الاستبداد في نهج البلاغة

تمهيد

«الاستبداد»: الانفراد بالرأي والحُكم، من استَبَدَّ استبداداً: تَعسَّف وتحكم، واستَبَدَّ بالحكم وغيره: انفرد به، أو استقل به، واستبد بالشيء: اختص به، واستبد الأمر به: غلبه على أمره، فلا يقدر على ضبطه، واستبددت به: انفردت به، واستَبَدَّ بأمره: غلب عليه، فلا يسمع إلا منه، أصله من التبدد؛ وهو التفرق والتفرد والانفراد عن الشيء[١].

قال(ع) في بيان سبب اغتصاب الخلافة منه(ع): «فَاعْلَمْ أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَ الْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ(ص) نَوْطاً فَإِنَّهَا كَانَتْ‏ أَثَرَةً شَحَّتْ‏ عَلَيْهَا نُفُوسُ‏ قَوْمٍ‏ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَ نِعْمَ‏ الْحَكَمُ‏ اللَّهُ‏»[٢].

«الِاسْتِبْدَادُ»: التغلب والاستحواذ[٣].

ومن حكمه(ع) في ذم الاستبداد ومدح التشاور: «مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ وَ مَنْ‏ شَاوَرَ الرِّجَالَ‏ شَارَكَهَا فِي‏ عُقُولِهَا»[٤]. أي انفرد به وتعسف وتمسك به، دون أن يشاور غيره.

ومن وصفه(ع) لفضائله: «وَ كُنْتُ‏ أَخْفَضَهُمْ‏ صَوْتاً وَ أَعْلَاهُمْ فَوْتاً فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ وَ لَا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ»[٥].

«العنان»: مفرد أعنة؛ وهو سير اللجام الذي تمسك به الدابة، و«الاستبداد بالرهان»: الاختصاص به، و«الرهان» مصدر راهن، يقال: راهنه على كذا: سابقه.

استعار هنا لفظ «الطيران» للسبق العقلي بجامع السرعة. واستعمال الجمل الخبرية في هذا النص تعطيه مرونة في التعبير، وإحاطة بالمعنى، فقد بناه على شكل متواليات شكلت توازيا يتضمنها الطباق والمقابلة، كما في: «أخفضهم» و«أعلاهم» والجناس بين «صوتا» و«فوتا» وبين «القواصف» و«العواصف» والجمل المسجوعة، والصور الخيالية التي تمثلت بالألفاظ الموحية لتقوية المعنى وإجلائه، كما في التشبيه الذي وصف تحمله(ع) لأعباء الخلافة والتمسك بالأوامر الإلهية لإجراء العدالة: «لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ وَ لَا تُزِيلُهُ‏ الْعَوَاصِفُ‏» كمراعاة هوى، أو اتباع بدعة تخالف سنة الله ورسوله.

وفيه استعارة في لفظي «العنان» و«البرهان» اللذين هما من متعلقات الخيل تشبيها للفضيلة التي استكملتها نفسه(ع) الشريفة مع فضائل نفوس الصحابة بخيل الحلبة في تسابقهم لاستكمال الفضائل، ولما كانت فضيلته(ع) أكمل من فضائلهم وأتم منها، فكانت بالنسبة إلى فضائلهم كالفرس الذي لا يشق غباره، فحسن منه أن يستعير لسبقه بها لفظ «الطيران» ويجري عليها لفظ «العنان» و«الرهان».

كما كنى بخفض الصوت عن ربط الجأش في الأمور، والثبات فيها، والتصميم على إقامة إرادة الله، دون التفات إلى ما ادلهمت به الحوادث والموانع.[٦]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. ينظر: المعجم الكبير، ج٢، ص١٢٧ و١٢٨.
  2. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٢.
  3. ينظر: مادة «أثرة» و«الآخر» في هذا الكتاب، ج١، ص٧٣.
  4. نهج البلاغة، قصار الحكم ١٦١.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ٣٧.
  6. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٦٦-٦٧.