نقاش:علم الله في علم الكلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تمهيد

المراد بالعلم هنا العلم الحضوري، فإنه تعالى عالم بذاته علما حضوريا لحضور ذاته عند ذاته. وهو عالم كذلك بجميع المعلومات[١].

اثبات صفة العلم له

استدل المتكلمون لاثبات صفة العلم لله تعالى بما يرى ويشاهد في مخلوقاته من إحكام في الصنع، وحكمة في الخلق، ونظام في التكوين، حيث قالوا: إن الافعال المتقنة والمنتظمة لا تصدر إلا عن عالم. وهذا من البداهة في مقام الوضوح.

واستدل الحكماء بما حاصله: ان جميع الممكنات هي معلولة له تعالى إما ابتداء وإما بالواسطة. ولأنه تعالى يعلم ذاته - وهي علة جميع الممكنات - فهو يعلم بها جميعا، لأن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول[٢].

الإدراك. البصر. السمع. الإرادة

ويدخل في صفة العلم كل من الصفات الأربع التالية:

  • الادراك
  • البصر
  • السمع
  • الإرادة

وذلك لأن ادراكه للمدركات معناه علمه بها.

وكذلك البصر والسمع فإنهما يعنيان علمه بالمسموعات والمبصرات.

ومثلها الإرادة لأنها - في أسلم ما عرفت به - علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة، الداعي لايجاده[٣].

عموم علمه تعالى

ويعني أن علمه تعالى يتعلق بجميع المعلومات.

والدليل على ذلك: هو تساوي نسبة جميع المعلومات اليه لأنه حي، وكل حي يصح أن يعلم كل معلوم، فيجب له ذلك لاستحالة افتقاره إلى غيره[٤].

ولكن الحكماء ذهبوا إلى أن علمه تعالى لا يتعلق بالجزئيات. واستدلوا على هذا: بان الجزئيات تتغير. وتغيرها يستلزم تغير علمه تعالى، وهذا محال.

ومثلوا لذلك: أنه لو علم تعالى جلوس انسان معين في مكان معين، ثم غادر هذا الانسان ذلك المكان.

فان بقي علمه تعالى كما هو لم يتغير مع تغير الحالة من الجلوس إلى تركه فهو الجهل. وان لم يبق فهو التغير. وكلا الأمرين (الجهل والتغير) ممتنع في حقه تعالى.

وردوا: بان المتغير هو التعلق الاعتباري لا العلم الذاتي.

وذلك لأن إضافة العلم إلى المعلوم كإضافة القدرة إلى المقدور، فكما لا تعدم القدرة بعدم المقدور المعين، وانما الذي يعدم هو الإضافة بينهما، والإضافة أمر اعتباري لا صفة حقيقية.

فكذلك هنا لا يتغير العلم بتغير المعلوم المعين، وانما الذي يتغير الإضافة التي بينهما، وهي أمر اعتباري لا صفة حقيقية.

أفاد هذا العلامة الحلي في نهج المسترشدين[٥]، وأفاده بتقرير آخر في كشف المراد[٦]، أقام دليله فيه على أساس من برهان الحكماء في اثبات صفة العلم المقدم ذكره، قال: ان كل موجود سواه ممكن. وكل ممكن مستند اليه. فيكون عالما به.

سواء كان (ذلك الممكن) جزئيا أو كليا، وسواء كان موجودا قائما بذاته، أو عرضا قائما بغيره، وسواء كان موجودا في الأعيان أو متعقلا في الأذهان - لان وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضا فيستند اليه -، وسواء كانت الصورة الذهنية صورة أمر وجودي أو عدمي، ممكن أو ممتنع.

فلا يغرب عن علمه شئ من الممكنات ولا من الممتنعات. وهذا برهان شريف قاطع[٧].

البداء

مما يرتبط بمسألتنا هذه ارتباطا وثيقا مسألة البداء.

وهي مما اشتهرت وعرفت بها الامامية من فرق الشيعة، فلهذا، ولأنها وقعت موقع سوء الفهم عند غير الامامية، فذهبوا إلى أن الاعتقاد بها يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى، رأيت أن أعرفها وبشئ - ولو قليل - من التفصيل توضيحا للعقيدة ودفعا للشبهة[٨].

تعريف البداء

البداء لغة - مصدر من مصادر الفعل (بدا)، يقال: بدا الشئ يبدو بدوا وبدوا وبداء.

