الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجهل»

أُضيف ٤٬١٤٠ بايت ،  ٢٣ يوليو ٢٠٢٤
لا يوجد ملخص تحرير
طلا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل  = الجهل| المداخل ذات الصلة = [[الجهل في القرآن]] - [[الجهل في الحديث]] - [[الجهل في الفقه المقارن]] - [[الجهل عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة  = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل  = الجهل| المداخل ذات الصلة = [[الجهل في القرآن]] - [[الجهل في الحديث]] - [[الجهل في الفقه المقارن]] - [[الجهل عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة  = }}
==تحقيق في معنى [[الجهل]]==
يُستخلص ممّا طرحه [[الإسلام]] في شتّى أبواب نظريّة [[المعرفة]] أنّ هذا [[الدين]] الإلهيّ قد أعار ـ قبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء ـ أهمّيّة قصوى للفكر والوعي والمعرفة من أجل بناء [[المجتمع]] [[الفاضل]] الذي يصبو إليه، وحذّر من مغبّة الجهل وتعطيل [[الفكر]].


==التعريف==
فالإسلام يرى في الجهل آفة تهدّد ازدهار الإنسانيّة، ومصدرا لكلّ المفاسد الفرديّة والاجتماعيّة، وما لم تستأصل هذه الآفة لا يتسنّى للفضيلة أن تسود، ولا يتحقّق المجتمع الإنسانيالمنشود.
'''لغةً‌: ''' [[الجهل]] نقيض [[العلم]]، يقال: [[جهل]] فلان جهلاً وجهالة بخلاف علمه، وجهل الحقّ أضاعه، وتجاهل: أظهر الجهل وليس به، والتجهيل أن تنسبه إلى الجهل<ref>لسان العرب ٢٠٤: ٢.</ref>.
فهذا الدين يعتبر الجهل سبب كلّ شرّ، وأنّه أكبر وبال، وأفتك [[الأمراض]]، وأعدى الأعداء، وأنّ [[الجاهل]] شرّ الدوابّ، بل هو ميّتٌ بين الأحياء.


'''اصطلاحاً: ''' وهو [[اعتقاد]] الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، وقسّم علماء المنطق الجهل إلى جهل بسيط: وهو الجهل بالشيء مع الالتفات إلى الجهل به، فيعلم أنّه لا يعلم، كجهلنا بوجود السكان في المريخ. والجهل المركّب: وهو الجهل بالشيء والجهل بهذا الجهل، واعتقاد [[الجاهل]] به أنّه من أهل العلم به، فلا يعلم أنّه لا يعلم، كأهل [[الاعتقادات]] الفاسدة ممّن يحسبون أنّهم عالمون بالحقائق، وهم جاهلون بها في الواقع، وهو جهل مركّب من الجهل بالواقع والجهل بهذا الجهل، وعلى هذا جرى [[الفقهاء]]<ref>المنطق (المظفر): ١٩. وانظر: التحفة السنية (المخطوط) ٤٢: ١-٥٦. كتاب الصلاة (الداماد): ١٤٥ وما بعدها، ٢٤٦. الأشباه والنظائر (السيوطي): ١٨٧ وما بعدها. الأشباه والنظائر (ابن نجيم): ٣٠٣. المنثور في القواعد ١٢: ٢-١٣. كشّاف اصطلاحات الفنون ٢٥٣: ٢.</ref>، لكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الفقهاء يفرّقون بين الجهل والجهالة في اطلاقاتهم، حيث يستعملون الجهل مضافاً إلى [[الإنسان]]، والجهالة مضافة إلى الأشياء المجهولة ونحوها.<ref>[[السيد محمود الهاشمي الشاهرودي]]، [[موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|'''موسوعة الفقه الإسلامي المقارن''']]، ج٦، ص ٦٠٢.</ref>
ومن أجل الاستيعاب الصحيح لمعاني [[الآيات]] والأحاديث الواردة في ذمّ الجهل والجاهل وصفاته وأحكامه وضرورة [[القضاء]] على الجهل، لابدّ ـ ابتداءً ـ من معرفة المعنى المراد منه.


== [[الأحكام]]==
وهل كلّ [[جهل]] ـ في رأي الإسلام ـ مذموم وخطير، أم الجهل بمعناه الخاصّ ؟ وإذا كان الشقّ الثاني من [[السؤال]] هو الصحيح، فلابدّ من تحديد [[طبيعة]] ذلك الجهل.
[[حكم]] الجهل الذي يعذر صاحبه، والجهل الذي لا يعذر صاحبه، والكلام في الجاهل القاصر والجاهل المقصّر، والقواعد الكلّية المرتبطة بالجهل، كلّها موكولة إلى محلّها من علم الاُصول، ونقتصر هنا على بيان أهمّ الموارد الفقهية للموضوع:
#جهل المرأة عادتها: المرأة الناسية لعادتها ولا تميّز حيضها، تسمّى (المتحيّرة)، وقد يطلق عليها (المضطربة)، وللفقهاء [[كلام]] في بيان حكمها، ولها أحوال<ref>المعتبر ٢١٨: ١ وما بعدها. العروة الوثقى ٥٤٠: ١-٥٧٩. الفتاوى الهندية ٣٦: ١-٣٧. حاشية الخرشي ٢٠٦: ١. المغني ١٩٧: ١-١٩٨، ط دار الفكر. مغني المحتاج ١١٦: ١-١١٧.</ref>، نوكل [[الكلام]] في ذلك إلى محلّه.
#الجهل بوقت [[الصلاة]]: لا يجوز الدخول في الصلاة إلّا بعد حصول العلم بدخول وقتها، أو أن يغلب على ظنّه ذلك بأي طريق عقلائي من [[الاجتهاد]] ونحوه<ref>النهاية: ٦٢. الجامع للشرائع: ٥٩. مغني المحتاج ١٢٧: ١. حاشية الدسوقي ٢٢٧: ١. كشّاف القناع ٣١٦: ١.</ref>. وتفصيل البحث موكول إلى محلّه.
#[[الجهل]] بالنجاسة في [[الصلاة]]: ذهب فقهاء [[الإمامية]] على الأشهر الأظهر، ونقل عليه [[الإجماع]] فيمن [[جهل]] بالنجاسة غير المعفو عنها في ثوبه إلى أن صلّى وخرج الوقت، ثمّ علم بها إلى أنّه لا [[قضاء]] عليه، ولهم في لزوم [[الإعادة]] لو التفت داخل الوقت قولان، أشهرهما أنّه لا يجب<ref>المختصر النافع: ١٩. غنية النزوع: ٦٦. رياض المسائل ٣٩٨: ٢-٣٩٩.</ref>.
#الجهل بالقبلة: لا خلاف بين [[الفقهاء]] في أنّ [[حكم]] [[جاهل]] [[القبلة]] [[الاجتهاد]] والتعويل على الأمارات المفيدة للظنّ‌، أو [[السؤال]] من [[العالم]] بها<ref>مدارك الأحكام ١٣١: ٣-١٣٢. رياض المسائل ١٢٩: ٣-١٣٢ وما بعدها. حاشية ابن عابدين ٢٨٨: ١. حاشية الدسوقي ٢٢٤: ١. نهاية المحتاج ٤٢٢: ١. الشرح الكبير مع المغني ٤٩٠: ١.</ref>، على بيان وتفصيل موكول إلى محلّه.
#الجهل بالفاتحة: من جهل بالفاتحة وضاق عليه الوقت لتعلّمها أتى بما يقدر عليه منها؛ لقول [[النبي]] {{صل}}: «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم»<ref>عوالي اللئالي ٥٨: ٤، ح ٢٠٦. صحيح مسلم ٩٧٥: ٢، ط عيسى الحلبي.</ref>، وإذا جهل بها تماماً قرأ شيئاً من [[القرآن]] بقدرها؛ للدليل المتقدّم ولقوله‌ تعالى: {{نص قرآني|فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}}<ref> سورة المزمل، الآية ٢٠.</ref>، ومع [[العجز]] عن البديل من القرآن يجب التعويض عنها بالذكر بقدرها بلسان عربي<ref>مدارك الأحكام ٣٤٢: ٣-٣٤٣. مصباح الفقيه ٢٧٨: ٢ وما بعدها. مستمسك العروة الوثقى ٢٢٣: ٦-٢٢٤. الفتاوى الهندية ٦٩: ١. حاشية الخرشي ٢٧٠: ١. مغني المحتاج ١٥٩: ١. المغني ٢٨٨: ١-٢٨٩.</ref>.
#[[الجهل]] بمبطلات [[الصلاة]]: ذهب [[الإمامية]] إلى أنّ الجهل عن تقصير بمبطلات الصلاة كالتكلّم في أثنائها مبطل لها كالعمد؛ لعمومات أدلّة المبطلات<ref>تذكرة الفقهاء ٣٠٣: ٣-٣٠٤،م ٣٣٥. مستند الشيعة ٣٥: ٧، ٨٧.</ref> وقد استثنى الإمامية الجهل بالجهر والإخفات والقصر والتمام<ref>مستند الشيعة ٨٨: ٧-٨٩.</ref>.
#الجهل بالفوائت: ذهب فقهاء الإمامية إلى أنّ من عليه صلوات فوائت يجهل عددها يجب عليه قضاؤها، حتى يغلب عليه ظنّه الوفاء على ما هو المشهور المقطوع به عندهم، ومال بعضهم إلى الاكتفاء بما تيقّن فواته خاصّة<ref>تذكرة الفقهاء ٣٦١: ٢،م ٦٣. مدارك الأحكام ٣٠٧: ٤.</ref>.
#الجهل بوقت [[الصوم]]: اتّفق [[الفقهاء]] في أنّ [[الجاهل]] بالأهلّة ومن اشتبهت عليه الشهور، كالأسير في بلد [[الكفر]] أو المحبوس ونحوهما، يجب عليه [[الاجتهاد]] حتى يغلب على ظنّه شهراً أنّه من رمضان، وإن لم يغلب على ظنّه شهر رمضان توخّى شهراً مخيّراً فيه، واختلفوا فيما لو صام بغير اجتهاد فبان شهر رمضان، فذهب الإمامية إلى الإجزاء<ref>تذكرة الفقهاء ١٤٢: ٦،م ٨٦-١٤٥،م ٨٧. الفتاوى الهندية ٦٤: ١. بدائع الصنائع ١١٨: ١. كشّاف القناع ٣٠٧: ١. المهذّب (الشيرازي) ١٨٧: ١. حاشية الدسوقي ٥١٩: ١. وانظر: الموسوعة الفقية الكويتيّة ٢٩٦: ٤-٢٩٧.</ref>. وتمام [[الكلام]] يأتي في محلّه.
#[[فعل]] المفطِّر جهلاً: اختلف الفقهاء في إفساد الصوم ولزوم القضاء والكفّارة على من أفطر في نهار شهر رمضان جهلاً بارتكابه أحد المفطّرات كالجماع وغيره<ref>تذكرة الفقهاء ٦٢: ٦،م ٣٢. جواهر الكلام ٢٥٤: ١٦-٢٥٧. حاشية العدوي ٤٠٠: ١-٤٠١. مغني المحتاج ٤٢٧: ١. كشّاف القناع ٤٢٤: ٢.</ref>. وتفصيل [[الكلام]] يأتي في محلّه.
# [[فعل]] تروك الإحرام جهلاً: اختلف [[الفقهاء]] في المُحرم يرتكب أحد تروك الإحرام جهلاً، هل يلزمه [[الكفّارة]] كالعامد أم لا؟ فذهب الإمامية إلى سقوط الكفّارة عنه في جميع محظورات الإحرام إلّا الصيد فإنّه لا يفرّق فيه بين [[الجاهل]] والناسي والعامد<ref>مدارك الإحكام ٤٥٤: ٨-٤٥٥. مستند الشيعة ٢٠٩: ١٣، ٣٠٤. جواهر الكلام ٤٣٨: ٢٠، ٤٣٩.</ref>.
#[[الجهل]] في الإتلاف: اتّفق الفقهاء على أنّ الإتلاف موجب للضمان بلا فرق بين [[القصد]] وعدم القصد، وبين [[العلم]] والجهل، والبلوغ وعدم [[البلوغ]]، والعقل والجنون؛ لعموم [[دليل]] [[الضمان]]، وهو قاعدة (من أتلف مال غيره فهو له ضامن)<ref>تحرير المجلّة ١٧٧: ٣. مصباح الفقاهة ١٣١: ٣. القواعد الفقهية (البجنوردي) ٢٥: ٢. مجلة الأحكام، المادة (٩١٢). بدائع الصنائع ١٦٨: ٧. حاشية ابن عابدين ١٢٥: ٥، ١٢٦. الشرح الصغير ٤٠٠: ٤، ٤٠٥. نهاية المحتاج ٣٦٤: ٧-٣٦٥. المغني ٥٦٨: ٩.</ref>.
#الجهل بتحريم الزنا: هل يُعذَر الجاهل بحرمة الزنا ويدرأ عنه الحدّ أو لا؟ وهل يفرّق فيه بين من كان حديث عهد بالإسلام أو بعيد عن [[العلماء]]، وبين غيره؟<ref>الدر المنضود (الكلبايكاني) ٣٥: ١ وما بعدها. الفتاوى الهندية ١٤٧: ٢. القوانين الفقهية: ٢٣٢. الأشباه والنظائر (السيوطي): ٢٠٠. المغني ١٥٦: ١٠.</ref> فيه خلاف وتفصيل بين الفقهاء موكول إلى محلّه.
#الجهل بتحريم السرقة: لا يدرأ الجهل بتحريم السرقة الحدّ عند فقهاء [[الإمامية]]، فلم يشترطوا [[العلم]] في شروط إقامة الحدّ،<ref>جواهر الكلام ٤٧٦: ٤١-٤٨٩. بدائع الصنائع ٦٧: ٧. القوانين الفقهية: ٢٣٥. الأشباه والنظائر (السيوطي): ٢٠٠.</ref>. نعم، إذا [[جهل]] بأنّ المال مال [[الناس]] وتخيّل أنّه ماله ونحوه فلا يجري عليه الحدّ<ref>جواهر الكلام ٤٨١: ٤١. الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٣٠٢: ٢٤.</ref>.
#[[الجهل]] بتحريم الخمر: اختلف [[الفقهاء]] في [[ثبوت]] حدّ [[شر]] الخمر على من ادّعى الجهل بالتحريم بعد اتّفاقهم على عذره لو ادّعى الجهل بالموضوع<ref>مجمع الفائدة ١٨٧: ١٣. جواهر الكلام ٤٥٤: ٤١. الفتاوى الهندية ١٥٩: ٢. القوانين الفقهية: ٢٣٧. الأشباه والنظائر (السيوطي): ٢٠٠. كشّاف القناع ١١٨: ٦.</ref>.


