عدل الله في علم الكلام
الدليل العقلي
دليل العقل على عدله تعالى هو حكم العقل بالضرورة والبداهة بعدله وعدالته بالتقريب التالي:
إن الظلم، والجور، وفعل القبيح، وترك الحسن، يكون ناشئاً إمّا من العجز، أو النقص، أو الحقد، أو البخل، أو الحسد، أو الجهل، أو السفاهة، أو الاحتياج... وكلها محال على الله تعالى لأنّه الغني بالذات، الرؤوف في الصفات، والعالم القدير والحكيم القويّ.
فهو مستغن عن الظلم، منزه عن القبيح، وجليل عن النقص.
وقد ثبت في المنقول، ودلّت العقول على عدالة الله تعالى في جميع أفعاله وأقواله وحكمه وصنعه ومخلوقاته كما ذهبت إليه الإمامية الحقّة.
فهو الغني عن ظلمهم والمتفضل باللطف إليهم.
كما أنّ جميع أفعاله معلّلة بالحكمة والمصلحة وليست لعباً وعبثاً حتى تخرج عن مسلك العدل، لأنّه هو الحكيم العليم.
على أنّ المصالح والمنافع في أفعاله راجعة إلى عباده، وعائدة إلى خلقه فلا تقارن الظلم، وهو المحسن الجواد والرحيم بالعباد، والعادل في قضيّته وبريّته.
واعلم أنّه في قبال عدالة الله تعالى، الثابتة بالبراهين الجليّة والمعلومة بالادلّة العقلية، خالفت الأشاعرة وتجاوزت هذه الحقيقة الهامّة ونسبت إليه إمكان فعل القبيح والظلم الصريح... أو التكليف بما لا يطاق، وإتيان العبث والجبر في الأفعال، وعدم العدل في المآل.. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وجميع مفترياتهم هذه تعود إلى أنّه لا يقبح الظلم حتى يتنزه عنه الله تعالى، ولا يحسن العدل حتى يفعله الله عز اسمه...
وهذا منهم على أساس إنكار الحسن والقبح العقلي ذاتاً، يعني إنكار أنّ للأشياء في حدّ ذاتها حسناً أو قبحاً في نظر العقل... فلا حسن إلّا بعد أمر الشارع به، ولا قبيح إلا بعد نهي الشارع عنه، لذلك لوأمر الشارع بالظلم صار حسناً ولونهى عن العدل صار قبيحاً، ولوفعل منكراً صار معروفاً.
وعلى هذا الإدعاء الفاسد بنوا نسيج عنكبوتهم وتوغلوا في أباطيلهم، وقد مزجوها باحتجاجات واهية تلاحظها مع الجواب عنها من العلامة أعلى الله مقامه في النهج[١].
وأجاب السيد الشبر أيضاً عن دعواهم ودليلهم بأجوبة شافية في حق اليقين[٢]. حاصلها ما يلي:
- إنّ هذا إنكار للبديهة الواضحة، فإن كل من له أدنى عقل وشعور يعلم حسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضّار بحكم العقل.
- إنّ الشخص العاقل الذي لم يسمع الشرائع ولم يعلم الأحكام، بل نشا في البادية، لوخيّر بين أن يصدق في كلامه ويُعطي ديناراً، أويكذب ويعطى ذلك الدينار، مع عدم ضرر عليه في الصدق أوالكذب لاختار الصدق دون الكذب، ولولا حكم العقل بحسن الصدق لما فرّق العاقل بين الصدق والكذب، ولما اختار الصدق دائماً.
- إنّه لوكان الحسن والقبح شرعيين غير عقليين، لما حكم بهما من ينكر جميع الشرائع والأديان، كالبراهمة والملاحدة مع أنّهم يحكمون بالحسن والقبح بضرورة العقل.
- إنّ من الحسّيات التي تقضي بها الضرورة ويدركها الوجدان قباحة الفعل اللغووالعمل العبث بحكم العقل، كما إذا استأجر أحدٌ أجيراً ليفرغ ماء دجلة في الفرات أوالفرات في دجلة، وكذا من البديهيات قباحة تكليف ما لا يطاق، كتكليف الزَمِن المُقعد بالطيران إلى السماء، أوتكليف الأعمى بتنقيط المصحف، وهذا يقضي بتحقق قبح القبيح في حكومة العقل.