وهو بفتح الباء الموحدة.. ويستعمل في المعاني التالية:

1 - الظهور:

ويراد به ظهور الشئ عن خفاء وكتمان، أي عن وجود له سابق، لا من عدم.

يقال: بدا لي من أمرك بداء، أي ظهر لي.

ومنه ما في الآيات التالية:

  • ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ[٩].
  • ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ[١٠].
  • ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ[١١].

وأكثر معاني الكلمة استعمالا في القرآن الكريم هو هذا المعنى.

ومنه أيضا ما في الحديثين:

  • «إنه أمر أن يبادي الناس بأمره» أي يظهره لهم.
  • «من يبد صفحته نقم عليه كتاب الله» أي من يظهر لنا فعله الذي كان يخفيه أقمنا عليه الحد.

ومنه أيضا قول عمر بن أبي ربيعة:

بدا لي منها معصم حين جمرت * وكف خضيب زينب ببنان أي ظهر لي معصمها الذي كان مخفيا قبل رميها الجمرات.

2 - التغير:

ويأتي هذا المعنى في تبدل القصد، كما لو كنت عازما على السفر يوم الأربعاء - مثلا - ثم عدلت عن السفر يوم الأربعاء لسبب ما. وقيل لك: لم لم تسافر؟، تقول: بدا لي أن ألغي السفر، أو بدا لي أن أؤخر السفر.

ومعناه: تغير رأيي على ما كان عليه.

3 - الاستصواب:

وهو أن تستصوب شيئا علمت به بعد أن لم تعلم به، فتقول: بدا لي أن هذا هو الصواب.

ومنه ما جاء في قصة النبي يوسف (ع) في استصواب العزيز وأهله سجن يوسف بعدما رأوا الشواهد الدالة على براءته، وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ[١٢].

4 - النشوء:

وهو بمعنى الظهور، لكن لا عن خفاء وكتمان، وإنما ارتداء، أي الظهور بعد أن لم يكن الشئ موجودا من قبل.

وبتعبير أخصر: الوجود بعد العدم.

ومنه ما جاء في قصة النبي إبراهيم (ع) والذين معه: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ[١٣]. أي نشأت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء[١٤].

تعريفه الإصطلاحي

وأما في الاصطلاح:

فالبداء: هو الإظهار أو الإبداء في القضاء الموقوف.

شرح التعريف:

ولأن البداء يرتبط بنوع من أنواع القضاء، وهو القضاء الموقوف، وهو ما يعرف بالقضاء غير المحتوم أيضا، يتوقف ايضاحه وبيان المقصود منه على بيان أقسام القضاء، فنقول: ينقسم القضاء الإلهي إلى قسمين: المحتوم والموقوف (المشروط).

1 - القضاء المحتوم

وقد يسمى (المبرم) أيضا. ويتمثل في خطين أو نوعين هما:

  1. القضاء الذي اختص به الله تعالى، فلم يطلع عليه أحدا من خلقه.
  2. القضاء الذي أخبر الله تعالى أنبياءه وملائكته بأنه سيقع حتما.

2 - القضاء الموقوف (المشروط):

وهو القضاء الذي أخبر الله تعالى أنبياءه وملائكته بان وقوعه في الخارج موقوف على أن لا تتعلق مشيئة الله تعالى بخلافه، أي أن وقوعه مشروط بعدم تعلق المشيئة الإلهية بخلافه.

وبعد أن تعرفنا أقسام القضاء، نقول في علاقة البداء بالقضاء:

فبالنسبة إلى القضاء المحتوم من النمط الأول الذي اختص به تعالى واستأثر بعلمه، فإنه من المحال وقوع البداء فيه، وذلك لان وقوع البداء فيه يلزم منه التغير في علمه تعالى، وهو محال.

وكذلك بالنسبة إلى النمط الثاني من القضاء المحتوم - وهو الذي أطلع الله عليه أنبياءه وملائكته، وأخبرهم بأنه سيقع حتما - فإنه من المحال أيضا وقوع البداء فيه، وذلك لان وقوع البداء فيه يلزم منه أن يكذب الله نفسه، ويكذب أنبياءه وملائكته، تعالى الله عن ذلك.

وهذا التقسيم الثنائي - أعني تقسيم القضاء إلى: محتوم وموقوف - مأخوذ من روايات أهل البيت (ع).

وكذلك التسمية بالمحتوم والموقوف.

ففي تفسير العياشي: عن الفضيل بن يسار، قال: «سمعت أبا جعفر (ع) يقول: من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة. ومن الأمور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء ويمحو ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحدا، يعني الموقوفة. فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته»[١٥].

وكذلك تقسيم القضاء المحتوم إلى قسمين: ما استأثر به الله تعالى. وما أطلع عليه ملائكته وأنبياءه، مأخوذ من روايات أهل البيت (ع).

ففي (عيون أخبار الرضا): «قال الرضا (ع) لسليمان المروزي: إن عليا (ع) كان يقول: العلم علمان. فعلم علمه الله ملائكته ورسله، فما علمه الله ملائكته ورسله، فإنه يكون، ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه، يقدم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء»[١٦].

يعني أن هذا النوع من القضاء هو مصدر البداء ومنه يؤخذ، كما سيأتي.

وبالنسبة إلى القسم الثاني (القضاء الموقوف) فهو الذي يقع فيه البداء، كما هو صريح رواية الفضيل المتقدمة.

ورواية الفضيل وأمثالها أفادت هذا من الآية الكريمة: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[١٧].

وهذا يعني ان مصدر فكرة البداء هو الآية المذكورة، وبخاصة أن الآية جاءت في سياق وعقيب آية هي قرينة على أن موضوع آية المحو والاثبات هو القضاء. وهي - أعني الآية التي قبلها -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ[١٨]. وقرينيتها بما في قوله: (لكل أجل كتاب).

فصرف موضوع الآية أو تأويله بغير القضاء، كما حاول أكثر من مفسر غير سليم.

لأنه يتطلب إبطال قرينية الآية المذكورة وإثبات الموضوع التأويلي المدعى، بما لا يقبل الرد، وهذا غير متأت[١٩].

وبقرينية هذه القرينة يكون الملحض من مضمون الآية: أن لله سبحانه في كل وقت وأجل كتابا، أي حكما وقضاء، وأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والاحكام والأقضية، ويثبت ما يشاء، أي يغير القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر.

لكن عنده بالنسبة إلى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والاثبات، وهو الأصل الذي يرجع اليه الأقضية الأخر، وتنشأ منه، فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو[٢٠].

وكما حددت وعينت روايات أهل البيت القضاء الذي يقع فيه البداء، وهو القضاء الموقوف، حددت وعينت القضاء الذي يصدر منه البداء، فنصت على أنه القضاء الذي استأثر به الله تعالى، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه.

ففي (عيون أخبار الرضا): «أن الرضا (ع) قال لسليمان المروزي: رويت عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: إن لله عز وجل علمين: علما مخزونا مكنونا لا يعلمه الا هو، من ذلك يكون البداء. وعلما علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه»[٢١].

وفي (بصائر الدرجات): «عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: إن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه الا هو، من ذلك يكون البداء. وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه، ونحن نعلمه»[٢٢].

وهذا القضاء أو العلم هو ما سمته الآية الكريمة ب (أم الكتاب).

وكذلك حددت وعينت الروايات الزمان الذي يقع فيه البداء وهو (ليلة القدر).

ففي (الكافي) عن حمران: «أنه سأل أبا جعفر (ع) عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ[٢٣]؟ قال: نعم، ليلة القدر، وهي في كل سنة، في شهر رمضان، في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ[٢٤]، قال: يقدر في ليلة القدر كل شئ يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل: خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق، فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم، ولله فيه المشيئة».

واستدرك السيد الطباطبائي هنا معلقا على قوله (المحتوم) لدفع ما قد يتوهم من أن المراد به المحتوم بالمعنى المصطلح الذي ذكرناه، قال: قوله: (فهو المحتوم ولله فيه المشيئة) أي أنه محتوم من جهة الأسباب والشرائط، فلا شئ يمنع عن تحققه الا أن يشاء الله ذلك[٢٥].

وفي (تفسير علي بن إبراهيم) تفسيرا للآية ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ قال: «عن أبي عبد الله (ع): قال: إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة، فإذا أراد أن يقدم شيئا أو يؤخره، أو ينقص شيئا، أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثم أثبت الذي اراده. قلت: وكل شئ هو عند الله مثبت في كتاب؟. قال: نعم. قلت: فأي شئ يكون بعده؟!. قال: سبحان الله، ثم يحدث الله أيضا ما يشاء تبارك وتعالى».

