الإبدال في الفقه المقارن

التعريف

الإبدال لغة: جعل شيء مكان شيء آخر، والاستبدال مثله[١]، فلا فرق عند أهل اللغة بين اللفظين في المعنى. وتستعمل عند الفقهاء بنفس المعنى اللغوي.

الحكم الإجمالي

الإبدال قد يقع في الأحكام أو موضوعاتها الكلّية، أو في الأعيان:

الإبدال في الأحكام

لا إشكال في أنّ الأحكام الشرعيّة توقيفيّة على الشارع، فلا يجوز لغيره تبديل ما جعله الشارع حكماً تكليفيّاً أو وضعيّاً، فإنّه بدعة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ[٢].

نعم قد يحصل تبديل للحكم نتيجة تبدّل أو ارتفاع موضوعه، كتبدل وجوب الصوم إلى عدم الوجوب نتيجة السفر أو المرض، أو بتبدّل الميتة النجسة باستحالتها إلى ملح، وهذا تبدّل في موضوع الحكم الواقعي.

وقد يتبدّل موضوع الحكم الظاهري، كمن كان شاكّاً في نجاسة شيء وطهارته فحكم له بالطهارة الظاهرية ؛ لأنّ كلّ شيء لا يعلم قذارته فهو طاهر، ثمّ تبدّل شكّه بيقين بالنجاسة فعلاً أو سابقاً فيحكم عليه بالنجاسة ؛ لتبدّل موضوع الحكم الظاهري. ومثله تبدّل حكم المقلّد بتبدّل تقليده من مجتهد إلى آخر أو بتبدّل نظر مقلَّده.

والواجبات قد يكون لها بدل، وقد لا يكون لها بدل، والبدل الواجب على نحوين: ما يكون بدلاً في عرض المبدّل كما في خصال الكفّارة، وما يكون بدلاً في طول تعذّر المبدّل أو سقوطه كوجوب التيمّم (الطهارة الترابية) بالنسبة لوجوب (الطهارة المائية).

والصيام بدل الهدي لمن لا يملك ثمنه.

وإجزاء الإبدال عمّا هو الفرض في الزكاة لمن لم يكن عنده.

وقد تعرّض الفقهاء الأُصوليون للواجبات التي لها بدل وذكروا لها أحكاماً، منها ترجيح الواجب الذي ليس له بدل على ماله بدل عند التزاحم[٣].

الإبدال في الأموال

الإبدال في الأموال: وفيه أقسام:

  1. الإبدال في الواجبات الماليّة: اختلف الفقهاء في صحة الإبدال وعدمه في الواجبات الماليّة (أي الأعيان المخرجة من مال المكلّف على أنّها مصداق للمال الواجب إخراجه شرعاً) وهي كمال الزكاة والكفّارة والخمس وهدي الحجّ للقارن وغيرها بعد إخراجه على قولين:
    1. جواز إبدال الأعيان المقدّرة في الزكاة أو الخمس - بناءً على تعلّقها بالأعيان - بما يساويها في القيمة، وتبديلها بالنقد الرائج إذا لم يكن ممّا فيه ربا، وإلا أخرج مثلاً بمثل، وهو المشهور عند فقهاء الإماميّة[٤]، وهو المختار عند الحنفيّة[٥].
    2. عدم جواز الإبدال، اختاره جمع من فقهاء الإماميّة[٦] وجمهور المذاهب الأُخرى[٧].
  2. الإبدال في العقود والمعاوضات: ذكر الفقهاء أكثر من تفصيل في حكم الإبدال في المعاوضات - كالبيع وغيره - واختلفوا في أقوالهم من جهات متعدّدة، فتارة يفصل في الحكم من جهة كون التصرف (الإبدال) قبل قبض العوضين أو بعد قبضهما، وأُخرى من جهة كون الإبدال في الشخصي أو الكلي، والمعيّن وغير المعيّن منهما، أمّا الأقوال فهي:
    1. عدم جواز الإبدال قبل القبض إذا كان أحد العوضين شخصيّاً، ويجوز ذلك إذا كان كلّياً أو في الذمّة. وأمّا بعد القبض فلا يجوز الإبدال إلّا مع رضى الطرف الآخر، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الإماميّة[٨]. وقد يجب الإبدال بعد القبض إذا كان العوض كلّياً أو في الذمة وظهر فيه نقص أو عيب ؛ لبقاء العقد صحيحاً ونافذاً ؛ لأنّه متعلّق بالكلّي أو المال في الذمة، وهو بعد قابل للوفاء والأداء فيجب.
    2. التفصيل بين الأثمان والمبيع، فالحنفيّة يجيزون إبدال الأثمان قبل القبض ؛ لأنّها لا تتعيّن بالتعيين، ولأنّ العقد لا ينفسخ بهلاكها، وقال الشافعيّة وزفر من الحنفيّة بعدم جواز التصرّف في الثمن قبل القبض إن كان متعيناً نقداً أو غيره، وإن كان في الذمّة جاز إبداله، وقريب منه رأي الحنابلة والمالكيّة [٩].

