علم الله في علم الكلام
تمهيد
العلم من الأوصاف الثبوتية لله في الرؤية الإسلامية، الله على علم بكل أمور العالم وكما سيأتي، العلم من الأوصاف الذاتية لله ومن الصفات الفعلية كذلك. بعبارة أخرى للعلم الإلهي مراتب مختلفة بعضها صفة ذاتية وبعضها الآخر صفة فعلية.[١]
معنى العلم
على أساس الاعتقاد الشائع فإن للعلم معنى بديهي وواضح؛ لأن كل إنسان يلمس هذه الصفة في أحواله النفسانية ويجدها في باطنه، كل منا في حياته جرب مرات هذه الحالة بحيث إنه ابتداءً كان جاهلاً بالنسبة لمسألة ما وبعد ذلك تظهر فيه حالة بحيث يصبح مطلع على تلك المسألة وهذا ما يُسمى بالعلم. ولا ينبغي الغفلة عن أن علم الإنسان في أقسامه المختلفة له نقائص ومحدوديات لا يُمكن تسريتها إلى الله، حيث إن الله منزّه عن كل تلك القيود والنقائص. كما أن قسماً أساسياً من علمنا يتحصل عن طريق الأدوات والوسائل الباطنية والخارجية؛ مثلاً: في إدراكنا للمحسوسات نستخدم أعضاءنا (العين، الأذن و...) وقد نستخدم الأدوات الخارجية كذلك. بالإضافة إلى أن علومنا إذا لم نقل كلها فإن أغلبها علوم حادثة يعني العلم الحاصل بعد الجهل ومن هنا فهو في معرض الزوال والفناء. بالإضافة إلى ذلك فإن مجموع علومنا كمجموعة ناقصة جداً ومحدودة وما نعرفه لا يُعدّ شيئاً بالقياس إلى ما لا نعرفه. ولكن العلم الإلهي مبراً من كل هذه النواقص، هو علم مطلق، لا محدود، أزلي وأبدي ولا يحتاج إلى أدوات ومقدمة وواسطة ولا يستلزم الانفعال وتأثر الذات الإلهية من الخارج.[٢]
العلم الحصولي والحضوري
المعلوم في العلم الحضوري هو نفس الشيء أما في العلم الحصولي هو الصورة الذهنية للشيء، والشيء يُدرك بواسطة صورته. علمنا بذاتنا وأيضاً علمنا بأحوالنا النفسانية، مثل: الخوف، الغضب، الحب و... هو علم حضوري، أما علمنا بالمحسوسات والمعقولات فإنها تدخل في دائرة الإدراك الحصولي، بالتوجه إلى هذا التقسيم يُمكن ذكر تعريف جامع للعلم والإدراك بحيث يشمل كِلا القسمين الحصولي والحضوري فنقول: إن العلم عبارة عن حضور المعلوم عند العالم، وهذا التعريف جامع لأنه في العلم الحصولي تحضر الصورة الذهنية للشيء عند العالم وفي العلم الحضوري يحضر نفس الشيء لكن في كلا الحالتين للمعلوم نحو حضور عند العالم وعلى أساس هذا الحضور للعالم نوع إحاطة علمية على المعلوم. ولأن التعريف السابق خالٍ من القيود المتعلقة بعلوم الموجودات الإمكانية ولا يتطرقها النقص، فيمكن أن يستعمل للإشارة إلى العلم الإلهي، على هذا الأساس عندما يذكر علم الله فالمقصود أن كل الأمور والأشياء حاضرة عند الله وهذا الحضور هو ملاك علم الله بذاته وبكل الموجودات. يرى بعض الفلاسفة والمتكلمين المسلمين أن علم الله ينحصر في العلم الحضوري. ومبنى هذه النظرية أن العلم الحصولي بلحاظ أنه يحصل عند طريق حصول الصورة الذهنية للمعلوم، يستلزم أن يكون العالم محل عروض الصور الذهنية وانفعاله من غيره في حال أن الله منزه عن هذه الأمور.[٣]
مراتب العلم الإلهي
بعد اتضاح معنى علم الله نصل إلى أقسام أو مراتب هذا العلم[٤]. العلم الإلهي في البداية يقسم إلى نوعين: علم بالذات وعلم بالغير والمقصود من القسم الأول علم الله بذاته والمقصود من الثاني علم الله بسائر الموجودات. ولأن سائر الموجودات مخلوقات الله، فيُمكن تقسيم القسم الآخر إلى نوعين: علم الله بالموجودات الأخرى قبل إيجادها وعلمه بها بعد إيجادها. وعلى هذا فإن للعلم الإلهي مراتب ثلاث:
- العلم بالذات
- العلم بالأشياء قبل إيجادها
- العلم بالأشياء بعد إيجادها[٥]
علم الله بذاته
من التعريف المذكور للعلم، فالمقصود من علم الله بذاته أن الذات الإلهية حاضرة عنده وهذا الحضور هو ملاك علم الله بذاته[٦]. قبل إثبات هذه المرتبة من مراتب العلم الإلهي يلزم تذكر أن الحقيقة الخارجية والعينية لعلم الله بذاته مجهولة لنا وغير معروفة -كما هي سائر الصفات الإلهية - فقط يُمكننا أن نُشير إلى تلك الحقيقة عن طريق المفاهيم، أي: معرفتنا بها حصولية.