- إنّه لوكان الحسن والقبح سمعيّين لا عقليّين، لما قَبُح من الله إظهار المعجزات على يد الكذّابين مع أنّه قبيح ولا يفعله الحكيم قطعاً، وتجويز ذلك يسد باب معرفة النبوة التي أذعن بها حتى الأشاعرة.
- إنّه لوكانا شرعيّين فقط لحَسُن من الله أن يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء، وعبادة الأصنام والمواظبة على الزنا والسرقة لفرض عدم قبحها حينئذ... وهذا نقض الغرض الذي يبطله الوجدان.
- إنّه لوكانا شرعيّين لم تجب ولم تحسن معرفة الله تعالى، لتوقف معرفة هذا الإيجاب والحسن على معرفة الموجب، المتوقفة هي على معرفة الإيجاب فيدور، ويلزم من عدم عقليّتهما الدور الباطل.
- إنّ الضرورة - بل الفطرة في الإنسان بل في الحيوان - قاضيةً قطعاً وحاكمةٌ حقاً بالفرق دائماً بين من أحسن إليها وبين من أساء إليها، وحسن الأول وقبح الثاني بلا شك ولا ريب، وإنّ الله تعالى لا يأمر إلّا بما هوحسن ولا ينهى إلا عما هوقبيح. إنّه عز اسمه لا يفعل ظلماً أبداً لغناه، ولا يصنع قبيحاً أصلاً لجلالته...
وهذه الوجوه تثبت وجود الحسن الذاتي عقلاً وحسن العدالة ذاتاً.
وأضاف السيد الورع الخوانساري (قدس سره) الاستدلال بأن الواجب تعالى لا يصدر منه الفعل القبيح، لأن ترجيح القبيح إما أن يكون من جهة عدم العلم بالمفسدة، أومن جهة الحاجة... والواجب تعالى منزه عن الأمرين، فالحكيم العالم بالمصالح والمفاسد غير المحتاج كيف يرجح المرجوح على الراجح...
وهذا أصلٌ يبتنى عليه أيضاً حسن بعث الأنبياء وبقاء أوصيائهم في كل عصر[٣].[٤]
شبهات في العدل الإلهي
ذكرنا في بحث الحكمة الإلهية أن البعض يرى أن وجود المصائب والبلايا وكل ما يحسبه الإنسان شراً لا يتناسب مع الحكمة الإلهية وبالإشارة إلى بعض الحِكم والمصالح الموجودة في الشرور يثبت بطلان هذا التصور. لكن قبل ذلك نُشير إلى أن بعض هذه الشبهات في الحكمة الإلهية (بمعنى غائية أفعال الله) هي قابلة للطرح؛ ولكن لأن الإجابات في كِلا الموردين مشتركة إلى حد ما فسوف نبحث في العدل الإلهي فقط.[٥]
الشبهة الأولى: العدل الإلهي والاختلافات
قد يُعتقد أن وجود الاختلافات بين الموجودات هو تفريق وعدم عدالة ومن هنا فلا ينسجم مع الاعتقاد بعدل الله. هذه الاختلافات أحياناً تقع بين الأشياء المتعلقة بأنواع الموجودات المختلفة، مثلاً: يقال لماذا الله خلق موجوداً بصورة الإنسان وآخر بصورة حيوان أو نبات ولماذا حَرَم الحيوانات والنباتات والجمادات من موهبة الإنسانية؟ وأحياناً يعترض على الاختلاف بين أفراد النوع الواحد: لماذا بعض الناس يبصرون وبعضهم لا يبصر؟ لماذا البعض بشع والبعض الآخر جميل؟ على أيّ أساس بعضهم أذكياء والبعض الآخر أقل ذكاء؟
الجواب عن هذه الشبهة يتضح بالتوجه إلى الأصول التالية: عالم الطبيعة، بل كل عالم المخلوقات يحكمه نظام خاص وسنن ثابتة لا تتغير، من تلك القوانين الأساسية (أصل العلية) الذي يعني أنَّ لكل موجود ممكن علة، وتوجد بين العلة والمعلول نوع مسانخة بحيث إنه لا يوجد كل معلول من أيّ علة ...
الأنظمة والقوانين الحاكمة على العالم (ذاتية) للعالم، أي: أنه لا يُمكن فرض وجود العالم مع تغيير قوانينه وأنظمته، كما أنه لا يُمكن فرض وجود سكر أو ماء فاقدين للحلاوة أو الرطوبة. لازم القوانين الثابتة وعدم قابلية انفكاك العالم أنه بين موجودات العالم اختلافات، مثلاً: المقتضي في قانون العلية أن للمعلول كمالات وجودية أقل من علته، كذلك المسانخة وانسجام العلة والمعلول يوجب أنه إذا تحققت علة ولادة طفل أعمى أو قليل الفهم يوجد المعلول الذي هو تولد هكذا طفل، والحاصل أن وجود الاختلاف التكويني بين مخلوقات الله من القوانين التي لا تنفك، وأن تغييرها وانفكاكها عن العالم غير ممكن.
يتضح مما سبق أن استعمال لفظ التمييز للتعبير عن هذه الاختلافات غير صحيح. لأن التمييز يكون فيما إذا كان كلا الشيئين لهما نفس القابلية، ثم لا يُعطى إلا لأحدهما، لكن في بحثنا فإن عدم وصول الموجودات إلى بعض الكمالات بسبب القوانين الحاكمة على الطبيعة، فهم لا يملكون قابلية الحصول على الكمالات؛ بعبارة أخرى: فيض الله غير محدود ولكن قابلية مخلوقاته محدودة، وهذه المحدودية هي من خصوصيات العالم التي لا تنفك. فلا منافاة بين اختلاف الموجودات والعدل الإلهي؛ لأنها لا تنشأ من ظلم أو تبعيض من الله سبحانه، فلا يُمكن حسابها دليلاً على أن الله يفعل القبيح.[٦]
الشبهة الثانية: الموت والعدم
من الشبهات المطروحة في بحث العدل الإلهي ما يتعلق بمسألة الموت. يُمكن أن يُقال: إن الإنسان يُعدم بعد مدة من الزمان!، وهذا لا يتناسب مع العدل الإلهي.
والجواب:
- الموت من اللوازم التي لا تنفك عن الحياة في عالم الطبيعة. والموجود الطبيعي لا يملك قابيلة البقاء الدائم في هذا العالم.
- أساس هذه الشبهه هو أن الموت عدم مطلق، في حين أنه انتقال من عالم إلى عالم آخر. إذا نظرنا إلى الموت بهذا المعنى فلا وجه للاعتقاد بعدم عدالة الله.[٧]
الشبهة الثالثة: الجزاء الأخروي وعلاقته بذنوب الإنسان
يتعلق الإشكالان السابقان بالعدل التكويني لكن شبهة الجزاء الأخروي تتعلق بالعدل الجزائي. ومبنى الإشكال أنه بحكم العقل يجب مُراعاة التناسب بين الجرم وجزاؤه، مثلاً: من يتخلف عن قوانين السياقة لا ينبغي مجازاته كالقاتل، من جهة أخرى عينت الشريعة عقوبات أخروية ثقيلة جداً للإنسان المذنب، جاء في القرآن أن القاتل عمداً مُخلَّد في النار، فالعقوبات الأخروية لا من جهة الكيفية ولا بلحاظ مدتها تتناسب مع ذنوب العباد في الدنيا، وعدم التناسب هذا ينافي العدل الإلهي.
الجواب عن هذا الاعتراض بالتأمل في ماهية العقوبات الأخروية، والحقيقة أن هناك اختلافاً بين الجزاء الأخروي والجزاء الاعتباري من عدة جهات.
المقدار والكيفية في العقوبات الوضعية تابعة للوضع والاعتبار، ومن هنا نجد في النظام الحقوقي عقوبات مختلفة لجرم واحد، كذلك هذه العقوبات الاعتبارية بالإضافة إلى مواساتها للمجني عليه أو عائلته؛ فإنها تحقق النظام الاجتماعي والحد من تكرار الجريمة؛ لكن الجزاء الأخروي ليس أمراً وضعياً، بل هو نتيجة تكوينية وقهرية لأعمال المجرمين في الدنيا؛ كما أن شرب السم - مثلاً - في الدنيا له آثار تكوينية لا يُمكن اجتنابها ولا يُمكن إحضار من شرب السم والحكم عليه بالموت أو المرض جزاءً له.