وهناك موارد اُخرى عديدة للجهل لا تخفى على المتتبّع للأبواب الفقهية.<ref>[[السيد محمود الهاشمي الشاهرودي]]، [[موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|'''موسوعة الفقه الإسلامي المقارن''']]، ج٦، ص ٦٠٢-٦٠٦.</ref>
فأيّ جهل يعتبر مصدرا لكلّ [[الشرور]]؟
 
وأيّ جهل يعدّ الوبال الأكبر؟
 
وأيّ جهل ذاك الذي يحتسب كأفتك الأمراض وأعتاها؟
 
وأيّ جهل هو [[الفقر]] الأكبر؟
 
وأيّ جهل هو أعدى الأعداء؟
 
وأيّ [[جاهل]] ذاك الذي نعته [[القرآن الكريم]] ب «شرّ الدوابّ» ووصفه [[الإمام]] عليّ {{ع}} ب «الميّت بين الأحياء».<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٣٣٣-٣٣٤.</ref>
 
==مفاهيم الجهل==
هنالك أربعة معانٍ للجهل المذموم، هي:
#[[مطلق]] الجهل.
#الجهل بعموم [[العلوم]] والمعارف المفيدة البنّاءة.
#الجهل بأهمّ المعارف الضروريّة للإنسان.
#الجهل كقوّة مقابلة للعقل.
وإليك في ما يليتوضيحا لهذه المعاني:
 
===مطلق الجهل===
على الرغم ممّا يتبادر إلى [[الذهن]] في الوهلة الاُولى من أنّ مطلق الجهل ضارّ ومذموم، لكن يتّضح من خلال التأمّل أنّه ليس كلّ جهلٍ مذموما ولا كلّ علم محمودا، بل إنّ [[العلم]] شطر منه نافع بنّاء، وشطر منه ضارّ مهلك، ولهذا [[السبب]] حرّم الإسلام السعي لإدراك كنه بعض الاُمور والخفايا.
 