الدليل على علم الله بذاته
زيادة على الأدلة العامة لإثبات الصفات الكمالية للباري تعالى أُقيمت أدلة خاصة على هذا المدعي، أن الله يُدرك ذاته ويعلم بها، وسنُشير إلى دليل منها، وهذا الدليل قائم على بعض القواعد الفلسفية. إنه يعتمد على مقدمتين أساسيتين: كل موجود مجرد حاضر عند ذاته فهو عالم بذاته.
هذه المقدمة تثبت في المباحث الفلسفية، وعلى أساس هذا الأصل فإن الموجود المادي (غيرالمجرد) غير حاضر من جهة أن له أجزاء وأبعاد ودائماً في معرض التغيير والتحول، ومن هنا لا يُمكن أن يكون حاضراً حتى عند نفسه؛ فالأشياء المادية جاهلة بذاتها ولكن المجردات بدليل البساطة والتجرد يُمكن أن تكون حاضرة لذاتها وللمجردات الأخرى، ولأن ملاك العلم هو الحضور، فكل مجرد عالم بذاته.
المقدمة الثانية هي أن الله موجود مجرد ومنزه من كل الشوائب وقيود المادة، هذه المادة تثبت في بحث الصفات السلبية لله حيث ثبت (عدم الجسمانية) و(عدم المادية) للذات الإلهية. وعلى أساس هاتين المقدمتين يثبت أن الحق تعالى عالم بذاته لأنه موجود مجرد وكل مجرد عالم بذاته.[٧]
علم الله بالأشياء قبل إيجادها
بعد الفراغ من بيان علم الله بذاته، يلزم بحث المرتبة الثانية للعلم الإلهي يعني علم الله بالموجودات قبل إيجادها، والظاهر أن المقصود من هذا القسم واضح جداً مع هذا فقد طرح السؤال للفلاسفة والمتكلمين بأنه هل هذا القسم من أقسام العلم الإلهي علم إجمالي أو تفصيلي؟ المقصود من العلم الإجمالي في هذا البحث أن الله قبل إيجاد الأشياء لا علم له بها فرداً فرداً وبشكل مستقل، بل علمه بها هو علم واحد وبسيط يقبل التحليل إلى علم تفصيلي، وعادة لتوضيح العلم الإجمالي يُمثل بعلم العلماء، مثلاً: عالم الرياضيات، فعلم الرياضي بقانون رياضي علم بسيط وإجمالي مع ذلك يُمكن أن يُقال: إنه عالم بكل المسائل التي يُمكن حلها عن طريق ذلك القانون ولكن طالما أنه لم يحل أيّ مسألة فإنّ علمه يبقى في مرتبة الإجمال، ولكن علم الله التفصيلي بالأشياء قبل الإيجاد بمعنى أن الله قبل إيجاد وخلق الأشياء فهو عالم بها على وجه الأفراد والاستقلال، على كل تقدير فإن الجواب عن هذا السؤال يتطلب بحث عميق خارج عن محدودية هذا البحث ولذلك لن نبحثه. وبغض النظر عن هذه المسألة نذكر دليلين على ثبوت هذه المرتبة من العلم لله:
الدليل الأول:
هذا الدليل يعتمد على إحدى القواعد الفلسفية وهي أن العلم بالعلّة التامّة للشيء بوصفها علّة يستلزم العلم بذلك الشيء بوصفه معلول[٨]؛ فكلما علمت بالعلّة التامّة، فإن المعلول (أو المعلولات) سيكون معلوماً كذلك.
المقدمة الأخرى للدليل: هو أن الذات الإلهية علة تامة لكل الوجودات.
و المقدمة الثالثة: ثبت في البحث السابق علم الله بذاته، وعلى أساس المقدمات الثلاث، الله عالم بذاته وذاته العلة التامة لكل الموجودات والعلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، إذن: علم هذه الذات بالمخلوقات محقَّق منذ الأزل، فيثبت أن الله سبحانه من الأزل وقبل إيجاد الأشياء عالم بكل الأشياء عن طريق علمه بذاته.
الدليل الثاني:
هذا الدليل له صبغة كلامية أقوى بالقياس للدليل الأول وهو قريب من برهان النُظم الذي مرَّ في بحث أدلة إثبات الله[٩]، مفاده أنه بالتأمل في العالم من حولنا نستكشف أن أجزاء عالم الوجود كلها تظهر على أساس انتظام عجيب وتتحرك في هدف واحد، كما أن كل الظواهر الوجودية مخلوقات الله، ولأن أصل وجود المعلول والمخلوق علامة وجود العلة والخالق فإن خصوصياتها أيضاً تحكي خصوصيات العلة، من هنا فإن انتظام وهدفية عالم الوجود يشهد على أن خالقها عالم بكل الظواهر الكونية وخصوصياتها والعلاقات التي بينها قبل خلق العالم؛ لأن العقل يحكم أنه لا يُمكن لموجود خالق ظواهر منظمة ولها هدف ما أن يخلق هكذا خلق على سبيل الجهل!، يتمسك كثير من المتكلمين المسلمين لإثبات العلم الإلهي قبل الإيجاد بهذا الدليل، منهم المحقق الطوسي في التجريد يقول: (والإحكام دليل العلم).[١٠]
علم الله التفصيلي بالموجودات بعد إيجادها
للإثبات العقلي لهذه المرتبة من العلم يُمكن التمسك بالدليل التالي: مقدمات هذا الدليل هي: أن الله علة العلل وكل الموجودات معلولة له، كما بُين في المباحث الفلسفية، فإن وجود المعلول عين الربط والتعلق بالعلة ولا يوجد أيّ استقلال للمعلول. لازم التعلق الوجودي للمعلول بالعلة حضور المعلول عند علته، لأن عدم حضور المعلول عند علته يعني أن المعلول مستقل في وجوده وهو خلاف المقدمة الثانية حيث ذكرنا أنه أمر غير ممكن، ولأن حقيقة العلم ليست إلا حضور المعلوم عندالعالم فكل علة عالمة بمعلولها، نتيجة المقدمات المذكورة أن كل الموجودات وظواهر الوجود معلومة لله لأنها كلها معلولة له وكل معلول معلوم لعلته.[١١]
العلم الذاتي والعلم الفعلي
في بداية هذا البحث ألمحنا إلى أن بعض أنحاء العلم الإلهي صفة آتية والبعض الآخر صفة فعلية وبعد الانتهاء من المراتب الثلاث لعلم الله. من المناسب أن نحدد أي المراتب منها صفة ذاتية وأيها صفة فعلية. بالتأمل في مراتب العلم الإلهي الثلاث يتضح أنه ينبغي اعتبار المرتبة (۱) و(۲) من الأوصاف الذاتية والمرتبة الثالثة من الأوصاف الفعلية.[١٢]
علم الله بالجزئيات
من الأبحاث المهمة في العلم الإلهي الإجابة عن السؤال: هل الله عالم بالأشياء والحوادث الجزئية أو أن علمه منحصر في الكليات؟ بعبارة أخرى: هل الشيء أو الشخص الخاص الموجود في زمان ومكان خاصين أو الحادثة الجزئية التي تحدث في زمان ومكان معينين كأمر جزئي وشخصي يُمكن أن تقع معلومة لله؟ بالتوجه إلى ما قيل في العلم بعد الإيجاد فإن الإجابة عن هذا السؤال هي الإثبات. لكن بعض المتكلمين أنكر علم الله بالجزئيات! واعتقد أن الله يعلم بالجزئيات يتم عن طريق الماهيات الكلية ومعقولاتها وتمسك هؤلاء لإثبات مدعاهم بأدلة مختلفة، وهي:
التحول الدائم للجزئيات
أحد أدلة مخالفي العلم الإلهي بالجزئيات أن الأمور الجزئية في حال تغيير وتحول دائم، فإذا علم الله بالجزئيات وليتطابق علمه مع الواقع فإن علم الله يتغير تبعاً لتغير المعلوم (يعني الجزئيات)، ولازمه أن تكون الذات الإلهية الحاملة للعلم قابلة للتحول!، والحال أن الذات الإلهية منزّهة عن كل تغيير وتحول. فلا يُمكن أن يتعلق علم الله بالجزئيات. الظاهر أن مبنى هذا الدليل هو أنه إذا تعلق علم الله بالجزئيات فإن علمه حصولي ويحصل عن طريق حلول صور الجزئيات في الذات الإلهية، ومن هنا فإن التغيير المعلوم (الجزئيات) مستلزم تغيير صورته وفي النهاية يوجب تحول الذات الإلهية (بعنوانها محل تلك الصورة) ولكن كما ذكرنا فإن العلم الإلهي علم حضوري ولذا فعلمه بالجزئيات ليس إلا وجود وحضور تلك الجزئيات عنده. بالطبع في هذه الصورة أيضاً فإن تغيير الجزئيات يستلزم تغيير العلم وهذا لا يسبب بروز تغيير في الذات أبداً، لأنه متعلق بمقام الفعل الإلهي ومن خصوصيات الصفات الفعلية أنها تتحول بتبع تحول مخلوقات الله والتي هي بمعنى فعل الله كأحد المعاني، ولكن هذا التحول لا يسري للذات. الحاصل أن علم الله بالجزئيات بمعنى حضورها عندالله وتغيير الأمور الجزئية يقع كحد أكثر في دائرة الفعل الإلهي والصفات المنتزعة منه وهذه المسألة لا تنافي ثبات وعدم تحول الذات الإلهية كما بينا.
آلية العلم بالجزئيات
الدليل الآخر لمنكري تعلق العلم الإلهي بالجزئيات أن حصول هكذا علم يحتاج إلى استعمال أدوات مادية؛ في حال أن المقام الإلهي منزه ومبرأ من ذلك. في الجواب عن هذا الدليل أيضاً يُمكن أن يُقال: إن استعمال الأدوات المادية لتحصيل العلم بالجزئيات ليست من اللوازم الذاتية لهكذا علم حتى لا تقبل الإنفكاك عنه؛ بل صرف حصول هكذا علم للموجود الذي في عالم الطبيعة كالإنسان متوقف على الإحساس واستخدام الأعضاء والجوارح الجسمانية والآلات المادية لكن في حق الله الذي هو فوق الطبيعة والعالم المادي وعلمه علم حضوري ويُحيط بكل الوجود فلا يوجد مثل هذا التوقف.[١٣]
العلم الإلهي واختيار الإنسان
من خصوصيات العلم الإلهي كما هي بقية صفات الله أنها مطلقة، بمعنى أنها شاملة لكل الحوادث أعم من الماضي والحال والمستقبل؛ إذن: الله عالم في الأزل بكل الأمور التي ستقع في المستقبل وحتى الأبد، منها أنه عالم بالناس ماذا ستفعل في المستقبل من أعمال وأي الأعمال ستجتنب؟! في هذا المورد طرح إشكال منذ القدم يبتني على أن علم الله بالأفعال الآتية للإنسان ينافي اختيار الإنسان. وسوف نبحث هذا الإشكال بالتفصيل في مبحث (الجبر والاختيار).[١٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢١.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢١-٢٢٢.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٢-٢٢٣.
- ↑ أكثر أبحاث هذا القسم تميل إلى الفلسفة، مع هذا نرى أنه للحصول على تصور أكثر جامعية المسألة العلم الإلهي من المفيد أن نُشير إلى رأي الحكماء.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٣.
- ↑ يرى بعض المتكلمين أن علم الله بذاته، علماً حصولياً، يُمكن الرجوع إلى: السيوري، إرشاد الطالبين، ص۲۰.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٣-٢٢٤.
- ↑ يُمكن الرجوع إلى: إبراهيمي ديناني، غلام حسين؛ القواعد الكلية الفلسفية في الفلسفة الإسلامية، ج۳، ص۳۴۵-۳۵۱.
- ↑ الفرق بينهما أن نتيجة دليل النظم (إثبات خالق عليم حاكم)، ولكن هنا أخذت مسألة مخلوقية العالم وخالقية الله كمسألة مفروغ عنها، كل ما يراد هنا هو إثبات علمه سبحانه.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٤-٢٢٦.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٧.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٧.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٧-٢٢٩.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٩.