الأسف في نهج البلاغة
التعريف
الأسف: شدّة الحزن والغضب والغيظ معاً على ما فات، وقد يقال لكلّ واحد منها على الانفراد [١]، فمن نازع من يقوى عليه أظهر غضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهر حزناً وجزعاً[٢]. وتطلق أيضاً على الألم والندامة، يقال: أسِفَ عليه يأسَفُ أسَفاً: حَزِنَ، فهو أسِف، وآسِف، وأسْفان، وفي المبالغة: أسوف، وأسيف.
وأَسَفَ أسفاً: إذا اشتد غضبه.
وآسفه: أغضبه، منقول بالهمزة. وأسِف له: تألّم وندم. ويا أسفي ويا أسفاً على كذا: تقال توجّعاً وتحسّراً عليه، وقد أسِف على ما فاته وتأسَّفَ: تلهّف.
قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾[٣].
أي يا جزعاً ويا حزني على يوسف؛ أي حَزِن أشدّ الحزن، كأ نّه يقول: يا أسفاً هَلُمَّ فهذا أوانك، وألِفهُ بدل من ياء المتكلّم. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[٤].
أي أسخطونا وأغضبونا أشدّ الغضب بالإفراط في الفساد والعصيان[٥].
من وصفه(ع) للقلب: «لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذَا الْإنْسَانِ بَضَعَةٌ هِيَ أعْجَبُ مَا فِيهِ؛ وَذَلِكَ الْقَلْبُ... وَإِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ»[٦].
أي الحزن الشديد، أو التأسّف والتحسّر، فإذا يئس من شيء، كثر تأسّفه، فيعيش الكآبة الدائمة، وتتحوّل حياته إلى شقاء، وأحياناً يهلك.
ومن تأسّفه(ع) على ما حلّ بالأنبار بسبب معاوية: «فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً»[٧].
ومن حثّه(ع) على السرور بالعمل الاُخروي: «فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً»[٨].
أي ليكن ندمك وتألّمك على ما فاتك من الآخرة؛ لأنّها كانت محتملة الوصول ففاتت.
ومن هذا القبيل قوله(ع): «وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَ أَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ، وَهَمُّكَ فِيَما بَعْدَ الْمَوْتِ»[٩].
أي ليكن ندمك وتألّمك على ما تركت من أموال وتراث؛ لأنّك لم تنتفع به، وإنّما هو للوارث، فإن كان صالحاً نظر لنفسه، وإن كان مسيئاً كنت معيناً له على إساءته.
ومن تحذيره(ع) من الركون إلى الدنيا: «فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لَايَبْلُغُهُ، وَبَانٍ مَا لَا يَسْكُنُهُ، وَجَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَاماً، وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً، فَبَاءَ بِوِزْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ، آسِفاً لَاهِفاً، قَدْ خَسِرَ الدّنيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الخُسْرانُ الْمُبِينُ»[١٠].
إنّ عبارات النصّ محكمة النسج، صادقة الدلالة على ما قصد منها، يتخلّلها حسن التقسيم، وفنّ الجمع، والمقابلة بين الفقرات، وحسن الجناس، والسجع والطباق في مثل: «جَمَعَهُ» «مَنَعَهُ» و«حَرَامَاً» «آثَامَاً» و«الدُّنْيَا» «الآخِرَةَ» والتصوير الذي يقوّي المعنى ويجلّيه، كالاستعارة في مثل: «بَاءَ بِوِزْرِهِ» والكناية في مثل «قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ».[١١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر المفردات، ص٧٥.
- ↑ التهذيب، مادّة: (أسف).
- ↑ سورة يوسف، الآية ٨٤.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٥٥.
- ↑ مجمع البيان، ج٥، ص٨٠؛ الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٠٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٢.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٦٦.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٤٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٩٢-١٩٣.