وقد ورد مزيد من الإيضاحات لهذا الموضوع في [[الأحاديث]] المنقولة في باب «[[أحكام]] الجاهل» في هذا الفصل، وفي الفقرة «ما يحرم تعلّمه» من أحكام التعلّم، وكذا في الفقرة «[[السؤال]] عمّا قد يضرّ جوابه» من [[آداب]] السؤال.
 
===[[الجهل]] بالمعارف المفيدة===
لا ريب في أنّ [[الإسلام]] ينظر بعين الاحترام إلى جميع [[العلوم]] والمعارف المفيدة ويدعو إلى تعلّمها، بل ويوجب ذلك فيما إذا كان [[المجتمع]] بحاجة إليها ولم يوجد مَن به الكفاية لأدائها.
 
إلّا أنّ هذا لا يعني بطبيعة الحال أنّ الجهل بكلّ هذه العلوم مذموم بالنسبة للجميع.
 
وبعبارة اُخرى، تدخل [[الآداب]]، والصرف، والنحو، والمنطق، والكلام، والفلسفة، والرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وسائر العلوم والفنون الاُخرى في خدمة [[الإنسان]]، وتحظى باحترام [[الدين]] الإسلاميّ، بيد أنّه لا يمكن النظر إلى الجهل بكلّ هذه العلوم كمصدر لجميع [[الشرور]]، واعتباره أشدّ المصائب، وأعضَل الأدواء، وألدّ الأعداء، وأكبر صور الإملاق، وأنّ كلّ من يجهل هذه العلوم أو بعضها هو شرّ الدواب، وميّت بين الأحياء.
 
===الجهل بالمعارف الضروريّة للإنسان===
إنّ المعارف والعلوم التي تهيّئ للإنسان معرفة بدايته وغايته وتكشف له عن سبيل بلوغ [[الحكمة]] من وجوده، تدخل في إطار أهمّ المعارف الضروريّة لحياته.
 
فالإنسان لابدّ له أن يعرف كيف ظهر إلى الوجود ؟ وما الغاية من خلقه ؟ وكيف له [[العمل]] حتّى يصل إلى الحكمة المرجوّة من وجوده ؟ وما مصيره ؟ وما المخاطر التي تهدّده؟
 
والمعارف التي تتكفّل بالإجابة عن هذه الاستفسارات هيتراث [[الأنبياء]]، هذه المعارف [[مبدأ]] لكلّ [[خير]]، وتمهّد السبيل لازدهار [[العقل]] العمليّ وجوهر [[العلم]]، والجهل بهذه المعارف يوقع [[المجتمع الإنساني]] في أشدّ المصائب والمحن، ومن الطبيعيّ أنّ تعلّم مثل هذه المعارف لا يجدي نفعا بمفرده، وإنّما هي ذات فاعليّة فيما لو كبح العقل جماح المفهوم الرابع للجهل، وهو ما نبيّنه فيما يأتي.
 
=== القوّة المقابلة للعقل===
إنّ النصوص الإسلاميّة تطرح للجهل مفهوما رابعا، وهو ـ خلافا للمعاني السابقة ـ أمر وجوديّ لا عدميّ، وذلك هو [[الشعور]] الخفيّ الذي يقع في مقابل العقل، وهو بطبيعة الحال ـ شأنه كشأن العقل ـ [[مخلوق]] من قبل [[الباري]] تعالى، وله آثار ومقتضيات تُسمّى ب «جنود الجهل» تقع في مقابل «جنود العقل».أمّا سبب تسمية هذه القوّة بالجهل فلوقوعها في مقابل العقل تماما، ولهذه القوّة تسميات اُخرى أيضا مرّ بيانها في مبحث خلق [[العقل]].
 
