بدعة

من إمامةبيديا

التعريف

المعنى اللغوي

«البدعة» - في اللغة - مشتقة من البَدع، وهي اسم هيئة من «الابتداع» (كالرفعة من الارتفاع)[١]؛ بمعنى «إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة»[٢]. والبِدعة : «الحدث في الدين بعد الاكمال، أو مااستحدث بعد النبي من الاَهواء والاَعمال»[٣]. فهي إذن عند اللغويين: الشيء الذي يبتكر ويخترع من دون مثال يحتذى به، ويبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً في السابق[٤]. وهي تطلق - عادة - على المحدثات من أمور الدين[٥].

المعنى الاصطلاحي

استعمل الفقهاء لفظة البدعة في معناها اللغوي المذكور مع اختلافهم في حقيقتها وما تتحقّق به وما شابه ذلك ممّا سيأتي. وهي تستعمل لدى المتشرّعة - ومنهم الفقهاء - وفي الأحاديث الشريفة بمعنى: إحداث شي‏ء في الدين بإدخال ما ليس من الدين فيه، أو إيجاد نقص فيه[٦]، وإليه يرجع تفسير بعضهم لها ب «إحداث أمر على خلاف السنّة»؛ إذ السنّة هنا بمعنى ما جاء به النبي (ص) وهو الدين[٧]. لكن هذه الإضافة أو ذاك النقصان إذا لم يقترن بقصد «التشريع» و«نسبته للدين»، فإنه لا يعد «بدعة» عند بعض الفقهاء[٨]. ولعل هذا هو السبب في أن كلمة «البدعة» و«التشريع» تستخدم بمعنى واحد عندهم[٩].

فهي إذن: كل عقيدة أو قول أو عمل يتعبد به الإنسان لله عز وجل وليس مما جاء في شريعة الله سبحانه وتعالى[١٠]، أو قل: «ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه»، وأما ما كان له أصل في الشريعة يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان يسمى بدعة لغوية[١١]. وقد صرّح بعض العلماء أن الأحاديث التي سمت البدعة «ضلالة» إنما تشير إلى ما لا دليل خاص أو عام شرعي له[١٢]. وبطبيعة الحال: لا يتعلق بها حكم المنع إذا لم تكن من البدع في الدين[١٣].

التقابل بين البدعة والسنة

يقابل مصطلح «البدعة» مصطلح «السنة» في الاصطلاح الشرعي؛ حيث إن السنة تعني: ما أمر به النبي الأعظم (ص) من أقوال وأفعال وتقريرات. ولأن النبي والأئمة معصومون، فإن قولهم وفعلهم حجة على الناس، وتُعدّ سنتهم مصدراً للتشريع، والعمل بها جائز[١٤].

فالسنة- إذن - تمثل التشريع الإلهي المنزل على الرسول (ص)، بينما البدعة تمثل الأمور المحدثة التي لا أصل لها في الشرع. والسنة هي الطريقة المثلى للتعبد بالدين والسير على نهجه، بينما البدعة مذمومة مرفوضة محرمة يجب شرعاً اجتنابها والنهي عنها.

أما التمييز بين السنة والبدعة ومدى إمكانية إطلاق البدعة على الظواهر المختلفة فهو ليس بالسهل اليسير على جميع الناس؛ إذ من المعقّد أحيانًا التمييز بينهما، ولا ينبغي إطلاق وصف «البدعة» بسهولة، أو رفض أي فعل على أساس أنه بدعة، ولهذا يجب إحالة الأمر إلى أهله؛ وهم العلماء المؤهّلون الموثوقون.

ومن أجلى مظاهر الفوضى في وصف الأمور بالبدعة ما يقوم به أبناء المذهب السلفي ممن يسمون بالوهابية؛ فمع أنهم يتركون السنة ولا يلتزمون بها أحيانًا، وينشرون أفكارًا وسلوكيات مبتدعة، لكنهم - في الوقت ذاته - ينسبون البدعة لأتباع مدرسة أهل البيت (ع) في قضايا مختلفة؛ مثل: زيارة النبي والأئمة والصالحين، والاحتفال بمواليدهم، وإقامة العزاء والبكاء على مصابهم، وبناء القباب والأضرحة لهم، والسجود على تربتهم، وتقبيل أضرحتهم، والتوسل بهم عند الله، والتبرك بما يرتبط بهم، بل حتى التبرك بالكعبة، وغير ذلك، مع أن هناك أحاديث كثيرة في كتب أهل السنة عن ممارسة النبي والصحابة للزيارة والتوسل والتبرك، ولهذه السنن أصول في القرآن والحديث والسيرة، وقد كتب العلماء والمحققون كتبًا كثيرة تثبت شرعيتها وكونها سنة بناءً على مصادر قطعية وكثيرة[١٥].

أمثلة ونماذج

يمكن هنا ذكر بعض النماذج والأمثلة الحية والواضحة على بعض الأفعال والممارسات التي لا يشك في كونها بدعة؛ فمنها: الأذان الثاني أو الثالث يوم الجمعة، وقول جملة «التثويب» (أي «الصلاة خير من النوم») في أذان الفجر، وأداء صلاة الجماعة في النوافل الليلية في شهر رمضان (كصلاة التراويح)، وتقديم الخطبتين على الصلاة في صلاة العيدين، وتحريم المتعة وحج التمتع، وتطليق المرأة ثلاثا في مجلس واحد، وجلد الشارب للخمر ثمانين جلدة، واتخاذ القياس والاستحسان والمصالح المرسلة أدلة لاستنباط الأحكام[١٦].

خلفيات تاريخية

أشير في الإنجيل - المتداول في أيدي الناس - إلى أن مبتكري البدع كذابون أضلّوا الناس ببدعهم، وأمر بالابتعاد عن أهل البدع لردّتهم[١٧]. وذُكر في القرآن الكريم وجود البدعة بين أتباع الشرائع السابقة[١٨]، واستدلّ ببعض آياته على تحريم البدعة[١٩]. كما وردت روايات تشير إلى البدعة وتبين أحكامها[٢٠]. وتناول الفقه الإسلامي عند مختلف المذاهب قضية البدعة بشكل متفرق في بعض المسائل؛ كصوم يوم الشك من شهر رمضان، وتقديم الخطبتين في صلاة العيد[٢١].

الرؤية القرآنية والروائية

للبدعة بالمعنى الاصطلاحي أساس قرآني؛ حيث ذُمت صراحة في القرآن الكريم؛ كما في قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ[٢٢]. وأشارت بعض الآيات إلى أمثلة على البدع في الشرائع السابقة؛ كقوله تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ[٢٣]، مما يدل على أنها بدعة وليست عبادة. وقد ورد في تكملة الآية أنهم بعد ابتداعهم الرهبانية لم يؤدوا حقها كما ينبغي؛ أي أنهم أو الأجيال اللاحقة مزجوا هذه الطريقة المبتدعة بالشرك والتعاليم اللاإلهية. وقد أشارت بعض الآيات الأخرى إلى أسباب البدعة وآثارها الدنيوية والأخروية؛ كقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ[٢٤]، حيث ينكر القرآن الكريم على أهل الكتاب تحريفهم للكتاب الإلهي ونسبته إلى الله تعالى مقابل مكاسب دنيوية، مما يدل على أن سبب الذم هو نسبة التحريف إلى الله عز وجل[٢٥].

المراجع

  1. الفيومي، المصباح المنير، 1 : 38 مادة «بدع».
  2. الفيروزآبادي، القاموس، 3 : 6 مادة «بَدَعَ».
  3. الفيروزآبادي، القاموس، 3 : 6 مادة «بَدَعَ».
  4. لاحظ: مركز الرسالة، البدعة مفهومها وحدودها، ص10.
  5. لاحظ: الهاشمي الشاهرودي، سيد محمود، الموسوعة الفقهية، ج20، ص99-136.
  6. قال الشريف المرتضى: زيادة في الدين، أو نقصان منه من إسناد إلى الدين. رسائل الشریف المرتضی، ج2، ص264 .
  7. لاحظ: الهاشمي الشاهرودي، سيد محمود، الموسوعة الفقهية، ج20، ص99-136.
  8. لاحظ قول الشريف المرتضى: «من إسناد إلى الدين». رسائل الشریف المرتضی، ج2، ص264، وانظر أيضاً: النراقي، أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام، ص111. الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الاعتصام، ج1، ص37.
  9. راجع: الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر، ج1، ص159. الأنصاري، مرتضى، رسائل فقهية، ص139. الحكيم، سيد محسن، مستمسك العروة، ج5، ص341-342. الخوئي، السيد أبوالقاسم، موسوعة الإمام الخوئي، التنقيح، كتاب التقليد، ج13، ص215.
  10. العثيمين، محمد بن صالح، فتاوى نور على الدرب، الشريط رقم 83.
  11. الحنبلي، ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ج2، ص781.
  12. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري، ج13، ص213.
  13. ابن باز، عبدالعزيز بن عبدالله، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ج6، ص317.
  14. السبحاني، جعفر، في ظلال التوحيد، ص113-114. السبحاني، جعفر، البدعة، ص76.
  15. راجع: الأمين، السيد محسن، كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبدالوهاب. الأميني، عبدالحسين، سيرتنا وسنتنا. السبحاني، جعفر، البدعة وآثارها الموبقة.السبحاني، جعفر، التوسل والزيارة.
  16. راجع: عباس علي، عميد الزنجاني، موسوعة الفقه السياسي، ج1، ص402.
  17. رسالة بولس إلى تيطس 3: 10-11.
  18. قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ سورة الحديد: 27.
  19. قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ سورة يونس: 59.
  20. لاحظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص54-59 وج2، ص375.
  21. الأحمدي الشاهرودي، حسن، مقالة «البدعة»، موسوعة الإمام الخميني، ج2، ص594.
  22. سورة الشورى: 21.
  23. سورة الحديد: 27.
  24. سورة البقرة: 79.
  25. لاحظ: السبحاني، جعفر، مقالة «البدعة»، موسوعة الكلام الإسلامي، ج2، ص62-65. برجي، يعقوب علي، مقالة «البدعة»، دائرة المعارف القرآن الكريم، ج1 وج5، ص409-419.