تمهيد

«العدل» هو أحد أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، والإيمان به - عند بعض المذاهب - أصل من أصول الاعتقاد.

ويُفرد العدل بالذكر والدراسة - دون غيره من صفات الله وأسمائه - لأهميته وكثرة مباحثه في العلوم الإسلامية[١].

أهمية البحث

يعد البحث عن «العدل الإلهي» من أبرز القضايا العقائدية في الفكر الإسلامي عند جميع المدارس والمذاهب، وقد نال اهتماماً خاصاً لدى علماء العقيدة لسببين رئيسيين:

  1. إن مسألة العدل الإلهي واسعة ومهمة جداً في تشكيل تصورنا عن الله سبحانه وتعالى. فلو أنكرنا عدل الله، لانهارت مبادئ الدين وتربية البشر. فقد يعاقب الله المطيعين ويثيب العاصين، فلا يبقى معنى لإرسال الأنبياء والأحكام والآخرة.
  2. ترتبط هذه المسألة بالنظام التكويني والتشريعي للعالم كله. فالإيمان بالعدل الإلهي أو إنكاره يمكن أن يغير نظرتنا للكون برمته. كما أن العدل الإلهي هو أحد الأسس المهمة لإثبات المعاد والثواب والعقاب في الآخرة. وهو ليس بُعداً عقائديا نظرياً فحسب، بل له آثار تربوية على سلوك الإنسان وسعيه لتحقيق العدل في المجتمع والعلاقات الإنسانية.[٢]

الخلاف حول المسألة

كانت - وما زالت - مسألة «العدل الإلهي» محل خلاف بين علماء العقيدة منذ القرون الأولى للإسلام. فقد أكد الأئمة المعصومون (ع) على عدالة الله، ودافع عنها المعتزلة والشيعة الإمامية، في مقابل الأشاعرة الذين أنكروا العدل بمعناه المتعارف عندهما. وقد اختلف بعض أهل السنة مع الشيعة في عدل الله، بناء على متبنيات فكرية يعتقد الشيعة والمعتزلة أنها خاطئة؛ مثل:

  1. إنكار إدراك العقل للحسن والقبح.
  2. الاعتقاد بالجبر وإنكار الاختيار، فلا يُعد عقاب فاعلي الشر عدلاً.
  3. اعتبار أن ملكية الله للعباد تعطيه الحق بفعل ما يشاء بهم دون أن يكون ذلك ظلماً.

وذهب الأشاعرة إلى إمكانية أن يُدخل الله المؤمنين النار والكفار الجنة وأن ذلك عين العدل بحسب رأيهم. في حين يرى الشيعة أن الحسن والقبح أمر فطري، وكذلك حرية الاختيار. فالناس عملياً لا ينكرونهما، فلا يقبلون أن يُضرب اليتيم دون ذنب أو لا يُشكر من يساعد الضعفاء. وملكية الله للعباد لا تعني حق تعذيبهم دون ذنب، فهذا قبيح عقلاً، كما أن الأب لا يحق له إيذاء ولده لمجرد أنه أوجده.

والدليل على عدل الله هو نفسه دليل صدقه، بل الصدق فرع من فروع العدل. فالعدل الإلهي صفة من صفات أفعال الله، ويعتبر من أصول العقيدة لدى الشيعة خاصة، لأهميته في تأسيس مبادئ الدين ونظرة الإنسان للكون والحياة. وكان هذا الخلاف في العدل الإلهي مرتبطاً أيضاً بالصراع السياسي، حيث اعتمدت الحكومات الظالمة على إنكار العدل لتبرير ظلمها، مما أعطى هذه المسألة أهمية خاصة في تاريخ الفكر الإسلامي[٣].

التعريف

المعنى اللغوي

لغوياً، العدل نقيض الجور والظلم. وهو وصف لله سبحانه وتعالى للمبالغة في كثرة عدله. فالله لا يميل به الهوى فيجور في الحكم[٤].