«وعن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن (ع): أي يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشيئة، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، من الآجال والأرزاق والبلايا والاعراض والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء، وينقص ما يشاء»[٢٦].

وكذلك جاء في الروايات نفي الشبهة التي أثيرت حول البداء في أنه يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى وتنزه عن ذلك.

فعن الإمام الصادق: «من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شئ لم يعلمه أمس فابرأوا منه».

وعنه أيضا : «ان الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وعنده أم الكتاب».

وقال: «فكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شئ يبدو له الا وقد كان في علمه، ان الله لا يبدو له عن جهل»[٢٧].

ونخلص من هذا كله إلى أن البداء عند الإمامية هو بمعنى الإظهار والإبداء.

فهو يطابق المعنى الأول من المعاني اللغوية لكلمة البداء وهو الظهور بعد الخفاء.

وذلك أن الله تعالى يظهر من علمه الخاص به القضاء المحتوم للشئ عند تحقق شرط وقوعه إذا كان في علمه تعالى أن شرطه سيتحقق، أو عند عدم تحقق الشرط إذا كان في علمه تعالى أن الشرط لن يتحقق.

وكما جاء في روايات أهل البيت واتباعهم من الامامية ما يدل على البداء، جاء أيضا في روايات الصحابة واتباعهم من أهل السنة ما يدل على البداء. ومنه:

  1. ما رواه البخاري باسناده عن عبد الرحمن بن أبي عمرة: «أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله (ص) يقول: إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شئ أحب إليك.. الخ»[٢٨]. وجاء في تعليقة الناشر على قوله (بدا) ما نصه: «أي سبق في علم الله فأراد اظهاره». وهو البداء الذي يقول به الإمامية تماما.
  2. ما رواه الترمذي عن سليمان: «قال: قال رسول الله (ص): لا يرد القضاء الا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر»[٢٩].
  3. ما رواه ابن ماجة عن ثوبان: «قال: قال رسول الله (ص): لا يزيد في العمر الا البر، ولا يرد القدر الا الدعاء، وان الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها»[٣٠].
  4. ما روي عن عمر وابن مسعود وأبي وائل في دعائهم: «ان كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، أو في الأشقياء فامحني منهم»[٣١].
  5. ما روي عن ابن عباس: «أن لله لوحا محفوظا، لله تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء»[٣٢].
  6. ما روي عنه أيضا: «الكتاب: اثنان: كتاب يمحو الله ما يشاء فيه، وكتاب لا يغير، وهو علم الله والقضاء المبرم»[٣٣].
  7. وفي الحديث عن أبي الدرداء: «أنه تعالى يفتح الذكر في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر ما في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء»[٣٤].
  8. وقال الغزنوي: «ما في اللوح المحفوظ خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة فيحتمل التبديل، وإحاطة الخلق بجميع علم الله تعالى، وما في علمه تعالى من تقدير الأشياء لا يبدل»[٣٥].
  9. ما رواه البخاري من قصة المعراج، وهو طويل، وما يرتبط منه بموضوعنا هنا قوله: «فأوحى اليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة». وقوله الآخر الذي جاء بعد قص مراجعة النبي محمد لموسى وتردد النبي محمد (ص) على الجبار تعالى يسأله تخفيف عدد الصلوات المكتوبة: «فقال الجبار: يا محمد. قال: لبيك وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك»[٣٦].

وتفهم دلالة الحديث على البداء صراحة مما علقه عليه مؤلفو الكتيب الصادر عن إدارة مجلة (الأزهر) المصرية المعنون ب (الاسراء والمعراج) إعداد لفيف من العلماء والقسم الخاص منه بالمعراج أعده الشيخ توفيق إسلام يحيى، قال تحت عنوان (شرح الحديث) في ص 70 ما نصه:

«7 - ما الحكمة في وقوع المراجعة مع موسى عليه السلام دون غيره من الأنبياء، وكيف جاز وقوع التردد والمراجعة بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام؟ أجيب: بان موسى عليه السلام كان أول من سبق اليه حين فرضت الصلاة، فجعل الله ذلك في قلب موسى عليه السلام، ليتم ما سبق من علم الله تعالى من أنها خمس في العمل وخمسون في الثواب.

وجاز وقوع التردد والمراجعة لعلمهما أن التحديد الأول غير واجب قطعا، ولو كان واجبا قطعا لما كان يقبل التخفيف ولا كان النبيان يفعلان ذلك.»