فقد اعتبرت جميع أنواع [[الحسن]] والجمال الاعتقاديّ والأخلاقيّ والعمليّ، كالخير، والعلم، والمعرفة، والحكمة، والإيمان، والعدل، والإنصاف، والاُلفة، والرحمة، والمودّة، والرأفة، والبركة، والقناعة والسخاء، والأمانة، والشهامة، والحياء، والنظافة، والرجاء، والوفاء، والصدق، والحلم، والصبر، والتواضع، والغنى، والنشاط، من جنود العقل.
 
وفي مقابل هذا اعتبرت جميع [[القبائح]] الاعتقاديّة والأخلاقيّة والعمليّة، كالشرّ والجهل<ref>المراد به الجهل المتفرّع عن الجهل الأصلي، ويدخل في عداد جنوده، ويكون في مقابل العلم، بينما الجهل الأوّل ـ أو الأصلي ـ يكون في مقابل العقل.</ref>، والحمق، والكفر، والجور، والفرقة، والقسوة، والقطيعة، والعداوة، والبغض، والغضب، والمحق، والحرص، والبخل، والخيانة، والبلادة، والجلع، والتهتّك، والقذر، واليأس، والغدر، والكذب، والسفه، والجزع، والتكبّر، والفقر، والكسل، من جنود [[الجهل]].
 
والإنسان حرّ في [[اختيار]] أيّ واحدة من هاتين القوّتين واتّباعها وتنميتها.
 
فهو [[قادر]] على اتّباع قوّة العقل، ويمكنه بإحيائها [[إماتة]] الجهل والشهوة والنفس الأمّارة، وباستطاعته أن يبلغ الغاية العليا للإنسانيّة ويصبح [[خليفة]] للّه عن طريق تنمية جنود العقل ومقتضياته، كما ويتسنّى له عبر الانقياد لقوّة الجهل وتنمية جنود الجهل ومقتضياته السقوط في أسفل سافلين {{نص قرآني|ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}}<ref> سورة التين، الآية ٥.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٣٣٣-٣٣٧.</ref>
 
==نقطتان تسترعيان الاهتمام==
===أخطر الجهل===
النقطة الاُولى هي أنّ [[الإسلام]] على الرغم من شدّة محاربته للجهل وخاصّة بمفهومه الثالث، إلّا أنّه يعتبر أخطر أنواعه هو نوعه الرابع ؛ أي اختيار السبيل الذي تدعو قوى الجهل الإنسانَ إليه واتّباعه ؛ لأنّ [[الإنسان]] إذا سلك النهج الذي يرسمه له العقل فسيحظى من غير شكّ بالتسديد والهداية من [[العلم]] والحكمة وسائر جنود العقل لبلوغ [[مبدأ]] الإنسانيّة وغايتها، واكتساب جميع المعارف المفيدة البنّاءة، ويصل على [[قدر]] استعداده وجهده إلى [[الحكمة]] من وراء خلقه.
 
أمّا إذا اختار الإنسان طريقا من الطرق التي يقتضيها الجهل، وأغلق جنودُ الجهل أمام وجهه سبيلَ [[إدراك]] المعارف البنّاءة والحقائق السامية التي تبصّره بالغاية العليا للإنسانيّة، فإنّه في مثل هذه الحالة سيهلك بمرض الجهل حتّى لو كان أعلم [[العلماء]] على وجه [[الأرض]]، ولن ينفعه علمه في هدايته {{نص قرآني|وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}}<ref> سورة الجاثية، الآية ٢٣.</ref>
 
وعلى هذا الأساس، حينما يطرح موضوع «[[الجهل]]» على بساط البحث، يتركّز محور الحديث [[عادة]] حول مفهومه الرابع، ثمّ تتدرّج من بعده سائر مفاهيم الجهل الاُخرى وفقا لأهمّيّة كلّ منها.
 
=== المواجهة بين [[العقل]] والجهل===
إنّ القضيّة المهمّة الاُخرى هي إيضاح السرّ الكامن وراء المجابهة بين العقل والجهل في النصوص الإسلاميّة.
 