ولا يجوز إبدال المنقول منه قبل قبضه، وفي العقار خلاف.

والشافعيّة لا يجوِّزون إبدال المبيع والثمن المعيّن قبل القبض.

وعند الحنابلة يجوز التصرّف في المبيع قبل القبض لما لا يحتاج إلى قبض، أمّا ما يحتاج إلى قبض فلا يجوز إبداله قبل القبض[١٠].

وأجاز المالكيّة التصرّف في المبيع قبل القبض إلّا طعام المعاوضة[١١].

وقد يكون للإبدال أحوال وشروط أُخرى كما في الوقف.

مواطن البحث

تأتي أحكام الإبدال والاستبدال في كتب الفقه في مسائل متعدّدة المواطن مفصّلة فيها أحكام كلّ مسألة، جوازاً أو منعاً أو إيجاباً، ومن ذلك الزكاة والأضحية والبيع والشفعة وفي لباس المصلّي إذا تنجس وكذلك إبدال الكفن عند تنجّسه، وكذا في إبدال العين المستأجرة إذا وجدت معيبة وفي أبواب الوقف وغير ذلك.[١٢]

المراجع والمصادر

  1.   السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

الهوامش

  1. لسان العرب ١: ٣٤٤. انظر: المصباح المنير: ٣٩. تاج العروس ٧: ٢٢٣.
  2. سورة يونس، الآية ٥٩.
  3. انظر: التنقيح في شرح العروة (الطهارة) ٩: ٤٥٨.
  4. المبسوط ١: ٢٩٢. الخلاف ٢: ٥٠ - ٥١،م ٥٩. انظر: موسوعة الفقه الإسلامي ٢: ٣٠٨.
  5. حاشية ابن عابدين ٢: ٢٢، ط الأميرية. بدائع الصنائع ٥: ١٠٢، ١٣٢.
  6. الكافي في الفقه: ٢٠٠. مسالك الأفهام ١: ٤٣٠. الروضة البهيّة البهيّة ٢: ٣٠٣. رياض المسائل ٣: ٢٥٩.
  7. الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ١: ٢٣٥، ط مصطفى الحلبي. المهذب ١: ١٥٠، ط عيسى الحلبي. المغني ٣: ٦٥ و٧: ٣٧٥.
  8. انظر: موسوعة الفقه الإسلامي ٢: ٣٠٨.
  9. المغني ٤: ٤٣، ١١٣، ط المنار الثالثة. الشرح الصغير ٢: ٧٣ - ٧٥. مواهب الجليل ٤: ٣٤٠. الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ١: ١٤١.
  10. انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ١: ١٤١.
  11. مواهب الجليل ٤: ٣٤٠.
  12. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج١، ص ١٣٣-١٣٥.