ومنه أيضا:

ما جاء في دعاء ليلة النصف من شعبان المعروف عند أهل السنة: «اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما، أو مقترا علي في الرزق، فامح اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني وتقتير رزقي، فإنك قلت وقولك الحق: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب»[٣٧].

وقد هاجم الشيخ محمد كنعان مؤلف (مواهب الجليل) هذا الدعاء هجوما عنيفا، وقال: «لا يجوز الدعاء به لان ما سبق تقديره لا تبديل له».

أقول: لو صح الاعتماد على هذا الدعاء فنقد الشيخ كنعان يتم بناء على تفسير (أم الكتاب) بالأصل الذي لا يتغير منه شئ، وهو ما كتبه الله تعالى في الأزل، كما جاء في تفسير الجلالين[٣٨]، وكما هو المشهور، وأريد في الدعاء أن المحو والاثبات يقع فيه.

أما على مثل قول ابن عطية بأن أصوب ما يفسر به (أم الكتاب) أنه ديوان الأمور المحدثة التي قد سبق في القضاء ان تبدل وتمحى أو تثبت[٣٩].

أو أن المقصود في الدعاء الاستشهاد بالآية الكريمة في أن هناك محوا واثباتا، وليس قوله (أم الكتاب) من موضع الشاهد أو الاستشهاد، وانما ذكر لأنه تتمة الفقرة من الآية الكريمة.

فلا يتوجه نقد كنعان، ويبقى الدعاء دالا على البداء.

وأولى من ذلك أن نقول: إنه ورد في القرآن الكريم ما يدل على البداء المروي عن أهل البيت (ع) كما في الآية الكريمة: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا[٤٠]، فان الآية قد تفسر بان الله تعالى حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ[٤١]: إنه لم يكن يعلم بأن في المسلمين ضعفا يمنعهم من أن يقابل العشرون منهم المائتين من الكافرين، والمائة الألف، ثم علم بعد ذلك فخفف عنهم بما أنزله من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[٤٢].

لكن هذا لا يصح بأي وجه من الوجوه لأنه يستلزم نسبة الجهل اليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وعليه: لا يتأتى أن يفسر قوله تعالى (علم) بما ينفي شبهة الجهل المشار اليه الا في ضوء البداء.

بمعنى ان الله أبدى وأظهر ما كان يكنه من علمه الخاص الذي لم يطلع عليه رسول (ص) فاستبدل بالأمر أمرا.

ومن البداء القرآني: ما جاء في قصة فداء النبي إسماعيل حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ[٤٣].

فالوحي (بالرؤيا) كان بالذبح ثم تغير الذبح إلى الفداء، وهذا لا يتأتى توجيهه الا على القول بالبداء، وهو واضح.

ومنه ما في قصة قتل الخضر الغلام في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا[٤٤].

يقول البيضاوي: «وانما خشي ذلك لأن الله تعالى أعلمه»[٤٥].

ويقول الهادي الزيدي: «انه لو لم يقتل (الخضر الغلام) لعاش (الغلام) قطعا حتى يرهق أبويه طغيانا وكفرا كما أخبر عنه الله عز وجل»[٤٦].

فلو لم يقل بالبداء هنا لاستلزم الأمر تغير علمه تعالى عن ذلك.

وفيما يترتب على الايمان بالبداء من آثار اعتقادية وعلمية يقول استاذنا السيد الخوئي: والبداء انما يكون في القضاء الموقوف المعبر عنه بلوح المحو والاثبات.

والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه، وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.

فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه، وأن إرادة الله نافذة في الأشياء أزلا وأبدا.

بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين.

فعلم المخلوقين - وان كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بها أحاط به علمه تعالى، فان بعضا منهم وإن كان عالما - بتعليم الله إياه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر به لنفسه، فإنه لا يعلم بمشيئة الله تعالى - لوجود شئ - أو عدم مشيئته الا حيث يخبره الله تعالى به على نحو الحتم.

والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وابعاده عن المعصية.

فان انكار البداء والالتزام بان ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فان ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير بانفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبدا، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك.

وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (ع) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد.

وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) من الاهتمام بشأن البداء.

فقد روى الصدوق في كتاب (التوحيد) باسناده عن زرارة عن أحدهما (يعني الامامين الباقر والصادق) (ع) قال: «ما عبد الله عز وجل بشئ مثل البداء». وروي باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): قال: «ما بعث الله عز وجل نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار بالعبودية. وخلع الأنداد. وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء».

والسر في هذا الاهتمام أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن الله غير قادر على أن يغير ما جرى عليه قلم التقدير، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فان كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته إلى ربه[٤٧].

والآن وبعد أن تبينا ما هو البداء، وأنه اعتقاد سليم لا نسبة فيه للجهل إلى الله تعالى، وأن إنكاره يؤدي إلى نسبة العجز إلى الله تعالى عن ذلك - قد يكون من المفيد أن أشير إلى أن أكثر من ذكر البداء كعقيدة امامية استخدام في تعبيره عنها لغة النبز والتهكم.

ومن المعلوم منهجيا أن مثل هذه اللغة تبعد البحث عن النزاهة والباحث عن الموضوعية والصدق.

فكان الأولى أن تبحث المسألة بحثا علميا مقصودا به وجه الحق في القبول والرفض[٤٨].

المراجع والمصادر

  1. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام

الهوامش

  1. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 123
  2. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 123
  3. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 123 - 124
  4. العلامة الحلي، الباب الحادي عشر، ص 23
  5. العلامة الحلي، نهج المسترشدین، ص 24
  6. العلامة الحلي، کشف المراد، ص 221
  7. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 124 - 125
  8. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 125 - 126
  9. سورة الانعام: 28.
  10. سورة الاعراف: 22.
  11. سورة المائدة: 99.
  12. سورة یوسف: 35.
  13. سورة الممتحنة: 4.
  14. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 126 - 127
  15. السید محمد حسین الطباطبائي، تفسیر المیزان، ج 11، ص 380.
  16. البیان، ص 410، عن عیون أخبار الرضا، باب 13.
  17. سورة الرعد: 39.
  18. سورة الرعد: 38.
  19. لمعرفة شئ من الموضوعات التأويلية يرجع إلى (الميزان) و (البحر المحيط) في تفسير آية المحو والاثبات، وعند ذلك سيرى المراجع الكريم انها اجتهادات شخصية لم تستند إلى برهان.
  20. السید محمد حسین الطباطبائي، تفسیر المیزان، ج 11، ص 376.
  21. البيان، ص 409، عن عيون أخبار الرضا، باب 13، مجلس الرضا مع سليمان المروزي.
  22. البيان، ص 410، عن البحار، باب البداء والنسخ، ج 2، ص 136، ط كمباني.
  23. سورة الدخان: 3.
  24. سورة الدخان: 4.
  25. السید محمد حسین الطباطبائي، تفسیر المیزان، ج 18، ص 134.
  26. البيان، ص 411، عن البحار، باب البداء والنسخ، ج 2، ص 133، ط كمباني.
  27. البيان، ص 413، عن البحار، باب البداء والنسخ، ج 2، ص 136، ط كمباني.
  28. صحيح البخاري، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ح 4، ص 329، ط المنيرية.
  29. البيان، ص 550، عن سنن الترمذي، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء، ج 8، ص 350.
  30. البیان، ص 550، عن سنن ابن ماجة، باب القدر، ج 10، ص 24؛ ورواه الحاكم في المستدرك وصححه - ولم يتعقبه الذهبي - ج 1، ص 493؛ ورواه أحمد في مسنده، ج 5، ص 277 و 280 و 282.
  31. البحر المحیط، ج 5، ص 398.
  32. البحر المحیط، ج 5، ص 398.
  33. حاشیة الجمل، ج 2، ص 574.
  34. حاشیة الجمل، ج 2، ص 574.
  35. حاشیة الجمل، ج 2، ص 574.
  36. البخاري، ج 9، ص 265 - 268، باب قوله: وكلم الله موسى تكليما، ط المنيرية.
  37. مواهب الجلیل من تفسیر البیضاوي، ص 328.
  38. .أنظر هامش حاشیة الجمل، ج 2، ص 574
  39. .البحر المحیط، ج 5، ص 399
  40. سورة الأنفال: 66.
  41. سورة الأنفال: 65.
  42. سورة الأنفال: 66.
  43. سورة الصافات: 102 - 107.
  44. سورة الکهف: 80.
  45. تفسیر البیضاوي، ص 392.
  46. الزیدية، ص 179.
  47. البیان، ص 414 - 415.
  48. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 127 - 139