البادي في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

الظاهر، فهو اسم فاعل من بدا يبدو: إذا ظهر، والبدوي: من بَدَا يبدو بداوةً: خرج إلى البادية أو أقام بها. وبادي الرأي: ظاهره الذي لا روية فيه، ومن غير تعمق.

وقال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ[١].

يريدون بذلك أن اتباعهم إنما كان في الظاهر، وأما باطنهم فهو على خلاف ذلك.

ويقرأ بالهمزة بعد الدال، وهو من بدأ يبدأ: إذا فعل الشيء أولاً، بمعنى: أول الرأي، فالمعنى: اتبعوك ابتداء الرأي؛ أي حين ابتدأوا ينظرون، ولو فكروا لم يتبعوك.

والقراءتان متقاربتان؛ لأن الهمز منهما: ابتداء الشيء وأوله، وابتداء الشيء يكون ظهورا، ومن قرأ بلا همز أراد ظاهر الرأي.

وقال تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ[٢].

وأصل البادي من بدا: خرج إلى البادية، أو أقام بها، وأريد «بالعاكف، والبادي»: المقيم، والطارئ.

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ[٣]. أي خارجون إلى البادية، حاصلون بين الأعراب.

من أمره(ع) أن لا يأخذ أهل مكة أجرا من الساكنين: «وَ مُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. فَالْعَاكِفُ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَ الْبَادِي: الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ»[٤].

أمر(ع) عامله على مكة بأن يأمر أهلها بأن لا يأخذوا أجرة ممن يسكن بيوتهم، واحتج(ع) لذلك بالآية مفسراً لها.

وقال(ع) في وصف الرسول الأكرم(ص) وإبراز مناقبه: «ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِي‏ءِ وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ وَ الْمِنْهَاجِ الْبَادِي وَ الْكِتَابِ الْهَادِي»[٥].

«النُّورِ الْمُضِي‏ءِ»: الدين، أو القرآن، و«الْجَلِيِّ»: الواضح الظاهر على حقيقته، و«الْمِنْهَاجِ الْبَادِي»: الظاهر.

وبين «الْمُضِي‏ءِ» و«الْجَلِيِّ» و«الْبَادِي» و«الْهَادِي» سجع متواز يكشف عن وضوح أمر الرسالة، وقوة برهانها، وظهور منهاجها.

ومن حديثه(ع) عن الملاحم وما يجري بعده: «حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا»[٦].

عندما يذكر(ع) أحداث المستقبل يربطها بالصور الخيالية؛ لتكون أقرب دلالة؛ أي إنكم لا تزالون متخاذلين حتى يشتد العدو، ويبادر في الإغارة عليكم.

«و قيامها على ساق»: كناية عن بلوغها الغاية في الشدة.

«وبدو نواجذها»: كناية عما يستلزمه من الشدة والأذى، وهو من أوصاف الأسد عند غضبه؛ لأنه أراد أن يستعير لها لفظ «الأسد» فأتى بوصفه.

و«مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا»: استعارة لوصف الناقة لحال استعداد الحرب واستكمال عدتها ورجالها، كاستكمال ضرع الناقة اللبن. و«حلوا رضاعها» استعارة لوصف المرضع لها.

ومن خطبة له(ع) في فضل القرآن الكريم: «وَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً»[٧]. أي علامة ظاهرة.

ومن حمده(ع) لله سبحانه: «أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً»[٨].

بوصفه جل جلاله أولا مبدأ لجميع الموجودات، ظاهرا للعقل في جميع آثاره، وهذا ما أوجب الإيمان به، والتصديق بالهيته.

ومن حلف له(ع) كتبه بين ربيعة واليمن: «هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا»[٩]. أي أهل المدن منها، وأهل الصحراء.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة هود: ٢٧.
  2. سورة الحج: ٢٥.
  3. سورة الأحزاب: ٢٠.
  4. نهج البلاغة، الكتاب ٦٧.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٨.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
  9. نهج البلاغة، الكتاب ٧٤.
  10. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١١٤-١١٦.