تدل بعض الآيات القرآنية على أن للجزاء الأخروي علاقة تكوينية مُحكمة بالذنوب؛ بل أساساً العقوبات ليست هي إلا تجسّم الذنوب والأعمال القبيحة التي صدرت من الإنسان، جاء في سورة الكهف: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[٨] فهذه الآية تُبين أن أعمال الإنسان سوف تظهر بوجهها الحقيقي في الآخرة والإنسان سيرى ذلك، وفي الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾[٩]، فالعلاقة بين الجزاء الأخروي وأعمال الإنسان ليست كالعلاقة بين العقوبات الوضعية وجرائم المجرمين الاجتماعية حتى نتحدث عن عدم التناسب وتقبلها غير العادل؛ بل الصورة الحقيقية للذنوب التي سوف تظهر في العالم الآخر، كما أن العمل ظاهراً بسيط ومدته قصيرة كشرب السم، ولكن له عواقب ثقيلة جداً وطويلة الأمد (كالمرض الطويل أو الحرمان الأبدي من الحياة) فذنوب الإنسان لها أيضاً آثار لا يُمكن اجتنابها تظهر في الآخرة، بل بتعبير أدق، نفس الأعمال السيئة والذنوب تكشف حقيقتها في الآخرة حيث محل كشف الحقائق ورفع الحجب، فخلود قاتل النفس المؤمنة في النار ليست عقوبة وضعية، بل نتيجة تكوينية لارتكاب القتل (أو ظهور حقيقة هذا العمل) ولأنه بسوء اختياره بادر إلى القيام بهذا العمل تنتفي مسألة عدم العدالة وعدم تناسب العقاب للأعمال بالكامل.[١٠]
الشبهة الرابعة: العدل الإلهي وآلام الإنسان
ألم الإنسان الناتج من المصائب والابتلاءات والأمراض لا يتلاءم مع عدل الله.
في الجواب عن الاعتراض، بالإضافة إلى ما ذُكر في الإجابة عن الاشكالات السابقة يُمكن أن يقال: إن الألم والعذاب في الحياة الدنيوية لا يخرج عن حالتين: بعض هذه الآلام والمصائب ناشئة من أعمال الإنسان السيئة ونتيجة ذنوبه وخطاياه، وبالالتفات إلى الغاية الحكيمة من خلقه، خلق مختاراً وبعض الناس يرتكب الخطأ بسوء الاختيار، فيبتلي بعواقب مريرة، ومن البديهي أن هذا الألم محصول أعمال نفس الإنسان لا ينافي العدل الإلهي، وأشار القرآن إلى ذلك في العديد من الآيات.
بعض آلام الإنسان لا تتعلق بأعماله كآلام الطفل ومن لم يرتكب الذنب مطلقاً، هنا يعتقد متكلموا الإمامية أن العدل الإلهي يقتضي جبران هذه الآلام، يعني أن الله المُتعال ينعم عليهم في الدنيا أو في الآخرة نعمة هي أكبر من آلامه، فيجبر ما تحمله من ألم وعذاب، فيتضح أن تألم الناس في الدنيا لا يستلزم نفي العدل الإلهي أبداً.[١١]
إثبات العدل الإلهي من طريق البرهان اللمي
إن المتألهين - الأعم من المتكلمين والفلاسفة - يعمدون بعد إثبات واجب الوجود بالأدلة العقلية إلى الخوض في إثبات العدل الإلهي من طريق البرهان اللمي بصيَغ متعدّدة على قاعدة إثبات الصفات الكمالية المطلقة الله ولذلك نجد ضرورة إلى بيان الصفات الكمالية المطلقة لله عز وجل باختصار:
لا يتسع نطاق هذه الدراسة لاستيعاب جميع صيَغ إثبات الصفات المذكورة، ولذلك سنقتصر على بيان أربع من الصفات المذكورة، وهي: القدرة والغنى والعلم والخير الإلهي، ومن خلال إثبات هذه الصفات يثبت اتصاف الأفعال الإلهية بالعدل بالبرهان اللمّي[١٢]
إثبات القدرة المطلقة
قام الفلاسفة وبعض المتكلمين من خلال تحليل مفهوم واجب الوجود إلى إثبات الصفات الكمالية الله سبحانه وتعالى، ومن بين تلك الصفات القدرة والحكمة وطلب الخير المطلق [١٣]. بمعنى أن القدرة التي تعني التمكن من القيام بالفعل، وبعبارة أدق مبدأ الفعل عن علم واختيار[١٤]، وحيث إنّ الوجودات الأخرى هي ممكنة الوجود في قبال واجب الوجود، وإنها أخذت أصل وجودها منه وإن بقاءها واستمرارها فى الوجود متقوّم بوجوده (تعریف ممکن الوجود في الحدوث والبقاء = الحدوث الذاتي)؛ من هنا فإن نفس خلق ممكن الوجود يدلّ على اتصاف واجب الوجود بالقدرة؛ إذ صدر عنه فعل باسم ممكن الوجود (إثبات أصل قدرة الله).