وفي العرف العام: العدل يعني:

  1. المساواة وعدم التفرقة: وهي محمودة إذا تساوى الأفراد في الاستحقاق. أما إذا اختلفوا في الاستحقاق، فالمساواة بينهم ليست من العدل، بل هي إجحاف بحق الأكثر استحقاقاً.
  2. إعطاء كل ذي حق حقه: بحيث لا تُهدر حقوق الآخرين، فالظلم هو تضييع الحقوق.
  3. وضع كل شيء في موضعه المناسب: سواء في عالم التكوين (الخلق) أو عالم التشريع (الأحكام). وهذا ما أشار إليه الإمام علي بن أبي طالب بقوله: "العدل يضع الأمور مواضعها". وهذا المعنى أعم من المعنيين السابقين ويشملهما.

إذن: فالعدل الإلهي يعني أن الله تعالى لا يظلم أحداً، بل يعطي كل مخلوق ما يناسبه ويستحقه بحكمته وعدله. وهو وإن لم يكن عليه حق لأحد ابتداءً، لكنه بكرمه وفضله جعل للمخلوقات حقوقاً عليه[٥].

المعنى الاصطلاحي

عند علماء العقيدة: العدل يتعلق بتنزيه الله عن فعل القبيح والإخلال بما هو حسن وواجب عقلاً.

والمقصود بالعدل الإلهي هو الاعتقاد بأن الله عادل في خلقه، لا يظلمهم ولا يفعل القبيح ولا يُخل بالواجب. فهو لا يجور في قضائه ولا يحيف في حكمه. وله أن يثيب المطيعين ويعاقب العاصين بما يستحقون، دون زيادة أو نقصان. ولا يكلفهم ما لا يطيقون، ولم يجبرهم على الأفعال ثم يعاقبهم عليها[٦].

العلاقة بين العدل والحكمة

ترتبط صفة العدل الإلهي بصفة الحكمة الإلهية ارتباطاً وثيقاً، فمن معاني الحكمة الإلهية أن الله لا يفعل القبيح. والظلم قبيح، بينما العدل حسن ومطلوب. إذن فالله الحكيم منزّه عن الظلم، وكل أفعاله وأحكامه عادلة. فالعدل الإلهي يُعتبر فرعاً من الحكمة الإلهية ونتيجة لها[٧].

العلاقة بين الاعتقاد بالعدل والحسن والقبح

يرتبط الاعتقاد بعدالة الله ارتباطاً وثيقاً بمسألة الحسن والقبح العقليين. وهذه المسألة تعني أن العقل الإنساني قادر على إدراك حسن بعض الأفعال أو قبحها بشكل مستقل، بالنظر إلى ذات هذه الأفعال، بغض النظر عن ظروفها أو فاعلها. وبما أن موضوع هذا الحكم هو ذات الفعل، فإنه ينطبق على أفعال الله تعالى أيضاً.

فالعدل حسن في ذاته والظلم قبيح في ذاته، والعقل البشري يدرك ذلك. أي أن الناس يدركون أن العدل مطلوب في كل الظروف ومن كل فاعل، وأن الظلم قبيح مطلقاً. ولأن الله حكيم ومنزه عن فعل القبيح، فإن العقل يحكم بأن الله لا يظلم وأن كل أفعاله قائمة على العدل.

وبسبب هذه العلاقة بين العدل الإلهي والحسن والقبح العقليين، فإن من ينكر الحسن والقبح العقليين لا يستطيع أن يقيم دليلاً عقلياً متيناً على عدالة الله، بل يعتقد بإمكان صدور أفعال يراها العقل ظالمة من الله تعالى[٨].

الأقسام والأنواع

يمكن تقسيم العدل الإلهي إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

  1. العدل التكويني: يعني أن الله يعطي كل مخلوق ما يستحقه من النعم والمواهب بحسب استعداده وقابليته، فلا يهمل أي قابلية دون أن يستجيب لها.
  2. العدل التشريعي: يعني أن الله يضع التكاليف والقوانين التي تضمن سعادة الإنسان وكماله، دون أن يكلفه ما لا يطيق. فالشريعة الإلهية عادلة من هذين الجانبين.
  3. العدل الجزائي: يعني أن الله يجازي كل إنسان بحسب عمله، فيثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته. كما أنه لا يجازي أحداً بسبب التكليف نفسه. والمجازاة الأخروية مرتبطة بالأعمال ارتباطاً تكوينياً، فيرجع العدل الجزائي في النهاية إلى العدل التكويني.[٩]

إثبات عدل الله

المراجع والمصادر

  1.   السيد كاظم الحائري، أصول الدين
  2.   السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة
  3.   محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش