إثبات ضرورة النبوة في علم الكلام
تمهيد
السؤال الأساسي هو: هل من الضروري اختيار أنبياء من بين الناس، وهل ذلك واجب على الله (عن الله)؟[١] من أجاب بالإثبات عن السؤال المذكور أقام أدلة مختلفة على مدعاه، سنُشير هنا إلى بعض هذه الأدلة ومن المناسب أن نبدأ بأشهرها والذي يعتمد على القاعدة الموسومة بقاعدة الطف. يلزم أن نُشير إلى قاعدة اللطف قبل تقرير الاستدلال على بعثة الأنبياء بها.[٢]
قاعدة اللطف
للطف معنيان إصطلاحيان في علم الكلام:
- لطف مُحصِّل: هو الفعل الذي إن وقع فإنّ المكلف يفعل باختياره ما في فعله طاعة الله ويمتنع باختياره عن معصية الله.
- لطف مُقرِّب: هو الفعل الذي إن وقع فإنّ المكلف يقترب من الطاعة ويترك المعصية، أي: أنه يوجِد المقدمات المساعدة لطاعة الله. يتبين من التعاريف السابقة أنّ اللطف يوجَد أينما وجِد التكليف (العقلي أو الشرعي)، فالمكلف بإتيان أو ترك عمل مّا يوجِد له صنفين من الأمور:
- أمور إن وقعت فإن الإنسان يأتي بما كلّف باختياره.
- أمور إن وقعت فإنها تُعِدّ الإنسان للإتيان بالتكليف. يسمى إيجاد الصنف الأول لطفاً مُحصلاً، وإيجاد الصنف الثاني لطفاً مقرباً.
و قد أضاف المتكلمون الكثير من القيود على تعريف اللطف، كقولهم أن اللطف المقرّب هو الأمر الذي بحصوله يقترب المكلف من إتيان الطاعة وترك المعصية لكن هذا الأمر لا علاقة له في تمكّن وقدرة المكلف على إتيان الطاعة (و ترك المعصية)، كما أنه لا يؤدي إلى إجباره (سلب اختياره)[٣]. وبذلك فقد ذكروا خصوصيتين للطف المقرب:
- اللطف المقرّب لا يؤثّر في تمكن المكلف ولا يُعتبر من شرائط قدرته على القيام بالعمل.
- تحقق اللطف المقرّب لا يوجِب سلب اختيار المكلف في الطاعة أو المعصية. إلا أنه من الواضح أنّ هذين القيدين لا يختصان باللطف المقرّب، بل يجريان على اللطف المحصّل أيضاً[٤].[٥]
وجوب اللطف
بعد بيان معنى اللطف وأقسامه، نتساءل: هل اللطف واجب على الله؟ بناءً على أن الأشاعرة أنكروا الحسن والقبح العقليين فإنهم لا يعتقدون بوجوب اللطف، لكن المعتزلة والإمامية أوجبوا اللطف على الله واستدلّوا على وجوبه. ويبتني استدلالهم على (قبح وامتناع نقض الغرض على الفاعل الحكيم) وتقريره:
لاشك في أن غرض الله سبحانه من تكليف العباد (وضع القوانين الشرعية) هو أن يصبحوا مستحقين للثواب على الإتيان بالطاعة وترك المعصية، فإذا علم الله أنه عند وقوع فعل ما (يقدر عليه) فإن المكلف باختياره يأتي بالطاعة (اللطف المحصّل) أو على الأقل يقرّبه إلى الإتيان بها (اللطف المقرّب) ومع ذلك فإن الله لا يحقق ذلك الفعل، فيلزم من ذلك نقض غرضه من تكليف العباد. لكن العقل يحكم بقبح نقض الغرض وبعده عن ساحة الله، فالحكمة الإلهية تقتضي الإتيان بهذا الفعل لاجتناب نقض الغرض وهذا هو معنى وجوب اللطف. يذكر المتكلمون عادة المثال التالي من باب الزيادة في التوضيح: لو دعى أحدهم شخصاً ما للضيافة وهو يعلم أنّ مجيئه منوط بمقدّمات (مثل إرسال المرشد أو إعطائه عنوان محل الضيافة)، فإذا كان المُضيّف قادراً على القيام بالمقدمات المذكورة ولم يقم بها، فإن العقل يحكم بأنه نقض الغرض ويرى فعله قبيحاً ومخالفاً للحكمة[٦]. يرى المعتقدون بوجوب اللطف أن أحد مصاديق اللطف المقرب هو أن الله يرغّب عباده للطاعة ويحذرهم من المعصية عن طريق ذكر الثواب (الوعد) والعقاب (الوعيد).[٧]
اللطف في الكتاب والسنة
لا يوجد استدلال صريح على وجوب اللطف في القرآن والأحاديث الإسلامية، إلا أنه يُمكن إيجاد شواهد على وقوع ما يُسميه المتكلمون لطفاً، مثلاً يذكر القرآن أن الإنذار والتبشير[٨] من الوظائف الأساسية للأنبياء ومن الواضح أنهما يختلفان عن تشريع القوانين ووضع التكاليف الدينية، فهما يؤثّران كثيراً في ترغيب الناس إلى الطاعة وإجتنابهم المعصية وهذا هو ما يصطلح عليه المتكلمون بالوعد والوعيد أو الترغيب والترهيب (التخويف من عواقب المعصية). أشارت بعض الآيات إلى موارد خاصة من اللطف الإلهي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾[٩]؛ يُستفاد من الآية أن البأساء والضراء تجعل الإنسان يتضرّع لله ويخضع إليه، وهذا معنى اللطف المقرب، لذلك فإن الله يبتلي الناس بالمصاعب في نفس زمان إرسال الأنبياء وذلك لإعدادهم للتضرّع والخضوع. أشارت بعض الروايات إلى موارد اللطف وأثر الترغيب والترهيب في ميل الناس إلى القيام بالوظائف الدينية وترك المعصية، كما في حديث أميرالمؤمنين(ع): «إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة، وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم مالهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب، والوعيد لا يكون إلا بالترهيب....»[١٠]
دليل اللطف (دليل المتكلمين)
يستدلّ المتكلمون على ضرورة البعثة بناءً على قاعدة اللطف[١١]، كالتالي: على الإنسان تكاليف ووظائف عقلية مثل: لزوم شكر المنعم ولزوم معرفة خالق العالم، حيث يُلزمنا العقل بالقيام بهذه التكاليف. كما لا شكّ في أنّ بعثة الأنبياء - التي يصاحبها تكاليف شرعية - تُهيء للعمل بالتكاليف العقلية؛ لأنّ العمل بالتكاليف الشرعية يُقربنا للعمل بالتكاليف العقلية (مثلاً: عند أداء الصلاة وإخراج الزكاة، فإننا نؤدّي جزء من الوظيفة العقلية وهي شكر المنِعم). بالتوجه إلى هاتين المقدمتين وبالنظر إلى تعريف اللطف يتضح أن وضع القوانين الشرعية وإبلاغ التكاليف الدينية لطفٌ يقرّبنا إلى أداء التكاليف العقلية[١٢]. ولأن اللطف واجب على الله سبحانه نستنتج أن وضع وإبلاغ التكاليف الشرعية واجب على الله. ولا يُمكن إبلاغ التكاليف الشرعية بدون بعثة الأنبياء وبما أنّ ذي المقدمة (إبلاغ التكاليف الشرعية) واجب فإن المقدمة أيضاً (بعثة الأنبياء) واجبة على الله.
حاجة المجتمع إلى قانون (دليل الحكماء)
ذكر الحكماء المسلمين دليلاً آخر على وجوب بعثة الأنبياء اشتهر بدليل الحكماء[١٣]، كما ذُكر في بعض المتون الكلامية بعنوانه أحد وجوه حسن البعثة وفي بعضها الآخر بعنوانه دليل على ضرورتها[١٤].
سوف نقرّر هذا الدليل ببعض التفصيل: الإنسان موجود اجتماعي ويميل للحياة الجمعية كما يفرّ من الحياة الفردية[١٥]. من جهة أخرى فإنه محب لذاته ويحب اقتناء كل ما فيه منفعة أكثر بناء على ما يوافق رغباته وشهواته. إلا أنه لا شك في لزوم التحكم بالرغبات الفردية لأعضاء المجتمع وذلك لإقامة نظام اجتماعي وإلا فإن المجتمع سينهار بسبب الهرج والمرج والفساد. فأكثر العوامل تأثيراً في حفظ النظام الإجتماعي هو وجود قوانين كلية مناسبة تُبيّن حقوق ووظائف أفراد المجتمع في الموارد الجزئية.
إن القانون الملائم هو الذي يُمكن من خلاله حل الاختلافات الاجتماعية على أفضل نحو وأن يقيم العدل بين الناس، ولهذا القانون شروط[١٦] سنُشير إلى ثلاثة منها:
- معرفة المقنن بالإنسان معرفة كاملة من حيث حقيقته، استعداداته، غرائزة وفطرته، مصالحه ومفاسده، ليضع القوانين على أساس هذه المعرفة لتأمين مصالح الناس وسعادة المجتمع على أفضل نحو.
- أن لا تتدخل المنافع الشخصية للمقنن في وضع القوانين.
- ضمان إجراء القوانين، وأفضل ضمان إجرائي هو أن يؤمن آحاد المجتمع بصحة القوانين وضرورة الالتزام بها.
بالتأمّل في الشروط المذكورة يتضح أن الله تعالى هو الأقدر على وضع قوانين صالحة لإقامة أفضل نظام اجتماعي تحكمه العدالة؛ لأنّ الله يعلم بكل أبعاد وجود الإنسان بعلمه المطلق فهو خالقه، ولأنه غني مطلق فيمتنع تصور تدخل منافعه الخاصة في وضع القانون. كما أن إيمان الناس بالله وأنبيائه هو أفضل ضمان إجرائي للقوانين الإلهية. مما سبق يتبيّن أن حفظ النوع البشري عن طريق بقاء النظام الاجتماعي يتعلق بالقوانين الإلهية، وبما أن إرادة الله تعلّقت بحفظ النوع البشري، فإن الحكمة الإلهية تقتضي أن تضع للبشر قوانين تضمن حفظ النوع الإنساني ولا يُمكن أن يحصل هذا العمل بشكل مباشر، بل يلزم أن يختار الله أفراداً يطلعهم على القانون الإلهي، ثم يرسلهم للناس للتبليغ، فالحكمة الإلهية تقتضي بعثة الأنبياء. بعبارة أخرى: إن العقل يحكم – بالنظر إلى حكمة الله - بلزوم بعثة الأنبياء. يلاحظ على هذا الدليل أنه محدود بمن يعيش حياة اجتماعية من الناس، لأنّ مقدّمته الأساسية هي (حاجة المجتمع الإنساني إلى قوانين عادلة) فلا يُمكن أن يُستفاد من هذا الاستدلال في إثبات ضرورة بعثة الأنبياء لمن يعيش منفرداً ومنعزلاً عن الحياة الاجتماعية ولو على نحو القسر والجبر
الحاجة إلى معارف وحيانية
يُمكن تقرير الدليل الثالث على ضرورة بعثة الأنبياء على النحو التالي:
- ذكرنا في بحث الحكمة الإلهية أن أفعال الله معللة بالغايات، فالهدف من خلقة المخلوقات ومن جملتها الإنسان هو وصولها إلى كمالاتها الملائمة لها.
- الكمال المطلوب للإنسان لا يحصل بشكل طبيعي أو قهري - على خلاف كثير من الموجودات الأخرى، بل لابدّ من اختياره ليستكمل، فكمال كل إنسان منوط باختياره الطريق الصحيح والأعمال الصحيحة.
- ليستفيد الإنسان من نعمة الاختيار ينبغي أن يكون قادراً على تشخيص الطريق الصحيح وهذا التشخيص يعتمد على المعرفة، فلا يُمكن أن يصل الإنسان إلى كماله – الذي يمثّل غايته - بدون معرفة صحيحة.
- أعطى الله سبحانه للبشر مصادر معرفية مختلفة مثل: الحسّ والعقل وهي مفيدة إلى حدّ كبير بحيث يتمكن الإنسان بالاستفادة منها أن يصل إلى مجموعة من المعارف الصحيحة لكنها لا تكفيه للوصول إلى كماله النهائي، فالحسّ لا يُستفاد منه إلا في دائرة المحسوسات، كما أن العقل كثيراً ما يخطئ بالإضافة إلى عدم قدرة الإنسان على تشخيص كثير من المصالح والمفاسد. من موارد العجز الإنساني أنه في بعض الأحيان يعجز عن معرفة مصاديق العناوين التي يحكم بحسنها أو قبحها، مثلاً يحكم العقل بحسن العدالة إلا أنه كثيراً ما يشكّ في تعيين مصاديق العدالة أو الظلم. وقد تتزاحم المصالح المختلفة (كأن توجد مصلحة إتيان فعل ما ومصلحة أخرى في تركه)، فإنّ العقل في هذه الموارد يعجز أيضاً عن تعيين المصلحة التي ينبغي ترجيحها وتقديمها على الأخرى[١٧].
يتضح مما ذُكر أنّ الإنسان يحتاج إلى مصدر معرفي آخر غير الحسّ والتجربة والعقل حتى يصل إلى كماله النهائي ويتمكن بواسطته من تعيين الطريق الصحيح، فالحكمة الإلهية تقتضي بعثة الأنبياء لأنه من خلالهم يتعرف الإنسان على مجموعة من المعارف اللازمة لكماله النهائي وهذا معنى ضرورة بعثة الأنبياء.[١٨]
الهداية الإلهية واختيار الإنسان
قد يُتصور أن اعتبار هداية الناس هو غاية بعثة الأنبياء غير متوافق مع وقائع تاريخية غير قابلة للإنكار؛ فإذا كان الهدف من بعثة الأنبياء هو تكميل هداية العقل وتوفير المعرفة اللازمة لتكامل الإنسان، كيف يتوافق ذلك مع ما نراه على مرّ التاريخ وهو أن أكثر الناس سلكوا طريق الضلال وأضاعوا طريق السعادة والكمال الحقيقي. ألا تقتضي الحكمة الإلهية إيصال الناس إلى أسباب السعادة بطريق آخر؟
يلاحظ أنّ التصور المذكور نابع من الغفلة عن دور الاختيار في حياة الإنسان، فالإنسان موجود مختار ولا يتم استكماله إلا باختياره. أما الأعمال غير الاختيارية فإنها لا تؤثّر في كماله؛ بعبارة أخرى: إنّ الغاية من خلق الإنسان هو أن يصل إلى الكمال باختياره الطريق الصحيح (و ليس بالجبر)، فالحكمة الإلهية لا تقتضي أكثر من أن تتهيّأ كل المقدّمات اللازمة لهداية الناس، ليتمكّن الراغب في الوصول إلى الحقيقة أن يصل إليها بحسن اختياره. ولا تقتضي الحكمة الإلهية أن تھيّئ أسباب تجعل جميع الناس أو أكثرهم يختارون الطريق الصحيح بالضرورة! بعبارة أخرى إنّ بعثة الأنبياء شرط لازم ليصل الناس إلى الكمال وليس شرطاً كافٍ، وإنّ ما يجعل سعادتهم وكمالهم قطعياً هو استفادتهم من تعاليم الأنبياء ومعرفة الطريق الصحيح ومن ثمّ طي مسيرة التكامل بالاختيار الصحيح.
من هنا يتضح جواب سؤال آخر وهو لماذا لم يزد الله سبحانه من جذابية دعوة الأنبياء بتزويدهم بإمكانيات خاصة وبذلك يزداد ميل الناس إلى الدين؟ مثلاً: لو أن الله أوحي إليهم أسرار الوجود وطرق التسلط على الطبيعة وعلّموها الناس، ولو أنه أعطى أنبياءه القدرة والثروة الطائلة فإن هذا بالتأكيد سيحثّ الناس على الإيمان بهم، فيزداد بذلك عدد أهل السعادة والكمال.
ليتضح الجواب عن السؤال المذكور لا بدّ من الالتفات إلى مقدّمتين:
الأولى: الهدف الأصلي من إرسال الأنبياء هو تهيئة المقدمات اللازمة لتحقيق الكمال والسعادة الحقيقية للإنسان، بالتالي فإن التعاليم الضرورية التي تُوحي إليهم يجب أن تختص بأمور:
أوّلاً: أن تكون من المقدمات التي لا يُمكن الاستغناء عنها للوصول إلى الكمال، وثانياً: عدم تمكن الإنسان من إدراكها أو معرفتها إلا من خلال الاعتماد على الوحي، أو أنّ إدراكها بالعقل يستلزم الكثير من الجهد وبذل الإمكانيات التي لا يُمكن للإنسان تعويضها مثل خسران العمر أو تضييع النفس، وبالتالي فإن توجيهات العلوم التجريبية (كالفيزياء والكيمياء...) أو العلوم العقلية (الرياضيات والفلسفة...) أو سائر العلوم البشرية (كالتاريخ)، ما لم تتوفر فيها هاتان الخصوصيتان فإنها ليست من الوظائف والأهداف الأصلية للأنبياء. مع ذلك فإنّ الأنبياء خدموا هذه العلوم وكان لهم دور في تطوّرها سواء من خلال علومهم النظرية أو من خلال حضورهم الفعّال بين الأمم، لكن هذا من باب التفضّل على الناس وليس من ضمن وظائفهم.
الثانية: اختيار طريق الحق يكون مؤثراً في كمال الإنسان عندما يتوجه إليه الإنسان لحقانيته وليس لأيّ سبب آخر، فلو أن الله سبحانه وتعالى نظّم مظاهر دعوة الأنبياء وأبرزها بحيث يطيع البعض أولئك الأنبياء طمعاً في الحصول على منافع دنيوية (الثروة، الرفاه، المقام...) أو خوفاً من خسران الروح والمال والإمكانيات المتاحة عند الأنبياء، فإنّ هذه الطاعة لا قيمة لها ولا أثر لها في سعادتهم الحقيقية. باختصار إنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو أن يعرف الناس الحق، وذلك باختيارهم وقبولهم من أهل الحق، ومن البديهي أنّ تجهيز الأنبياء بالوسائل الخاصّة الاقتصادية والنظامية من أجل جذب أكثر الناس، لا ينسجم مع الهدف المذكور، من هنا فإنّ هذا الأمر ليس فقط لا تقتضيه الحكمة الإلهية، بل هو يعارضها[١٩].[٢٠]
إنكار النبوة
كان هناك طوال التاريخ من ينكر بعثة الأنبياء وهم موجودون حتى اليوم، بعض هؤلاء لا ينكرون ضرورتها فقط، بل هم يعتقدون بعدم وقوعها أصلاً، إنهم يعتقدون بعدم وقوع حدث في تاريخ البشر عنوانه (النبوّة)! من هنا سنتطرق باختصار إلى مباني إنكار بعثة الأنبياء وقبل ذلك من المناسب أن نصنّف المنكرين إلى صنفين:
الصنف الأول: يُنكر وجود الله بعنوانه مبدأ الخلق وخالق الإنسان ومن الطبيعي أنّ المُلحد بالله سينكر بعثة الأنبياء، لإنكاره أحد الركائز الأساسية للنبوة وهو وجود الإله الذي يجتبي الأنبياء ويوحي إليهم المعارف. من هنا فإنّ الطريق المنطقي للرّد على هؤلاء هو الاحتجاج عليهم بحجج التوحيد فما لم يُستحكم هذا المبنى عندهم فإنّ البناء (الاعتقاد ببعثة الأنبياء) سيبقى متزلزلاً.
الصنف الثاني: يعتقد بوجود الله لكنه ينكر أصل النبوة وهؤلاء على قسمين أيضاً - حسب مباني إنكارهم -: القسم الأول ينكر النبوة لرغبات غريزية وشهوانية وبقصد الفرار من التكليف - تحمّل المسؤولية، وذلك لمعرفتهم بأنّ الاعتقاد بالدين وإطاعة الأنبياء يستلزم تحمّل مسؤوليات ويستوجب إيجاد محدوديات في حياتهم، ومن البديهي أن البحث العلمي غير نافع معهم لأن مشكلتهم نابعة من جهة أخرى.
أما القسم الثاني فهم يزعمون بأن لديهم أدلة على إنكار النبوة، ومن هنا يلزم على المتكلمين البحث في أدلتهم ونقدها..[٢١]
أدلة منكري بعثة الأنبياء
رعايةً للاختصار، سنُشير إلى ثلاثة أدلة فقط من أدلتهم[٢٢]:
الدليل الأول: لغوية بعثة الأنبياء وعدم الفائدة منها، وذلك لأنّ ما يأتي به الأنبياء للبشر (محتوى الوحي) إما أنه موافق لمدرَكات العقل وأحكامه أو مخالف له، ففي الصورة الأولى يكفينا العقل عن الحاجة إلى وجود الأنبياء وفي الصورة الثانية يلزم منها رفض دعوة النبي بالضرورة؛ لأن كل ما يُخالف العقل مرفوض![٢٣]. يُمكن القول في نقد الاستدلال المذكور أنّ انحصار المسائل في صنفين أحدهما موافق للعقل والآخر مُخالف له غير تام، حيث ذكرنا سابقاً أنّ العقل يلتزم بالسكوت في دائرة واسعة من المسائل حيث لا يمتلك العقل تشخيصاً واضحاً فيها، وذكرنا أنّ إدراك الإنسان بأهمية هذه المسائل تجعله يُقرّ بضرورة الوحي، وذلك لأنّ الوحي هو الذي يملأ خلاء معرفة البشر بهذه المسائل. بالإضافة إلى أنّ اشتمال الوحي على معارف يدركها العقل بشكل مستقل لا يستلزم اللغوية، فتأييد الوحي إلى المعارف العقلية يجعل الإنسان أكثر اطمئناناً إلى صحة معارف العقل وأحكامه. أيضاً يُمكن التذكير بأنّ فوائد الأنبياء لا تنحصر في التعليم! فلو سلّمنا أن الأنبياء لايأتون بمعارف لا يُمكن للبشر معرفتها بالعقل، فإنّ ذلك لا يستلزم لغوية بعثتهم حيث هناك فوائد أخرى للبعثة كما مرّ.
الدليل الثاني: بعثة الله للأنبياء أمرٌ ممكن لكن لا يوجد دليل على وقوعه، أي: لا يوجد دليل قطعي يجعلنا نؤمن بحقّانية من ادّعى النبوة طوال التاريخ.
هنا لم يذكروا دليلاً مباشراً على نفي النبوّة، بل اكتفوا بالادعاء وفي الإجابة عن هذا الادعاء يكفي أن نذكر شاهداً قطعياً على تحقّق النبوّة في التاريخ والذي سيأتي ذكره في بحث (طرق معرفة الأنبياء) و(إثبات نبوة نبي الإسلام).
الدليل الثالث: من الأدلة الشائعة على إنكار النبوة هو الدليل المبتني على أصل (كفاية قدرة الإنسان في الوصول إلى السعادة)، فالإنسان يُمكنه الوصول إلى طريق الهداية والسعادة الكاملة وإن استغرق ذلك زمناً طويلاً، بالاعتماد على إمكانياته الفردية والجماعية والاستفادة من التجربة التاريخية والعقل الجمعي، وعن طريق التجربة والخطأ، بالتالي فإنّ الإنسان يُمكنه الاستغناء عن النبوّة.
في الإجابة عن هذا التصور يُمكن أن يُقال:
أوّلاً: دائرة الاستفادة من طرق المعرفة الإنسانية العادية (الحسّ، التجربة، العقل) محدودة فلا يُمكن للإنسان معرفة كثير من المسائل بهذه الطرق، خاصّة تلك التي تتعلق بسعادته الحقيقية، فالإنسان بحاجة إلى هداية الأنبياء لمعرفة كل أبعاد سعادته الحقيقية وطرق اكتسابها.
ثانياً: حتى لو قبلنا بكلام هؤلاء المنكرين، النتيجة أنّ البشرية بعد عدّة قرون ومن خلال التجربة والخطأ ستصل إلى المقصد وستقف على أبعاد وعوامل سعادتها إلا أنه يلزم من ذلك حرمان الكثير من الناس من السعادة، أولئك الذين عاشوا قبل تحقق هذه الأمنية، ومحرومية هؤلاء من الهداية لا ينسجم مع الحكمة الإلهية.[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ غالباً ما يُستعمل المتكلمون التعبير الأول (وجب على الله)، في حين يستعمل الحكماء التعبير الثاني (وجب عن الله).
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٧١.
- ↑ العلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۵۰ و۳۰۱ وأيضاً: التفتازاني، شرح المقاصد، ج۴، ص۳۱۳.
- ↑ يُسمي المتكلمون اللطف المحصل الذي ينتهي بالمكلف إلى الإتيان بالطاعة (توفيق) واللطف المحصل الذي ينتهي به إلى ترك المعصية (عصمة)، كما قسموا اللطف بلحاظ الفاعل المباشر إلى ثلاثة أقسام. راجع: العلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۰۱ و۳۵۲.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٧١-٣٧٢.
- ↑ العلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۰۱ وابن ميثم البحراني، قواعد المرام، ص۱۱۷ و۱۱۸؛ والقاضي عبدالجبار، شرح الأصول الخمسة، ص۵۲۱؛ وفاضل مقداد السيوري، إرشاد الطالبين، ص۲۷۶-۲۷۸.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٧٢-٣٧٣.
- ↑ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ سورة النساء: ۱۶۵.
- ↑ سورة الأعراف: ۹۴.
- ↑ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵، ص۳۱۶.
- ↑ ذُكرت تقريرات كثيرة ومختلفة إلى هذا الدليل ولقد سعينا في هذا البحث أن نذكر التقرير الأتم والأكمل.
- ↑ هذا هو معنى المقولة المشهورة عند المتكلمين: (التكاليف الشرعية ألطاف في الواجبات (التكاليف العقلية)؛ راجع: العلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۷۵.
- ↑ ذكر ابن سينا تقريراً كاملاً للدليل، راجع: ابن سينا، الشفاء (الإلهيات)، المقالة العاشرة، الفصل الثاني، ۴۴۱ – ۴۴۳.
- ↑ يُعدّ كتاب تجريد الاعتقاد نموذجاً على الصنف الأول وكتاب نهج المسترشدين للعلامة الحلي نموذجاً على الصنف الثاني. راجع: العلامة الحلي، كشف المراد (في شرح تجريد الاعتقاد)، ص۳۷۳ و۳۷۴؛ والسيوري، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، ص۲۹۶ و۲۹۸.
- ↑ في الماضي، كان هناك نظريتان تبينان سبب ميل الإنسان للحياة الاجتماعية: بناءً على أحداهما أن الإنسان مدني بالطبع يعني طبيعته تدعوه نحو الحياة الاجتماعية، لكن بناءً على النظرية الأخرى فالإنسان ليس مدنياً بالطبع، بل أنّ فيه نوع من الغرائز تُسمى غريزة الاستخدام، هذه الغريزه تجعله يميل إلى الغير من أجل تأمين احتياجاته، فيستفيد من نتاجات الآخرين وبالنتيجة يميل الإنسان إلى الحياة الاجتماعية.
- ↑ يُذكر في هذا الجزء من استدلال الحكماء ومن أجل إثبات ضرورة أن يكون القانون من النبي خاصّة بياناً غير ملائماً، خلاصته أنّ كل الناس ليست لديهم المقدرة على وضع القانون لأنه في هذه الحالة سوف يقع النزاع مرة أخرى، والاحتمال الثاني أي: أن يضع القانون مجموعة من الناس أيضاً هو غير معقول، لأن انتخاب هذه المجموعة مشروط بالأولوية، في حين أنه لا أحد من الناس له الأولوية على غيره من بني جنسه - من جهة وضع القانون، بالتالي فإنّ الفرض المعقول هو أن يكون هناك مرجعاً إما غير الناس وفوق مستوى الناس -أي: الله سبحانه وتعالى - أو أن يكون هناك إنساناً ذات امتيازات خاصة تُميزه عن غيره - أي: النبي- هو واضع القانون.
- ↑ الكلام كثير في بيان عجز العقل عن إيصال الإنسان إلى كماله الغائي، وهناك شواهد تاريخية على صحة هذا المدّعى، يصعب شرحها في هذا الكتاب. إذا أردت توضيحاً أكثر عن عجز العقل في إرشاد الإنسان خصوصاً في ما يتعلق بالأمور المعنوية والأخروية، راجع: محمد تقي مصباح اليزدي، معرفة المرشد (النبوة- أصول العقائد ۲)، ص۸۷ - ۹۹.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٧٣-٣٧٩.
- ↑ تُطرح مسائل في علم الكلام الجديد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحث - أي: ضرورة بعثة الأنبياء - مثل: البحث في أهداف الدين وفوائده، حاجة البشر إلى الدين، وحدود الدين. إلا أن الكتاب الحاضر - كما ذكرنا في المقدمة - لن يتطرق إلا مسائل الكلام الجديد
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٧٩-٣٨١.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٨١-٣٨٢.
- ↑ ذكر الفخر الرازي بحثاً مفصلاً في أدلة منكري البعثة، راجع: المطالب العالية من العلم الإلهي، ج۸، ص۱۱ – ۹۲.
- ↑ نُسب هذا الاستدلال في أغلب المتون الكلامية إلى البراهمة، إذا رغبت في التدقيق في تقريرات الدليل، راجع: التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص۹، والعلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۷۵.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٨٣-٣٨٤.