إذ إنّ وجود الممكنات ينتهى إلى العلة الأولى، فإنّ جميع الوجودات الممكنة الوجود تعدّ من فعل واجب الوجود ومعلولة له، وإن حكم المعلول بالنسبة إلى العلة من قبيل الظل إلى صاحب الظل؛ وعليه فإن العلة الفاعلية الحقيقية، أي: الله يمكنه أن يقوم بأيّ نوع من أنواع الدخل والتصرف في فعله ومعلوله؛ وذلك لوجود المقتضي - الذي هو العلة الفاعلية - في ناحية واجب الوجود؛ لأنه واحد الوجود وتام الوجود الذي لا تتطرّق إليه حالة القوّة والانفعال، إلا أن المانع من فعل الله مفقود أيضاً؛ لأن كل ما سوى الله هو ممكن الوجود، ومعلول ومتقوّم بالباري تعالى وإن ممكن الوجود في ذاته الوجودية لا يمكنه أن يُشكل مانعاً أمام واجب الوجود الذي هو علته الفاعلية؛ وعليه فإن الله قادر مطلق.
وعلى حدّ تعبير الحكمة المتعالية: إن واجب الوجود هو صرف الوجود، وإن سائر الوجودات عبارة عن تجلٍّ وشأن وظهور، وفي الحقيقة فإن ذات وجودها إنما هو عُلقة ورابط وتبعية لواجب الوجود[١٥]. ومن الواضح أن مثل هذه الوجودات - التي لا يكون لها وجود بقطع النظر عن إفاضة واجب الوجود لها - لا يمكنها أن تشكل ما نعاً أمام واجب الوجود.[١٦]
إثبات الغنى وعدم الافتقار
إن نفس عنوان واجب الوجود يدلّ على عنوان الوجود الكامل والغني المطلق وغير المفتقر؛ إذ في حالة الافتقار والحاجة يلزم أن لا يكون ذلك الوجود بحتاً وخالصاً وواجباً للوجود، وهذا في حدّ ذاته لا ينسجم مع افتراض أنه «واجب الوجود».
الدليل الآخر على نفى الحاجة والافتقار هو أن الله لو كان فاقداً لصفة كمال يحتاج إليها لزم من ذلك أن يكون الله في ذاته فاقداً لها، وهذا يستوجب تركّب الذات من الوجود والعدم.
وبالإضافة إلى ذلك فإن وجود الافتقار دليل على وجود الترقّب والتحوّل والتكامل وهذا يستلزم وجود حالة الإمكان الاستعدادي، وإمكان التغيير والتحوّل في ذات الباري تعالى، وهذا أيضاً لا ينسجم مع عنوان واجب الوجود والوجود التجرّدي؛ إذ ثبت في الفلسفة أن الإمكان الاستعدادي وعروض التكامل والتغيير من خصائص الوجود المادّي دون الوجود المجرّد.
وإن الفلاسفة رفضوا اللوازم والتوالى المتقدمة في هذه العبارة المختصرة: «إن واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات»[١٧].[١٨]
إثبات العلم المطلق
إن جميع الوجودات الممكنة هي فعل واجب الوجود ومعلولة له، بل هي طبقاً للرؤية العرفانية والحكمة المتعالية شعاع وبارقة من بوارق الوجود الإلهي . ومن الواضح أن علم الفاعل بفعله ومعلوله هو علم حضوري سابق يشمل جميع أبعاده وجوانبه؛ لأن جميع الأمور الممكنة تنشأ عن ذات الله البسيطة، وإن علم الله بذاته إنما هو في الواقع علم بمعاليله وأفعاله. قال الطوسي: «إن كل موجود سواه ممكن وكل ممكن فإنه مستند إلى الواجب، إما ابتداء أو بوسائط وقد سلف أن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، والله تعالى عالم بذاته فهو عالم بغيره»[١٩].
وبعد أن أثبتنا الصفات الكمالية المطلقة الله باختصار، نخوض الآن في بيان عدالة الله بالبرهان اللمّي.[٢٠]
التقرير الأول: انعدام الدوافع القبيحة في الفعل الإلهي
إن كلّ إنسان وفاعل عندما يرتكب فعلاً قبيحاً ومخالفاً للعدل، يجب أن يكون فعله - طبقاً لقانون العلية - معلولاً لعلة، وإن تلك العلة أو العلل هي التي تسوقه نحو فعل القبيح.
ومن ناحية أخرى، عندما نحلل وندرس الدوافع والدواعي إلى ارتكاب الأفعال القبيحة، والجائرة، فإننا سنصل إلى دافعين، وهما: الافتقار . والجهل. بمعنى أن الفاعل عندما يرتكب الفعل القبيح والمستهجن، فإن فعله یستند بالضرورة إلى واحد من هذين الدافعين.
فمثلاً: إن الذي يسرق إنما يريد رفع احتياجه بسبب افتقاره، أو إنّ الذي يغضب ويضرب شخصاً أو يدميه، إنما يريد أن يشفي غليله ويطفئ نار غضبه الذي يجد نفسه بحاجة إليه، أو ربما يقوم بظلم شخص من دون علم منه، أو أن يرتكب القبيح عن غير وعي. من هنا فإن دوافع الفاعل إلى فعل القبيح يعود إلى أحد هذين الأمرين.
من خلال هاتين المقدمتين نصل إلى النتيجة الآتية، وهي أن الله لا يمكن أن يكون فاعلاً للأفعال القبيحة والشائنة[٢١]؛ إذ لا يمكن تصور أياً من هذين الدافعين فى حق الله سبحانه وتعالى. والدليل على ذلك هو أن الله سبحانه وتعالى بحسب البراهين يتصف بأنه غنىّ وقادر وعالم مطلق[٢٢].
من هنا لا يوجد أيّ دافع أو مبرّر يبرر قيام الله سبحانه وتعالى بفعل القبيح والظلم في حق مخلوقاته ولا سيّما الإنسان منها. وإن ما يبدو شرّاً وظلماً في حق العباد، لابدّ من أن ينطوي على خير ومصلحة لا نعلمها.
وطبقاً لتقرير الفلاسفة فإن الوجود خيرٌ،محض، وإن الشرّ أمر عدمي، وإن الله معطي الوجود بمعنى الخير. أما الشرّ وعدم الكمال فلا يحتاج إلى علة فاعلية، وإنما هو من لوازم عالم المادة الذي ينشأ من المحدوديات والأضداد.
أما أن يقوم الله بالقضاء على كمال فهو معلول لوجود الافتقار والحاجة، وهو منتف في حق الوجود الإلهي المتصف بالغنى والبساطة[٢٣].
ويمكن بيان هذا الاستدلال من خلال التقريرين الآتيين:
استحالة صدور الفعل الظالم عن الله:
وبتقرير آخر فإن ارتكاب الشر والظلم والجور معلول لواحد من العلل الأربع الآتية:
- الاحتياج والافتقار .
- عجز الفاعل وعدم قدرته على فعل الخير.
- جهل الفاعل بفعل الخير.
- بخل الفاعل في فعل الخير.
فإنّ وجود أحد هذه الأمور هو الموجب لفعل الظلم على ما يتضح لنا من تحليل الأفعال الظالمة والجائرة الصادرة عن مجمل البشر. إذ إنّ أضداد هذه الصفات من القدرة المطلقة والغنى المطلق، وإرادة الخير المطلق من الصفات الثابتة لله عزّ وجل يثبت بالبرهان اللمي أن جميع أفعال الله هي خير محض ولا يصدر عنه أي نوع من أنواع الشرور والجور أبداً.
ويستنتج المتكلمون التقرير المتقدم من تحليل مفهوم واجب الوجود واتصافه بالغنى والقدرة المطلقة، كما يستنتجون علمه الشامل؛ إذ لو كانت صفات الكمال الإلهية محدودة لم يصدق عليه وصفه بـ «واجب الوجود»، وهو خلاف الفرض، وعليه يثبت أن الله غنى وعالم بشكل مطلق.
قال المحقق الطوسي في هذا الشأن: «وجوب الوجود يدل على سرمديته ونفي الزائد والحاجة، وعلى ثبوت الجود والتمام وفوقه والخيرية والحكمة والتجبر»[٢٤].[٢٥]
التقرير الثاني: لزوم السنخية بين الفعل والفاعل
إذ إنّ ذات الله تعالى تتصف بالصفات الكمالية المطلقة من قبيل: الجود والفيض والرحمة والحكمة والكرامة، وغيرها ولا يتصف بأي صفة من صفات النقص، مثل: البخل والحسد والتشفي وما إلى ذلك، فإن كل ما يصدر عن مصدر النور، وينعكس على صفحة مرآة الوجود الإمكاني، سيكون بأجمعه بمقتضى قاعدة السنخية - نورانياً وجميلاً وحسناً ومريداً للخير وحكيماً[٢٦].