والسؤال الذي يثار في هذا الصدد يستهدف معرفة [[السبب]] الذي جعل النصوص الإسلاميّة ـ ومن جملتها كتب الحديث ـ تضع الجهل في مقابل العقل، خلافا للنهج المتعارف الذي يضع الجهل كعنصر مقابل للعلم.
فأنت حينما تراجع كتب الحديث لا تجد فيها عنوان «[[العلم]] والجهل»، خلافا لعنوان «العقل والجهل» الذيتجده عادة في معظم الكتابات التفصيليّة أو كلِّها، والسرّ الكامن وراء ذلك هو أنّ [[الإسلام]] يعتبر الجهل بمفهومه الرابع ـ وهو أمر وجوديّ ويقف في مقابل العقل ـ أخطر من الجهل بمفهومَيه الثاني والثالث، وهو أمر عدميّ ويقف في مقابل العلم.
 
وبعبارة اُخرى: تدلل المواجهة بين العقل والجهل في النصوص الإسلاميّة على أنّ الجهل الذي هو في مواجهة العقل أخطر من الجهل الذي هو في مواجهة العلم، وما لم تُستأصل جذور هذا الجهل من [[المجتمع]] لا يغنيه شيئا اقتلاع جذور الجهل المقابل للعلم، وهذه نقطة في غاية الظرافة والدقّة، فافهم واغتنم.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٣٣٨-٣٣٩.</ref>
 
==توضيح حول أنواع الجهل==
إنّ للإنسان في معرفة [[الحقائق]] أربع حالات، لكلّ واحدة منها أحكامها وتكاليفها الخاصّة على الفرد والمجتمع. وهذه الحالات هي:
#العلم: إنّ الحالة الاُولى هي العلم ؛ فمن يعلم ويعلم أنّه يعلم يقال له: [[عالم]]. وجدير بمثل هذا الشخص أن يكون معلّما لغيره، وواجبه أن يكون معلّما، وعلى الآخرين أن يتعلّموا منه ويسألوه، {{نص قرآني|فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٣.</ref>
#[[الغفلة]]: وهي الحالة الثانية، والغافل هو من يعلم ولا يعلم أنّه يعلم، وهنا يجب على الواعين إيقاظه من نومة الغفلة، «فَذاكَ نائِمٌ فَأَنبِهوهُ»، {{نص قرآني|وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}}<ref> سورة الذاريات، الآية ٥٥.</ref>
#الجهل البسيط: وهو الحالة الثالثة، والجاهل هو من لا يعلم شيئا ؛ سواء كان يعلم أنّه لا يعلم أو لا يعلم أنّه لا يعلم، وعلى كلّ الأحوال فإنّ على [[العالم]] تعليمه، وعليه التعلّم، وتشمله الآية الكريمة {{نص قرآني|فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٣.</ref>.
#[[الجهل]] المركّب: إنّ الحالة الرابعة هيالجهل المركّب الذي يتألّف من جهلين هما: عدم [[العلم]]، وتوهّم العلم، والجاهل المصاب بهذا الجهل لا يعلم ويتوهّم أنّه يعلم، ويبدو أنّه المقصود بالجملة القائلة: «لا يَعلَمُ، ولا يَعلَمُ أنَّهُ لا يَعلَمُ»، وكذلك «لا يَدري، ولا يَدري أنَّهُ لا يَدري» الواردة في روايتي هذا الفصل، ولهذا صرّح [[الإمام]] عليّ {{ع}} أنّ واجب الآخرين إزاء مثل هذا [[الجاهل]] هو الرفض «فَذاكَ جاهِلٌ فَارفُضوهُ»، وأمر [[الإمام الصادق]] {{ع}} [[الناس]] باجتنابه بقوله: «فَذاكَ أحمَقُ فَاجتَنِبوهُ».<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٣٥١-٣٥٢.</ref>
 
 
 
 
 
 
 
 
.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج1، ص 351-٦٠٦.</ref>


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
# [[صورة:IM010700.jpg|22px]] [[السيد محمود الهاشمي الشاهرودي]]، [[موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|'''موسوعة الفقه الإسلامي المقارن]]'''
# [[صورة:IM010721.jpg|22px]] [[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية]]'''


== الهوامش ==
== الهوامش ==
{{مراجع}}
{{مراجع}}
٢٦٬٨٨٣

تعديل