نقاش:الإعجاز
تمّ تبسيطه
تمهيد
إنَّ الإعجاز الذي يرافق الأنبياء من المباحث المهمة جداً في النبوة العامة، ولأجل ذلك نبين بعض ما يتعلق بالمعجزة والمعجز إتماماً لهذا المبحث.
فماذا نعني بالإعجاز؟
و ما هي حقيقة الإعجاز؟
فحقيقة الإعجاز إنه شاهد على صدق دعوى النبوة، فالإنسان الذي يأتي مدعياً الرسالة ومدعياً أنه سفير مرسل من قبل الله تبارك وتعالى لابد أن يكون له دليل على أنه محق في هذه الدعوة، ولابد من سند يثبت صدق هذه الدعوة.
إذن المعجز دائماً يكون شاهداً على صدق دعوى النبوة، وهذا الشاهد إنما هو عبارة عن المعجزة.
و أما المواصفات التي يجب أن تتوفر في المعجز حتى يصح كونه معجزة، فقد ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) إنَّ الإعجاز هو العمل الخارق للعادة الذي يصدر من مُدَّعي النبوة لإثبات استناده إلى مبدأ القدرة إلى الله تبارك وتعالى ويعجز البشر من مجاراته ومن الإتيان بمثله.
من خلال ما تقدم نرى ثلاثة عناصر وثلاث نقاط مهمة في هذا التعريف.
- إنه أمر خارق للعادة. فأول صفة في المعجز أنه خارق للعادة.
- إنَّ صاحب المعجزة يَدَّعي النبوة. أي يدعي السفارة الإلهية وهو التمثيل من قبل الله تبارك وتعالى.
- إنَّ البشر كلهم يعجزون عن مجاراته فلا يستطيعون الإتيان بمثله.
إذن فهذه هي العناصر الثلاث في مسألة الإعجاز، زسوف نفصل في كُلِّ صفة من هذه المواصفات لنرى ما المقصود بها وا هو أثرها في المعجز.
فالصفة الأولى كونه أمراً خارقاً للعادة وفي ذلك فرق بين الأمر الذي يكون خارقاً للعادة وبين الأمر الذي يكون مستحيلاً.
فمثلاً: الحية الصغيرة ممكن أن تنمو بسرعة فتصبح بعد أسبوع أو أسبوعين أو بعد شهر حية كبيرة ولكن عصا عادية يحملها شخص اسمه موسى يلقيها على الأرض فتتحول إلى أفعى كبيرة تلقف الأمور الأخرى التي أمامها فهذا أمر خارق للعادة.
إذن الأمر الخارق للعادة هو أن تتحول العصا إلى أفعى تلتهم الأشياء الموجودة أمامها وغيرها كما بالنسبة إلى عيسى حيث يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، فهذه العملية عبارة عن طين عادي وهذا الطين العادي يصنع منه كهيئة الطير الأمر المعتاد ولكن بسيطرة الله تعالى وحاكميته يكون طيراً حياً تنبض فيه الحياة لا مجرد تمثال لهيئة الطير فقد يكون المصور أو الرسام أو النحات دقيقاً جداً في صنعه حيث يتصوره ويتخيله طائراً فهو أمر ممكن ولكن ينفخ فيه فيكون طيراً بأذن الله يطير، فهذا أمر خارق للعادة، وكذا في إحيائه الموتى ..
فهذه الأمور كلها خارقة للعادة يعني العصا تتحول إلى أفعى أمر خارق للعادة، وكذا الطين يتحول الى طير، وكذا إبراء الأكمه والأبرص، وكذلك إحياء الميت. وينبغي في المعجز في كل عصر أن يتناسب مع التقدم والأمر الشائع في ذلك العصر فمثلاً في زمن موسى وفرعون لما كان السحر فيهم منتشراً وظاهراً فكانوا يأتون بعصي وحبال ويقومون ببعض الإعمال التي يخيل لهم من سحرهم أنها تسعى ويعملون بعض الأشياء التي يخيل للمشاهد بعمليات من الشعوذة بأنه هذا في الحقيقة ليست عصا وليس حبل وإنما هي أفعى أو حية فيأتي إعجاز موسى(ع) متناسب مع تقدم ذلك في الأمور الغيبية أو بعض الأعمال التي هي ليست مفهومة العلة، والسبب، وكذا من انتشار الطب والتقدم العلمي في المنطقة التي ظهر فيها عيسى(ع)، وكذلك في زمن النبي(ص) فقد كان عصره مشهوراً بالفصاحة والبلاغة فكانت في أعلى درجاتها في زمنه وأتى بالقرآن معجزاً في فصاحته وبلاغته وتحدى البلغاء كلهم على أن يأتوا بسورة بمثل سور القرآن الكريم.
أما الصفة الثانية كون صاحب المعجز يدعي النبوة، فهذا أمر بديهي حيث لا يأتي أحد فيقول أنا طبيبٌ حاذقٌ وأفضل من الآخرين إلا وله دليل يسند ذلك، وكذلك لا يقول أنا شاعر وكاتب أفضل من الآخرين، وإنما العكس فيرسل الله تبارك وتعالى نبياً أمياً يأتى بنموذج أعلى من الفصاحة والبلاغة، بل يجاري البلغاء والفصحاء ويتحداهم وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب ومع ذلك يأتى بإعجاز البلاغة في أعلى درجاته. فإذن الإعجاز يقترن بادعاء النبوة.
و أما الصفة الثالثة وهو أن يعجز البشر عن مجاراته بمعنى إنَّ التحدي عنصر أساس في إعجاز النبي الذي يدعي النبوة ويأتي بهذا الأمر الخارق للعادة ومع ذلك يتحداهم إن استطاعوا أن يأتوا بمثل ذلك[١]
حقيقة الإعجاز
حقيقة الإعجاز تتركز في ثلاثة عناصر:
- ادعاء النبوة.
- التحدي.
- فشل الناس من المجاراة وعجزهم عن الإتيان بمثله.
فهذه عناصر مهمة جداً في حقيقة الإعجاز.
العنصر الأول: ادعاء النبوة
لقد ثبت سابقاً والناس كلهم مجمعون على ذلك، والقرآن بنفسه يحكي لنا ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمّي الذي يُؤْمِنُ بِالله وَكَلِمَاتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [٢] والنقاط المهمة في هذه الدعوة:
- قوله ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ولميقل أيها العرب أو يا أبناء قريش أو يا أبناء عبد المطلب، بل كل إنسان وكل مَنْ ينطبق عليه عنوان الإنسان فهو مشمول بهذا النداء العام.
- قوله ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴾ فإنه أعلن للناس أنه صاحب دعوة سماوية من قبل الله تبارك وتعالى.
العنصر الثاني: التحدي
إننا نجد أنَّ النبي يقوم بعمل من شأنه أن يثبت بأنه على صلة بخالق الأرض والسماء، وواهب العلم والحكمة والقدرة، وهذا التحدي يحرك الهمم والدواعي ويشجعهم على مجاراته ويتحداهم على الإتيان بمثل القرآن على ثلاث مراحل. واستعمل القرآن جميع أنواع الإغراء وكل الطرق التي يدعو بها إلى التشجيع، وكان التحدي إلى درجة أنه كان في المجتمع الحجازي الذي كانت فيه البلاغة والفصاحة والخطب في مستويات راقية إلى حد بعيد، ولكن مع ذلك كله لم يستطيعوا مجاراته، وهذا التحدي مستمر إلى الآن، بل إنه مستمر إلى يوم القيامة!
العنصر الثالث:
إننا نجد أنَّ الجميع قد عجز عن مجاراته رغم هذا التحدي لم يأتوا بحرف واحد، ولم يقدروا على الإتيان بسورة من مثل السور القرآنية، وفَضلُوا أن تهتك حرماتهم، وتزهق أرواحهم، وتذهب أموالهم هدراً أسهل وأهون من أن يجاروا القرآن بكلمة![٣]
إعجاز القرآن
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٧٠-١٧٢.
- ↑ الأعراف: ١٥٨.
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٠٢-٢٠٣.