  275. سورة الأحزاب، الآية ٣٨.
  276. سورة الفرقان، الآية ٢.
  277. الكشاف، الزمخشري ٤/ ٤٤١.
  278. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  279. الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية ص ٢٤٧.
  280. سورة الطلاق، الآية ١٢.
  281. سورة الحج، الآية ٧٠.
  282. سورة يس، الآية ١٢.
  283. سورة يس، الآية ٨٢.
  284. سورة التكوير، الآية ٢٩.
  285. سورة الزمر، الآية ٦٢.
  286. سورة الصافات، الآية ٩٦.
  287. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)، رقم ٣١٩١.
  288. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  289. سورة النحل، الآية ٤٠.
  290. سورة غافر، الآية ٦٨.
  291. سورة المرسلات، الآية ٢٣.
  292. سورة المائدة، الآية ٣.
  293. سورة البقرة، الآية ٢١٦.
  294. سورة النساء، الآية ١٩.
  295. سورة النساء، الآية ٦٥.
  296. سورة النساء، الآية ١٠٥.
  297. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  298. سورة النحل، الآية ٣٥.
  299. سورة الأنعام، الآية ١٤٨.
  300. سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
  301. سورة الكهف، الآية ٦٥.
  302. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، رقم ٣١٤٩.
  303. سورة الأنعام، الآية ١٤٨.
  304. محاضرات في التفسير الموضوعي، عبدالستار السعيد ص٦٥.
  305. دقائق التفسير، ابن تيمية ٢/ ٣٦٨.
  306. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  307. سورة محمد، الآية ١٧.
  308. جامع البيان، الطبري ٢١/ ٢٠٥.
  309. سورة مريم، الآية ٧٦.
  310. سورة المدثر، الآية ٣١.
  311. سورة الأنفال، الآية ٢.
  312. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٩.
  313. سورة الأحزاب، الآية ٢٢.
  314. جامع البيان، الطبري ١٩/ ٦٠.
  315. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٥١.
  316. سورة الكهف، الآية ١٣.
  317. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ٢١٠.
  318. سورة الأنفال، الآية ٢.
  319. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٥.
  320. سورة آل عمران، الآية ١٧٣.
  321. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ١١٤.
  322. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/٢١٠.
  323. سورة آل عمران، الآية ١٧٣.
  324. سورة الكهف، الآية ١٣.
  325. أخرجه الآجري في الشريعة ص ١١٧.
  326. شرح صحيح مسلم، النووي ١/١٤٦.
  327. سورة النساء، الآية ٤٦.
  328. فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٤٨.
  329. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ١٨٤.
  330. زاد المسير ١/ ٤١٦.
  331. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  332. سورة الأعراف، الآية ١١٣-١١٤.
  333. تفسير التحرير والتنوير ١٩/ ١٢٦.
  334. سورة الشعراء، الآية ٤٤.
  335. سورة طه، الآية ٧٢.
  336. تفسير التحرير والتنوير ١٦/ ٢٦٦.
  337. الدر المنثور، السيوطي ٣/ ٥١٣.
  338. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  339. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  340. سورة النور، الآية ٥٥.
  341. أخرجه الطبري ١٨/١٥٩ مرسلاً عن أبي العالية. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول، الوادعي ص ١٥٢.
  342. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧١.
  343. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٣.
  344. في ظلال القرآن ٤/ ٢٥٢٩.
  345. انظر: سر تأخر العرب والمسلمين، محمد الغزالي ص ١٢٣.
  346. سورة البينة، الآية ٧.
  347. جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٥٦.
  348. في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٥٣.
  349. سورة الأعراف، الآية ٩٦.
  350. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٢٥٣.
  351. في ظلال القرآن، ٣/ ١٣٣٨.
  352. سورة الأعراف، الآية ٩٥.
  353. في ظلال القرآن، ٣/١٣٣٩.
  354. سورة النحل، الآية ٩٧.
  355. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥١٦.
  356. في ظلال القرآن ٤/ ٢١٩٣.
  357. مدارج السالكين: ٣/ ٢٤٣.
  358. سورة الأنبياء، الآية ٩٤.
  359. في ظلال القرآن ٥/ ١٧٢ .
  360. سورة فصلت، الآية ٨.
  361. المحرر الوجيز ٥/ ٥.
  362. سورة النساء، الآية ١٧٣.
  363. جامع البيان، الطبري ٧/ ٧١٠.
  364. سورة البقرة، الآية ٢٧٧.
  365. التفسير القرآني للقرآن ٢/ ٣٥٩.
  366. سورة طه، الآية ١١٢.
  367. زاد المسير، ابن الجوزي ٣/١٧٧.
  368. سورة مريم، الآية ٩٦.
  369. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ٢٨٣.
  370. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبداً حببه إلى عباده، رقم ٢٦٣٧.
  371. سورة يونس، الآية ٩.
  372. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٨.
  373. سورة محمد، الآية ٢.
  374. جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٨٠.
  375. في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٨١.
  376. سورة العصر، الآية ٢-٣.
  377. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٥٧.
  378. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣٤.
  379. مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢/ ٢٨٠.
  380. سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
  381. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٢٤.
  382. سورة النحل، الآية ٩٧.
  383. سورة الأنعام، الآية ١٦٠.
  384. فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٢٣٠.
  385. سورة ص، الآية ٢٤.
  386. فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٤٨٩.
  387. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  388. سورة العنكبوت، الآية ٧.
  389. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٣٢٨.
  390. سورة الفرقان، الآية 70.
  391. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١١٦.
  392. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجاً، رقم ٤٨٠.
  393. سورة المائدة، الآية ٩.
  394. المحرر الوجيز ٢/ ١٦٦.
  395. سورة الحج، الآية ٥٠.
  396. سورة الكهف، الآية ١٠٧.
  397. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، رقم ٢٥٨١.
  398. سورة البقرة، الآية ٢٥.
  399. التفسير القيم، ابن القيم ١٣٢.
  400. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١١٤.
  401. سورة البقرة، الآية ٢٥.
  402. البعث والنشور، البيهقي ١/٢٠.
  403. سورة البقرة، الآية ٢٥.
  404. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١١٤.
  405. سورة النساء، الآية ٥٧.
  406. فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٥٤.
  407. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إن فى الجنة شجرةً يسير الراكب فى ظلها مائة عامٍ لا يقطعها، رقم٧٣١٤.
  408. سورة إبراهيم، الآية ٢٣.
  409. المحرر الوجيز ٣/ ٣٣٤.
  410. سورة الحج، الآية ٢٣.
  411. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، رقم ٢٥٠.
  412. سورة الحج، الآية ٢٣.
  413. سورة الإنسان، الآية ٢١-٢٢.
  414. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٣٥٩.
  415. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تشربوا في إناء الذهب والفضة ولا تلبسوا الديباج والحرير، رقم٣٨٥٠.
  416. سورة العنكبوت، الآية ٥٨.
  417. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٦٢.
  418. سورة الروم، الآية ١٥.
  419. التفسير القرآني للقرآن ١١/ ٤٩١.
  420. المحرر الوجيز ٤/ ٣٣٢.
  421. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم