البريء في نهج البلاغة
تمهيد
«البريء»: يقال: هو بَرِيء، وهما بريئان، وهم بريئون، وبُراء، وهو أو هي بَراء، وهما بَراء، وهم أو هن بَراء: بمعنى البعيد عن التهم والقبائح، النقي القلب، والطيب الخلال، أو الصحيح الجسم والعقل.
من تأكيده(ع) على براءته من قتل عثمان: «الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ»[١]. أي لا علاقة لنا بالنزاع الذي نتج عن قتل عثمان، فهم يتهموننا بدمه، ونحن أبرأ الناس منه.
وقال(ع) في تعامله العادل مع أهل البصرة: «مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَ لِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ وَ لَا نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ»[٢].
أي إنه(ع) يحفظ لأهل الطاعة والاستقامة حظهم ومعروفهم، ولن يذهب هدرا، بل سيكافؤن بالمعروف، وكذلك سيحفظ لأهل النصيحة نصيحتهم، ويجزيهم بالإحسان إليهم، وأكد(ع) عدالته وجميل سيرته بأنه لن يتجاوز في عقابه من المسيء إلى البريء، ومن الناكث إلى الوفي.
وقال(ع) في الملاحم والفتن: «تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ وَ يُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وَ ظَاعِنُهَا مُقِيمٌ»[٣].
«تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ»: أي أنها من المحن والبلاء المحتم وقوعه. و«عَبِيطَ الدِّمَاءِ»: الطري الخالص منها، وهو كناية عن الحرب. و«تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ»: تهدم قواعد الدين. و«تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ»: تغير ما انعقد في النفس من الأمور المتيقنة. و«الْأَكْيَاسُ»: العقلاء، و«الْأَرْجَاسُ»: الخبثاء. و«مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ»: أي ذات وعيد وتهديد. «عَنْ سَاقٍ»: عن شدة ومشقة. «بَرِيئُهَا سَقِيمٌ» أي الداخل فيها سقيم النفس حتى ولو كان بري الجسم؛ وذلك لأن البعض يرى نفسه بريئا من هذه الفتنة، وهو في واقعه مسؤول عنها؛ لأمر، أو لآخر، والذي يعتزم البعد عنها يصيبه شررها[٤].
إن الأسجاع المتوازية جاءت متناسبة مع الجو الخاص الذي جسد صورة مستقبل واقع الأمة؛ وما آلت إليه من التردي والانفكاك والضعف، مزدانة بعبارات محكمة النسج، واضحة المعنى، قوية الدلالة.
ومن نهيه(ع) عن التمادي في الغيرة على النساء والزوجة: «وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ وَ الْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ»[٥].
«التَّغَايُرَ»: التكلف في الغيرة، و«الرِّيَبِ»: جمع الريبة؛ وهي التهمة والشك. نهى الإمام(ع) عن الإفراط في الغيرة على النساء والزوجة، فيسيء الظن بهن بدون سبب؛ لأن ذلك يولد فيهن رد فعل معاكس، فخير الأمور الوسط، وكل شيء في محله جميل، فإذا كانت المرأة سوية بريئة، فإن شدة الضغط عليها قد تولد أمورا لا تحمد عقباها، فتميل إلى الشذوذ، وإلى سلوك سبل الريب[٦].[٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٨.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
- ↑ للمزید من التوضیحات ینظر مادة: {{نص حديث|المبراق» فی هذا الکتاب (شرح مفردات نهج البلاغه).
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٢٨.