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾[٢٧].
وقد ورد في الحديث الشريف: «إِنَّ اَللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ اَلْجَمَالَ»[٢٨][٢٩]
التقرير الثالث: النظام الأحسن عند الفلاسفة
يذهب الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن العالم الراهن قائم على «النظام الأحسن» من بين جميع الاحتمالات التي كان يمكن أن توجد[٣٠]. وقد تمسكوا لإثبات هذه الدعوى بوجود العلة التامة (الصفات الكمالية المطلقة)، وعدم اتصاف الله بالصفات المانعة. بمعنى أن المقتضي للقيام بأحسن الأعمال والوجودات موجود في الله وحيث ينحصر الوجود بالله لا يمكن أن نتصور ما يمنع الله من القيام بالأحسن والأفضل. وعلى هذا الأساس فإن أول فعل وصادر عن الله هو أكمل الوجودات الممكنة.
وفي الوجودات الممكنة المجردة - حيث لا وجود للمادة والاستعداد - لا يمكن للشر أن ينفذ فيها غير الشر الميتافيزيقي الذي ينشأ عن ذات وجود الممكنات وماهيتها ومحدوديتها. إن دليل أنصار هذه الرؤية يتلخص في البيان الآتي: إذ إنّ الله حكيم وعالم وقادر ومريد للخير بشكل مطلق، فإنه لايمتلك أي داع أو دافع لإيجاد الشرور، وإن كل ما يصدر ويُفاض من اللامتناهي هو خير وحسن.
أجل إن الوجودات الممكنة عندما تنتهي في قوسها النزولي إلى الوجود المادي فإنها بسبب وجودها المادي - المركب من كثير من المحدوديات والاستعدادات والأعدام المتعددة - تتصارع وتتنافس فيما بينها من أجل تحقيق ذاتها والوصول إلى فعلية استعداداتها وقابلياتها. وبفعل هذا الصراع تزدهر بعض الاستعدادات وتنمو، بينما ينعدم البعض الآخر. فمثلاً نجد الأشجار والنباتات في الغابات تتنازع فيما بينها من أجل الحصول على المزيد من نور الشمس أو اجتذاب المواد الغذائية من التربة، ومن ثُمَّ فإن بعض الأزهار والأشجار سوف تزدهر وتتفتح وتنمو، ويموت وينعدم بعضها الآخر.
بعبارة أخرى: إن جميع الشرور في العالم معلولة للتضاد القائم في عالم المادة، والذي يؤدي تلقائياً إلى تعريض بعضها البعض للخطر، ويلحق بها الأذى والضرر، ولكن لا مناص من هذه الشرور من أجل الحصول على المنافع التي لا تحصى لكثرتها في هذا العالم؛ وذلك لأن أمور هذا العالم تجري - بناء على مشيئة الله - على «قاعدة العلية» التي تقضي باستناد جميع الآثار والمعاليل إلى ذات الأشياء وطبيعتها وعللها الفاعلية، وإن صدور الآثار عن فواعلها طبقاً لقانون «ضرورة العلية والمعلولية» أمر لا يمكن اجتنابه. وفي مثال النار فإن الحرارة والإحراق يستند إلى طبيعتها. وإن تصور نار من دون إحراق من قبيل تصور الأربعة من دون الزوجية، وهو محال.
وقد دافع الفلاسفة عن هذا الأصل بتقريرات مختلفة[٣١]. ونكتفي هنا بما قاله صدر المتألهين في هذا الشأن: «لا شبهة لأحد من أهل التحقيق حسبما يجيء شرحه في أن نظام العالم على هذا الوجه أشرف النظامات الممكنة وأكملها وأفضلها بحيث لا يتصور فوقه نظام آخر، وهذا ثابت محقق عند الكل، والحكيم والمتكلم متفقان فيه»[٣٢].[٣٣]
المراجع والمصادر
السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة
محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية
الهوامش
- ↑ نهج المسترشدين، ص۵۱.
- ↑ حق اليقين، ج۱، ص۵۶.
- ↑ العقائد الحقة، ص۱۰.
- ↑ السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة، ص: 187-202.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٢٧.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٢٧-٣٢٨.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٢٩.
- ↑ سورة الكهف: ۴۹.
- ↑ سورة آل عمران: ۳۰.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٢٩-٣٣١.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٣١-٣٣٢.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٣.
- ↑ الخواجة نصير الدين الطوسي، كشف المراد، ص ٢٨١؛ العلامة الحلي، أنوار الملكوت في شرح الياقوت، ص ٧٦ - ٨٠ و٩٩
- ↑ صدر المتألهين الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية، ج ٦، ص ٣٠٧؛ السيد محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، المرحلة الثانية عشرة، الفصل الثالث عشر، ص ٢٩٧.
- ↑ انظر: العلامة محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة المرحلة الثانية عشرة، الفصل: ١٣-١٤، ص ٢٥٩ - ٢٧٣.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٣.
- ↑ ابن سينا النجاة ص ٢٢٨ صدر المتألهين الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية، ج ١، ١٢٢؛ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، المرحلة الرابعة الفصل الرابع، ص ٥٥.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٥.
- ↑ الخواجة نصير الدين الطوسي، كشف المراد، بحث صفات الله المسألة الثانية في أنه تعالى عالم؛ وانظر أيضاً: السيد محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، المرحلة الثانية عشرة، الفصل الحادي عشر، ص ٢٨٨.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٥.
- ↑ لا يخفى على القارئ الفطن - طبقاً لقاعدة الحسن والقبح العقلي - أن الله إنما يقوم بأعمال الخير والكمال من باب اقتضاء ذاته وصفاته الكمالية. وإن مقامه الكبرىائي منزه عن فعل القبيح. إن هذا الوجوب القيام بأفعال الخير) والامتناع (تجنب فعل القبيح إنما ينطلق بمقتضى صفاته الكمالية، ويتم التعبير عن هذا الوجوب في المصطلح الكلامي بـ (يجب عنه)، في قبال الوجوب الفقهي الذي يُعبّر عنه بـ (يجب عليه) الذي يُطلق في حق المكلفين؛ وعليه لا ترد شبهة الجبر، كأن يقال: يجب على حاتم الطائي أن يتصدق على المسكين بدرهم.
- ↑ انظر محمد حسين المظفر دلائل الصدق، ج ٢، ص ٩٧٨ وقد ورد هذا الدليل في الروايات إجمالاً. وعلى سبيل المثال ما ورد عن النبي الأكرم (ص) وسلم في الاستدلال على العدل الإلهي في معرض جوابه عن سؤال الحبر اليهودي: العلمه بقبحه واستغنائه عنها)، انظر: السيد المرتضى، أمالي المرتضى، ج ١، ص ١٠٦.
- ↑ انظر: مرتضى مطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ١١٣ - ١١٤.
- ↑ تعود جذور هذا الدليل إلى أحاديث المعصومين من النبي الأكرم والأئمة الأطهار من اهل بیته (ع)، فقد روي عن النبي الأكرم (ص) وسلم، أنه قال في استدلاله على عدل الله ونفي الظلم عنه في جواب أحد أحبار اليهود: (لعلمه بقبحه واستغنائه عنه)، انظر: السيد المرتضى، أمالي المرتضى، ج ١، ص ١٠٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٦.
- ↑ ونرى هذا الاستدلال في بعض آثار إفلاطون بشكل بديع للغاية، انظر: الجمهورية، رقم: ٩٧٣.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٨٤.
- ↑ انظر: المحدث الكليني، الكافي، ج ٦، ص ٤٣٨.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٩.
- ↑ The best of possible worlds.
- ↑ انظر: ابن سينا التعليقات ص،٤٦ وص ١٥٧؛ الغزالي كيمياي سعادت ج١ ص ٢٨؛ محمد بن أحمد بن رشد تفسير ما بعد الطبيعة ص ١٧١٥ بهمنیار، التحصيل، ص ٥٧٧؛ شيخ الإشراق، مجموعة مصنفات، ج ١، ص ٤٧٢ قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق ص٥٢١؛ المیرداماد،القبسات ص ٤٢٥؛ ومن الجدير ذكره أن الفلاسفة الإسلاميين قد بينوا هذا الدليل بصيغة أخرى وهي (إمكان الأشرف) أيضاً، كما لا يخفى على أرباب المعرفة.
- ↑ صدر المتألهين، الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية، ج ٧، ص ٩١ و١٠٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٩.